ملحمة الحزب الشيوعي العراقي .. بدم الرفاق لا راية الثورة

ملحمة الحزب الشيوعي العراقي .. بدم الرفاق لا راية الثورة
12796
عدد القراءات

2019-06-12

عقب انهيار الحكم العثماني للعراق وبدء استعماره من قِبل بريطانيا العام 1918 شهد المجتمع العراقي تحولات كبرى كان أبرزها تشكُّل طبقة عاملة لأول مرة في تاريخه بفعل حاجة الاحتلال البريطاني لتشغيل البنى التحتية اللازمة لوجوده مثل السكك الحديدية والموانئ، بالإضافة إلى المصانع التي تسد احتياجات قواته، ومع استقرار الحكم الاستعماري رأت النخبة الوطنية، المتأثرة بأفكار النهضة والتنوير في المنطقة العربية فضلاً عن ثورة أكتوبر في روسيا العام 1917، ضرورة التحرر من ربقة الاستعمار والإقطاع معاً.

اقرأ أيضاً: الحزب الشيوعي السوري.. حين ضيّعنا "السوفييت"
تكونت أولى الحلقات الماركسية من الطبقة الوسطى العراقية وأبناء الارستقراطية المتعلمين وسط شعب تهيمن عليه الأمية نتيجة الاحتلال العثماني لوادي الرافدين الذي دام أكثر من أربعة قرون، والمسماة بـ"الفترة المظلمة".
ورغم حضور الأفكار الاشتراكية في المجال العام إلا أنّ أول تجربة تنظيمية تعود إلى "بيوتر فاسيلي" وهو مسيحي أشوري نشأ وتعلم في جورجيا التي هاجر إليها والده، دخل فاسيلي العراق عن طريق إيران العام 1922 وبدأ لقاءاته مع النخب الفاعلة؛ ليبدأ تشبيك الحلقات الماركسية في أنحاء العراق، وهي الحلقات التي صهرها يوسف سلمان يوسف الملقب بـ"الرفيق فهد" في الحزب الشيوعي العراقي العام 1934.
 الحزب الشيوعي العراقي لازال حاضراً في المشهد السياسي

سنوات المخاض الدموي
ليس من الممكن مقاربة تاريخ الحزب الشيوعي العراقي إلا على ضوء فهم البيئة السياسية العراقية التي تتميز تاريخياً بالعنف بين الخصوم السياسيين الذين غالباً ما يتبادلون أدوار الضحية والجلاد كل فترة؛ وقد قُدّر للحزب الشيوعي العراقي أن يعمل ضمن هذه البيئة ووسط ظروف غاية في القسوة والوحشية، وفرضت السرية والهروب الدائم من التصفية والاعتقال ظلالها على تفكير وسلوك الحزب، عدا فترات انفراج نسبية والتي غالباً ما تكون فخاخ تنصبها السلطة لكشف تنظيماته وقادته استعداداً للانقضاض عليه.

تكونت أولى الحلقات الماركسية العراقية من الطبقة الوسطى وأبناء الأرستقراطية المتعلمين

وبسبب هذه الظروف الصعبة ارتبطت بدايات الحزب الشيوعي العراقي بالبراعة التنظيمية والنضالية، وليس الفكرية، للرفيق فهد الذي بعد دراسته في أكاديمية "كادحي الشرق" انفتقت قدراته التنظيمية.
كانت أدبيات الحزب آنذاك تتمثل بالترجمات السوفييتية المقتضبة للماركسية وكراسات فهد التنظيمية والتي تغطي القضايا التي عني بها الحزب الشيوعي آنذاك من قبيل مكافحة الاستعمار وسياساته في العراق (على الرغم من أنّ البلد نال استقلاله العام 1932 إلا أنّ تبعيته لبريطانيا كانت واضحة) ومحاربة الإقطاع والفئات المتحالفة مع الاستعمار.
كما انشغل فهد بالمعركة الفكرية التي كانت سائدة في أوساط اليسار العالمي بين التيار الشيوعي والتيارات الاشتراكية الديمقراطية، وأصدر كتابه "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية" وكتاب آخر عن الصهيونية وهو له أثره في هذا الجانب؛ حيث شكّل اليهود العراقيون نخبة مهمة من قيادات الحزب الشيوعي العراقي، وفي وقت كان فيه الكيان الصهيوني في بدايات نشوئه، امتازت الأقليات العراقية بجهد فكري دؤوب بصدد محاربة الصهيونية، لتتشكل لاحقاً وبتوجيه من فهد "عصبة مكافحة الصهيونية".
في العام 1949 أعدم النظام الملكي فهد والقياديَين في الحزب حازم وصارم ليقع الحزب الشيوعي العراقي في حيرة تنظيمية أفقدته كثيراً بالنسبة لحزب ناشئ، مما أرغم أعضاءه الشباب آنذاك على القيام بمواجهات غير محسوبة مع السلطة في ظل انكشافهم بهذا الشكل، وانعدام توازن القوى وانعدام قدرتهم على الاختباء بعد انكشاف المخابئ السرية بفضل الخيانات.

الحزب الشيوعي العراقي يتحالف مع العلمانيين مرة ومع الأصوليين أخرى

اقرأ أيضاً: كيف تحول حزب البعث في العراق من الأيديولوجيا إلى العائلة؟
واستمرت الانشقاقات والاضطرابات التنظيمية داخل الحزب منذ إعدام فهد وحتى 1955 حين قرّرت اللجنة المركزية انتخاب حسين أحمد الرضى "سلام عادل " سكرتيراً لها، وهو مُعلّم تعرض لملاحقات عدة وقاد إضرابات وتنظيمات حزبية بكفاءة في ظروف صعبة؛ فعمل أولاً على توحيد الحزب؛ فلم تبقَ منظمة خارجه، ورجعت التنظيمات المنشقة إلى حضن الحزب.
ورغم هذا النجاح التنظيمي إلا أنّ الخسارات الكبيرة والتصفيات الجسدية وظروف العمل السري لم تتح للحزب الشيوعي بناء منظومة فكرية، وإنتاج مفكرين بالشكل الذي يوازي مسيرته النضالية والأدوار المهمة التي لعبها في تاريخ العراق الحديث؛ فاستلهم نموذج الحزب الشيوعي السوري ونقل منه الأفكار والشعارات، وفي بعض مراحل الخلاف والانشقاق داخل الشيوعي العراقي كانت الأطراف تُحكّم فيما بينها خالد بكداش أمين الحزب الشيوعي السوري.

اقرأ أيضاً: حزب البعث السوري: تجربة خمسة عقود من الحكم.. ما أبرز التحولات؟
رغم دراسة العديد من الشيوعيين العراقيين في أكاديمية "كادحي الشرق" الروسية ومشاركة الحزب في المؤتمرات الدولية إلا أنّ العلاقة بينه وبين "الكومنترن" (الأممية الشيوعية) لم تكن واضحة أبداً؛ ويعلّل الشيوعيون العراقيون ذلك بأنّهم ليسوا النسخة المفضلة لدى الاتحاد السوفييتي الذي كان يُركّز بشكل أكبر على الشيوعي السوري في المنطقة.
استطاع عبد الكريم قاسم سحق انقلاب الشواف بدعم من الشيوعيين

الجمهورية الأولى
تعاون الحزب الشيوعي العراقي مع أحزاب تقدمية أخرى وضباط وطنيين للإطاحة بالنظام الملكي العراقي، وبدأ التخطيط لهذا الهدف منذ العام 1956 لينجز العام 1958 وكانت أداة تنفيذ ذلك تنظيم الضباط الوطنيين الذي يقوده الزعيم الركن عبد الكريم قاسم.

اقرأ أيضاً: حزب الوسط المصري إذ يدور في فلك جماعات الإسلام السياسي
ففي صباح يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958 سيطر الضباط على مفاصل الدولة؛ لتعلن الجمهورية العراقية الأولى وإنهاء حلف بغداد وتحرر العراق من سيطرة الجنيه الإسترليني؛ وبدأ مشروع اجتماعي اقتصادي كبير كان للشيوعيين دور بارز فيه، مثل تشريع قانون جديد للأحوال الشخصية الذي أقر المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وكذلك قانون الإصلاح الزراعي الذي فتّت ملكية الإقطاعيين الكبار.

أول تجربة تنظيمية تعود إلى بيوتر فاسيلي وهو مسيحي أشوري نشأ وتعلم في جورجيا

وعلى هذا النحو تميّزت هذه الفترة بقُرب الشيوعيين من السلطة وسيطرتهم الكاملة على الشارع العراقي، ورغم ذلك لم تكن هذه الفترة التي تحرر فيها الشيوعيون من العمل السري على ما يُرام طوال الوقت.
بدأت المشكلات من شخص قائد ثورة 1958 عبد الكريم قاسم الذي فضّل الانفراد بالسلطة، وقد كان أقرب للحزب الوطني الديمقراطي الذي يرأسه آنذاك كامل الجادرجي (وهو حزب يؤمن بالاشتركية الفابية) منه للحزب الشيوعي العراقي رغم أنه لم يكن منتمياً للاثنين.
في المقابل قصر الحزب الشيوعي في بادئ الأمر مطالبه على إيجاد مؤسسات ديمقراطية ونظام حكم برلماني، ولم يطالب بالاشتراك بالحكم؛ إذ بدا له أن النتيجة الأكثر احتمالاً هي الفوز بالانتخابات والمشاركة في الحكم.
وعلى عكس المتوقع انتهى الوفاق بين قاسم والشيوعيين في السنة الأولى من الثورة بعد أحداث كركوك العام 1959 التي اتهم قاسم فيها الشيوعيين بالتورط في القتل وسفك الدماء؛ وقد كان بعض الكرد المنتمين للحزب الشيوعي شاركوا، دون أن يمثلوا سياسة حزبهم، في معارك عرقية بين الأكراد والتركمان (الأتراك) أدت إلى مقتل العشرات من الطرفين.

