ملحمة الحزب الشيوعي العراقي .. بدم الرفاق لا راية الثورة

7610
عدد القراءات

2019-06-12

عقب انهيار الحكم العثماني للعراق وبدء استعماره من قِبل بريطانيا العام 1918 شهد المجتمع العراقي تحولات كبرى كان أبرزها تشكُّل طبقة عاملة لأول مرة في تاريخه بفعل حاجة الاحتلال البريطاني لتشغيل البنى التحتية اللازمة لوجوده مثل السكك الحديدية والموانئ، بالإضافة إلى المصانع التي تسد احتياجات قواته، ومع استقرار الحكم الاستعماري رأت النخبة الوطنية، المتأثرة بأفكار النهضة والتنوير في المنطقة العربية فضلاً عن ثورة أكتوبر في روسيا العام 1917، ضرورة التحرر من ربقة الاستعمار والإقطاع معاً.

اقرأ أيضاً: الحزب الشيوعي السوري.. حين ضيّعنا "السوفييت"
تكونت أولى الحلقات الماركسية من الطبقة الوسطى العراقية وأبناء الارستقراطية المتعلمين وسط شعب تهيمن عليه الأمية نتيجة الاحتلال العثماني لوادي الرافدين الذي دام أكثر من أربعة قرون، والمسماة بـ"الفترة المظلمة".
ورغم حضور الأفكار الاشتراكية في المجال العام إلا أنّ أول تجربة تنظيمية تعود إلى "بيوتر فاسيلي" وهو مسيحي أشوري نشأ وتعلم في جورجيا التي هاجر إليها والده، دخل فاسيلي العراق عن طريق إيران العام 1922 وبدأ لقاءاته مع النخب الفاعلة؛ ليبدأ تشبيك الحلقات الماركسية في أنحاء العراق، وهي الحلقات التي صهرها يوسف سلمان يوسف الملقب بـ"الرفيق فهد" في الحزب الشيوعي العراقي العام 1934.
 الحزب الشيوعي العراقي لازال حاضراً في المشهد السياسي

سنوات المخاض الدموي
ليس من الممكن مقاربة تاريخ الحزب الشيوعي العراقي إلا على ضوء فهم البيئة السياسية العراقية التي تتميز تاريخياً بالعنف بين الخصوم السياسيين الذين غالباً ما يتبادلون أدوار الضحية والجلاد كل فترة؛ وقد قُدّر للحزب الشيوعي العراقي أن يعمل ضمن هذه البيئة ووسط ظروف غاية في القسوة والوحشية، وفرضت السرية والهروب الدائم من التصفية والاعتقال ظلالها على تفكير وسلوك الحزب، عدا فترات انفراج نسبية والتي غالباً ما تكون فخاخ تنصبها السلطة لكشف تنظيماته وقادته استعداداً للانقضاض عليه.

تكونت أولى الحلقات الماركسية العراقية من الطبقة الوسطى وأبناء الأرستقراطية المتعلمين

وبسبب هذه الظروف الصعبة ارتبطت بدايات الحزب الشيوعي العراقي بالبراعة التنظيمية والنضالية، وليس الفكرية، للرفيق فهد الذي بعد دراسته في أكاديمية "كادحي الشرق" انفتقت قدراته التنظيمية.
كانت أدبيات الحزب آنذاك تتمثل بالترجمات السوفييتية المقتضبة للماركسية وكراسات فهد التنظيمية والتي تغطي القضايا التي عني بها الحزب الشيوعي آنذاك من قبيل مكافحة الاستعمار وسياساته في العراق (على الرغم من أنّ البلد نال استقلاله العام 1932 إلا أنّ تبعيته لبريطانيا كانت واضحة) ومحاربة الإقطاع والفئات المتحالفة مع الاستعمار.
كما انشغل فهد بالمعركة الفكرية التي كانت سائدة في أوساط اليسار العالمي بين التيار الشيوعي والتيارات الاشتراكية الديمقراطية، وأصدر كتابه "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية" وكتاب آخر عن الصهيونية وهو له أثره في هذا الجانب؛ حيث شكّل اليهود العراقيون نخبة مهمة من قيادات الحزب الشيوعي العراقي، وفي وقت كان فيه الكيان الصهيوني في بدايات نشوئه، امتازت الأقليات العراقية بجهد فكري دؤوب بصدد محاربة الصهيونية، لتتشكل لاحقاً وبتوجيه من فهد "عصبة مكافحة الصهيونية".
في العام 1949 أعدم النظام الملكي فهد والقياديَين في الحزب حازم وصارم ليقع الحزب الشيوعي العراقي في حيرة تنظيمية أفقدته كثيراً بالنسبة لحزب ناشئ، مما أرغم أعضاءه الشباب آنذاك على القيام بمواجهات غير محسوبة مع السلطة في ظل انكشافهم بهذا الشكل، وانعدام توازن القوى وانعدام قدرتهم على الاختباء بعد انكشاف المخابئ السرية بفضل الخيانات.

الحزب الشيوعي العراقي يتحالف مع العلمانيين مرة ومع الأصوليين أخرى

اقرأ أيضاً: كيف تحول حزب البعث في العراق من الأيديولوجيا إلى العائلة؟
واستمرت الانشقاقات والاضطرابات التنظيمية داخل الحزب منذ إعدام فهد وحتى 1955 حين قرّرت اللجنة المركزية انتخاب حسين أحمد الرضى "سلام عادل " سكرتيراً لها، وهو مُعلّم تعرض لملاحقات عدة وقاد إضرابات وتنظيمات حزبية بكفاءة في ظروف صعبة؛ فعمل أولاً على توحيد الحزب؛ فلم تبقَ منظمة خارجه، ورجعت التنظيمات المنشقة إلى حضن الحزب.
ورغم هذا النجاح التنظيمي إلا أنّ الخسارات الكبيرة والتصفيات الجسدية وظروف العمل السري لم تتح للحزب الشيوعي بناء منظومة فكرية، وإنتاج مفكرين بالشكل الذي يوازي مسيرته النضالية والأدوار المهمة التي لعبها في تاريخ العراق الحديث؛ فاستلهم نموذج الحزب الشيوعي السوري ونقل منه الأفكار والشعارات، وفي بعض مراحل الخلاف والانشقاق داخل الشيوعي العراقي كانت الأطراف تُحكّم فيما بينها خالد بكداش أمين الحزب الشيوعي السوري.

اقرأ أيضاً: حزب البعث السوري: تجربة خمسة عقود من الحكم.. ما أبرز التحولات؟
رغم دراسة العديد من الشيوعيين العراقيين في أكاديمية "كادحي الشرق" الروسية ومشاركة الحزب في المؤتمرات الدولية إلا أنّ العلاقة بينه وبين "الكومنترن" (الأممية الشيوعية) لم تكن واضحة أبداً؛ ويعلّل الشيوعيون العراقيون ذلك بأنّهم ليسوا النسخة المفضلة لدى الاتحاد السوفييتي الذي كان يُركّز بشكل أكبر على الشيوعي السوري في المنطقة.
استطاع عبد الكريم قاسم سحق انقلاب الشواف بدعم من الشيوعيين

الجمهورية الأولى
تعاون الحزب الشيوعي العراقي مع أحزاب تقدمية أخرى وضباط وطنيين للإطاحة بالنظام الملكي العراقي، وبدأ التخطيط لهذا الهدف منذ العام 1956 لينجز العام 1958 وكانت أداة تنفيذ ذلك تنظيم الضباط الوطنيين الذي يقوده الزعيم الركن عبد الكريم قاسم.

اقرأ أيضاً: حزب الوسط المصري إذ يدور في فلك جماعات الإسلام السياسي
ففي صباح يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958 سيطر الضباط على مفاصل الدولة؛ لتعلن الجمهورية العراقية الأولى وإنهاء حلف بغداد وتحرر العراق من سيطرة الجنيه الإسترليني؛ وبدأ مشروع اجتماعي اقتصادي كبير كان للشيوعيين دور بارز فيه، مثل تشريع قانون جديد للأحوال الشخصية الذي أقر المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وكذلك قانون الإصلاح الزراعي الذي فتّت ملكية الإقطاعيين الكبار.

أول تجربة تنظيمية تعود إلى بيوتر فاسيلي وهو مسيحي أشوري نشأ وتعلم في جورجيا

وعلى هذا النحو تميّزت هذه الفترة بقُرب الشيوعيين من السلطة وسيطرتهم الكاملة على الشارع العراقي، ورغم ذلك لم تكن هذه الفترة التي تحرر فيها الشيوعيون من العمل السري على ما يُرام طوال الوقت.
بدأت المشكلات من شخص قائد ثورة 1958 عبد الكريم قاسم الذي فضّل الانفراد بالسلطة، وقد كان أقرب للحزب الوطني الديمقراطي الذي يرأسه آنذاك كامل الجادرجي (وهو حزب يؤمن بالاشتركية الفابية) منه للحزب الشيوعي العراقي رغم أنه لم يكن منتمياً للاثنين.
في المقابل قصر الحزب الشيوعي في بادئ الأمر مطالبه على إيجاد مؤسسات ديمقراطية ونظام حكم برلماني، ولم يطالب بالاشتراك بالحكم؛ إذ بدا له أن النتيجة الأكثر احتمالاً هي الفوز بالانتخابات والمشاركة في الحكم.
وعلى عكس المتوقع انتهى الوفاق بين قاسم والشيوعيين في السنة الأولى من الثورة بعد أحداث كركوك العام 1959 التي اتهم قاسم فيها الشيوعيين بالتورط في القتل وسفك الدماء؛ وقد كان بعض الكرد المنتمين للحزب الشيوعي شاركوا، دون أن يمثلوا سياسة حزبهم، في معارك عرقية بين الأكراد والتركمان (الأتراك) أدت إلى مقتل العشرات من الطرفين.

اقرأ أيضاً: كيف حفّز حزب النور سلفيي الدول العربية على العمل الحزبي؟
ومع ذلك حين حاول القائد العسكري عبد الوهاب الشواف، بدعم من مصر وبتحالف داخلي مع القوميين والإقطاعيين وتيارات دينية ناقمة على نفوذ الشيوعيين، الانقلاب على عبد الكريم قاسم، كان تدخل الشيوعيين حاسماً في وأد المحاولة، وإثر تلك الأحداث رفع شعار الحزب الشيوعي ضرورة المشاركة في الحكم وهو ما رأى فيه عبد الكريم قاسم مزاحمة في السلطة.
اقترب الحزب الشيوعي بالفعل من الوصول إلى السلطة خاصة أن أعداد المنتمين إليه شكلت رقماً هائلاً، وقد سجلت تنظيماته الآلاف بعد ثورة 1958، مما حدا بالحزب إلى وقف الانتماءات الجديدة بعد العام 1959 لعدم قدرة هياكله على استيعاب هذه الأعداد، فيما بلغ عدد أعضاء لجنته المركزية 33 عضواً؛ وعلى الرغم من أنّ الحزب كان مؤهلاً لتسلم السلطة وإدارة الدولة إلا أنّ ما أوقف القيادة عن المضي في مشروعها الذي كانت تؤيده القواعد هو مذكرة الحزب الشيوعي السوفييتي المليئة بالنقد للحزب الشيوعي العراقي.
اعتبرت المذكرة موقف الحزب الشيوعي تطرفاً يسارياً، وطالبته بضرورة دعم قاسم ضد ما يتعرض له العراق من "مؤامرات ودسائس إمبريالية"، ليبقى الحزب في موقف المنتظر لهبات عبد الكريم قاسم في إشراكه بالسلطة.
وهكذا تنازل الحزب عن برنامجه دون أي بديل، وبقي في "تحالف من طرف واحد" مع النظام، رابطاً مصيره بمصير شخص قاسم، ولم يرسم لنفسه أي آفاق مستقبلية.
عبد الكريم قاسم تقرب من الشيوعيين في البداية وتخلى عنهم لصالح القوميين الذين انقلبوا عليه

إبادة وانشقاق
كانت النتيجة المنطقية لحكم قاسم الفردي وتقريبه القوميين من هرم السلطة هو أن يستثمر هؤلاء هذا القرب في الانقلاب عليه، وهو ما حدث فعلاً في 17 تموز (يوليو) العام 1963، ورغم أنّه كان بإمكانه قلب الطاولة على القوميين بتسليح الشيوعيين إلا أنّه فضّل تجنب إراقة الدماء، لتنتهي فترة حكمه بنهاية مأساوية تمثلت في إعدامه ورفاقه، ثم أذاع قادة الانقلاب بياناً في الصحف وتم توزيعه في الشوارع يحث على "إبادة الشيوعيين" وهو ما تحقق فعلاً في حملة راح ضحيتها الآلاف منهم، وفقد الحزب فيها معظم كوادره وقياداته وعلى رأسهم سكرتير اللجنة المركزية للحزب سلام عادل الذي عذب بطريقة وحشية حتى فارق الحياة.

ليس من الممكن مقاربة تاريخ الحزب الشيوعي العراقي إلا على ضوء فهم البيئة السياسية العراقية

بعد رحيل عادل المأسوي استلم عزيز محمد سكرتارية الحزب (وهي فترة السكرتارية الأطول في تاريخ الحزب من العام 1963 حتى 1993) وكانت الفترة من 1963 إلى 1968 عهد الجمهورية العراقية الثانية ذات نشاط خافت للشيوعيين وتميزت بحدوث أكبر انشقاق في تاريخ الحزب.
فقد ظهرت العام 1964 اتجاهات لدى بعض قيادة الحزب تتحدث عن بروز البرجوازية الصغيرة القومية وتسلمها قيادة الثورة الوطنية الديمقراطية، وإمكان تحقيقها أهداف الثورة الاشتراكية، ورافق هذه الاجتهادات تقليل من دور الحزب والطبقة العاملة والفئات الكادحة، وعلى الرغم من أنّ ذلك كان محل رفض لدى تيار واسع من القاعدة الحزبية، إلا أنّه تم إقرار تلك الاستنتاجات في اجتماع اللجنة المركزية في براغ العام 1964 وعُرف هذا الاتجاه فيما بعد بـ"خط آب".
وعلى الرغم من تخلي الحزب عن "خط آب" بعد عام واحد، إلا أنّ هذا لم يلغِ جذور الانشقاق الفكري والتنظيمي الذي يبرز مع كل انتكاسة؛ فحصل الانشقاق الأول العام 1967 ليتم تشكيل "الحزب الشيوعي العراقي – القيادة المركزية" الذي شطر معظم منظمات الحزب، ورافق هذا الانشقاق اعتقال بعض قيادات الحزب الشيوعي العراقي من قبل التنظيم الجديد المنشق.