اقرأ أيضاً: كيف حفّز حزب النور سلفيي الدول العربية على العمل الحزبي؟
ومع ذلك حين حاول القائد العسكري عبد الوهاب الشواف، بدعم من مصر وبتحالف داخلي مع القوميين والإقطاعيين وتيارات دينية ناقمة على نفوذ الشيوعيين، الانقلاب على عبد الكريم قاسم، كان تدخل الشيوعيين حاسماً في وأد المحاولة، وإثر تلك الأحداث رفع شعار الحزب الشيوعي ضرورة المشاركة في الحكم وهو ما رأى فيه عبد الكريم قاسم مزاحمة في السلطة.
اقترب الحزب الشيوعي بالفعل من الوصول إلى السلطة خاصة أن أعداد المنتمين إليه شكلت رقماً هائلاً، وقد سجلت تنظيماته الآلاف بعد ثورة 1958، مما حدا بالحزب إلى وقف الانتماءات الجديدة بعد العام 1959 لعدم قدرة هياكله على استيعاب هذه الأعداد، فيما بلغ عدد أعضاء لجنته المركزية 33 عضواً؛ وعلى الرغم من أنّ الحزب كان مؤهلاً لتسلم السلطة وإدارة الدولة إلا أنّ ما أوقف القيادة عن المضي في مشروعها الذي كانت تؤيده القواعد هو مذكرة الحزب الشيوعي السوفييتي المليئة بالنقد للحزب الشيوعي العراقي.
اعتبرت المذكرة موقف الحزب الشيوعي تطرفاً يسارياً، وطالبته بضرورة دعم قاسم ضد ما يتعرض له العراق من "مؤامرات ودسائس إمبريالية"، ليبقى الحزب في موقف المنتظر لهبات عبد الكريم قاسم في إشراكه بالسلطة.
وهكذا تنازل الحزب عن برنامجه دون أي بديل، وبقي في "تحالف من طرف واحد" مع النظام، رابطاً مصيره بمصير شخص قاسم، ولم يرسم لنفسه أي آفاق مستقبلية.
عبد الكريم قاسم تقرب من الشيوعيين في البداية وتخلى عنهم لصالح القوميين الذين انقلبوا عليه

إبادة وانشقاق
كانت النتيجة المنطقية لحكم قاسم الفردي وتقريبه القوميين من هرم السلطة هو أن يستثمر هؤلاء هذا القرب في الانقلاب عليه، وهو ما حدث فعلاً في 17 تموز (يوليو) العام 1963، ورغم أنّه كان بإمكانه قلب الطاولة على القوميين بتسليح الشيوعيين إلا أنّه فضّل تجنب إراقة الدماء، لتنتهي فترة حكمه بنهاية مأساوية تمثلت في إعدامه ورفاقه، ثم أذاع قادة الانقلاب بياناً في الصحف وتم توزيعه في الشوارع يحث على "إبادة الشيوعيين" وهو ما تحقق فعلاً في حملة راح ضحيتها الآلاف منهم، وفقد الحزب فيها معظم كوادره وقياداته وعلى رأسهم سكرتير اللجنة المركزية للحزب سلام عادل الذي عذب بطريقة وحشية حتى فارق الحياة.

ليس من الممكن مقاربة تاريخ الحزب الشيوعي العراقي إلا على ضوء فهم البيئة السياسية العراقية

بعد رحيل عادل المأسوي استلم عزيز محمد سكرتارية الحزب (وهي فترة السكرتارية الأطول في تاريخ الحزب من العام 1963 حتى 1993) وكانت الفترة من 1963 إلى 1968 عهد الجمهورية العراقية الثانية ذات نشاط خافت للشيوعيين وتميزت بحدوث أكبر انشقاق في تاريخ الحزب.
فقد ظهرت العام 1964 اتجاهات لدى بعض قيادة الحزب تتحدث عن بروز البرجوازية الصغيرة القومية وتسلمها قيادة الثورة الوطنية الديمقراطية، وإمكان تحقيقها أهداف الثورة الاشتراكية، ورافق هذه الاجتهادات تقليل من دور الحزب والطبقة العاملة والفئات الكادحة، وعلى الرغم من أنّ ذلك كان محل رفض لدى تيار واسع من القاعدة الحزبية، إلا أنّه تم إقرار تلك الاستنتاجات في اجتماع اللجنة المركزية في براغ العام 1964 وعُرف هذا الاتجاه فيما بعد بـ"خط آب".
وعلى الرغم من تخلي الحزب عن "خط آب" بعد عام واحد، إلا أنّ هذا لم يلغِ جذور الانشقاق الفكري والتنظيمي الذي يبرز مع كل انتكاسة؛ فحصل الانشقاق الأول العام 1967 ليتم تشكيل "الحزب الشيوعي العراقي – القيادة المركزية" الذي شطر معظم منظمات الحزب، ورافق هذا الانشقاق اعتقال بعض قيادات الحزب الشيوعي العراقي من قبل التنظيم الجديد المنشق.

عزيز محمد سكرتير الحزب الشيوعي من عام 1963 حتى 1993

اقرأ أيضاً: حزب التحرير: الخلافة الإسلامية والأسطورة المهدوية
دعا التنظيم الجديد إلى أساليب "حرب العصابات" و"البؤر الثورية" و"الانتفاضات المسلحة في الريف" وأصرّ على رفض الانقلابات العسكرية وإنْ كان تقبل فكرة دعم الجيش انتفاضته الشعبية المأمولة، والتي كانت بمثابة محاكاة لتجارب الكفاح المسلح الصاعدة في التيارات الشيوعية العالمية آنذاك بتأثير التجربة الكوبية وبتأييد مباشر من السفارة الصينية في العراق.
ومع ذلك ظلّت المحاولات العسكرية للتنظيم الجديد ضد السلطة محدودة ولم تمسّ بنيته، بل كانت خبرة الأجهزة الأمنية في قمع نشاط الشيوعيين التي تراكمت منذ العهد الملكي قد تنامت بعد إمساك البعثيين بمفاصل العمل الأمني خاصة بعد انقلاب 1968 الذي قام به البعثيون ضد القوميين ليترأس الجمهورية أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين الذي تولى الملف الأمني حتى تنحيته البكر العام 1979.
شهد التنظيم ضربة موجعة بعد نجاح الأجهزة الأمنية في القبض على قسم معتبر من كوادره، إلا أنّ الضربة الأكثر إيلاماً تمثلت في اعتقال مسؤوله عزيز الحاج العام 1969 الذي تم إظهاره بشكل مُهين في التلفزيون الرسمي معترفاً على كل مفاصل التنظيم، ليتم إعدام رفاقه، بينما تم تعيينه لاحقاً سفيراً للعراق في اليونسكو جزاء وشايته.
أحمد حسن البكر الأب الروحي لصدام حسين

فخ الجبهة الوطنية
بدأ حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق منذ العام 1970 مشاريع مهمة، فأعلن تأميم النفط ذلك العام، وأصدر بيان آذار (مارس) العام 1971 وهو أول بيان في العراق يمنح الحكم الذاتي للأكراد العراقيين، واعترف باللغة الكردية، وبذلك أنهى (مؤقتاً) مشكلة مستعصية عجزت الأنظمة العراقية المتعاقبة عن حلها.

اقرأ أيضاً: التجربة الحزبية عند الإخوان المسلمين: التنظير والعمل السياسي
كما عقد البعث معاهدة تعاون وصداقة مع الاتحاد السوفييتي واعتراف في وقتٍ مبكر بألمانيا الديمقراطية (الشرقية) وهو ما دفع الاتحاد السوفييتي للضغط على قيادة الحزب الشيوعي للتعاون والتحالف مع حزب البعث، بل وصل الأمر إلى اعتبار السوفييت نظام البعث أكثر جدارة للدعم من الشيوعيين.

كانت أدبيات الحزب الأولى تتمثل بالترجمات السوفييتية المقتضبة للماركسية وكراسات الرفيق فهد التنظيمية

ولم يصدر الضغط على الشيوعيين من قِبل الاتحاد السوفييتي فحسب، بل كان هناك ضغط موازٍ من قبل النظام البعثي أيضاً، ولم يكن هذا الضغط في بادئ الأمر بطرق الإرهاب المعتاد ضد الشيوعيين بل جرى على الساحة الصراع على النفوذ الجماهيري وعلى برنامج الشيوعيين أنفسهم، مما دفع الحزب الشيوعي إلى توقيع ميثاق العمل الوطني مع البعث العام 1973 من موقع التابع.
أتى درس الانقلاب الفاشل الذي حاول القوميون القيام به 1963 بثماره؛ وتجنب البعث العداء للشيوعيين إلى أن ثبّت دعائم سلطته، وكان للبعثيين عدة أسباب للمضيّ في التحالف، أهمها إظهار الشيوعيين في موقع الداعم لهم والاستفادة من امتدادات الحزب الشيوعي العربية والدولية، بالإضافة إلى المكانة التي يحوزها الحزب بين الجماهير العراقية والمثقفين، فكان التحالف معهم بمثابة تزكية للبعثيين على كافة المستويات خاصة مع تاريخ دموي ينوء بحمله البعثيون.
استمر التحالف بين الطرفين، إلى أن اتضح أنّ هدف البعثيين هو تجريد الحزب من مواقعه الجماهيرية عبر الإرهاب والقانون، خاصة مع ضغط البعثيين على الحزب لحل منظماته الجماهيرية التي كانت تضم عشرات الألوف من العراقيين في قطاعات الطلبة والشباب والنساء.

 خاض مصطفى البارزاني حرب عصابات في شمال العراق ضد الأنظمة العراقية ومنها البعث

اقرأ أيضاً: الأحزاب الكردية: صراعات وأحلام تنتظر التغيرات الدولية
استفاد البعثيون من شق الحركة الوطنية العراقية في الانفراد بالقوى الكبرى آنذاك، وهي؛ الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقوده الملا مصطفى البارزاني الذي خاض حرب عصابات ضروساً في شمال العراق ضد الأنظمة العراقية ومنها البعث.
كانت سياسة البعث في العمل الجبهوي قائمة على التحالف الثنائي مع الأحزاب الأخرى، وتجنب الدخول في تحالف جماعي بين الأحزاب، بهدف السيطرة على الأحزاب وتسهيل تقديمها لتنازلات فكرية وتنظيمية كبيرة لم يكن من المتصور تقديمها لو دخلوا معاً في جبهة مع البعث، ومن جانب آخر رفض الحزب الديمقراطي الكردستاني التحالف مع الشيوعيين رغم المواقف المشتركة والقتال جنباً إلى جنب ضد البعث، رغبةً منه في الاستئثار بالوضع في كردستان وعدم تقوية الشيوعيين الأكراد.
كان عمل الجبهة معتمداً على اللجان القاعدية للحزبين؛ البعثي والشيوعي، ترأستها لجنة مركزية في بغداد يتولى صدام حسين بنفسه إدارتها، ولجان قيادية في كل المحافظات، شريطة أن تكون ممثلة من مستويات قيادات الحزبين، مع امتياز أن يفتح الحزب الشيوعي مقراته في كل أنحاء العراق، وهذا ما كانت تنتظره بشغف الأجهزة الأمنية التي سجلت كل شاردة واردة بانتظار ساعة الصفر.
كانت ساعة الصفر، بعد فترة من الانتعاش النسبي بين عامي 1973 و1976، متزامنة مع موعد انعقاد المؤتمر الحزبي الثالث، علنياً، في بغداد للمرة الأولى منذ وصول البعث إلى السلطة، وكانت علانية المؤتمر بمثابة فخ للحزب؛ إذ انكشفت قواعده التنظيمية لأجهزة الأمن المختصة بمكافحة الشيوعية.

وسط ظروف غاية في القسوة فرضت السرية والهروب الدائم ظلالها على تفكير وسلوك الحزب

تصاعد الإرهاب ضد الشيوعيين، وبعد سيطرة الشيوعيين الأفغان على الحكم في أفغانستان ارتفع مؤشر الخطر لدى البعثيين من عمل مشابه في العراق، وقرر النظام العراقي إعدام 31 من العسكريين العام 1978 بتهمة انتمائهم للحزب الشيوعي داخل الجيش، ورغم الحملة العالمية ضد إعدامهم وتدخُل بريجنيف الذي أبرق للنظام العراقي، إلا أنّ البعث قام بإعدامهم وتسيير جنازاتهم أمام المقر الرئيسي الحزب الشيوعي كنوع من التحدي والاستهانة.
وكان آخر مسمار دُقّ في نعش الجبهة هو رفض الحزب الشيوعي إدانة النظام السوري بناءً على رغبة حزب البعث؛ إذ بيّن الشيوعي العراقي أنّ النظام السوري ينطبق عليه ما ينطبق على النظام العراقي، وأنّ المشكلة البعثية-البعثية لا تعنيهم، وكذلك رفضه إدانة منظمة التحرير الفلسطينية بعد خلافها مع النظام العراقي، ومع تصاعد الإرهاب ضد الحزب رفع كوادره شعار "دبر نفسك رفيق" في إشارة إلى أنّه على الرفاق الهروب فوراً من العراق.
ولأنّه لم تكن هناك خطة لهروب الشيوعيين، فقد سقط الآلاف منهم رجالاً ونساءً بيد الأجهزة الأمنية؛ لتبدأ حملة إبادة ثانية للشيوعيين فقد الحزب فيها معظم كوادره الوسطى وقاعدته إما عبر الإعدام أو السجن، واستطاع بعض كوادره الهرب إلى كردستان العراق التي وجدوا فيها ملاذاً مؤقتاً.
جدارية للرفيق فهد مؤسس الحزب الشيوعي العراقي

الكفاح المسلّح
تشكلت أولى خلايا الكفاح المسلّح الشيوعية في شمال العراق العام 1979 ليقر الحزب لاحقاً هذا المنهج فكرياً وتنظيمياً كوسيلة للإطاحة بالنظام البعثي، وأطلق على تلك الخلايا اسم "قوات الأنصار"، وقد سبق للشيوعي العراقي أن خاض كفاحاً مسلحاً وكان له متدربون في اليمن الجنوبية ولدى التنظيمات الفلسطينية.

في العام 1949 أُعدم فهد والقياديان الشيوعيان حازم وصارم ليقع الحزب في حيرة تنظيمية

إلا أنّ هذه الفترة لم تخل من بعض المفارقات المُنغِّصة؛ فكان الحزب الشيوعي العراقي يحارب إلى جانب القوى القومية الكردية ضد النظام العراقي، وكانت القوتان الرئيسيتان لتلك القومية هما؛ الحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادة الملا مصطفى البارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، المنشق عنه، بقيادة جلال طالباني، يخوضان حرباً موازية ضد بعضهما البعض، وكلما شعر فريق منهم بقرب هزيمته استعان بالنظام العراقي ضد غريمه لتغيير المعادلة.
عانى الشيوعيون من هذا الصراع، وحاولوا مراراً التوفيق بين الطرفين دون جدوى؛ فاضطروا للدخول في جبهتين مختلفتين معهما بشكل منفرد، وهو ما أثار حنق الاتحاد الوطني الكردستاني؛ فهاجم في الأول من أيار العام 1983، المقرات المركزية للحزب الشيوعي في جبال كردستان العراق وأوقع فيهم مقتلة كبيرة فيما بات يعرف اليوم بـ"مذبحة بشتاشان".
أدى انعدام توازن القوى بين الشيوعيين والنظام واستعمال الأخير للأسلحة الكيماوية في شمال العراق، بالإضافة إلى الخلافات بين رفاق السلاح من التنظيمات القومية الكردية إلى فشل استراتيجية الكفاح المسلح في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، رغم مساحات الأراضي الهائلة التي سيطر عليها الحزب وكم الشهداء الذين قدمهم.

اقرأ أيضاً: الأحزاب العربية: خيبات الفرص الضائعة
في المحصلة خرج الحزب الشيوعي العراقي من كل التحالفات خاسراً؛ فتحالفه مع الأحزاب الوطنية فترة عبد الكريم قاسم ودفاعه عن ثورته، من منطلق مساندة الحكم الوطني، أسفرا عن ملء السجون بالشيوعيين، وحصلوا في ختام تلك المرحلة على مذبحة، وسلّمهم تحالفهم مع البعثيين في منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى مجازر العام 1979، وتحالفه مع الأحزاب القومية الكردية في تجربة الكفاح المسلح كان خاضعاً لتقلبات "الأخوة الأعداء" وكانت نتيجته مذبحة بشتاشان.
وقد أقدم قسم كبير من الشيوعيين على مراجعة سياسات الحزب عبر تاريخه، واعتبروا تلك التحالفات غير مبررة، بينما رأى فيها الآخرون ضرورة لالتقاط الأنفاس، وأنّه في ساحة عمل كالعراق من المحال إنجاز برنامجهم بمفردهم، ومنذ البدايات وصى فهد رفاقه بالقول "قووا تنظيم حزبكم قووا تنظيم الحركة الوطنية".
انتهى الوفاق بين قاسم والشيوعيين في السنة الأولى من الثورة

مأزق الاحتلال والطائفية
أدركت القوى السياسية العراقية المعارضة خارج العراق استحالة إسقاط نظام صدام حسين، كما أنّ كل محاولة لإسقاطه من الداخل ستكون نتائجها وخيمة؛ فسياسة العقاب الجماعي التي كان يمارسها النظام ضد أقارب المعارضين إلى الدرجة الرابعة أنهت بشكل مطلق مجرد التفكير بالتغيير من العراق، سواء عبر الانتفاضة أو الانقلاب العسكري.
ومع اندلاع أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 واحتلال أفغانستان بات غزو العراق مسألة وقت، وبين قسوة النظام العراقي الذي في رقبته دماء آلاف من الشيوعيين العراقيين وبين احتلال قوة إمبريالية للعراق رفع الحزب شعار "لا للحرب لا للدكتاتورية"، وهو الشعار الذي تبناه اليسار الأوروبي أيضاً.

استمرت الانشقاقات والاضطرابات التنظيمية داخل الحزب منذ إعدام فهد وحتى العام 1955

رفض الحزب الشيوعي الحرب باعتبارها الخيار الأسوأ والأشد تدميراً، مؤكداً أنّ مشروعه في الخلاص لا يتأتى بدعم احتلال أجنبي، وفضّل خياره السياسي المعتمد على الشعب والقوات المسلحة ووحدة القوى الوطنية المعارضة.
لكن القوى المعارضة التي راهن عليها الحزب من التيارات الرئيسة: الإسلامية والقومية والليبرالية تعاملت مع الاحتلال واعتبرته أمراً واقعاً، وهيأ الجميع نفسه لمرحلة ما بعد صدام حسين.
أرسى المشروع الأمريكي منهج المحاصصة الطائفية والعرقية كأسلوب لحكم العراق، وكانت النتيجة صعود الهويات الفرعية وممثليها كأطراف حاكمة، مع ما تستثمره من تهييج وصراع عرقي وطائفي.
إلا أنّه مع هامش الحرية النسبية المتاح في عراق ما بعد الاحتلال، فضّل الحزب الشيوعي الدخول في العملية السياسية الجديدة، رغم انقطاعه عن الشارع العراقي منذ العام 1979؛ فأعاد افتتاح مقراته في جميع أنحاء العراق وأعاد الصلة بتنظيماته، إلا أنّ الواقع الجديد الذي يعيشه الحزب أصبح مخيباً لآمال الشيوعيين وأنصارهم، وترجع حالة الضعف التي يعانيها الحزب وتنظيماته إلى سببين رئيسين:
أولاً، ضعف اليسار والتيارات الشيوعية في العالم بعد انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفيتي وبروز القطب الواحد، على الرغم من أن الحزب حاول تلافي تبعات الانهيار مبكرا؛ فعقد مؤتمره الخامس "مؤتمر الديمقراطية والتجديد" العام 1993 وأقر الديمقراطية منهجاً في تنظيماته، لكن انهيار اليسار العالمي، الذي ألقى بظلاله على كل الأحزاب الشيوعية في العالم، كان أكبر من أن تُعالجه إصلاحات التنظيم الداخلي لحزب مُهّشم.

فقد الحزب الشيوعي معظم كوادره وقياداته

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية المصرية بعد ثورة يناير: متى تتجاوز مربع الشعارات؟
ثانياً، صعود التيارات الإسلامية السياسية في العراق، ورغم أنّ ذلك يعد جزءاً من حالة عامة في الشرق الأوسط بعد نكسات القومية، إلا أنّ العراق عانى من التداعيات الكارثية لصعود تلك القوى التي ساهم في نموها واستفحالها سياسة النظام السابق الطائفية التي تبناها بعد حرب الخليج العام 1991، متمثلة في "الحملة الإيمانية" التي استهدفت القوى الشيعية التي حصدت بدورها ثمار مظلوميتها بعد العام 2003 وما زالت مستمرة في استثمار السياسات الطائفية للنظام السابق.
وعلى هذا النحو أفقد النهج الحاكم الجديد المبني على الطائفية والعرقية، بالإضافة إلى تفضيل الأقليات تنظيم نفسها بعيداً عن الإطار التاريخي للدفاع عنها وهو الحزب الشيوعي العراقي، الشيوعيين كثيراً وضاعف حجم عزلتهم في المجتمع عن الشرائح الفقيرة والكادحة التي أصبحت وقوداً للتيارات الإسلامية في معاركها الطائفية.

الخسارات الكبيرة والتصفيات الجسدية وظروف العمل السري لم تتح للحزب الشيوعي بناء منظومة فكرية

ومع ذلك مازال الحزب محتفظاً بتنظيماته ويحاول الانتشار في كل مناطق العراق، مستثمراً في إرثه التاريخي وعدم تورطه في قضايا الفساد المالي وهي السمة الأبرز للأحزاب العراقية، وكذلك عدم دخوله في مطحنة الاحتراب الطائفي، وما يزال مشروعه الحالي هو وحدة القوى المدنية الديمقراطية في برنامج اقتصادي اجتماعي قائم على العدالة الاجتماعية والديمقراطية، رغم أنّ برنامجه يحظى اجتماعياً بنسب قبول كبيرة خاصة بين الطبقة الوسطى العراقية، إلا أنّه من الصعب ترجمة هذه المقبولية العالية إلى أصوات انتخابية، لكن الحزب مُصرّ على أن يبلور نفسه كبديل يقف دائماً قرب الأحداث مهما كان حجم تأثيره.
يحتفل الحزب هذا العام بذكرى تأسيسه الخامسة والثمانين، ليكون بذلك عميد الأحزاب العراقية، إلا أنّ التاريخ وحده لا يشفع أمام التحديات التي تواجهه في الساحة العراقية، ولعلّ أهمها تجديد دمائه بالشباب، وإعادة تصعيد مسألة توزيع الثروات كأساس للاستقطاب السياسي، في ساحة سياسية كالعراق يتم الاستقطاب فيها على أسس عرقية وطائفية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



منظمات إنسانية في اليمن تحذر: اقتربنا من نقطة الانهيار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

تخيم على اليمن في الآونة الأخيرة تبعات كارثية على الصعيد الاقتصادي والصحي والمجتمعي، نتيجة لممارسات وجرائم ميليشيات الحوثي، طوال الأعوام الماضية؛ حيث لم تكتفِ بابتزاز المواطنين وعدم توفير أقل مقومات الحياة لهم، بل استخدمتهم كدروع بشرية في حربهم، وطالت جرائمهم أيضاً المنظمات الإنسانية العالمية التي تعرضت للاعتداء والابتزاز والنهب مراراً من قبل الميليشيات، ما دفع تلك المنظمات لإعلان تعليق عملها في اليمن، رغم حاجة الشعب اليمني الماسّة لها، لا سيما في هذا الوقت في ظل تفشي فيروس كورونا. 