عزيز محمد سكرتير الحزب الشيوعي من عام 1963 حتى 1993

اقرأ أيضاً: حزب التحرير: الخلافة الإسلامية والأسطورة المهدوية
دعا التنظيم الجديد إلى أساليب "حرب العصابات" و"البؤر الثورية" و"الانتفاضات المسلحة في الريف" وأصرّ على رفض الانقلابات العسكرية وإنْ كان تقبل فكرة دعم الجيش انتفاضته الشعبية المأمولة، والتي كانت بمثابة محاكاة لتجارب الكفاح المسلح الصاعدة في التيارات الشيوعية العالمية آنذاك بتأثير التجربة الكوبية وبتأييد مباشر من السفارة الصينية في العراق.
ومع ذلك ظلّت المحاولات العسكرية للتنظيم الجديد ضد السلطة محدودة ولم تمسّ بنيته، بل كانت خبرة الأجهزة الأمنية في قمع نشاط الشيوعيين التي تراكمت منذ العهد الملكي قد تنامت بعد إمساك البعثيين بمفاصل العمل الأمني خاصة بعد انقلاب 1968 الذي قام به البعثيون ضد القوميين ليترأس الجمهورية أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين الذي تولى الملف الأمني حتى تنحيته البكر العام 1979.
شهد التنظيم ضربة موجعة بعد نجاح الأجهزة الأمنية في القبض على قسم معتبر من كوادره، إلا أنّ الضربة الأكثر إيلاماً تمثلت في اعتقال مسؤوله عزيز الحاج العام 1969 الذي تم إظهاره بشكل مُهين في التلفزيون الرسمي معترفاً على كل مفاصل التنظيم، ليتم إعدام رفاقه، بينما تم تعيينه لاحقاً سفيراً للعراق في اليونسكو جزاء وشايته.
أحمد حسن البكر الأب الروحي لصدام حسين

فخ الجبهة الوطنية
بدأ حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق منذ العام 1970 مشاريع مهمة، فأعلن تأميم النفط ذلك العام، وأصدر بيان آذار (مارس) العام 1971 وهو أول بيان في العراق يمنح الحكم الذاتي للأكراد العراقيين، واعترف باللغة الكردية، وبذلك أنهى (مؤقتاً) مشكلة مستعصية عجزت الأنظمة العراقية المتعاقبة عن حلها.

اقرأ أيضاً: التجربة الحزبية عند الإخوان المسلمين: التنظير والعمل السياسي
كما عقد البعث معاهدة تعاون وصداقة مع الاتحاد السوفييتي واعتراف في وقتٍ مبكر بألمانيا الديمقراطية (الشرقية) وهو ما دفع الاتحاد السوفييتي للضغط على قيادة الحزب الشيوعي للتعاون والتحالف مع حزب البعث، بل وصل الأمر إلى اعتبار السوفييت نظام البعث أكثر جدارة للدعم من الشيوعيين.

كانت أدبيات الحزب الأولى تتمثل بالترجمات السوفييتية المقتضبة للماركسية وكراسات الرفيق فهد التنظيمية

ولم يصدر الضغط على الشيوعيين من قِبل الاتحاد السوفييتي فحسب، بل كان هناك ضغط موازٍ من قبل النظام البعثي أيضاً، ولم يكن هذا الضغط في بادئ الأمر بطرق الإرهاب المعتاد ضد الشيوعيين بل جرى على الساحة الصراع على النفوذ الجماهيري وعلى برنامج الشيوعيين أنفسهم، مما دفع الحزب الشيوعي إلى توقيع ميثاق العمل الوطني مع البعث العام 1973 من موقع التابع.
أتى درس الانقلاب الفاشل الذي حاول القوميون القيام به 1963 بثماره؛ وتجنب البعث العداء للشيوعيين إلى أن ثبّت دعائم سلطته، وكان للبعثيين عدة أسباب للمضيّ في التحالف، أهمها إظهار الشيوعيين في موقع الداعم لهم والاستفادة من امتدادات الحزب الشيوعي العربية والدولية، بالإضافة إلى المكانة التي يحوزها الحزب بين الجماهير العراقية والمثقفين، فكان التحالف معهم بمثابة تزكية للبعثيين على كافة المستويات خاصة مع تاريخ دموي ينوء بحمله البعثيون.
استمر التحالف بين الطرفين، إلى أن اتضح أنّ هدف البعثيين هو تجريد الحزب من مواقعه الجماهيرية عبر الإرهاب والقانون، خاصة مع ضغط البعثيين على الحزب لحل منظماته الجماهيرية التي كانت تضم عشرات الألوف من العراقيين في قطاعات الطلبة والشباب والنساء.

 خاض مصطفى البارزاني حرب عصابات في شمال العراق ضد الأنظمة العراقية ومنها البعث

اقرأ أيضاً: الأحزاب الكردية: صراعات وأحلام تنتظر التغيرات الدولية
استفاد البعثيون من شق الحركة الوطنية العراقية في الانفراد بالقوى الكبرى آنذاك، وهي؛ الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقوده الملا مصطفى البارزاني الذي خاض حرب عصابات ضروساً في شمال العراق ضد الأنظمة العراقية ومنها البعث.
كانت سياسة البعث في العمل الجبهوي قائمة على التحالف الثنائي مع الأحزاب الأخرى، وتجنب الدخول في تحالف جماعي بين الأحزاب، بهدف السيطرة على الأحزاب وتسهيل تقديمها لتنازلات فكرية وتنظيمية كبيرة لم يكن من المتصور تقديمها لو دخلوا معاً في جبهة مع البعث، ومن جانب آخر رفض الحزب الديمقراطي الكردستاني التحالف مع الشيوعيين رغم المواقف المشتركة والقتال جنباً إلى جنب ضد البعث، رغبةً منه في الاستئثار بالوضع في كردستان وعدم تقوية الشيوعيين الأكراد.
كان عمل الجبهة معتمداً على اللجان القاعدية للحزبين؛ البعثي والشيوعي، ترأستها لجنة مركزية في بغداد يتولى صدام حسين بنفسه إدارتها، ولجان قيادية في كل المحافظات، شريطة أن تكون ممثلة من مستويات قيادات الحزبين، مع امتياز أن يفتح الحزب الشيوعي مقراته في كل أنحاء العراق، وهذا ما كانت تنتظره بشغف الأجهزة الأمنية التي سجلت كل شاردة واردة بانتظار ساعة الصفر.
كانت ساعة الصفر، بعد فترة من الانتعاش النسبي بين عامي 1973 و1976، متزامنة مع موعد انعقاد المؤتمر الحزبي الثالث، علنياً، في بغداد للمرة الأولى منذ وصول البعث إلى السلطة، وكانت علانية المؤتمر بمثابة فخ للحزب؛ إذ انكشفت قواعده التنظيمية لأجهزة الأمن المختصة بمكافحة الشيوعية.

وسط ظروف غاية في القسوة فرضت السرية والهروب الدائم ظلالها على تفكير وسلوك الحزب

تصاعد الإرهاب ضد الشيوعيين، وبعد سيطرة الشيوعيين الأفغان على الحكم في أفغانستان ارتفع مؤشر الخطر لدى البعثيين من عمل مشابه في العراق، وقرر النظام العراقي إعدام 31 من العسكريين العام 1978 بتهمة انتمائهم للحزب الشيوعي داخل الجيش، ورغم الحملة العالمية ضد إعدامهم وتدخُل بريجنيف الذي أبرق للنظام العراقي، إلا أنّ البعث قام بإعدامهم وتسيير جنازاتهم أمام المقر الرئيسي الحزب الشيوعي كنوع من التحدي والاستهانة.
وكان آخر مسمار دُقّ في نعش الجبهة هو رفض الحزب الشيوعي إدانة النظام السوري بناءً على رغبة حزب البعث؛ إذ بيّن الشيوعي العراقي أنّ النظام السوري ينطبق عليه ما ينطبق على النظام العراقي، وأنّ المشكلة البعثية-البعثية لا تعنيهم، وكذلك رفضه إدانة منظمة التحرير الفلسطينية بعد خلافها مع النظام العراقي، ومع تصاعد الإرهاب ضد الحزب رفع كوادره شعار "دبر نفسك رفيق" في إشارة إلى أنّه على الرفاق الهروب فوراً من العراق.
ولأنّه لم تكن هناك خطة لهروب الشيوعيين، فقد سقط الآلاف منهم رجالاً ونساءً بيد الأجهزة الأمنية؛ لتبدأ حملة إبادة ثانية للشيوعيين فقد الحزب فيها معظم كوادره الوسطى وقاعدته إما عبر الإعدام أو السجن، واستطاع بعض كوادره الهرب إلى كردستان العراق التي وجدوا فيها ملاذاً مؤقتاً.
جدارية للرفيق فهد مؤسس الحزب الشيوعي العراقي

الكفاح المسلّح
تشكلت أولى خلايا الكفاح المسلّح الشيوعية في شمال العراق العام 1979 ليقر الحزب لاحقاً هذا المنهج فكرياً وتنظيمياً كوسيلة للإطاحة بالنظام البعثي، وأطلق على تلك الخلايا اسم "قوات الأنصار"، وقد سبق للشيوعي العراقي أن خاض كفاحاً مسلحاً وكان له متدربون في اليمن الجنوبية ولدى التنظيمات الفلسطينية.

في العام 1949 أُعدم فهد والقياديان الشيوعيان حازم وصارم ليقع الحزب في حيرة تنظيمية

إلا أنّ هذه الفترة لم تخل من بعض المفارقات المُنغِّصة؛ فكان الحزب الشيوعي العراقي يحارب إلى جانب القوى القومية الكردية ضد النظام العراقي، وكانت القوتان الرئيسيتان لتلك القومية هما؛ الحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادة الملا مصطفى البارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، المنشق عنه، بقيادة جلال طالباني، يخوضان حرباً موازية ضد بعضهما البعض، وكلما شعر فريق منهم بقرب هزيمته استعان بالنظام العراقي ضد غريمه لتغيير المعادلة.
عانى الشيوعيون من هذا الصراع، وحاولوا مراراً التوفيق بين الطرفين دون جدوى؛ فاضطروا للدخول في جبهتين مختلفتين معهما بشكل منفرد، وهو ما أثار حنق الاتحاد الوطني الكردستاني؛ فهاجم في الأول من أيار العام 1983، المقرات المركزية للحزب الشيوعي في جبال كردستان العراق وأوقع فيهم مقتلة كبيرة فيما بات يعرف اليوم بـ"مذبحة بشتاشان".
أدى انعدام توازن القوى بين الشيوعيين والنظام واستعمال الأخير للأسلحة الكيماوية في شمال العراق، بالإضافة إلى الخلافات بين رفاق السلاح من التنظيمات القومية الكردية إلى فشل استراتيجية الكفاح المسلح في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، رغم مساحات الأراضي الهائلة التي سيطر عليها الحزب وكم الشهداء الذين قدمهم.

اقرأ أيضاً: الأحزاب العربية: خيبات الفرص الضائعة
في المحصلة خرج الحزب الشيوعي العراقي من كل التحالفات خاسراً؛ فتحالفه مع الأحزاب الوطنية فترة عبد الكريم قاسم ودفاعه عن ثورته، من منطلق مساندة الحكم الوطني، أسفرا عن ملء السجون بالشيوعيين، وحصلوا في ختام تلك المرحلة على مذبحة، وسلّمهم تحالفهم مع البعثيين في منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى مجازر العام 1979، وتحالفه مع الأحزاب القومية الكردية في تجربة الكفاح المسلح كان خاضعاً لتقلبات "الأخوة الأعداء" وكانت نتيجته مذبحة بشتاشان.
وقد أقدم قسم كبير من الشيوعيين على مراجعة سياسات الحزب عبر تاريخه، واعتبروا تلك التحالفات غير مبررة، بينما رأى فيها الآخرون ضرورة لالتقاط الأنفاس، وأنّه في ساحة عمل كالعراق من المحال إنجاز برنامجهم بمفردهم، ومنذ البدايات وصى فهد رفاقه بالقول "قووا تنظيم حزبكم قووا تنظيم الحركة الوطنية".
انتهى الوفاق بين قاسم والشيوعيين في السنة الأولى من الثورة

مأزق الاحتلال والطائفية
أدركت القوى السياسية العراقية المعارضة خارج العراق استحالة إسقاط نظام صدام حسين، كما أنّ كل محاولة لإسقاطه من الداخل ستكون نتائجها وخيمة؛ فسياسة العقاب الجماعي التي كان يمارسها النظام ضد أقارب المعارضين إلى الدرجة الرابعة أنهت بشكل مطلق مجرد التفكير بالتغيير من العراق، سواء عبر الانتفاضة أو الانقلاب العسكري.
ومع اندلاع أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 واحتلال أفغانستان بات غزو العراق مسألة وقت، وبين قسوة النظام العراقي الذي في رقبته دماء آلاف من الشيوعيين العراقيين وبين احتلال قوة إمبريالية للعراق رفع الحزب شعار "لا للحرب لا للدكتاتورية"، وهو الشعار الذي تبناه اليسار الأوروبي أيضاً.