وفي هذا السياق، قالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، أمس، إنّ عملها في اليمن يقترب من "نقطة الانهيار المحتمل" مع انتشار فيروس كورونا، وازدياد عدد الأسر التي تلجأ للاستجداء وتشغيل الأطفال وتزويجهم، وفق ما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء.

الأمم المتحدة: نظام الرعاية الصحية في اليمن انهار، وإطلاق نداء من أجل الحصول على تمويل عاجل

وأوضح المتحدث باسم المفوضية، تشارلي ياكسلي، في إفادة عبر الإنترنت "نحن بصدد الوصول إلى نقطة انهيار محتمل في برامجنا، وقد يتعين وقف الكثير من برامجنا خاصة برامج المساعدات النقدية لليمنيين النازحين داخلياً، إذا لم نحصل على تمويل إضافي قريباً".

وأضاف: "نحن نشهد عدداً متزايداً من الأسر التي تلجأ إلى آليات تكيف ضارة مثل الاستجداء وتشغيل الأطفال وتزويجهم من أجل البقاء".

وأكد أنّ المفوضية تقدم برامج مساعدات نقدية لنحو مليون نازح داخلياً، يعتمدون على هذه المساعدات في الحصول على الغذاء والدواء والمأوى.

اقرأ أيضاً: الحوثيون والإخوان.. محاولات سرقة فرحة العيد من اليمنيين‎

وقالت الأمم المتحدة، في تصريح سابق الأسبوع الماضي، إنّ نظام الرعاية الصحية في اليمن "انهار فعليا" وإنّ من المتوقع أن ينتشر فيروس كورونا في مختلف أنحاء البلاد، مطلقة نداء من أجل الحصول على تمويل عاجل.

وذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أمس، إنّه تلقى حوالي 15 في المئة من التمويل المطلوب البالغ 3.38 مليار دولار لخطة الاستجابة الإنسانية في اليمن لعام 2020 وإنّ الولايات المتحدة هي أكبر المانحين.

من جهتها، قالت المتحدثة باسم برنامح الأغذية العالمي، إليزابيث بيرز، خلال الإفادة "الوضع الإنساني في اليمن قد يخرج عن السيطرة إذ إنّ مرض كوفيد-19 يهدد السكان الذين أرهقتهم سنوات الحرب"، مضيفة أنّ الجائحة تهدد الواردات الغذائية.

صندوق الأغذية العالمي: فيروس كورونا سيفاقم مشكلة سوء التغذية الحاد عند الأطفال

وتابعت "يتوقع صندوق الأغذية العالمي أن يدفع فيروس كورونا بأعداد كبيرة من الأطفال في اليمن إلى سوء التغذية الحاد"، مضيفة أنّ أكثر من مليوني طفل يعانون منه بالفعل.

وفي سياق متصل، حذرت منظمة الصحة العالمية، من تداعيات تفشي فيروس كورونا على نصف سكان اليمن، الذي يعاني هشاشة في القطاع الصحي جراء حرب مستمرة منذ أكثر من 5 أعوام.

وعلقت منظمة الصحة العالمية قبل 17 يوماً نشاط موظفيها في مراكزها بالمناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن، وذلك في خطوة قالت مصادر لوكالة الأنباء الألمانية إنها تستهدف الضغط على الحوثيين للتعامل بشفافية أكبر إزاء الحالات التي يُشتبه بإصابتها بفيروس كورونا.

اقرأ أيضاً: إخوان اليمن يدشنون مخطط الفوضى في حضرموت بهدف السيطرة عليها

وأعلمت توجيهات منظمة الصحة العالمية موظفيها في صنعاء وميناء الحديدة على البحر الأحمر ومحافظة صعدة في الشمال ومحافظة إب في الوسط بأنّ "جميع التحركات أو الاجتماعات أو أي نشاط آخر" للموظفين في تلك المناطق قد أوقفت حتى إشعار آخر. وقالت المنظمة إنها علقت مؤقتاً تحركاتها في المناطق الشمالية بسبب "تهديدات حوثية ذات مصداقية ومخاطر متوقعة قد يكون لها أثر على أمن الموظفين".

من جهة أخرى، حذر وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، من كارثة صحية في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية بسبب فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في ظل سوء التغذية وضعف الرعاية الصحية وانعدام الخدمات الطبية.

وقال وزير الإعلام اليمني، في تصريح لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ): "إنّ المدنيين في العاصمة المختطفة (صنعاء) ومناطق سيطرة الميليشيا الحوثية يتساقطون في الشوارع بعد تفشي فيروس ‎كورونا، فيما تواصل الميليشيا إخفاء الحقائق عن الرأي العام والتستر عن الأرقام الحقيقة للوفيات والإصابات بالوباء والاستهتار في تنفيذ الإجراءات الوقائية وتقديم الرعاية الصحية للمصابين".

معمر الإرياني يحذر من كارثة صحية في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية بسبب فيروس كورونا

وحمّل الإرياني، الميليشيات الحوثية، المدعومة من إيران، كامل المسؤولية عن تردي الخدمات الصحية في مناطق سيطرتها بسبب الحرب التي فجرها الانقلاب، وإعاقتها جهود الحكومة ومنظمة الصحة العالمية لمواجهة الوباء ومحاولة استغلاله لابتزاز المنظمات الدولية دون اكتراث بمعاناة ومصير ملايين المواطنين.

وجدد دعوة المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية للتدخل العاجل وتكثيف الضغوط على الميليشيات الحوثية لانتهاج مبدأ الشفافية في التعامل مع جائحة كورونا ونشر البيانات والأرقام الصحيحة بشكل دوري للرأي العام لأخذ احتياطاتهم، وتقديم الدعم والرعاية الصحية للمصابين.

وفيما يتعلق بالمساعدات لليمنيين، كانت السعودية أعلنت في 10 أيار (مايو) الجاري، أنها ستستضيف مؤتمراً للمانحين حول اليمن بمشاركة الأمم المتحدة مطلع حزيران (يونيو) المقبل.

السعودية تستضيف مؤتمراً للمانحين حول اليمن بمشاركة الأمم المتحدة مطلع حزيران  المقبل

وقال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، في بيان نشر على موقعه ونقلته شبكة "روسيا اليوم"، إنّه بتوجيهات من العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد محمد بن سلمان، تنظم السعودية مؤتمر المانحين لليمن 2020، يوم 2 حزيران (يونيو) المقبل. وأشار إلى أنّ المؤتمر سيعقد افتراضياً برئاسة المملكة.

وأضاف المركز أنّ دعوة السعودية لعقد المؤتمر تأتي "امتداداً لمساهمتها الإنسانية والتنموية عالمياً وفي اليمن على وجه الخصوص، حيث تعد المملكة "الدولة الأولى المانحة لليمن تاريخياً، وخصوصاً في السنوات الخمس الماضية بتقديمها مساعدات إنسانية وإغاثية ومعونات للاجئين اليمنيين ومساعدات تنموية من خلال إعادة الإعمار ودعم البنك المركزي اليمني".

ودعت السعودية الدول المانحة إلى "المبادرة ودعم الجهود الرامية لنجاح هذا المؤتمر الإنساني الكبير بالوقوف مع اليمن وشعبه الكريم".

ويعتمد نحو 80% من اليمنيين؛ أي 24 مليون شخص، على المساعدات الإنسانية، فضلاً عن وجود عشرة ملايين نسمة معرضين لخطر الموت جوعاً، ما جعل اليمن تمر بأكبر أزمة إنسانية في العالم حتى قبل ظهور فيروس كورونا.

للمشاركة:

هكذا استثمر "الإخوان" بالتدين الشعبي لدى فلاحي مصر

2020-05-27

في كتابها "تجربة مصر الليبرالية: 1922 – 1936" (2011)؛ ذهبت المؤرخة المصرية عفاف لطفي السيد، إلى أنّ "الغالبية الكبرى من أهل الريف إن لم يكونوا إخواناً بالفعل، فهم على الأقل متعاطفون [مع الجماعة] تعاطفاً وثيقاً"، وهو حكم مبني في الأساس على النفوذ المستقر للدين في الريف، الذي درسته المؤرخة دراسة أنثروبولوجية، قررت فيها أنّ الدين كان المصدر الوحيد لراحة الفلاح على مدار قرون من الاستعباد والقهر.

اقرأ أيضاً: من الأسلمة إلى التدين.. كيف نفهم الحالة الدينية؟
تحاجج السيد بأنّ "معرفة الفلاح بدقائق دينه محدودة وعقيدته بسيطة جداً ويسيطر عليه توقير الأولياء وإيمان بالخرافات"، وبسبب ضعف المعرفة الدينية هذا "كان أهم فرد في مجتمع القرية نفوذاً، باستثناء العمدة، هو العالم الديني الذي كان موضع احترام كبير من الجميع بحكم معرفته بالدين، ولهذا كانت مهمته بمثابة موجّه أخلاقي وقاضٍ وموضع ثقة، ونموذج يُحتذى به في مجتمع القرية بأسرها، وكان الناس يسعون إلى صحبته؛ لأنّ حفظه لكتاب الله يجعل منه مخلوقاً متميزاً".

اقرأ أيضاً: أغنية العمل بين التدين الشعبي والاختراق الأصولي
وتستنتج المؤرخة المرموقة؛ أنّ تأثير العامل الديني على أهالي الريف واحد من أسباب نجاح حركة الإخوان المسلمين، وهي حجة يتبناها قطاع معتبر من المفكرين والسياسيين والصحفيين، والتي عبّرت عنها عفاف لطفي ببلاغة، في قولها: "كان الإخوان يتحدثون بعبارات يفهمها الفلاح، وكانوا ينادون بالعودة إلى المبادئ الإسلامية للحكومات وبالعودة إلى العدل الاجتماعي والإنصاف"، لكن؛ هل هي كافية الدراسة الأنثروبولوجية لفهم تعقيدات الظواهر السياسية؟
"تجربة مصر الليبرالية: 1922 – 1936"

ملح الأرض المسيُّس
يرصد تيموثي ميتشل، في كتابه "استعمار مصر"، التفاف الفلاحين حول الزعيم المصري أحمد عرابي، وانخراطهم معه في نضاله السياسي ضدّ الطغمة التركية الحاكمة في مصر، وفي معاركه الحربية ضدّ الاستعمار الإنجليزي، كانوا كما يروي سيد عشماوي في كتابه "الفلاحون والسلطة"، يغنون "الله ينصرك يا عرابي"، وحين هُزم قائدهم كانوا يصيحون "الولس خان عرابي"، وقد دخلوا في مواجهة شاملة مع الإنجليز، حتى كادت الحكومة أن تضع الوجه البحري بمجمله تحت الأحكام العسكرية، كما يقول سليم النقاش في كتابه "مصر للمصرييين".