استمرت الانشقاقات والاضطرابات التنظيمية داخل الحزب منذ إعدام فهد وحتى العام 1955

رفض الحزب الشيوعي الحرب باعتبارها الخيار الأسوأ والأشد تدميراً، مؤكداً أنّ مشروعه في الخلاص لا يتأتى بدعم احتلال أجنبي، وفضّل خياره السياسي المعتمد على الشعب والقوات المسلحة ووحدة القوى الوطنية المعارضة.
لكن القوى المعارضة التي راهن عليها الحزب من التيارات الرئيسة: الإسلامية والقومية والليبرالية تعاملت مع الاحتلال واعتبرته أمراً واقعاً، وهيأ الجميع نفسه لمرحلة ما بعد صدام حسين.
أرسى المشروع الأمريكي منهج المحاصصة الطائفية والعرقية كأسلوب لحكم العراق، وكانت النتيجة صعود الهويات الفرعية وممثليها كأطراف حاكمة، مع ما تستثمره من تهييج وصراع عرقي وطائفي.
إلا أنّه مع هامش الحرية النسبية المتاح في عراق ما بعد الاحتلال، فضّل الحزب الشيوعي الدخول في العملية السياسية الجديدة، رغم انقطاعه عن الشارع العراقي منذ العام 1979؛ فأعاد افتتاح مقراته في جميع أنحاء العراق وأعاد الصلة بتنظيماته، إلا أنّ الواقع الجديد الذي يعيشه الحزب أصبح مخيباً لآمال الشيوعيين وأنصارهم، وترجع حالة الضعف التي يعانيها الحزب وتنظيماته إلى سببين رئيسين:
أولاً، ضعف اليسار والتيارات الشيوعية في العالم بعد انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفيتي وبروز القطب الواحد، على الرغم من أن الحزب حاول تلافي تبعات الانهيار مبكرا؛ فعقد مؤتمره الخامس "مؤتمر الديمقراطية والتجديد" العام 1993 وأقر الديمقراطية منهجاً في تنظيماته، لكن انهيار اليسار العالمي، الذي ألقى بظلاله على كل الأحزاب الشيوعية في العالم، كان أكبر من أن تُعالجه إصلاحات التنظيم الداخلي لحزب مُهّشم.

فقد الحزب الشيوعي معظم كوادره وقياداته

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية المصرية بعد ثورة يناير: متى تتجاوز مربع الشعارات؟
ثانياً، صعود التيارات الإسلامية السياسية في العراق، ورغم أنّ ذلك يعد جزءاً من حالة عامة في الشرق الأوسط بعد نكسات القومية، إلا أنّ العراق عانى من التداعيات الكارثية لصعود تلك القوى التي ساهم في نموها واستفحالها سياسة النظام السابق الطائفية التي تبناها بعد حرب الخليج العام 1991، متمثلة في "الحملة الإيمانية" التي استهدفت القوى الشيعية التي حصدت بدورها ثمار مظلوميتها بعد العام 2003 وما زالت مستمرة في استثمار السياسات الطائفية للنظام السابق.
وعلى هذا النحو أفقد النهج الحاكم الجديد المبني على الطائفية والعرقية، بالإضافة إلى تفضيل الأقليات تنظيم نفسها بعيداً عن الإطار التاريخي للدفاع عنها وهو الحزب الشيوعي العراقي، الشيوعيين كثيراً وضاعف حجم عزلتهم في المجتمع عن الشرائح الفقيرة والكادحة التي أصبحت وقوداً للتيارات الإسلامية في معاركها الطائفية.

الخسارات الكبيرة والتصفيات الجسدية وظروف العمل السري لم تتح للحزب الشيوعي بناء منظومة فكرية

ومع ذلك مازال الحزب محتفظاً بتنظيماته ويحاول الانتشار في كل مناطق العراق، مستثمراً في إرثه التاريخي وعدم تورطه في قضايا الفساد المالي وهي السمة الأبرز للأحزاب العراقية، وكذلك عدم دخوله في مطحنة الاحتراب الطائفي، وما يزال مشروعه الحالي هو وحدة القوى المدنية الديمقراطية في برنامج اقتصادي اجتماعي قائم على العدالة الاجتماعية والديمقراطية، رغم أنّ برنامجه يحظى اجتماعياً بنسب قبول كبيرة خاصة بين الطبقة الوسطى العراقية، إلا أنّه من الصعب ترجمة هذه المقبولية العالية إلى أصوات انتخابية، لكن الحزب مُصرّ على أن يبلور نفسه كبديل يقف دائماً قرب الأحداث مهما كان حجم تأثيره.
يحتفل الحزب هذا العام بذكرى تأسيسه الخامسة والثمانين، ليكون بذلك عميد الأحزاب العراقية، إلا أنّ التاريخ وحده لا يشفع أمام التحديات التي تواجهه في الساحة العراقية، ولعلّ أهمها تجديد دمائه بالشباب، وإعادة تصعيد مسألة توزيع الثروات كأساس للاستقطاب السياسي، في ساحة سياسية كالعراق يتم الاستقطاب فيها على أسس عرقية وطائفية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



عودة الجهاديين الفرنسيين: هل ينتصر القانون أم الرأي العام؟

صورة عمار المأمون
صحفي سوري مقيم في باريس
2019-08-18

يمكن للمتتبع لأخبار "داعش" أن يقع على اسم "شارع تولوز" في مدينة الرقة السوريّة، الذي سُمّي نسبة إلى مدينة تولوز الفرنسيّة، لا يبدو ذلك وليد الصدفة؛ فهذا الشارع قطنه العديد من الجهاديين الفرنسيين الذين تركوا بلادهم وانضموا إلى صفوف التنظيم الإرهابي، وكشفت العديد من التقارير عن أسلوب  انتقالهم وحركتهم بين فرنسا وسوريا، وفضحت تفاصيل عما يسمى عملية الذئاب المنفردة ، والقائد المدعو "الأمير الأبيض" الذي كان مسؤولاً عن حركة الجهاديين بين فرنسا ومساحات سيطرة التنظيم.

شكّلت رغبة الجهاديين العودة إلى فرنسا معضلة قانونيّة وأزمة سياسيّة مازالت قائمة حتى الآن

شكّلت رغبة الجهاديين العودة إلى فرنسا معضلة قانونيّة وأزمة سياسيّة مازالت قائمة حتى الآن، سببها خيارات سياسيّة تحاول إرضاء الرأي العام؛ فالمتهمون بأعمال إرهابيّة حين محاكمتهم داخل الأراضي الفرنسيّة لا ينالون عقوبة ترضي المواطنين، كحالة المتعاونين مع منفّذي هجمات الباتكلان التي تراوحت أحكامهم بين 4 و7 أعوام، في حين أنّ الحكم لم يصدر بعد بخصوص صلاح عبدالسلام، الذي مايزال في السجن، ورفض مبلغ 500 يورو أرادت الدولة أن تعطيها له كتعويض عن شروط سجنه المزرية، ومخالفة السجن للقوانين عبر مراقبة زنزانته بكاميرا بشكل دائم.

اقرأ أيضاً: من هو الجهادي الفرنسي؟ .. هذه الدراسة تجيبك

مخيم الهول في الحسكة شمال سوريا
ترتبط المعضلة السابقة بالنظام القانوني في فرنسا، الذي لا يحوي عقوبة الإعدام، ما دفع فرنسا لـ "ترك" الجهاديين خارج جغرافياتها، أسرى في إقليم كردستان العراق والشمال السوريّ، أو حتى تتم تصفيتهم من قبل قوات التحالف،  كل ذلك حتى لا تتم محاكمتهم في فرنسا، وازداد الأمر صعوبة مع الأسرى كون الكثير منهم؛ نساءً وأطفالاً، تضغط عائلاتهم على الحكومة كي يعودوا، كما أنّ بعضهم يطالبون بالعودة إلى بلادهم لتتم محاكماتهم، هرباً من الشروط القاسية في السجون القابعين فيها حالياً.
أزمة الرأي العام
يرى الكثير من الفرنسيين أنّ على الجهاديين أن يبقوا حيث اختاروا (كما في العراق) كي تتم محاكمتهم هناك، وعادة ما يكون الإعدام هو مصيرهم، في حين أنّ الأطفال،، حسب تصريح ماري دوسة محامية الأسر الفرنسيّة: "يعيشون في ساحة حرب، وبعضهم عمره أقل من خمس سنوات.. ما الذي ستفعله فرنسا بخصوصهم، إنّها كارثة إنسانيّة"، وبالرغم من تشكيل لجنة فرنسيّة أعادت  أكثر من 12 طفلاً إلى فرنسا ما زال هناك حوالي 500 جهادي مع أسرهم وأطفالهم معتقلين في شمالي سوريا والعراق.

النظام  القانوني الفرنسي ألغى عقوبة الإعدام ما دفع باريس لترك الجهاديين خارج جغرافياتها

المحامية سامية مقطوف أكدت في تصريحات صحفية أنّ "هذه الخطوة من قبل الحكومة الفرنسيّة تستحق التحيّة، وتصب في مصلحة الأطفال، الذين كانوا يواجهون خطر الموت المحتم، وهم بالنهاية فرنسيون ولهم مكانهم في فرنسا"، إلا أنّ دوسة كان لها رأي مخالف: "سياسة الانتقاء هذه والتعامل مع كل حالة على حدة، مرفوضة، فماذا عن الأطفال المئتين الذين ما زالوا هناك تحت التهديد والخطر اليوميّ"، هذه الفرضية (الانتقائية) كانت مطروحة من قبل الحكومة الفرنسيّة حسب تصريحات وزير الداخلية، الذي قال "لا نمتلك أي حل الآن لعودة جميع الجهاديين إلى فرنسا دفعة واحدة".
في ذات السياق، اقترحت الجمعية الوطنية الفرنسية بداية العام مشروع قانون يدعو لترك الجهاديين في سجونهم؛ ففرنسا "لا تدين لهم شيئاً"، و"مكانهم ليس السجون الفرنسيّة"، ودعا القانون إلى نفي هؤلاء الجهاديين إلى سجن منعزل في جزيرة كيرغولين، ووضعهم تحت المراقبة الدائمة، "إذ لا يجب معاملتهم كسجناء عاديين"، لكن الواضح أنّ الاقتراح مدعوم من اليمين الفرنسي إذ يدعو أيضاً  إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوريّ بوصفه حامياً لفرنسا من الجهاديين.
تسريبات استخباراتية
ضمن الإشكاليات السابقة ظهرت وثائق استخباراتية فرنسيّة تكشف عن طبيعة المعلومات التي تمتلكها باريس عن كل الجهاديين الحاملين لجنسيتها في سوريا والعراق وأسلوب التعامل معهم، كجزء من التحضيرات لعملية محتملة لنقلهم إلى فرنسا، لكن الأمر لم يتم ولم يُكشف عن سبب ذلك، وقد وُصفتْ هذه المعلومات التي نشرتها صحيفة "ليبراسيون" بأنّها تحتوي قائمة شديدة الدقة، فيها معلومات عن كل جهادي، ومكان اعتقاله، بل حتى عدد الرحلات الجويّة المتوقعة لإعادته إلى فرنسا، ثم أسلوب توزيع الجهاديين العائدين على دوائر استخباراتيّة مختلفة.

اقرأ أيضاً: جهادية بريطانية سابقة تكافح التطرف بهذه الأساليب

نساء وأطفال داعش في مخيم الباغوز في سوريا
من جهتها، رفضت رئاسة الجمهوريّة التعليق على هذه الوثائق المصنفة بـ "شديد الحساسية"، خصوصاً أنّها قائمة على التعاون مع الجيش الأمريكي الذي يقول ترامب إنّه سيغادر سوريا قريباً وبشكل كامل.

ظهرت وثائق استخباراتية فرنسيّة تكشف امتلاك باريس معلومات عن كل الجهاديين الحاملين لجنسيتها في سوريا والعراق

في هذا السياق، تقول المحامية الفرنسية، حنا رجبنباش، أنّه لا بد من التفريق بين الرأي العام والسياسة والقضاء؛ "فالرأي العام الفرنسي، ميال لفكرة ترك الجهاديين ليموتوا أو يحاكموا في بلدان أسرهم، وكأنهم فقدوا جنسيتهم  وهذا يرتبط أيضاً بصعود اليمين الفرنسيّ الذي يهدد الأطفال أنفسهم؛ بسبب انتشار فكرة أنّ أبناء الجهاديين جهاديون حكماً، هذا الرأي يرتبط بسياسة الإليزيه التي تحاول أن تكون حذرة في التعامل مع الموضوع، خصوصاً مع مظاهرات الستر الصفراء والسوداء والضغط الذي تتعرض له الحكومة وانتشار الأعمال الفرديّة الجهاديّة في فرنسا"، مضيفة في حديثها لـ "حفريات"، أنّ عودة هؤلاء (المجاهدين) "ستحرك الرأي العام الذي يعلم أنّ فرنسا لن تعدمهم، بل وقد تطلق سراحهم بعد عدد من السنوات، ما سيزيد من حساسية الموضوع كون بعضهم قد يعاود العمل الجهادي".

اقرأ أيضاً: العراق يسلم تركيا عشرات من أطفال الجهاديين
وتتابع رجبنباش: "من الناحية القانونيّة، هؤلاء ارتكبوا أعمالاً إرهابية خارج الأراضي الفرنسيّة، لكن لا ينفي ذلك أنّهم مواطنون، ولا بد من ضمان معاملتهم معاملة إنسانيّة، ثم محاكمتهم أمام القضاء الفرنسي بصرف النظر عن النتيجة؛ لأنّ في ذلك تهديداً لسيادة القانون، الضامن لحياة مواطنيه"، لكنها تستدرك أنّ هناك الكثير من الجهات السياسية التي تحاول تفعيل قوانين الاستثناء، كنزع الجنسيّة عمن يتهم بالإرهاب، أو إنشاء سجون خارج فرنسا في حالة مشابهة لغوانتنامو، "وهو ما يتناقض مع الدستور، الذي يعطّل نفسه ليفعّل العنف ضد المواطنين، وهذا جزء من خطاب اليمين واليمين المتطرف، الذي ينسحب أيضاً على المهاجرين ومحاولات التشديد عليهم".

للمشاركة:

تحريض ضد متطوعات بلجيكيات في المغرب.. ما علاقة برلماني إسلامي بالقضية؟

2019-08-18

"وجب قطع رؤوسهن ليُصبحن عبرة لكل من سوّلت له نفسه التطاول على مبادئ ديننا الحنيف"، بهذه العبارات حرّض أستاذ مغربي في تدوينة بمواقع التواصل الاجتماعي على قتل متطوعات بلجيكيات، قمن بمبادرات خيرية لتعبيد طريق نائية بمدينة تارودانت جنوب المغرب، بسبب ارتدائهن لسراويل قصيرة، ولكن الأمر لم يقف عند هذه التدوينة، التي أوقفت السلطات المغربية صاحبها مباشرة بعد نشرها؛ إذ ما لبث برلماني إسلامي أن دخل إلى المشهد بتصريح لا يقل إثارة للجدل.
متطوعات من بلجيكا يشاركن في تعبيد طريق بمنطقة نائية بالمغرب

"التغريب والتعري"
هاجم علي العسري، مستشار برلماني عن حزب العدالة والتنمية المتطوعات البلجيكيات، وتساءل في تدوينة مثيرة للجدل: "متى كان الأوروبيون يُنجزون الأوراش بلباس السباحة؟"، على حد وصفه.

حرض أستاذ مغربي في تدوينة على قتل متطوعات بلجيكيات بسبب لباسهن

وأضاف المستشار البرلماني عن إقليم تاونات: "يعرف الكل مدى تشدد الأوروبيين في ضمان شروط السلامة عند كل أوراش البناء والتصنيع، للحد الذي لا يسمح فيه للزائر بولوج أي مصنع أو ورش، صغير أو كبير، دون لبس وزرة سميكة، تُغطي كل الجسد، مع خوذة للرأس ومصبعيات اليد، ولا يتساهلون في ذلك تحت أي ظرف من الظروف".
وأعرب العسري عن استغرابه قائلاً :"شابات بلجيكيات بورش لتبليط مقطع صغير في مسلك بدوار بإقليم تارودانت، وهن بشكل جماعي، كأنه متفق عليه، بلباس يشبه لباس البحر، علماً أنّ مادة الإسمنت معروفة بتأثيرها الكبير على الجلد، تسبب له حساسية وحروقاً إذا لامسته".

اقرأ أيضاً: المغرب: هل ينجح السلفيون التائبون في مواجهة التطرف؟
وتابع متسائلاً: "فهل والحال كذلك تكون رسالتهن من ورش، محمودة ظاهرياً، هدفها إنساني، أم شيئاً آخر، في منطقة ما زالت معروفة بمحافظتها واستعصائها على موجات التغريب والتعري؟".
اتهامات بالتحريض
وانتقد عدد من المتابعين تدوينة المستشار البرلماني، معتبرين أنّه يُحرض ضد المتطوعات اللواتي يقمن بعمل إنساني.
في هذا السياق، اعتبر هاشمي كبدة، رئيس جمعية مغربية لحقوق الإنسان في إنزكان أيت ملول الواقعة جنوب المغرب، أنّ هذه الحملة ضد لباس المتطوعات البلجيكيات "جزء من حملات تخوضها الحركات المتشددة بالمغرب ضد قيم الحرية بالمملكة".

انتقد متابعون تدوينة مستشار برلماني إسلامي اعتبروها تحريضاً ضد المتطوعات اللواتي يقمن بعمل إنساني

وأضاف كبدة في حديثه لـ "حفريات": "هناك فرق كبير بين الإسلام المغربي الاجتماعي الذي جسّده سكان مدينة تارودانت في طريقة تعاملهم مع السائحات وتسامحهم واستضافتهم لهن، والإسلام السياسي الذي يستغل الدين للركوب على الأحداث وانتشار الأمية لتعبئة الشباب بفكر ظلامي".
وأوضح الناشط الحقوقي "هناك فراغ سياسي وفشل في المنظومة التعليمية بالمغرب، وهذا ما ساهم في تنامي الفكر المتشدد وسيطرته على العقول".
ترحيب لأهالي المنطقة بالمتطوعات في الوقت الذي هاجمهن برلماني في حزب العدالة والتنمية

الجمعية البلجيكية توقف إرسال المتطوعين
وكانت جمعية بلجيكية كشفت أنّ 3 متطوعات من أصل 37 متطوعاً في المغرب يرغبن بالعودة إلى أوطانهن بعد تهديدات أستاذ مغربي بقطع رؤوسهن ومهاجمة برلماني عن حزب العدالة والتنمية لعملهن في تارودانت.
وأشارت جمعية "بورود"، التي ترسل متطوعين إلى المغرب، إلى أنّها اتصلت بالسفارة البلجيكية في الرباط، واطمأنت على سلامة الوفد البلجيكي المتواجد في مناطق نائية بضواحي إقليم تارودانت المغربي في إطار مشروع للتبادل الثقافي.

شددت الجمعية البلجيكية أنّها لن تسمح لمتطوعات جديدات بالتوجه إلى المغرب في ظل الظروف الحالية

ونشرت الجمعية بياناً على موقعها الإلكتروني، تؤكد  لأهالي السائحات الأجنبيات أنّ بناتهن بخير، وشددت على أنّها لن تسمح لمجموعة جديدة من المتطوعات بالتوجه إلى المغرب في ظل الظروف الحالية.
وأضافت أنّها ستلغي جميع البرامج التي كانت مبرمجة سابقاً، وذلك بعد تشاورها مع وزارة الشؤون الخارجية البلجيكية عقب الضجة الواسعة التي خلفتها قضية السائحات الأجنبيات اللواتي تطوعن لتعبيد طريق نائية في ضواحي إقليم تارودانت.
تدوينة البرلماني في حزب العدالة والتنمية

نداء ضد "دعاة الكراهية"
وأطلق نشطاء وإعلاميون وفنانون مغاربة نداء ضد "دعاة الكراهية" في المغرب، وجاء ذلك على خلفية التهديد بالقتل والتحريض على الكراهية الذي تعرضت له شابات أجنبيات قمن بمبادرات خيرية في مناطق نائية بالمغرب.
ووقعت حوالي 50 شخصية على البيان، مشيرين إلى أنّ الشابات كنّ يرتدين لباساً "أقل ما يمكن أن يقال عنه أنّه عادي ومألوف".

اقرأ أيضاً: المغرب: التصوف في مواجهة التطرف.. لمن الغلبة؟
وفي ذات السياق، اعتبرت الجبهة الوطنية لمناهضة التطرف والإرهاب في المغرب أنّ تدوينة البرلماني علي العسري هي "تحريض على كراهية الأجانب".
مطالبات بالمحاسبة
وأرسل لحبيب حاجي، المحامي بهيئة تطوان، رسالة إلى كل من قاضي التحقيق المختص بالإرهاب ورئيس النيابة العامة والوكيل العام للملك بالرباط، حول ملف البرلماني في حزب العدالة والتنمية الذي اتهمه بـ "التحريض على الإرهاب".

ناشط حقوقي: الحملة ضد لباس المتطوعات البلجيكيات جزء من حملات الحركات المتشددة بالمغرب ضد قيم الحرية

واعتبر حاجي، رئيس جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان في مراسلته، أنّ عبارة أوردها البرلماني الاسلامي، جاء فيها "متى كان الأوروبيون ينجزون الأوراش بلباس السباحة؟ معلقاً على ظهور الأوروبيات المتطوعات في إحدى الأوراش بإقليم تارودانت.. تحريض من طرف البرلماني لتعبئة المتطرفين للاعتداء عليهن.
واصفاً ذلك  بـ "المصيبة أن يعلن برلماني يؤمن بالمؤسسات والقانون، عن حقده وكراهيته وعنفه علناً على الفيسبوك، الذي بات الوسيلة الإعلامية العابرة، ليس فقط للقارات والدول عبر العالم، ولكن لكل الأفراد واحداً واحداً، في السهول والجبال وفي المدينة والبادية، وبين الأمي والمثقف والصغير والكبير، الرجل والمرأة".
تعليق الأستاذ المحرض على قطع رؤوس المتطوعات

البرلماني الإسلامي يعتذر ولكن..
وأعرب رئيس جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان عن استيائه من موقف البرلماني، العضو في مؤسسة تمثل الأمة المغربية، ووصفه بأنّه "هو الغريب عن المجتمع وهو المريض داخلياً بمرض الحقد والكراهية والتمييز الديني والحضاري، لكونه لم يرَ في المتطوعات الجانب الإنساني والحقوقي في العمل الذي يقمن به، بل رأى فيهن وفي لباسهن مادة نشطت خلايا الإرهاب المعششة في دماغه".

اقرأ أيضاً: هل يُنتج التعليم الديني في المغرب فرداً "تائهاً"؟
وأصدر البرلماني في حزب العدالة والتنمية علي العسري بياناً، كتبه باللغة الفرنسية، ووقّعه بصفته مستشاراً برلمانياً في مجلس المستشارين وعضو لجنة الصداقة المغربية البلجيكية، اعتذر فيه عما قال إنه "ضرر أو إزعاج تسببت فيه تفسيرات معينة لتدوينته، رافضاً كل تلميح للتحريض على العنف أو الكراهية معتبراً أنّهما بعيدين عن قناعته".

هاشمي كبدة: الإسلام السياسي يستغل الدين للركوب على الأحداث وانتشار الأمية لتعبئة الشباب بفكر ظلامي

وعبر العسري عن تحيّته وتقديره لكل المبادرات الإنسانية والتضامنية التي تقوم الشابات البلجيكيات، معتبراً أنّ هذه المبادرات تعزز معرفة أفضل للتعاون المتبادل، داعياً لتشجيعها وتوفير ظروف النجاح لها.
ووجه العسري رسالة اعتذار خاصة للمتطوعات البلجيكيات، لا سيما بعدما تسبب لهم في متاعب شخصية؛ حيث طالب عدد من عائلات المتطوعات بعودة بناتهم خوفاً من أي اعتداء عليهنّ في المغرب، وقال إنّه يعتذر لكل من شعر بالضرر من تدوينته، وخصوصاً "ضيوفنا الشابات البلجيكيات والمؤسسة التي ينتمين إليها".
اعتذار البرلماني عن حزب العدالة والتنمية اعتبره بعض النشطاء الحقوقيين بالمغرب، غير مقبول لما أثاره من رعب لدى عائلات الشابات المتطوعات.
وفي تعليقه على اعتذار البرلماني في حزب العدالة والتنمية، يقول الناشط والباحث في علم الاجتماع حسن كوجوط: "إنّ هذا الاعتذار غير مقبول، فمباشرة بعد نشره تدوينته المحرضة ضد المتطوعات ظهر عدد كبير من المؤيدين لخطاب البرلماني والمدافعين عنه".

اقرأ أيضاً: هل تنجح المقاربة الأمنية المغربية في إدماج العائدين من داعش؟
وأضاف كوجوط في حديثه لـ "حفريات" أنّ هذه الجماعات المتشددة تستغل الدين لتحريض ضد فتيات جئن بهدف نبيل، مضيفاً أنّ "الغريب في الأمر هي الجيوش المؤيدة لخطاب البرلماني والمدافعة عنه بالرغم من أنّه مخطئ وهذا ما يفسر طبيعة الجماعات المتشددة التي تخلق جماهير تابعة لها".

للمشاركة:

الزحف البطيء.. كيف بدأ المشروع الصهيوني الاستيطاني في العهد العثماني؟

2019-08-18

تصاعدت عام 1859 أعمال الشغب بين اليهود في مدينة أوديسا الروسية، وجاء ردّ الروس بحملة من القمع، نجم عنها مقتل أعداد من اليهود، ودفع هذا التصعيد باليهود في روسيا إلى البدء بالبحث عن ملجأ آمن، ومكان جديد للاستقرار، وكانت فلسطين، في العهد العثماني، أحد الأهداف المقترحة، فكيف كان الحال في فلسطين آنذاك؟ وهل كانت ثمة ظروف وعوامل مساعدة على استقبالهم؟ وفي أيّ اتجاه تطوّر مشروعهم؟
الملكيات الكبيرة.. العامل المساعد الأهم
طوال قرون، كانت فلسطين، كما سائر بلاد المشرق العربي، خاضعة لنظام الإقطاع العسكريّ؛ يتقاسم مُلكيّة الأراضي فيها قادة عسكريون، وهو ما تطوّر لاحقاً في القرن الثامن عشر إلى الإقطاع المدنيّ، بعد إقرار نظام "المالكانة"؛ الذي أتاح لرجال الدولة والمتنفذين امتلاك الإقطاعيات والقرى.

استطاعت عائلات شاميّة وبيروتيّة أن تستحوذ على مساحات شاسعة في فلسطين خلال القرن التاسع عشر

وبعد حرب "القرم"، عام 1856، ومع استمرار تراجع الدولة، لجأت الدولة العثمانية لإقرار عدد من الإصلاحات، كان من أهمها؛ إصدار قانون "الطابو" (عام 1858) لتنظيم الأراضي وإقرار ملكياتها للأفراد والقضاء على الإقطاع، لكنّ القانون الجديد لم يحقق النتائج المرجوَّة منه؛ إذ إنّ الفلاحين كانوا يخشون أيّ اتصال مباشر مع السلطات التركيّة، وهو ما كان يعني بالنسبة إليهم تجنيد الدولة لأبنائهم في حال تسجيلهم الملكيات بأسمائهم، كما كانوا يخشون فرض المزيد من الضرائب، فعمدوا إلى إنكار ملكيتهم واللجوء إلى الأفنديّة وأصحاب النفوذ، طالبين منهم تسجيل قطع الأراضي بأسمائهم، واعتبار أنفسهم أجراء عندهم في الأرض، فكانت نتيجة القانون الجديد أن تسارعت عملية تركيز الأراضي بأيدي قلّة من فئة كبار المُلّاك.

مُلّاك كبار.. من خارج فلسطين
يشير الباحث الألماني، ألكزاندر شولش، في كتابه "تحوّلات جذريّة في فلسطين؛ 1856-1882"، إلى أنّ النصف الثاني من القرن التاسع عشر شهد تحوّلات اقتصاديّة واجتماعيّة مهمّة في فلسطين وبلاد الشام، بفعل تضاعف حجم الرأسمال الأجنبي وتحوّل البلاد إلى مصدر لتزويد الصناعة الأوروبيّة بالمواد الخام، وهو ما نجم عنه ورافقه نشوء فئات من البرجوازية التجاريّة والماليّة، خاصّة في المدن الساحليّة، وقد استحوذت نسبة منهم على مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة بالمدن، لا سيّما في فلسطين المعروفة بازدهار النشاط الزراعي فيها آنذاك، وكان الاستحواذ يتم عن طريق الشراء المباشر أو الربا، مستفيدين من تشريعات الأراضي الجديدة؛ وهكذا استطاعت عائلات شاميّة وبيروتيّة أن تستحوذ على مساحات شاسعة في مناطق شمال فلسطين والسهل الساحلي منها.