احتاجت جماعة الإخوان إلى كسر المشروع الناصري حتى تستثمر في هزيمته، وكانت انطلاقتها الثانية بادئة بالطلاب خلال السبعينيات

يشير ميتشل إلى أنّ الإنجليز شكَّلوا "لجان قطع الطرق" لسحق الجماعات المسلحة في الريف، ولجأوا إلى شنّ غارات عسكرية مكثفة واستخدموا البوليس السري والمرشدين والسجن الجماعي حتى امتلأت سجون البلاد بأربعة أضعاف طاقتها. 
كانت تلك هي بداية تسيُّس الفلاحين المصريين، إلا أنّ ذروة انخراطهم في السياسة كانت مع سعد زغلول، في ثورة 1919، الذي كان محل تبجيل الفلاحين وثقتهم ودافعوا عنه بأرواحهم؛ وكان وجوده على رأس الوزارة، عام 1924، بمثابة أول انتصار سياسي للفلاحين منذ قرون مديدة؛ حيث عدّوه واحداً منهم، ولم يكونوا على خطأ تماماً.
ورث النحاس جزئياً زعامة سعد زغلول وحزبه وجماهيره أيضاً؛ حيث صار الوفد بمثابة الروح الحية للوطنية المصرية، وحاز ما يشبه الإجماع الشعبي على دعمه في مواجهة المندوب السامي البريطاني والملك، وكان -على حدّ تعبير جرافتي سميث، كما تنقل عفاف السيد، "يتربع الوفد في قلب الفلاح"، وعلى الرغم من كل عيوب النحاس إلا أن مجرد وجوده على رأس الوفد أتاح له من الشعبية الجارفة ما يوفَر له تفويضاً للحصول على الاستقلال وإقرار حكم الأغلبية.
دخلت الأيديولوجيا التي صاغها حسن البنا في صراع صفري مع الحقائق السياسية لمصر الحديثة

الاستثمار في الإحباط
في ثلاثينيات القرن الماضي؛ دخلت الأيديولوجيا التي صاغها حسن البنا في صراع صفري مع الحقائق السياسية لمصر الحديثة، وكانت المحنة التي واجهتها الجماعة الصاعدة تكمن في أنّها لا تواجه أزمة بعينها سياسية (الاستقلال والدستور)، ولا اقتصادية (الاستقلال الاقتصادي أو العدالة الاجتماعية)؛ بل أزمة بالغة العمق تلف الحياة الاجتماعية التي يكتنفها التغريب والعصرنة، بعد أن أصبح المصريون لا يدينون بولاءٍ لخليفة ما؛ بل يشاركون بشكل دوري في صُنع حكوماتهم ويضعون قوانينهم، وبالطموح المستحيل لإلغاء كل ذلك وبرؤية ضبابية لصياغة بديلٍ عنه استطاع البنا جذب الساخطين على النظام السياسي والمطرودين من نعيمه الآفل.

وعدَ البنا من صعقهم الكساد الاقتصادي من الموظفين أصحاب الدخول الثابتة وصغار المستثمرين بغدٍ أفضل يخلو من المستغلين الغربيين

كان الجو العام مساعداً على تكريس أيديولوجيا من هذا النمط؛ إذ دخلت البلاد في فترة قنوط تام بعد أن أسفرت معطيات الواقع السياسي، وثغرات دستور 1923، عن تسلط المعتمد البريطاني والملك على المشهد السياسي، فضلاً عن سيطرة "الباشوات" على الهيكل السياسي لحزب الوفد، وتعايشهم مع الاحتلال، ومعارضتهم لأيّ إصلاح اجتماعي.
تمحورت دعاية البنا حول إمكان تجاوز التعقيدات الهيكلية للحياة الحديثة عبر اللجوء إلى مبادئ الإسلام وسنن الخلفاء الراشدين: كان يصنع من المادة الخام لثقافة العوام قصراً مشيداً من الأحلام يؤوي المطرودين من أبواب "الحي الأوروبي" لمدينة الإسماعيلية.
كانت الإسماعيلية تجسّد ما عبّر عنه فرانز فانون ببراعة بـ "الفالق الاستعماري" الذي يفصل بين المستوطن والأصلاني، أو بين المحتل وابن البلد؛ حيث تشمل حيَّين: حيّاً ذا طابع أوروبي يقطنه موظفو قناة السويس الأجانب والمصريون المتفرنسون، وفيه شوارع واسعة ونظيفة مطرزة بالأشجار من الجهتين ونوادٍ أنيقة مغلقة عليهم، وحيّاً آخر على حافة الصحراء تشغله الطبقة العاملة المحلية التي تروح وتجيء في شوارعه الضيقة القذرة.

اقرأ أيضاً: السلوك التديني عند الفلاحين في الريف المصري
وجد البنا ضالّته في القسم الشعبي من الإسماعيلية، وزرع فيه بذور جماعته التي نمت بسرعة خارقة في مدن القنال، وبفضل تبرعات الأعضاء، ومنحة من شركة قناة السويس؛ أسّس مسجداً وعدة مدارس درّب فيها الأطفال تدريباً دينياً صارماً.
انتقل البنا إلى القاهرة، إلا أنّ النقلة الكبرى في حياته وحياة الجماعة أتت من إخفاق أكبر الأحزاب شعبية في البلاد: حزب الوفد؛ إذ كسرت معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا، التي وقعها الوفد، ظهر جيل كامل من السياسيين المصريين، الذين أحسوا بأنهم خُدعوا بعد نضال مُرهق وطويل وحصلوا في النهاية على معاهدة بلا قيمة، كان بإمكانهم الحصول عليها قبل عقد من الزمن مع توفير أرواحهم وأعمارهم التي استُهلكت في السجون والميادين.

اقرأ أيضاً: التفكير "المتدين" كنمط عابر للتيارات الحزبية العربية!
استثمر البنا في هذا السخط العام، ودبّج نقداً قاسياً مثل كل بني جيله ضد اللعبة السياسية الفاشلة والمُحبِطة، إلا أنه على عكس نظرائه لم يبن أيديولوجيا عصرية، لكن أكثر جذرية، كما لدى الشيوعيين، بل صاغ دعاية واضحة وبسيطة موجهة إلى أنصاف المتعلمين أساساً، وسقْط متاع الوفد في الجامعات والمدراس الثانوية، وإلى نخبة من المتعلمين المتأثرين بالإحباطات السياسية للأحزاب، كان لافتاً أنّ الجماعة انطلقت من مدن القناة وازدهرت في القاهرة.

 

سياسة النموذج
كان رجل الشارع الذي يعاني من وفرة البطالة ونقص الغذاء ينظر إلى الديمقراطية نظرة مليئة بالريبة، بعد أن تحولت إلى ألاعيب سياسية لا طائل من ورائها، ومع اختلال المثل الأعلى للسياسة المصرية (الديمقراطية في الغربية) لمع بريق الفاشية في أعين السياسيين الناقمين، الذين رأوا فيها علاجاً ناجعاً وفعالاً لعلل المجتمع، كانت فكرة أنّ موسوليني يجعل القطارات تتحرك في وقتها في بلدٍ كلّ ما فيها قيد الاختلال أكثر جاذبية من كلّ قاموس الليبرالية السياسي.
ومثل حركة "مصر الفتاة" (شبه الفاشية) جاء البنا بفكرة الدعوة إلى حكومة قوية تفرض سلطتها على كامل البلاد، يقودها زعيم ينهي كلّ القضايا العالقة على أمل إحلال جماعته محل الأحزاب السياسية كافة، وبدهاء شديد؛ صاغ شعاره "الرسول زعيمنا"، على أمل سحب البساط من تحت أقدام مصطفى النحاس "زعيم الأمة".

اقرأ أيضاً: مؤتمر أوروبي يطالب بإنشاء مركز خاص لمراقبة تنظيم الإخوان
طوال هذه الفترة، منذ تأسيس الجماعة في العشرينيات وحتى منتصف الأربعينيات، لم يذكر البنا كلمة واحدة عن استقلال مصر أو انسحاب القوات البريطانية من أراضيها، ولم يذكر في خطبه المتكررة كلمة واحدة عن الاحتلال، في زمن كانت فيه جلّ النشاطات الوطنية متركزة على توحيد الشعب ضدّ الاحتلال البريطاني؛ حيث استطاع بدهاء التهرب من متطلبات العمل الوطني إلى مجموعة من الممارسات، التي جذبت أنظار الناس فتعلقت أفئدتهم بالنموذج الجديد للانخراط السياسي القائم على التضامن الاجتماعي عبر تأسيس المدارس والمستشفيات والصناعات الريفية.
وعد البنا من صعقهم الكساد الاقتصادي من الموظفين أصحاب الدخول الثابتة وصغار المستثمرين بغدٍ أفضل، يخلو من المستغلين الغربيين، ويزدهر بالصناعات المحلية التي تقف على شفا الانهيار، وبرهنت جماعته عبر جهودها في ميدان التجارة والصناعة المحلية على إمكان ذلك.

اقرأ أيضاً: بدء أولى خطوات حظر تنظيم الإخوان في ألمانيا
بعد عقود مديدة من تشبُع البيروقراطية بالفساد، إلى درجة أنّ سعد زغلول بكلّ سطوته السياسية وقف عاجزاً أمامه، تمكنت الجماعة، أخيراً، من توضيح أنّه بإمكان المرء أن يكون ناجحاً وشريفاً في وقت واحد، وأن يتفوق وهو يحيا حياةً ورعة، ولم تكتف الجماعة بتقديم خدمات خيرية للمحتاجين؛ بل استطاعت عن طريق إستراتيجية "المعونة الذاتية"، التي مكّنتها من استخدام مواردها المتاحة بكفاءة أن تقدم دليلاً عملياً على واقعية ما نادت به.
كلّ هذا كان يجري في وقت نجح فيه أباطرة المال والأعمال، بقيادة أحمد عبود باشا، كما يشير إريك دافيز، في "مأزق البورجوازية الوطنية الصناعية في العالم الثالث: تجربة بنك مصر 1920-1941"، من سحق المشروع الوطني الكبير الذي قاده طلعت حرب، ممثلاً في بنك مصر ومجموعة شركاته، التي ساهمت في توظيف مليون ونصف مصري، في بلد عدد سكانه لم يتجاوز الـ 14 مليوناً.