تعود عملية الاستملاك الأولى المقترنة بالنشاط الاستيطاني اليهودي إلى عام 1878

ووفق ما وثّقه أكرم حجازي، في كتابه "الجذور الاجتماعيّة للنكبة؛ 1858-1948"، فقد امتلكت العائلات اللبنانية حوالي نصف مليون دونم في فلسطين، وكانت أشهرها عائلات: شهاب، فرح، سلام، سرسق، طيّان، دبكي، مارديني، وغيرها، أما العائلات الشاميّة؛ فتملّكت نحو (60) ألف دونم، وأشهرها: العمري، فاعور، شامان، فضل، ورثة الأمير عبد القادر الجزائريّ.
ويصف الرحالة الإنجليزي، لورانس أوليفانت، في رحلته إلى بلاد الشام عام 1880، حجم أملاك عائلة سرسق، فيقول: "هؤلاء البنكيّين كانوا يحكمون ما يزيد على خمسة آلاف شخص، يعيشون في ثلاثين قرية".
وكانت مثل هذه الفئات الثريّة من الملاكين تعيش في المدن بعيداً عن الأرياف، ولم يكونوا يعملون بالزراعة مباشرة، وإنما كانوا يستعينون بوكلاء لرعاية أعمالهم؛ لذا فإنّهم عند قدوم المهاجرين اليهود، وتقديم المؤسسات الصهيونية بالعروض المغرية لشراء الأراضي منهم؛ فإنّهم لم يقيموا أيّة اعتبارات تتعلق بقيمة الأرض وسكانها، وبالأبعاد والمحاذير السياسية، وإنما كان يعنيهم الربح والثروة فحسب.

متحف سرسق في بيروت.. وهو منزل للعائلة بني في القرن التاسع عشر وأعيد ترميمه مؤخراً

الصهيونية العمليّة وبداية المشروع الاستيطاني
بعد اغتيال القيصر الروسي، ألكساندر الثاني، عام 1881، واتهام اليهود بالوقوف وراء الحادثة، قامت مجموعات من المسيحيين بالهجوم على تجمعات اليهود في عدد من المدن الروسيّة، وقاموا بحرق المنازل وتشريد أعداد كبيرة منهم، وفي عيد الفصح، بتاريخ 15 نيسان (أبريل) 1881، توجهت وحدات من الجيش القيصريّ لإخماد أعمال شغب قام بها اليهود غرب البلاد، سرعان ما تحوّلت إلى حملة للإبادة، وتلتها مجزرة أخرى مع ثورة اليهود في كييف (عاصمة أوكرانيا اليوم) بعدها بأيام.

خطّط المهاجرون اليهود الأوائل لخلق تجمعات أولى من الممكن أن تؤدي إلى إقامة مقاطعات يهوديّة ذاتية الحكم

وعام 1882؛ أصدرت القيصريّة قانوناً خاصاً، عُرف بـ "قانون مايو"، حظر على اليهود ممارسة أيّ نشاط سياسي، لتتعزز بذلك سياسة التمييز والإقصاء، كلّ ذلك دفع بأعداد كبيرة متزايدة من اليهود للهجرة، وكانت الغالبية العظمى منهم قد اختارت التوجّه إلى الولايات المتحدة، إلّا أنّ نسبة منهم قررت المواصلة في المغامرة الصهيونية، والاتجاه نحو جنوب سوريا، إلى أرض فلسطين، أو ما أسموها "أرض الميعاد".
عُرفت حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين في أواخر العصر العثماني بـ "الصهيونية العمليّة"، وكانت عبارة عن سعي وتخطيط لخلق تجمّعات أولى من الأراضي المملوكة لليهود، والتي من الممكن أن تؤدي إلى تشكيل وإقامة مقاطعات يهوديّة ذاتية الحكم داخل الدولة العثمانيّة، وترافق ذلك مع بداية نشوء مؤسسات صهيونيّة تولّت مهمة استملاك الأراضي في فلسطين، وإنشاء مستعمرات زراعيّة يهوديّة فيها.

اقرأ أيضاً: هكذا استفادت الحركة الصهيونية من تحولات قوانين الأراضي العثمانية
وكانت جمعيّة "أحبّاء صهيون" أولى هذه المؤسسات، وهي عبارة عن تجمّع لمجموعة من المنظمات التي بدأت بالظهور عام 1881، بعد المذابح التي تعرّض لها اليهود في روسيا، وتشكّلت رسمياً كجمعية عام 1884، بعد انعقاد مؤتمر تأسيسي في مدينة كاتوفيتسه الألمانية (تقع في بولندا اليوم)، وعام 1890؛ تأسست في روسيا "لجنة أوديسا من أجل فلسطين" بغرض العمل على دعم مشاريع استملاك الأراضي وبناء المستوطنات في فلسطين، وفي هذه المرحلة أيضاً؛ برزت جهود البارون اليهودي الفرنسي، إدموند دي روتشيلد، الذي بدأ بتمويل عمليات استملاك الأراضي وقدّم الرعاية الكاملة للمستوطنات الزراعية اليهودية الأولى في فلسطين.

المشاركون في مؤتمر كاتوفيتسه الذي نجم عنه تأسيس جمعية أحبّاء صهيون

أولى المستوطنات
توثّق عملية الاستملاك الأولى مع جهود السير البريطاني اليهودي، موسى مونتفيوري، في الخمسينيات من القرن التاسع عشر، عندما قام بشراء قطعة أرض قرب يافا لتكون مكاناً لتدريب اليهود على النشاط الزراعي الإنتاجي، ثم قام بتأسيس نواة الحي اليهودي في القدس، خارج أسوار المدينة القديمة، ولكنّ عملية الاستملاك الأولى المقترنة بالنشاط الاستيطاني تعود إلى عام 1878، عندما اشترى مهاجرون يهود أراضي في قرية ملبّس قرب يافا، أقيمت عليها مستوطنة أطلقوا عليها اسم "فتحة الأمل" (بتاح تيكفا)، لتكون بذلك أول مستوطنة زراعيّة يهوديّة في فلسطين، وبالقرب من يافا أيضاً، اشترى المهاجرون أراضي في قرية "عيون قارة" عام 1882، باعها لهم كلّ من موسى ومصطفى الدجاني، من عائلة الدجاني المتنفذة والغنيّة، وأُقيمت عليها مستوطنة "ريشون لتسيون" (وتعني: الأوائل لصهيون)، وهي كذلك من أقدم المستوطنات التي ما تزال قائمة حتى اليوم.

اقرأ أيضاً: الأطماع العثمانية في الزراعة اليمنية .. أردوغان يعيد محاولات نهب بلاد "سبأ"
وفي العام ذاته كذلك؛ أُقيمت مستوطنة "زخرون يعقوب" على أراضٍ في قرية "زمارين"، ومستوطنة "روش بينا" على أراضٍ في قرية "الجاعونة"؛ وبذلك بدأت عملية الاستملاك وبناء المستوطنات الزراعيّة، وحتى عام 1890 وصل مجموع حيازات اليهود من الأراضي إلى حوالي مئة ألف دونم.

ريشون لتسيون من أقدم المستوطنات تعدّ اليوم أحد أكبر التجمعّات الحضرية المحيطة بتل أبيب

التطوّر إلى مشروع سياسي
استمرّت عمليات الاستملاك وإنشاء المستوطنات الأولى، ولكنها بقيت مشتتة ومكلفة وغير مؤطّرة، حتى عام 1897؛ حين انعقد مؤتمر بازل، المؤتمر الأول للحركة الصهيونية ليعلن بدء مرحلة جديدة من المشروع الصهيوني؛ حيث بات هناك هيكل وإطار سياسي للمشروع، لتبدأ بذلك مرحلة استيطانيّة أشدّ بإشراف "المنظمة الصهيونية العالمية" التي تأسست إثر المؤتمر، ومن انضوى تحتها من مؤسسات ومنظمات صهيونية، أُنشئت لغايات دعم النشاط الاستيطاني في فلسطين، وحشد الدعم والاعتراف الدولي به، فأُنشئت مؤسسات مالية للدعم والتمويل، كان منها: الصندوق القومي اليهودي (كيرن كييمت) عام 1901، ثم تأسس (عام 1902) صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار، وفي العام ذاته أيضاً تأسّس البنك البريطاني الفلسطيني في لندن، وفي عام 1908؛ أسّس الاقتصادي الصهيوني آرثر روبين "شركة تطوير أراضي فلسطين"، وهكذا إلى أن تأسست الوكالة اليهودية، عام 1929، لتكون الذراع التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية.

اقرأ أيضاً: من يسهّل غزو "العثمانيين الجدد" للمغرب ثقافياً واقتصادياً؟
وكان جوهر نشاط المؤسسات المالية يتركز حول توفير الأموال اللازمة لشراء الأراضي في فلسطين، ومن ثم بيعها للمستوطنين بأسعار زهيدة، وعلى أقساط وفترات سداد طويلة.

آرثر روبين أحد أبرز مهندسي عمليات الاستيطان الزراعي اليهودي في فلسطين

ومع قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914 توقفت مشاريع الهجرة والاستيطان اليهودي بسبب الحرب، وكان عدد اليهود في فلسطين آنذاك، حسب المصادر الصهيونية، قد وصل إلى نحو (85) ألف يهودي، ووصلت مساحة الأراضي التي بحيازتهم إلى (418) ألف دونم، أقيم عليها (44) مستعمرة زراعية. وبحسب تقارير مكتب الإحصاءات المركزي في الوكالة اليهودية فإنّ نحو 25% من الأراضي التي اشتراها اليهود خلال الفترة (1878-1914) كانت من ملاكين كبار غير فلسطينيين، و25.4% - خلال الفترة ذاتها - من ملاكين كبار فلسطينيين، و37.1% من مصادر أخرى كالحكومة والكنائس والشركات الأجنبية، مقابل 12.5% فقط من الفلاحين الفلسطينيين.

للمشاركة:



رفض عربي ودولي للاعتداء الإرهابي على حقل الشيبة السعودي.. تصريحات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

توالت الإدانات الدولية للحادث الإرهابي الذي استهدف حقل الشيبة النفطي في السعودية، أمس؛ حيث دانت دولة الإمارات الاعتداء الإرهابي الذي تعرضت له إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة البترولي في المملكة العربية السعودية، عن طريق طائرات مسيَّرة بدون طيار "درون" مفخخة، أطلقتها ميليشيا الحوثي الإرهابية.

واستنكرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي، في بيان نشرته، اليوم، وكالة "وام"، بشدة، هذا العمل الإرهابي، الذي يستهدف زعزعة الأمن والاستقرار ويشكّل خطراً جسيماً على إمدادات الطاقة للعالم أجمع.

الإمارات تدين الاعتداء الإرهابي الذي تعرضت له إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة بالسعودية

وجدّدت دولة الإمارات تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية الشقيقة، ووقوفها التام إلى جانب الأشقاء في المملكة، وتأييدها ومساندتها لها في كلّ ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها واستقرارها، ودعمها الإجراءات كافة التي تتخذها في مواجهة التطرف والإرهاب.

وأكّد البيان؛ أنّ أمن دولة الإمارات العربية المتحدة وأمن المملكة العربية السعودية كلٌّ لا يتجزأ، وأنّ أيّ تهديد أو خطر يواجه المملكة تعتبره الدولة تهديداً لمنظومة الأمن والاستقرار في الإمارات.

وفي هذا السياق؛ أعرب مصدر مسؤول في وزارة الخارجية الكويتية عن إدانة واستنكار دولة الكويت الشديدين للاعتداء الذي تعرض له حقل الشيبة البترولي في السعودية.

وأوضح المصدر؛ أنّ "هذا العمل الذي يستهدف أمن واستقرار المملكة العربية السعودية وإمدادات الطاقة العالمية يتطلب جهداً عالمياً لوقفه بما يجنب المنطقة أزمات وصراعات ومزيداً من التوتر".

الكويت تعبّر عن إدانتها واستنكارها الشديدين للاعتداء الذي تعرض له حقل الشيبة من قبل الحوثيين

وأكّد وقوف الكويت التام إلى جانب السعودية، وتأييدها في كلّ ما تتخذه من إجراءات لصيانة أمنها واستقرارها.

بدورها، دانت الحكومة الأردنية، أمس، "الهجوم الإرهابي الآثم الذي تعرض له حقل الشيبة باستخدام طائرة مسيّرة مفخخة".

ورأى الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأردنية، السفير سفيان القضاة، أنّ هذا العمل الإرهابي "تصعيد يستهدف زعزعة الأمن والاستقرار ويزيد من التوتر في المنطقة".

وأكّد، في بيان صحفي، تضامن الأردن الكامل ووقوفه إلى جانب السعودية "في كلّ ما تتخذه من إجراءات للحفاظ على أمنها واستقرارها والتصدي للإرهاب بكل صوره وأشكاله".

الأردن يدين الهجوم الإرهابي الآثم الذي تعرض له حقل الشيبة ويؤكّد تضامنه الكامل مع السعودية

من جهتها، دانت مصر، بأشدّ العبارات، الهجوم على حقل الشيبة جنوب شرق السعودية.

وجدّد بيان لوزارة الخارجية المصرية "تضامن مصر حكومةً وشعباً مع حكومة وشعب المملكة العربية السعودية الشقيقة، ودعم كافة الإجراءات اللازمة للحفاظ على أمن واستقرار المملكة ضدّ محاولات النيل منها".

وحذّر البيان من "استهداف المنشآت الحيوية في السعودية بما في ذلك المساس بسلامة البنية التحتية للطاقة".

في السياق ذاته؛ أعربت أفغانستان عن استنكارها الشديد للهجوم الإرهابي الذي وقع صباح السبت في إحدى الوحدات بحقل الشيبة البترولي.