اقرأ أيضاً: هل تمثل كوريا الجنوبية ملاذاً بديلاً لجماعة الإخوان المسلمين؟

ان السياسيون الذين لا يرون أبعد من مقاعدهم في البرلمان سبباً في تحطيم النظام كلّه، وكان الاقتصاديون الذين لا يرون إلا حصتهم من الكعكة الصغيرة سبباً في كفالة استمرارية تاريخية لجماعة تحلم بوضعهم تحت وصايتها أو سحقهم.
على النقيض من ذلك؛ كانت الحركة الشيوعية تعمل تحت السقف السياسي نفسه، وفي الأجواء نفسها، وتتفوق على جماعة الإخوان، بضمّها ألمع العقول الاقتصادية والفكرية في البلاد، لكنّها لم تنجح في تجاوز أفق النخبة السياسية والحركة الطلابية، كما فعلت الجماعة التي قدمت نموذجاً جديداً للعمل السياسي.
الفلاحون زهدوا في السياسة منذ رحيل رجلهم عبد الناصر

ليذهب الفلاحون إلى الحقل
مع كلّ أزمة سياسية هيكلية تعصف بالمجتمع وتحاصره بالقلق والبؤس، تتوفّر كلّ أسباب القطيعة مع الحالة الطبيعية للسياسة، كصراع عقلاني يدار وفق آليات محددة؛ حيث تغزل الجماعات الهوياتية من خيوط البؤس هذه رؤية طوباوية للنظام الاجتماعي، متجاوزة للحداثة، وساعية لتكوين جماعة نقية من "المؤمنين"، ويكون الطلاب هم نقطة البدء دائماً.

اقرأ أيضاً: ماليزيا ترحّل 6 أشخاص.. ما علاقة جماعة الإخوان؟!
وقد برع الإخوان بدورهم في عزو سائر اختلالات المجتمع، ابتداءً بالتفاوتات الاجتماعية، والفساد، والانحلال الخلقي، والاستبداد إلى الحداثة نفسها، ووجهوا كلّ طاقتهم نحو إنجاز قطيعة ثقافية مع منطقها.
كان الطلاب على مدار التاريخ المصري، كما تعبّر مجمل أعمال الباحث المصري، أحمد عبد الله رزة، هم الأكثر اهتماماً بالسياسة في ظلّ معاناة الأغلبية من الأمية، وهم الوسيط السياسي الذي يربط الريف بالمدنية في إطار النضالات القومية، والذراع القوية للأحزاب جميعها؛ بل تؤكد عفاف مارسو أنّ الكثير من زعماء الطلاب كانوا مقيدين في كشوف رواتب الأحزاب في الحقبة الليبرالية، وهو ما دفع قطاعات واسعة من الطلاب للعمل بشكل مستقل عن تلك العناصر، وقد اجتذبتها القوى البازغة من الشيوعيين والإخوان.
ما ميز حسن البنا، عن هنري كرويل (أبرز شيوعي في مصر)؛ أنّه رائد في توسيع الرقعة الاجتماعية لمريدي الجماعة خارج أسوار الجامعة، ومع ذلك؛ ظلّ الوفد عصياً على الهزيمة، حتى إذا جاءت الناصرية بزخمها الاجتماعي، وصبغتها التقدمية الساعية لخلق مجتمع جديد وعصري، أصبحت الجماعة تبدو رثة ومتخلفة أمامها.

اقرأ أيضاً: الإخوان والعودة المستحيلة.. هل خسرت الجماعة معركتها الشعبية؟
احتاجت الجماعة إلى كسر المشروع الناصري حتى تستثمر في هزيمته، وكانت انطلاقتها الثانية بادئة بالطلاب أيضاً خلال السبعينيات، في هذه المرة كانت تشكل بديلاً حقيقياً للنظام، واتسعت قاعدتها الاجتماعية في الحضر، وصار الريف معقلها، ومع ذلك ظلت المفارقة قائمة: تسيطر على الريف، ولا تستأثر بولاء الفلاحين الذين زهدوا في السياسة منذ رحيل رجلهم عبد الناصر، كان الطلاب القادمون من الريف الذين اقتلعهم التعليم الحديث من جذورهم، وعجز عن إدماجهم في منطق المدينة، عمودَ جماعة الإخوان الصلب، ولم يكن للفلاحين، ولا لخصائص تدينهم الفريدة، يد في الموضوع.

للمشاركة:

لماذا قدّم الإخوان 3 تفسيرات مختلفة لرسالة التعاليم لحسن البنا؟

2020-05-27

كتب حسن البنا القليل من الكتب، وبعض الرسائل، والكثير من المقالات، وما حظي من ذلك بالاهتمام الحقيقي رسائله الخاصة لجماعته، وأشهرها على الإطلاق رسالة "التعاليم" التي كتبها العام 1938، وتشكّل، مع رسالة "المؤتمر الخامس"، المكوّن الفكري الأهم والحقيقي لحركة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي من بعد، فقد وضع البنا فيهما خلاصة مشروعه، وأوضح طرق تنفيذه ومراحل تكوينه، كما رسم بدقّة دور كلّ عضو في التنظيم، بحسب كلّ مرحلة، لهذا قدّم البنا رسالته الى طائفة خاصّة من الإخوان، أطلق عليها "الإخوان المجاهدين"، وهم أفراد النظام الخاص، وظلّ لعشرة أعوام يشرحها لتلك الفئة المخصوصة المصنوعة على عينه، كانت رسالة "التعاليم"، ومعها رسالة "المنهج"، نصاً سرياً لمجموعة مخصوصة، لهذا كانت شروحهما غير معلنة للعامة، فلم يدوّن البنا مراده من كلّ جملة في الرسالة، مكتفياً بما لقنه شفوياً وعملياً لتلك المجموعة.

اقرأ أيضاً: هل سرق حسن البنا النار من صديقه السكري؟

لكنّ الغريب؛ أنّ الإخوان أعادوا إنتاج تلك الرسالة ثلاث مرات، مع شرح جديد في كلّ مرّة لها! ولا أحد يعلم لماذا لم يقدموها بشرح حسن البنا نفسه؟ رغم أنّ كثيراً ممّن حضروا شرح الرسالة من كاتبها الأصلي، كانوا ما يزالون على قيد الحياة وقت كتابة تلك الشروح.

قدّم البنا رسالته الى طائفة خاصّة من الإخوان وظلّ لعشرة أعوام يشرحها لتلك الفئة المخصوصة

المرة الأولى كانت العام 1952، بشرح عبد المنعم تعيلب، الإخواني الشاب الأزهري، ثمّ قدموها العام 1980 بشرح سعيد حوى، الإخواني السوري، بشرح مختلف تماماً عمّن سبقه، ثم بعد عشرة أعوام؛ أي في العام 1990، ظهر شرح ثالث لمحمد عبد الله الخطيب، مفتي الإخوان الأزهري، والملاحظ أن تركيز الإخوان الفكريّ انصب على جزء من الرسالة، وهي الأصول العشرون للفهم، وتقديمها كأنّها من متطلبات إيمان المسلمين.

تشير المعطيات إلى أنّ الإخوان المسلمين استخدموا رسالة التعاليم، باعتبارها "مانفيستو المشروع الإسلامي" بصورة براجماتية، فمع كلّ متغيّر في الحياة السياسية، يقوم الإخوان بطرح مشروعهم الإسلامي عبر إعادة طرح رسالة "التعاليم" و"الأصول العشرون للفهم"، مع شرح مختلف يوهم القارئ أنّ حسن البنا كتبها من أجل هذا الغرض.

غلاف كتيب "البيعة" والذي يحوي شرح "رسالة التعاليم"

أولاً: رسالة "التعاليم" باعتبارها أساساً للبيعة:

في مطلع الخمسينيات، بعد مقتل البنا، وقيام ثورة يوليو؛ قدّم الشاب الأزهري، عبد المنعم تعيلب، كتيّباً يشرح فيه رسالة "التعاليم"، وضع له عنواناً كبيراً؛ هو "البيعة"، ومعلوم أنّه، مع ثورة يوليو، حدثت متغيرات في السياسة، وأنّ قوة شعبية جديدة أخذت تتولد. فظهرت حاجة الإخوان إلى شرح جديد لرسالة "التعاليم"، فقد كانت قديماً تخاطب أعضاء بعينهم في الجماعة "إخوان النظام الخاص"، خطاباً سرّياً، وليس عاماً، وقام حسن البنا بشرح رسالته، في لقاءات خاصة وسرية، أمّا على أعتاب ثورة يوليو، أو بُعيد الثورة بأسابيع، (نظراً إلى تاريخ طبع الرسالة)، أخذ تعيلب يغازل الضباط الأحرار، بقوله: "كلّ جنديّ لا بدّ من أن يقسم يمين الولاء، وولاؤك لله لا يكون إلّا بعهد بينك وبينه، أن تدافع عن الإسلام حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كلّه لله، أو تموت دون ذلك"، ثم يقول، بعد عدة سطور: "والجنود وحدهم هم المدعوّون لهذه البيعة، وسترى من إيجازها ووضوح ألفاظها أنّها إلى الأوامر العسكرية أقرب منها إلى الأساليب الخطابية، فهي تحتاج إلى عزيمة وحزم أكثر مما تحتاج إلى استذكار وحفظ، فاعمدوا إلى العمل أيّها المتبايعون".

جاء شرح تعيلب مليئاً بالإشارات العسكرية وحافلاً بالإيماءات التي لم يكن يقصدها البنا

ويُلاحَظ هنا أنّ الرسالة قُدّمت باعتبارها تعليمات وأوامر يلقيها قائد لجنوده العسكريين، الذين يجب أن تكون لهم بيعة لله!! وكأن الإخوان بذلك يتقربون من الضباط الأحرار، ويذكّرون بعضهم بما كان بينهم وبين البنا من عهد قبيل الثورة.

فجاء شرح تعيلب مليئاً بالإشارات العسكرية، وحافلاً بالإيماءات التي لم يكن يقصدها البنا، وداخل شرح الرسالة الكثير من التلميحات لكيفية تكوين الحكومة الإسلامية، لكن "شهر العسل" مع السلطة الجديدة لم يطُل، وما لبث الإخوان أن دخلوا في صدام مباشر مع ثورة يوليو، بدءاً من منتصف الخمسينيات إلى نهاية الستينيات، حتى أفرج عنهم الرئيس الأسبق، أنور السادات، وسمح لهم بالعمل الدعوي والعام داخل المجتمع العربيّ والإسلاميّ.

حسن البنا

ثانياً: نظرية في العمل الحركي الإسلامي

ومع عودة الإخوان في السبعينيات، تغيّرت ملامح المشروع الإسلامي، فظهرت الحاجة إلى كتب يجتمع عليها الشباب الإسلامي المستهدف بالتجنيد، فقامت مجلة "الدعوة" في السبعينيات بإعادة طباعة رسائل حسن البنا، منفصلة أو مجمعة، بهدف تحسين صورة الحركة الإسلامية الصاعدة بعد عهد الصدامات، والتبرؤ من أفكار سيد قطب مؤقتاً، بارتداء ثوب الدعاة، والتوقف عن العنف وحمل السلاح، ولم يجدوا أفضل من حسن البنا للقيام بهذا الدور لربط الحركة الدينية الوليدة بهم.

اقرأ أيضاً: كيف يقدس الإخوان المسلمون حسن البنا ؟

واجه الإخوان مشكلة ارتداء هذا الثوب الجديد في السبعينيات، فرسالة التعاليم تتنافى صراحة مع التوجه الجديد بنبذ العنف؛ ففيها التصريح باستخدام السلاح، والخروج على المجتمع، وعلى الحاكم أيضاً، فأسقط في أيديهم، ولم يكن يصلح مع تلك المرحلة إعادة نشر شرح عبد المنعم تعيلب، فكان لا بدّ من تقديم رسالة "التعاليم"، بشكل مخفف ومخاتل، فطلبوا من سعيد الحوى، الكاتب الإخواني السوري الجنسية؛ أن يكتب في شرح هذه الرسالة، على أن يصبّ شرحه في الهدف المطلوب، وهو تمويه فكرة "استخدام الإخوان العنف والسلاح في التغيير"، والرغبة في القفز على السلطة؛ لهذا لم يأتِ كتاب حوى "في آفاق التعاليم"، باعتباره شرحاً للتعاليم؛ بل أقرب إلى تقديمها باعتبارها نظرية حركية في العمل الإسلامي تمتلك مقوّمات بناء الشخصية الإسلامية الجديدة، أو التي يسعى الإخوان إلى خلقها.

لمواكبة التيار السلفي وتأصيلاته اختار الإخوان الشيخ محمد الخطيب للشرح الثالث "نظرات في رسالة التعاليم"

جاءت "آفاق" حوّى ضمن مشروعه الذي أطلق عليه "في البناء الإسلامي"، وشمل  كتباً مثل: "جند الله ثقافة وخلقاً"، وكتاب "من أجل خطوة  إلى الأمام على طريق الجهاد المبارك"،  ثم كتابه الشهير "المدخل لدعوة الإخوان المسلمين"، وفي "في آفاق التعاليم" كثيراً ما استشهد بكتاباته من الكتب السابقة.

سعى سعيد حوى لإقناع القراء بأنّ مراحل  تنفيذ مشروع حسن البنا (التعريف– التكوين– التنفيذ)؛ إنما هي مراحل الدعوة للإسلام ذاته؛ من مدخل تعريف الناس بالإسلام الحقيقي، ثمّ يتمّ تكوين المؤسسات الإسلامية، ثمّ تأتي مرحلة تطبيق الإسلام ذاته في تلك المؤسسات، رغم أنّ البنا كان يراها مراحل عمل عضو الإخوان في التنظيم، وهذا الطرح كان مناسباً لمرحلة السبعينيات لتجميع كلّ الشتات الإسلاموي في وعاء واحد، وهو الإخوان المسلمون، وانتهت تلك المرحلة بعد اغتيال الرئيس السادات بأيدي الإسلامويين أنفسهم، واحتاج الإخوان إلى أن يكونوا أكثر وضوحاً، وأن يكون مشروعهم أكثر تميزاً من بين فصائل العمل الإسلاموي، فأعادوا شرح "التعاليم" باعتباره فكراً تربوياً.

 

 

ثالثاً: ثوب الركيزة التربوية

من منتصف الثمانينيات من القرن الماضي؛ كان على الإخوان المسلمين أن يتمايزوا عن باقي فصائل الحركة الإسلاموية، فاختاروا أن توسم جماعتهم بأنّها تسعى إلى التغير عبر ركيزة التربية، فأعلنت أنّ مشروعها تربوي فقط، قائم على إعادة تكوين مقومات الشخصية المسلمة، مع عدم إنكار باقي الركائز، والجماعات الجهادية التي تؤمن بالتغيير باليد؛ أي السلاح، مثل الجهاد والجماعة الإسلامية، وجماعات التثقيف الإسلامي مثل: السلفية العلمية، أو السلفية الحركية، فلم يكن أمامهم إلا إعادة إنتاج رسالة التعاليم وفق شرح جديد لصالح فكرة التربية، وتكوين الفرد المسلم، وفق تأصيل شرعي، لا حركي، وتحويل الرسالة التي كانت لفئة مخصوصة سرية، إلى منهج تربوي للجميع، وكأنّ البنا كتبها لعموم المسلمين!

اقرأ أيضاً: "رسالة التعاليم" لحسن البنا: اترك عقلك واتبعني!

واجه الإخوان مأزقاً جديداً هذه المرة، تمثّل في الملاحظات الشرعية على جماعة الإخوان، تلك الملاحظات كانت كافية لإفساد مخططها في السيطرة على العمل السياسي والتربوي والدعوي، خصوصاً أنّها جاءت من التيار السلفي، الذي كان قد تميز عليهم بتأصيله الشرعي لحركته، وبالتالي؛ لم تكن تصلح إعادة نشر رسالة التعاليم بشرح تعيلب ولا حوى؛ لهذا اختار الإخوان لتلك المهمة أحد أقطاب الإخوان الشرعيين، وهو الشيخ محمد الخطيب، فجاء كتابه بعنوان "نظرات في رسالة التعاليم".

سعيد حوى

يستهل الخطيب شرحه للرسالة باعتبارها مسؤولية كبرى، وأنّه "غير أهل لشرح كلمات المؤسس حسن البنا"، إلا أنه سيقدم على المهمة؛ نظراً إلى أهميتها، ثم يقول عن الرسالة نفسها: "الحديث عن رسالة التعاليم وما حوته من توضيح لطريق الدعوة وبيان لمعالم المستقبل، قد وضعت قدم المسلم على بداية الطريق للوصول إلى الهدف، وهو أن تكون كلمة الله هي العليا في هذا الكون، إنَّ الحديث عن هذه الرّسالة ما هو إلا سياحة في جوانبها، وليس شرحاً لها بالمعنى التقليدي المعروف، وإن شئت فقل هي قراءة جديدة لها".

مع السبعينيات كان لا بدّ من تقديم رسالة "التعاليم" بشكل مخفف ومخاتل وتولى المهمة سعيد الحوى

ويقول أيضاً: "المكانة الخطيرة التي تحتلها هذه الرسالة، والدور بالغ الأهمية، الذي أراده لها أن تضطلع به في بناء الصفّ المؤمن السليم"، موضحاً: "جاءت رسالة "التعاليم" نموذجاً فريداً، يجدد بدقة ويرسم بعناية ضوابط الفهم ودعائم التربية وأصول الحركة لجماعة الإخوان المسلمين"، فجاء هذا الكتاب ضمن مشروع كبير تبنته الجماعة لتثقيف الصفّ الإخواني، تحت عنوان "سلسلة نحو النور".

تقدم هذه المحطات الثلاث تكتيكات الإخوان الدائمة في إعادة تدوير مشروعهم وفق واقع الحال، لتناسب في كل مرة اللحظة التاريخية التي يمرون بها، وفي كلّ مرّة يزعمون أنّ هذا هو ما كان يقصده البنا، حتى لو أدى ذلك إلى تناقضات ظاهرة!

للمشاركة:



الرئيس التونسي يجدد رفضه التدخل التركي في ليبيا.. ماذا قال لأردوغان؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

جدد الرئيس التونسي قيس سعيد رفضه التدخل التركي في الأزمة الليبية، مؤكداً أنّ المواجهات العسكرية في ليبيا لن تنهي الانقسامات، وأنّ الحل سيكون ليبياً ليبياً دون تدخل خارجي.

وناقش سعيد، في اتصال هاتفي مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، مستجدات الأزمة الليبية، في ضوء المواجهات الميدانية بين الجيش الوطني الليبي وميليشيات حكومة الوفاق، وفق بيان للرئاسة التونسية.

قيس سعيد: المواجهات العسكرية في ليبيا لن تنهي الانقسامات، والحل لن يكون إلا ليبياً ليبياً

وأفاد البيان أنّ "الرئيس قيس سعيد تطرق، إلى الوضع في ليبيا"، مشدداً على أنّ "الحل لا يمكن إلا أن يكون في إطار الشرعية الدولية ولا يمكن إلا أن يكون سلمياً وليبياً ليبياً".

وأكد أنّ "تونس هي من أكثر الدول تضرراً من الوضع الحالي على كل الأصعدة"، مشيراً إلى أنّ "القضية الليبية هي من أولى اهتمامات التونسيين؛ لأن تونس وليبيا شعب واحد".

وكان زعيم حركة النهضة الإخوانية راشد الغنوشي أثار مؤخراً موجة من الجدل والاستنكار، بعد تهنئته رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج بالسيطرة على قاعدة الوطية، حيث اعتبرت أوساط سياسية تونسية أنّ الغنوشي يحاول توريط تونس في الصراع الليبي، وجرّ البلاد بعيداً عن سياسة عدم الانحياز التي اتبعتها طوال السنوات الماضية.

وتشهد تونس أيضاً جدلاً وقلقاً متصاعدين من التدخل التركي في ليبيا، وسط مخاوف من وجود مساعٍ تركية لتحويل تونس إلى ممر لأسلحتها إلى ليبيا، لدعم ميليشيات "الوفاق" للقتال ضد الجيش الوطني الليبي.

للمشاركة:

هل نقل أردوغان الآلاف من داعش والقاعدة إلى ليبيا؟ المرصد السوري يجيب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إنّ تركيا تقوم منذ أشهر بنقل الآلاف من عناصر "داعش" و"القاعدة" إلى ليبيا، للقتال إلى جانب ميليشيات حكومة الوفاق ضد قوات الجيش الوطني.
وقال مدير المرصد، رامي عبد الرحمن، في تصريح صحفي نقلته شبكة الحرة، إنّ "لدينا معلومات موثقة بأنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقوم بإرسال عناصر سورية سابقة من تنظيم القاعدة وداعش إلى ليبيا. العملية بدأت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي وما زالت مستمرة".

عبد الرحمن: لدينا معلومات موثقة بأنّ أردوغان يرسل عناصر سورية من القاعدة وداعش إلى ليبيا

وقدَّر عبد الرحمن عدد الإرهابيين الذين نقلهم أردوغان من إدلب إلى ليبيا حتى الآن بنحو "تسعة آلاف مقاتل. بينهم عشرات المقاتلين معروفين للمرصد، كانوا مع داعش ثم هربوا إلى ريف حلب الشمالي والآن باتوا بالتأكيد في ليبيا".
وقال مدير المرصد: إنّ الأمر ليس مقتصراً فقط على العناصر الإرهابية السورية، بل "هناك أيضاً عناصر غير سورية منضوية تحت منظمات جهادية داخل سورية يتم نقلهم إلى ليبيا، وغالبيتهم من الجنسية التونسية".
وذكر عبد الرحمن لشبكة "الحرة" أنّ "عمليات النقل الموثقة هذه إلى ليبيا، دليل قاطع على أنّ لأردوغان صلات مباشرة بداعش والقاعدة رغم ادعائه بأنه يقاتلهما".
وأضاف رامي عبد الرحمن متسائلاً "هل يعقل ألا تكون هناك أجهزة مخابرات دولية لمراقبة ما يجري من عمليات نقل للجهاديين من سوريا إلى شمال أفريقيا؟".