وأكّدت أفغانستان "إدانتها لكلّ الأعمال التخريبية والإرهابية" و"تضامنها التام" مع السعودية في الوقوف بحزم ضدّ ما يمسّ أمنها واستقرارها، ويستهدف منشآتها الحيوية المدنية.

مصر تتضامن مع السعودية، حكومة وشعباً، وتدعم كافة الإجراءات اللازمة للحفاظ على أمنها واستقرارها

وأوضحت؛ أنّ "هذه الأعمال الإرهابية التخريبية ما هي إلا امتداد للاستهداف المتواصل لإمدادات الطاقة في العالم بشكل عام، وفي المنطقة على وجه الخصوص، وهذه السلسلة المتواصلة من الاعتداءات الجبانة تتطلّب من المجتمع الدولي تكثيف جهوده لوقف ومنع هذه الاعتداءات على إمدادات الطاقة حفظاً للاقتصاد العالمي".

بدورها، أعربت جيبوتي عن إدانتها وبأشد العبارات للاعتداء الذي تعرضت له إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة النفطي.

وقال سفير جيبوتي لدى السعودية، ضياء الدين سعيد بامخرمة: إنّ "جيبوتي تعدّ هذا الاعتداء استمراراً للتهديدات التي استهدفت إمداد البترول العالمي".

كما أكّد بامخرمة تضامن جمهورية جيبوتي "المطلق" مع السعودية.

وكانت وزارة الطاقة السعودية قد صرّحت، أمس، بأنّ "إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة البترولي، جنوب شرق السعودية، تعرضت لهجوم إرهابي، من قبل ميليشيات الحوثي الإرهابية".

وأوضحت الوزارة؛ أنّ الهجوم "تم عن طريق طائرات مسيرة من دون طيار "درون" مفخخة، ونجم عن ذلك حريق تمت السيطرة عليه، بعد أن خلَّف أضراراً محدودة، ودون أيّة إصابات بشرية"، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس".

 

 

للمشاركة:

اعتداء مسلَّح على سعوديين في إسطنبول.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

حذرت السفارة السعودية في تركيا المواطنين السعوديين المتواجدين في إسطنبول، وذلك بعد تعرّض مواطنين سعوديين لاعتداء مسلّح، بمنطقة شيشلي في إسطنبول، أسفر عنه إصابة أحدهما بطلق ناري وسرقة أمتعتهما.

السفارة السعودية في تركيا تحذّر مواطنينها المتواجدين في إسطنبول وذلك بعد تعرّض سعوديين لاعتداء مسلح

وقالت سفارة الرياض لدى أنقرة، في بيان أمس: "نظراً لتعرض مواطنين أثناء تواجدهما في إحدى الكافيهات بمنطقة شيشلي في إسطنبول لاعتداء مسلح من قبل مجهولين، نتج عن ذلك إصابة، أحدهما بطلق ناري، وسرقة أمتعتهما الشخصية؛ تطلب السفارة من المواطنين والمواطنات المتواجدين في مدينة إسطنبول أخذ الحيطة والحذر، كما تنصح بعدم ارتياد منطقتي (تقسيم شيشلي) بعد غروب الشمس"، وفق ما نقلت صحيفة "الشرق الأوسط".

ويعدّ التحذير الحالي الذي أصدرته السفارة، أمس، التنبيه السادس الذي أصدره السفارة السعودية، خلال العام الحالي.

وفي الشهر الماضي؛ نبّهت السفارة السعودية لدى تركيا مواطنيها من عصابات تركية تستهدف السائح السعودي، بسرقة جوازات السفر والأموال.

وأكّدت مصادر موثوقة؛ أنّه تمّت سرقة 165 جواز سفر سعودياً خلال أربعة أشهر، في ثلاثة مواقع سياحية تركية، هي: تقسيم وأرتكوي وبشكتاش، وجميع أصحابها وصلوا إلى تركيا للسياحة.

يأتي ذلك بعد أن رصدت السفارة تعرّض مواطنين ومواطنات لعمليات نشل وسرقة لجوازات سفرهم ومبالغ مالية في بعض المناطق التركية من قِبل أشخاص مجهولين.

وشدّدت السفارة، في بيان لها، على ضرورة المحافظة على جوازات السفر والمقتنيات الثمينة، والحذر، خصوصاً في الأماكن المزدحمة، داعية المواطنين لعدم التردّد في التواصل معها، أو مع القنصلية العامة بإسطنبول، في حالات الطوارئ.

السفارة السعودية في تركيا تؤكّد سرقة 165 جواز سفر سعودياً في ثلاثة مواقع سياحية هي: تقسيم وأرتكوي وبشكتاش

من جهته، أكّد القائم بالأعمال في القنصلية السعودية في إسطنبول، مشاري الذيابي، في تصريح صحفي؛ أنّ "السفارة والقنصلية شكّلتا غرفة عمليات على مدار الساعة لاستقبال البلاغات من المواطنين المقيمين في تركيا، الذين تعرضوا إلى سرقة جوازات سفر، ومبالغ مالية"، مشيراً إلى أنّ "موظفي السفارة يتوجهون على الفور إلى موقع الحادثة"، مشيراً إلى أنّ عدد السياح السعوديين انخفض بشكل كبير عن العام الماضي.

وفي أيار (مايو) الماضي، أفادت سفارة الرياض بأنقرة، في بيان؛ بأنّه ورد إليها كثير من شكاوى المواطنين المستثمرين والملاك، حول المشكلات التي تواجههم في مجال العقار في تركيا، مثل عدم حصولهم على سند التمليك، أو الحصول على سندات تمليك مقيدة برهن عقاري، إضافة إلى منعهم من دخول مساكنهم، رغم تسديد كامل قيمة العقار، إلى جانب تهديدهم من قبل شركات المقاولة.

 

للمشاركة:

هل تعتزم إيران شنّ هجمات عسكرية في العراق؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

يحشد الحرس الثوري الإيراني قواته قرب الحدود مع إقليم كردستان العراق، ما يرجّح تحضيره لعمليات عسكرية داخل قرى عراقية.

وأفادت المصادر، التي نقل عنهم موقع "السومرية" الإخباري؛ بأنّ "قوات تابعة للحرس الإيراني بدأت تتجمع بشكل لافت خلال الأيام القليلة الماضية، قرب الأراضي العراقية في إقليم كردستان".

الحرس الثوري الإيراني يحشد قواته قرب الحدود مع إقليم كردستان العراق لاستهداف جماعات كردية معارضة

وبيّنت أنّ "الحشد الإيراني الجديد يؤشر إلى احتمال وجود مخططات إيرانية لتنفيذ عمليات عسكرية داخل قرى عراقية حدودية في الإقليم".

وأضافت: "هذه العمليات تأتي رداً على هجمات نفذتها أجنحة كردية مسلحة معارضة ل‍طهران انطلقت من مناطق عراقية حدودية في كردستان".

وتابعت: "قوات الحرس الثوري اتخذت جميع الإجراءات الاحترازية، ومنها الاستعداد لقصف مدفعي على مقرات أو مواقع أحزاب إيرانية في بلدات سيدكان وقلعة دزة ومناطق عراقية أخرى حدودية مع إيران".

وأكّد القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء حسين سلامي، خلال تفقده المناطق التي تتولى مهام الحفاظ على أمنها القوة البرية للحرس الثوري في شمال غرب إيران، ومنها المرتفعات الحدودية لمدينتي بیرانشهر وسردشت، المحاذيتين لكردستان؛ أنّ جميع قمم الجبال على الحدود الشمالية الغربية للبلاد خاضعة بشكل كامل لسيطرة وإشراف الحرس الثوري.

 

 

للمشاركة:



هكذا يمكن تفسير دور تركيا المتنامي في الصراع الليبي

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-08-18

ترجمة: مدني قصري


ظهر مصطلح "الربيع العربي"؛ الذي ميّز هذا العقد في وسائل الإعلام، عام 2011، حول تمرّد الشعب الليبي ضدّ الرئيس معمّر القذافي، بعد ثمانية أعوام من مقتله، تحت قصف الطائرات الفرنسية والبريطانية، لم يعد الهدوء بعدُ إلى ليبيا، ولم يصل الصراع أبداً إلى الحدّ الذي وصله اليوم بعد أعوام من الفوضى، التي أدّت إلى احتلال البلاد بأكملها من قِبل القبائل والميليشيات المتصارعة، كلّ منها مدعوم من قِوَى أجنبية بأهداف مختلفة.

اقرأ أيضاً: هكذا تؤجّج تركيا القتال في ليبيا
"حرب بالوكالة" حقيقية تُذكّرنا بالنزاعات السورية واليمنية، التي وُلدت أيضاً من "الربيع العربي"، وبالنزاعات اللبنانية أيضاً قبل أعوام عديدة؛ لأنّه منذ وفاة العقيد السابق، قائد البلاد، إذا كانت الجهات الدولية الفاعلة تحاول دعم مشروعٍ افتراضي مشترك قادر على تحقيق الاستقرار في رأس هذه الدولة؛ فالذي يحدث في الوقت الحالي؛ أنّ هناك طرفَيْن متعارضَيْن يتقاتلان على الأرض لتجسيد هذه الشرعية؛ شعبياً ودولياً.
تجسيد الشرعية شعبياً ودولياً
من ناحية؛ هناك بقايا جيش القذافي السابق، بقيادة المشير حفتر، ومقرّه في مدينة بنغازي الشرقية، بدعم من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا ومصر..

دعم القذافي لقضية الأكراد في الأناضول كان ينبئ منذ فترة طويلة بتفكّك العلاقات مع أنقرة

ومن الناحية الثانية؛ حكومة الاتحاد الوطني التي تسيطر على العاصمة طرابلس، بدعم من الميليشيات والأمم المتحدة وقطر وإيطاليا وتركيا، هذه المواجهة تبدو مثيرة للذهول في ضوء العلاقات الدولية الحالية، ولكن يمكن تفسيرها بقضايا الهجرة أو الرهانات الاقتصاد أو الأمنية، بقدر ما يمكن تفسيرها بالرهانات الأيديولوجية والتاريخية. القوى الغربية، وفي مقدّمتها فرنسا والولايات المتحدة، تدعم التقدم العسكري لحفتر، باسم الحرب على الإرهاب، الذي تطور وتفاقم منذ وفاة القذافي، ولكن أيضاً من أجل هدف ضمني، وهو الحصول على رجل قوي جديد على رأس البلد، قادر على استعادة السيطرة على طريق الهجرة إلى أوروبا، وعلى استغلال موارد الطاقة الهائلة التي تمتلكها ليبيا.
 المشير خليفة حفتر

دور تركيا الرائد في الصراع
هذه الطموحات المتعددة يتقاسمها أنصار آخرون لحفتر، الذين يعتمدون عليه أيضاً لمنع انتشار الإسلام السياسي، مع تقديم وتعزيز بيادقهم الجيواستراتيجية الخاصة في هذا البلد الذي تجب إعادة بنائه في يوم من الأيام، فضدّ تحالف المصالح هذا، فإنّ الأمم المتحدة وإيطاليا وقطر وتركيا هي آخر من يدعم التحالف السياسي المعترَف به من قبل المجتمع الدولي بأسره حتى الآن.

اقرأ أيضاً: هذا ما فعله الإخوان في ليبيا
كانت عزلة معسكر طرابلس تبدو في الآونة الأخيرة، حتمية وقاتلة، بالنظر إلى تقدّم قوات حفتر في ضواحي العاصمة، والتي تمكّنت في الأسابيع الأخيرة من الصمود في وجه هجوم مضاد غير متوقع، كانت الأسلحة التركية والمرتزقة الأتراك بمثابة العمود الفقري فيه، كيف إذاً نفسر دور تركيا في هذا الصراع؟
وجود تركي راسخ في ليبيا
بعد أن كانت على التوالي، يونانية ومصرية ورومانية وبيزنطية وعربية، وأخيراً عثمانية، تميّزت الأرض التي نسمّيها اليوم ليبيا بثقافات مختلفة يمكن أن تفسر جزئياً تعقيدها الحالي. احتاجت هذه الثقافات الأجنبية المتنوعة أحياناً إلى تدمير كلّ آثار أسلافها في المنطقة، كما كان الحال في العصور الوسطى على وجه الخصوص مع الفاطميين الذين دمّروا الآثار القديمة، من أجل منع قيام تجمعات مستقرة على هذه المساحة، المأهولة أصلاً بالقبائل الرحّل.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن قراءة الدورين المصري والتركي في ليبيا؟
لذلك؛ كان من الضروري انتظار الفتح العثماني لِما ما يزال يسمّى "Cyrenaica" (برقة)، وفق التقاليد اليونانية القديمة، لرؤية ظهور مدن أخرى، مثل بنغازي، وهي تتطور على طول الساحل.
كانت القسطنطينية ترغب في تعزيز سيطرتها على البحر الأبيض المتوسط، ولذلك سعت لتنصيب الباشوات والحاميات العسكرية في مدينتَي طرابلس ومرزوق، وقد كان ربط هاتين المدينتين بالمقاطعة القديمة لمدينة سيرين، والتي تقع أطلالها بين بنغازي وطبرق، شرق ليبيا، هو الأصل في الشكل الحالي للبلاد.

هذا الانصهار تُفسّره الرغبة في تعزيز وزن هذه المقاطعة العثمانية الجديدة، عن طريق ربطها بمنطقة المرفأ الروماني القرطاجني، وهو إقليم طرابلس، مع حمايتها من تهديدات الصحراء، عن طريق تحصين مدينة أخرى في الجنوب من البلاد، وهكذا ضمّن العثمانيون الخناق على الحدود بين شرق وغرب البحر الأبيض المتوسط؛ حيث حكم القراصنة البربر(1) انطلاقاً من موانئ الجزائر العاصمة، وتونس ومن ثم طرابلس، وكانت هذه المنطقة، التي كانت العمود الفقري لعمليات اللصوصية البحرية منذ القرن السادس عشر، هي أيضاً الطريق التجاري الرئيس لتجارة الرقّ العربية الإسلامية، لأعوام عديدة.