وحذّر رامي من تداعيات إرسال مثل هذه الجماعات إلى أفريقيا، وقال "لدينا معلومات موثوقة عن وجود عناصر جهادية جديدة تستعد تركيا لإرسالها الى ليبيا".

عبد الرحمن: عدد الإرهابيين الذين نقلهم أردوغان من إدلب إلى ليبيا حتى الآن نحو تسعة آلاف مقاتل

واعتبر مدير المرصد أنّ "إرسال جهاديين إلى ليبيا لا يعني أنّ مهمتهم في سوريا قد انتهت، وإنما أولوية لأردوغان بعد التفاهم الروسي التركي" حول سوريا.

وختم عبد الرحمن حديثه بتساؤل "هناك الكثير من عناصر داعش كانوا معتقلين في السجون التركية شمال حلب، أين هم الآن؟".

ودعماً لتصريحات المرصد السوري، تداول ناشطون على مواقع التواصل مقطعاً مصوراً لجهاديين في ليبيا يعرفون أنفهسم بـ "أبو الزهراء الحلبي، وأبو داوود، وأبو هاجر التونسي وابوعبيدة المقدسي"، وذلك خلال معارك تدور بالقرب من طرابلس، حسب المقطع.
وكانت قوات الجيش أعلنت قبل 3 أيام أنّها ألقت القبض في محاور طرابلس على الداعشي السوري محمد الرويضاني المكنى أبو بكر الرويضاني أحد أخطر عناصر "داعش".

للمشاركة:

مقذوفات حوثية تستهدف المدنيين في السعودية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

أعلن الدفاع المدني السعودي، أمس، إصابة 3 نساء إثر سقوط شظايا مقذوف عسكري أطلقته ميليشيا الحوثي باتجاه قرية حدودية بجازان (جنوب غربي المملكة).

إصابة 3 نساء إثر سقوط شظايا مقذوف عسكري أطلقه الحوثيون باتجاه قرية بجازان

وأوضح المتحدث الإعلامي لمديرية الدفاع المدني بمنطقة جازان، العقيد محمد الغامدي، في تصريح نقلته وكالة الأنباء السعودية (واس)، أنّ "مركز التحكم والتوجيه بإدارة الدفاع المدني قد تلقى بلاغاً عن سقوط مقذوف عسكري أطلقته عناصر الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران من داخل الأراضي اليمنية باتجاه إحدى القرى الحدودية بمنطقة جازان".

وأضاف: "نتج عنه سقوط شظايا من المقذوف وتضرر منزل وإصابة ثلاث نساء بإصابات خفيفة تم نقلهن للمستشفى وحالتهن الصحية مستقرة"، مبيناً أنه "تمت مباشرة تنفيذ الإجراءات المعتمدة في مثل هذه الحالات".

وفي سياق متصل بجرائم الحوثيين، نجا رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش اليمني، الفريق الركن، صُغير عزيز، من هجوم بصاروخ باليستي أطلقته ميليشيا الحوثي على مدينة مأرب شرقي البلاد.

رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش اليمني ينجو من محاولة اغتيال في مدينة مأرب

ووقع الهجوم الصاروخي، وفق ما نقل موقع "العين" الإخباري، منتصف ليل الثلاثاء/ الأربعاء، واستهدف معسكر "صحن الجن" في مقر وزارة الدفاع بمأرب.

وأسفر الهجوم الحوثي عن مقتل فهد صغير عزيز، نجل رئيس الأركان الذي يعمل في طاقم حمايته، فضلا عن 6 مجندين آخرين.

وأشار المصدر إلى أنّ الهجوم الصاروخي، جاء عقب انتهاء اجتماع عسكري، وخروج قادة الصف الأول في الجيش الوطني.

ويقود عزيز المعارك ضد الحوثيين في نهم، وصرواح بمأرب، وتعرض طيلة الفترة الماضية لعدة محاولات استهداف حوثية بصواريخ باليستية وعبوات ناسفة، نجا منها جميعاً.

للمشاركة:



هل يلجأ "حزب الله" إلى التصعيد في لبنان؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

حسن فحص

لا تخفي أوساط مقربة ومنضوية تحت منظومة ميليشيات "حزب الله" قلقها من المرحلة المقبلة على الساحة اللبنانية. وقد بدأت تتحدث عن توقيتات قريبة لا تتجاوز مايو (أيار) الحالي، ويونيو (حزيران) المقبل، للإعلان عن سلسلة من "التحركات السياسية والشعبية"، التي تصفها بـ"الموجهة والمحركة" من قوى وأطراف داخلية وخارجية. وذلك من أجل رفع مستوى الضغوط على الحزب ومحوره الممتد إلى طهران تحت عناوين مختلفة محلية وخارجية- إقليمية، تستمد دعمها من مظلة دولية، بخاصة الأمم المتحدة والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، التي شكّل أول المؤشرات عليها، خروج الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بعد جلسة استماع حول مهمة القوات متعددة الجنسية المنتشرة في الجنوب اللبناني منذ حرب يوليو (تموز) 2006 بين "حزب الله" وإسرائيل، وأعاد إلى الأذهان موضوع تطبيق القرار رقم 1559، الذي ينصّ على نزع سلاح الميليشيات، بما فيها سلاح "حزب الله". 

الإشارة التي جاءت في كلام حاكم البنك المركزي اللبناني، رياض سلامة، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده أواخر أبريل (نيسان) الفائت (29- 5- 2020) حول الاستنزاف المالي الذي حصل خلال السنوات الخمس الماضية، الذي وصلت قيمته إلى نحو 20 مليار دولار صرفت على استيراد مواد إلى خارج السوق اللبنانية، شكّلت الشرارة التي فتحت باب الحديث عن عمليات تهريب واسعة تجري على الحدود اللبنانية السورية لصالح النظام السوري على حساب الاقتصاد اللبناني. وعادت بعدها وتيرة الحديث عن قوافل لتهريب المشتقات النفطية، خصوصاً المازوت، والطحين من لبنان عبر معابر غير شرعية لا تخضع لسلطة الدولة.

انطلاقاً من هذه المعطيات، تعتقد هذه الأوساط المقربة من ميليشيات "حزب الله" أن المرحلة المقبلة ستشهد ارتفاعاً في وتيرة المعركة الإعلامية التي ستحمّل هذه الجماعة مسؤولية ما آل إليه الوضع الاقتصادي والمعيشي للبنانيين، والتردي غير المسبوق الذي أصاب الاقتصاد اللبناني. كما تعتقد أن من أدوات هذه المعركة تحميل الحزب واتهامه - حسب تعبيرها - بالتلاعب بسعر صرف الدولار الذي تسبّب في انهيارٍ كبيرٍ في قيمة العملة الوطنية مما أدى بدوره إلى ارتفاع مستويات التضخم، ما انعكس ارتفاعاً في ميزان البطالة وخسارة شرائح كبيرة من الشعب اللبناني لأسس العيش الكريم والمحترم جرّاء خسارتهم للقدرة الشرائية، وابتلاع الغلاء وأسعار السلع للرواتب التي لم تعد تكفي كفافهم وتبعد الجوع والعوز عنهم.

وتتوقف هذه الأوساط عند الحملة الواسعة التي تشهدها مواقع التواصل الاجتماعي على الحزب من بوابة الدعوات إلى تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بلبنان، خصوصاً القرارين 1559 و1701، وتوسيع مهمات القوات متعددة الجنسية، تمهيداً لانتشارها على طول الحدود اللبنانية السورية لمنع التهريب وضبطها ووقف عمليات دخول السلاح لـ"حزب الله".

لذلك هي تعتقد أن هذه الدعوات تعتبر جزءاً من المعركة التي يتم التحضير لها ضد "حزب الله" في إطارٍ يخدم مسار العقوبات الأميركية في المرحلة المقبلة.

وتتوقع هذه الأوساط أن تشهد الأيام أو الأشهر المقبلة تصاعداً في وتيرة الاحتجاجات الشعبية والمظاهرات المطلبية على خلفية المشكلة الاقتصادية وانهيار القطاع المالي وعجز الحكومة عن تقديم حلول جذرية للأزمات المتفاقمة والمتسارعة التي تطال الطبقات المتوسطة والفقيرة في الوقت نفسه. كما تعتقد أن هذه التحركات الشعبية لن تقف عند حدود المطالب المعيشية، بل سيلجأ القيّمون عليها إلى توظيفها سياسياً من خلال التصويب على دور "حزب الله" وسلاحه في هذه الأزمات واستغلال النفوذ والسيطرة التي يمارسها في تهريب الأموال اللبنانية، وتحديداً الدولار الأميركي، لدعم النظام الإيراني في مواجهة العقوبات الاقتصادية الأميركية على حساب الشعب اللبناني ومصالحه، من دون الأخذ بعين الاعتبار الأضرار التي ستصيب أيضاً وبشكل مباشر البيئة الشعبية الحاضنة له، وذلك في ظل حالة من القمع والتضييق الإعلامي الذي بدأت وتيرته ترتفع في الأشهر الماضية لمنع الأصوات المعترضة على هذه الممارسات التي يقوم بها، والتي أدت إلى مصادرة الدولة وقراراتها وتوجهاتها.

وتضيف هذه الأوساط أن قيادة "حزب الله" تعتقد أن المرحلة التالية لعودة التحركات الشعبية والتوجه الذي ستتخذه والشعارات التي ترفعها الواضحة في معاداتها لسلاح الحزب ودوره ونفوذه والآثار السلبية على الاقتصاد اللبناني والتسبب في عزلة لبنان عن محيطه العربي وعلاقاته الدولية، ستتبعها جهود سياسية بهدف تشكيل جبهة سياسية تضمّ وتجمع الأحزاب وقوى 14 آذار. ويضاف إليهم المستقلون وبعض رموز ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، التي ستعمل على بلورة موقف سياسي موحد لهذه القوى في مواجهة الحلف الذي يقوده "حزب الله" على الساحة الداخلية التي بدأت بالتصدع بعد الإشارات السلبية التي برزت أخيراً عن بعض المسؤولين في التيار الوطني الحرّ، الحليف الأبرز والأساس للحزب على الساحة المسيحية وشريكه في السلطة.

وعلى الرغم من محاولات بعض أطراف الحزب التقليل من شأن هذه التحركات والتحضيرات وعدم قدرتها على إحداث تغيير في المشهد السياسي اللبناني، فإنها لا تنكر