اقرأ أيضاً: ليبيا... أطماع وأوجاع
في محاولة للسيطرة على هذا الموقع الجديد المتقدم المشهور، اعتمدت السلطة العثمانية على حكام موثوق بهم، كان لمصيرهم تأثير في ظهور القومية الليبية، في فجر تفكّك الإمبراطورية خلال الحرب العالمية الأولى.
كان القرمانليون (نسبة إلى الأسرة القرمانلية)(2)، المتمركزون في طرابلس، هم الذين أداروا أوّلاً، بصفتهم باشوات، النشاط البحري باسم القوة العثمانية، وفي أعقاب هزيمة القراصنة في حروب القراصنة البربر ضدّ الولايات المتحدة، التي ادّعت حماية التجارة العالمية في أوائل القرن التاسع عشر، وبعد خسارة الجزائر العثمانية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أصبحت جماعة الأخوية السنوسية هي المسؤولة عن حكم هذه الأراضي لصالح القسطنطينية، وبدعوتها إلى العودة إلى تفسيرٍ صارم للقرآن الكريم، وبالتوازي مع تطور الحركة الوهابية في نفس الوقت في شبه الجزيرة العربية، سرعان ما أصبحت هذه الجماعة الدينية شعبية؛ بسبب أنشطة مقاومتها للوجود الفرنسي الإيطالي، وأتاحت لليبيا أن تظلّ آخر معقل عثماني في شمال إفريقيا حتى سقوط الإمبراطورية، عام 1920.

اقرأ أيضاً: لأهداف إيديولوجية واقتصادية، أردوغان يزيد من تدخله في ليبيا
بقوة هذا الإرث، ورغم استيلاء إيطاليا موسوليني، عام 1931، تمّ تعيين حفيد إدريس، مؤسس الأسرة الحاكمة، مَلِكاً على ليبيا، عام 1951، بعد استقلال البلاد، وظلّ العاهل الليبي، المنبثق من أسرة عثمانية عريقة، وبعد أن أصبح على رأس منطقة ظلت لقرون من الزمن، واحدة من جسور الإمبراطورية في المنطقة، يقيم علاقات جيدة مع تركيا طوال فترة حكمه.
يفسِّر هذه العلاقات الوثيقة أيضاً الوجودُ الكبير لسكان من أصل تركي، منبثقين من الإمبراطورية العثمانية القديمة، وهو الوجود الذي اختلط خلاله الجنود والمستوطنون الأناضوليون أو القوقازيون مع السكان المحليين على مدى أجيال، وهو ما أدّى إلى ولادة مجموعة عرقية معينة تسمى الكراغلة(3) "Kouloughli"، هذه المجموعة العرقية والاجتماعية المتميزة، التي يمكن تحديد أصلها بأسماء العائلات "التركية"، مثل عائلة قارمنلي، والتي تأكدت واتسعت أهميتها الكمية بعد الاستقلال.
وافق أردوغان على إرسال سفن حربية للمشاركة في حظر الناتو على شحنات الأسلحة الموجَّهة للمعارضة

أتراك تركيا النخبة الموروثة من العهد العثماني
أتراك ليبيا، هؤلاء الذين بلغ عددهم 35000 (عام 1936)، بما في ذلك 30000 في منطقة طرابلس وحدها، ولا سيما مدينة مصراتة، كانوا يمثلون بالفعل في ذلك الوقت 5٪ من السكان الليبيين، وقد مكّنهم هذا الموقع الجغرافي الدقيق من تطوير تأثيرهم على هذه المنطقة بالذات، حيث شكّلوا نوعاً من النخبة الموروثة من العهد العثماني.

اقرأ أيضاً: تدخلات تركيا في ليبيا... مصالح و"أخونة"
هؤلاء الكراغلة، الذين جلبوا طقوسهم الدينية من القسطنطينية، وشكّلوا جمعيات المساعدة المتبادلة للمغتربين، ما لبثوا أن جذبوا غضبَ النظام الجديد عليهم بمجرد إلغاء المَلكية.
وهكذا؛ ففي أعقاب انقلاب العقيد القذافي، عام 1969، الذي استفاد من إقامة طبيّة للمَلك إدريس في تركيا، وجدت الأقلية التركية في ليبيا نفسها مُجبَرة على التخلي عن ثقافتها وامتيازاتها التي عُدَّت مُضرّة بعروبة القائد الجديد، بعد ذلك؛ تعقّدت العلاقات التركية الليبية، بفعل شخصية معمر القذافي، الذي ضاعف الاتفاقيات الاقتصادية مع نظرائه الأتراك المتعاقبين، لكن مع دعمه، بموازاة ذلك، للتمرد الكردي في الأناضول.
تركيا العثمانية تعزز نفوذها في ليبيا
هذه العلاقات المعقدة بين ليبيا وتركيا، لم تمنع الشركات والعمال الأتراك من القدوم إلى ليبيا لتضخيم حجم الجالية المغتربة فيها؛ حيث اجتذبتهم الفرص الاقتصادية لهذه المنطقة التي تعيش من ريع مواردها من الطاقة، ومنذ بداية الستينيات وحتى منتصف الثمانينيات، انتقل العدد من 664 عاملاً متواجداً على الأراضي الليبية، بين 1961 إلى 1973، إلى 48457 عاملاً بين عامَي 1974 إلى 1980، وإلى 106735 عاملاً من 1981 إلى 1985، استقروا بكثافة حول مدينتَي طرابلس ومصراتة، وعززوا التأثير التاريخي التركي العثماني غرب البلاد، وهم ينشطون في صناعة البناء، ويلتزمون مع شركاتهم بعقود بمليارات الدولارات، مثل مشروع امتداد الطريق الساحلي انطلاقاً من العاصمة.

اقرأ أيضاً: لماذا تدعم تركيا الميليشيات المسلحة في ليبيا؟!
هذا الالتزام لا يمنع حكومة تركيا رجب طيب أردوغان من أن تعلن نفسها من بين البلدان الأولى المطالبة باستقالة القذافي، عام 2011؛ فدعم القذافي لقضية الأكراد في الأناضول كان ينبئ منذ فترة طويلة بتفكك العلاقات مع أنقرة، وهو التفكّك الذي أصبح رسمياً عندما ضمِن ممثلو المتمردين لتركيا استمرار العقود الموقعة.
فشل مرحلة ما بعد القذافي الانتقالية
بعد تقديم العديد من الخطط للعقيد القذافي لإنهاء النزاع سلمياً، بما في ذلك العرض الذي قُدّم له بمغادرة البلاد، وتعيين رئيس بدلاً منه، قررت أنقرة أخيراً دعم تدخّل المجتمع الدولي، ومع ذلك؛ فمن دون المشاركة في العمليات العسكرية الفرنسية البريطانية التي استهدفت النظام، وافق أردوغان مع ذلك على إرسال سفن حربية للمشاركة في حظر الناتو على شحنات الأسلحة الموجَّهة إلى معارضي النظام، وفق قرار صادر عن الأمم المتحدة، وبعد ذلك، وبدعمٍ رسميّ من المجتمع الدولي بأسره، انتصر معارضو النظام في نهاية المطاف، بعد ثمانية أشهر من الصراع، في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 2011.

العلاقات المعقدة بين ليبيا وتركيا لم تمنع الشركات والعمال الأتراك من القدوم إلى ليبيا لتضخيم حجم الجالية المغتربة فيها

والحال؛ أنّ إعلان رئيس المجلس الوطني الانتقالي عزمه وضع دستور ليبي جديد..، بدأ يُقلق القوى التي أيدته، وكانت أسلمة الدولة مقيَّدة من قبل العقيد، ولذلك كان يُخشَى ظهورُ عنف جديد في البلاد، خاصة أنّه، منذ آذار (مارس) 2012، أعلن أحد أفراد العائلة المالكة السابقة، سليل الملك إدريس، وجماعة الأخوية السنوسية، والذي عُيّن على رأس المقاطعة الشرقية من البلاد، استقلال برقة (سيرينايكا) "Cyrenaica"، عن طرابلس، جرت هذه المحاولة لتقسيم ليبيا قبل أسابيع قليلة من أول انتخابات تشريعية، في تموز (يوليو) 2012، لتعيين 200 عضو في المؤتمر الوطني العام، وتمّ استبعاد جميع أقارب نظام القذافي السابقين تلقائياً منها.
هذا القرار ساعد في ظهور طبقة سياسية متجددة بالكامل، ولكنّها في الغالب إسلامية وغير ملتزمة سياسياً، وهو ما حال دون ظهور أيّ ائتلاف قابل للحياة ومستقر على رأس الدولة، وهكذا؛ ففي آذار (مارس) 2014، تمت الإطاحة بالشخص الذي تمّ تعيينه رئيساً للوزراء من قبل هذه الجمعية التأسيسية الأولى، من قبل هذه الهيئة التشريعية نفسها، وأجبِر على الفرار من البلاد أمام تجدد أعمال العنف من جانب الميليشيات المسيطرة في العاصمة، مثل القبائل في بقية البلاد.

اقرأ أيضاً: التهريج الأردوغاني في ليبيا
إنّ ضعف القوة المركزية هذه أمام القوى المسلحة ذات التوجه الديني أو الطائفي، أو القائمة على تجنيد المرتزقة، يعزز هذا الشعور بالانقسام الذي تعيشه ليبيا، وممّا يعزز هذا الاتجاه الانتخابات الجديدة، التي جرت في حزيران (يونيو) 2014، والتي شهدت رفض الأغلبية الإسلامية في المؤتمر الوطني العام لهزيمتها في صناديق الاقتراع، بحجة نقص مشاركة الناخبين، والتي وصلت إلى 30 ٪ فقط من الأصوات؛ لذلك قرّر مجلس النواب الجديد الذي كان من المفترض أن يحلّ محلّ الجهاز التأسيسي لما بعد الثورة، الانتقالَ إلى طبرق، بدلاً من طرابلس، في أقصى شرق البلاد، لتشكيل حكومته الخاصة.

انقسام ليبيا يقلق القوى الدولية
انقسمت ليبيا بعد ذلك إلى عدة معسكرات: معسكر المؤتمر الوطني العام في طرابلس في الغرب، ومعسكر مجلس النواب في الشرق، والمعسكر الذي تنتمي إليه القبائل التي لا تعترف بأيّة وصاية، في الأجزاء الصحراوية من البلاد، وبات هذا الوضع يقلق القوى الدولية، التي ترى الآن الإرهاب وتهريب البشر، والإسلاموية، وحركات الهجرة، وهي تتضاعف في قلب هذه الأرض التي لا يمكن السيطرة عليها، والتي أصبحت فريسة للفوضى، وقد فقد الغربيون أهميّتهم في عيون المتمردين السابقين، الذين كانوا يهتفون لهم عام 2011، وأصبحوا هدفاً للهجمات: عام 2012، تعرضت القنصلية الأمريكية في بنغازي للهجوم، ما تسبّب في وفاة الممثل الدبلوماسي المحلي لواشنطن، كما تعرضت سفارة فرنسا أيضاً لهجوم، عام 2013، مما أجبرها على الانتقال إلى تونس.


المصدر: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

محمد بدر الدين زايد

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط، وبدأت حالة تهدئة غالباً موقتة مع الشريك الاستراتيجي منذ الحرب العالمية الثانية، أي الولايات المتحدة، بعد أن كان مناخ العلاقات في توتر شديد منذ إصرار أنقرة على إتمام صفقة الصواريخ الروسية "اس 400" وحول عدد آخر من الملفات، ولكن يبدو أن واشنطن اختارت بعض التهدئة في المرحلة الراهنة. العدوان التركي على ليبيا مستمر منذ بدء الاضطرابات ضد القذافي. ولكي لا يكون هناك خلط، فإن تأييد أنقرة الثورة ضد القذافي، فهذه رؤيتها السياسية على شرط أن لا تصحبها إجراءات تتضمن محاولة تغيير والتأثير على إرادة الشعب الليبي. وهذا هو ما حدث للأسف. وبالإضافة إلى دعم الميليشيات المسلحة ضد النظام، فقد استمر هذا الدعم بعد إطاحة القذافي واغتياله. وبدت معالم التورط التركي – القطري في مراحل متقدمة وسابقة لآخر انتخابات برلمانية، وهي التي أسفرت عن مجلس النواب الحالي الذي لجأ إلى طبرق منذ منتصف العام 2014. بعدها بدأت تركيا تورطها العدواني ضد الشعب الليبي، ووصل الأمر إلى نقل سفينة تركية لأعداد من مقاتلي "داعش" من الجبهة السورية إلى أحد الموانئ الليبية، ما كان له دور خطير في انقلاب التوازن العسكري لصالح فصيل "فجر ليبيا" الإخواني ضد خصومها والسماح لها بالسيطرة على مطار طرابلس في العام 2014، ومن ثم تكريس الوضع الراهن الذي يشهد آخر تداعياته حالياً مع زحف الجيش الليبي ضد هذه الميلشيات التي تسيطر في شكل مطلق على العاصمة منذ ذلك الوقت. والآن ونحن في هذا الفصل الحرج من المواجهة الصعبة حول العاصمة الليبية، واصلت تركيا نقل أسلحة وذخائر لهذه الفصائل الإرهابية، وهو ما أشرنا إليه هنا غير مرة، متمثلاً في حوادث ضبط السفن التركية أو الاستيلاء على هذه الأسلحة خلال المعارك، وآخرها الطائرات المسيَّرة التركية التي تم إسقاطها وتدميرها. وفي سورية تكتسب طاقة العدوان على الدولة والشعب المزيد من قوة الدفع. فمنذ البداية لعبت تركيا دوراً مشوهاً لثورة الشعب السوري، وعملت على تسليح الفصائل المتطرفة وبخاصة "جبهة النصرة" ذات الصلة بتنظيم "القاعدة". وواصلت هذا بعد تغيير اسمها إلى "هيئة تحرير الشام"، وكانت دوماً طرفاً في المعادلة السورية، ما اضطر روسيا إلى إشراكها في المظلة الثلاثية، أي روسيا وتركيا وإيران، كصيغة لإدارة وتنظيم نظام الوصاية واحتلال هذه الدول للأراضي السورية وليس فقط إدارة الأزمة. وفي العام الأخير أصبحت أنقرة هي الراعي العلني للتطرف ولفصائله المختلفة وأمام أعين العالم كله. ففي ترتيبات إدلب، كان الاتفاق أنها ستنزع السلاح الثقيل الخاص بالفصائل المسلحة، كما ستفصل تللك المتشددة ومنها "القاعدة" و"داعش" عن تلك الأكثر اعتدالاً. وهو طبعاً لم يحدث. وقامت أنقرة بتوظيف وجودها في هذه المناطق شمالي غرب سورية لنقل مزيد من الإرهابيين والمتشددين إلى ليبيا. أما العدوان الأكبر والصريح فتجري تطوراته منذ أكثر من عام، بتحرك قوات تركية مباشرة لاحتلال مناطق من سورية بحجة التصدي لمحاولات إقامة دولة كردية. وأخيراً كان تصعيد الأزمة بتهديدها باحتلال مساحات من الأراضي السورية المتاخمة لها لإقامة منطقة آمنة.

وهي الأزمة التي كان عنوانها الرئيس هو التخوف من احتمال حدوث مواجهة عسكرية ضد القوات الأميركية المصاحبة للقوات الكردية في قتالها ضد "داعش". واختتمت فصول هذه المسرحية الهزلية بالاجتماعات الأمنية التركية - الأميركية التي أسفرت عن ترتيبات غامضة في ما يتعلق بمساحة المنطقة الآمنة التي كانت تركيا تريدها بعمق 35 كيلومتراً وطول 140 كيلومتراً، وواشنطن تريدها أقل من نصف هذا. بينما ما تمَّ الاتفاق عليه هو إنشاء مركز عمليات مشترك ودوريات أميركية تركية مشتركة. ولم تتضح بعد بدقة مساحة المنطقة الآمنة ولكن بدأ الحديث عن حل وسط في ما يبدو بعمق 20 كيلومتراً، وإن كان لا يزال هناك خلاف حول مسألة التدرج في إنشاء هذه المنطقة التي تريدها واشنطن بينما تتعجل أنقرة في هذا. كما أنه من الواضح أن تركيا تريد نقل النازحين السورين الذين كانت تزايد وتتاجر باستضافتهم إلى هذه المنطقة الآمنة، لتطوي صفحة لم تعد في حاجة إليها. ومرة أخرى، وأياً كانت رؤيتي تجاه نهج التعاطي الإقليمي مع المسألة الكردية وضرورة معالجتها في شكل مختلف يتضمن نهج الاحتواء الإيجابي، فإنه يمكن تفهم دواعي تركيا لو كانت تكتفي بضمانات ضد قيام كيان كردي وإعطاء وقت كاف لترتيبات لمعالجة الأوضاع السورية كافة، ولكن الواضح هو تكريس سيطرة تركية على أراض سورية وتعقيد فرص تسوية هذه الأزمة وتصعيب مهمة القضاء على التنظيمات المتطرفة التي تصر أنقرة على مواصلة رعايتها.

وتواصل تركيا التنقيب عن الغاز خارج مياهها الإقليمية في سلوك يعكس ثورة غضبها لما تعتبره استبعاداً لها من "منتدى غاز شرق البحر المتوسط" الذي تلعب فيه مصر دوراً محورياً بالتعاون مع اليونان وقبرص. ولم تنتبه تركيا بالطبع إلى أن عزلتها الإقليمية المتوسطية هي نتاج سياسات من العدوان على مدى قرون، تأكدت حديثاً بغزو قبرص في سبعينات القرن الماضي، وإعلان انفصال الجزء التركي منها واعتباره جمهورية مستقلة، لم يعترف بها أحد في العالم سوى أنقرة التي تتجاهل أن هذا النهج يناهض محور سياستها الخارجية وهو عدم السماح بقيام دولة كردية أو بأي تعديلات للحدود القائمة التي من بينها لواء الأسكندرونة الذي احتلته منذ عقود طويلة. وتتغافل أنقرة عن أن احتلالها لهذا الشق القبرصي يعرقل أي عمليات لترسيم الحدود في شمال شرق المتوسط. بعبارة أخرى، فإن سياساتها العدوانية والمتعالية هي التي خلقت منظومة استبعادها من شرق المتوسط، ثم جاءت رعايتها لمشروع الإسلام السياسي المتطرف لتعمق من مخاوف جيرانها الذين يرون أن هذا التوجه ينطوي على نيات توسعية وأوهام تركية مكشوفة. وفي الواقع فإن هذا الموضوع يتضمن الكثير من التفاصيل والمعلومات التي تكشف مدى تفشي العدوانية في العقل التركي، وهي الدليل الدائم على طغيان طبيعة الشخصية القومية التركية وتاريخها على استمرار هذه السياسة الخارجية، التي يبدو أن غيابها لبعض الوقت في تركيا الحديثة كان فقط تحت السطح، ولم يكن يعكس الواقع. ودليل ذلك هو قِصر هذه الفترات في التاريخ التركي. ومن ثم فإنه عندما طرح وزير خارجية تركيا السابق أحمد داود أوغلو –الذى أصبح رئيسا لوزرائها بعد ذلك لفترة من الوقت، ثم استقال لخلافه مع أردوغان - فكرة صفر مشاكل مع الجيران، وبدا بعض التحسن في أداء السياسة الخارجية التركية، ثم انتكس لتبرز مجدداً المواجهة مع الجيران، ويبرز كذلك التوتر في علاقاتها الأوروبية، ونمط معقد من إدارة الخلافات مع واشنطن. أما مع روسيا، فهناك قدرة على إدارة مصالح وترتيبات مشتركة، ولكنها لا تخفي حقيقة عمق التناقضات الاستراتيجية بين الجانبين، وعلى رأسها الخلاف حول توظيف الإسلام السياسي ومخاوف روسيا الجادة من هذا المشروع.

وأشير أخيراً إلى أمرين؛ أولهما أنني كنت من المتحفظين علمياً على مخاطر التعميم وما نطلق عليه التنميط في فهم ثقافات الشعوب المختلفة، ولكن ما لا يمكن إنكاره أن هناك أشكالاً تركي معقد في نمط تعاطيها مع الآخرين عموماً أو في ما يتعلق بطموحاتها التوسعية تاريخياً، وثانيها أنني أظن أيضاً أن دولة بهذه التقاليد العدوانية، لن تستطيع الحفاظ على ازدهارها الاقتصادي، الذي يحتاج الحفاظ عليه إلى سياسة خارجية أكثر حصافة وأقل عدوانية وإلى حكم يفهم أن بعض المكاسب قصيرة الأجل قد يتم دفع ثمن باهظ لها في مراحل تالية.

عن "الحياة" اللندنية

للمشاركة:

هل تخلى الإخوان المسلمون عن المنافسة على السلطة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

بابكر فيصل

في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، وجدت جماعة الإخوان المسلمين المصرية، حرجا كبيرا في مواصلة رفع شعارات الحاكمية وتطبيق الشريعة فقررت الخروج من ذلك المأزق عبر طرح جديد يتمثل في إنشاء حزب مدني يستند إلى مرجعية إسلامية أطلقت عليه مسمى "حزب الحرية والعدالة"، باعتباره حلا يدفع عنها شبهة السعي للخلط بين السياسة والدين وتوظيف الأخير لخدمة الأهداف السياسية.

بمناسبة حلول الذكرى السادسة لسقوط حكم الإخوان، أصدر المكتب العام للإخوان المسلمين بمصر في 29 حزيران (يونيو) الماضي بيانا أوضح فيه أن الجماعة أجرت مراجعة جادة، أفضت إلى إعادة النظر في أفكارها وسلوكها، وأبان أن الجماعة ستعمل على إنجاز التغيير الثوري الشامل بالتعاون مع القوى السياسية الأخرى.

أهم ما جاء في البيان هو القول "فإننا نعلن أن جماعة الإخوان المسلمين تقف الآن على التفريق بين العمل السياسي العام، وبين المنافسة الحزبية الضيقة على السلطة، ونؤمن بأن مساحة العمل السياسي العام على القضايا الوطنية والحقوق العامة للشعب المصري، والقيم الوطنية العامة وقضايا الأمة الكلية، هي مساحة أرحب للجماعة من العمل الحزبي الضيق والمنافسة على السلطة، وسنعمل كتيار وطني عام ذي خلفية إسلامية، داعمين للأمة، ونمارس الحياة السياسية في إطارها العام، وندعم كل الفصائل الوطنية التي تتقاطع مع رؤيتنا في نهضة هذا الوطن في تجاربها الحزبية، ونسمح لأعضاء الإخوان المسلمين والمتخصصين والعلماء من أبنائها بالانخراط في العمل السياسي من خلال الانتشار مع الأحزاب والحركات التي تتقاطع معنا في رؤيتنا لنهضة هذه الأمة".

ظل مطلب الوصول للحكم وإقامة "الدولة الإسلامية" يمثل الركن الأساسي في أفكار جماعة الإخوان المسلمين، باعتباره الضمانة الوحيدة لتطبيق حكم الله القائم على الشريعة الإسلامية، وكذلك لكونه نقطة الانطلاق نحو استعادة الخلافة الإسلامية التي ستقود بدورها لسيطرة المسلمين على كل أرجاء المعمورة أو ما أسماه المرشد المؤسس، حسن البنا، "أستاذية العالم".

نسبة لأهمية ذلك المطلب، أي إقامة الدولة الإسلامية، ومركزيته في فكر الجماعة، فقد رفع البنا من مكانته وجعله ركنا من أركان الإسلام، شأنه شأن الصلاة والصوم والحج، بحيث أضحى التقصير في طلبه وعدم السعي لإقامته يمثل خروجا على الدين نفسه.

يقول البنا في رسالة المؤتمر الخامس: "فالإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدى الإسلام الحنيف كما فهموه، وكما أبانوا عن فهمهم هذا في أول هذه الكلمة. وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديما قال الخليفة الثالث رضي الله عنه: 'إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن'".

وبما أن الحكومة عند الإخوان تعتبر ركنا لا يكتمل بنيان الدين بدونه، فإن السعي لإقامتها أصبح فرضا لا مناص منه وأولوية تسبق أي مطلب آخر، حيث اعتبر المرشد المؤسس أن "قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف".

إن قرار الجماعة بعدم السعي للمنافسة على السلطة والاكتفاء بالعمل السياسي العام يمثل "جريمة إسلامية" في نظر حسن البنا، ويعتبر تحولا كبيرا في المنطلقات الفكرية للجماعة التي سعت منذ نشأتها للوصول للسلطة عبر جميع الوسائل بما فيها قوة السلاح والانقلاب العسكري، وليس أدل على ذلك من دخولها في مواجهات عنيفة شاملة مع الدولة المصرية طوال تاريخها الممتد منذ عام 1928.

الأمر الثاني الذي أشار إليه البيان بوضوح هو السماح "لأعضاء الإخوان المسلمين والمتخصصين والعلماء" من أبناء الجماعة بالانخراط في العمل السياسي من خلال الانضمام للأحزاب والحركات الأخرى التي تتقاطع رؤيتها مع رؤية الجماعة للنهضة، وهذا أيضا يمثل نقلة في فكر الإخوان المسلمين الذين كانوا يرفضون انضمام عضويتهم لأية جهة سوى حزب الحرية والعدالة الذي أسسته الجماعة في أعقاب ثورة يناير.

على الرغم من أن البيان أوضح تركيز الجماعة على "القضايا الوطنية" و"القيم الوطنية"، إلا أنه حمل بين طياته ذات التوجهات الأممية للجماعة بحديثه عن "الأمة"، والمقصود بها الأمة الإسلامية، وهذه إحدى الإشكاليات في فكر الإخوان المسلمين، الذين ظلوا ينادون بعودة الخلافة الإسلامية ويرفعون شعار "الجهاد" من أجل السيطرة الكونية عبر المراحل الست التي وضعها المرشد المؤسس والتي تنتهي بما أسماه "أستاذية العالم".

كان المرشد المؤسس قد أوضح الهدف النهائي من أستاذية العالم بقوله: "نريد بعد ذلك ومعه أن نعلن دعوتنا على العالم وأن نبلغ الناس جميعا، وأن نعم بها آفاق الأرض، وأن نُخضع لها كل جبار، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم".

الالتباس الثاني الذي حملته سطور البيان يتمثل في عدم التعريف الدقيق لماهية "العمل السياسي العام" الذي ترغب الجماعة في الاكتفاء به، فضلا عن سكوت الجماعة عن كثير من الأمور الهامة وفي مقدمتها الإجابة عن السؤال التالي: هل يعني عدم السعي للمنافسة الحزبية على السلطة توقف الجماعة عن المطالبة بتطبيق شعارات الشريعة والحدود والحاكمية والخلافة الإسلامية؟

أيضا لا يشرح البيان معنى القول بأن الجماعة "ستعمل كتيار وطني عام ذي خلفية إسلامية"، ذلك لأن الحديث عن "الخلفية الإسلامية" هو حديث فضفاض وحمَّال أوجه، وقد يعني استمرار الجماعة في خلط القضايا السياسية مع الأمور الدينية ومواصلة استخدام ذات الأساليب التي ظلت الجماعة تعمد بها إلى إخفاء أهدافها السياسية والاجتماعية وراء قناع الدين.

خلاصة الأمر هي أن بيان المكتب العام للإخوان المسلمين يطرح أسئلة أكثر من كونه يُعطي إجابات على كثير من الأمور والقضايا التي تحتاج إلى إيضاح وتبيين، وإذ يتضح من العنوان العريض للبيان أن مراجعة الجماعة لأفكارها وتجربتها الطويلة أفضت إلى قرارها بترك المنافسة على السلطة، فإنه يتوجب عليها أن تطرح رؤيتها الجديدة بصورة أكثر شمولا وتفصيلا، وأن توفر الإجابات عن الأسئلة الكثيرة المرتبطة بانعكاسات ذلك القرار ومدى تأثيره على مبادئها وأفكارها وشعاراتها وممارستها التي استمرت منذ عام 1928 وحتى اليوم.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية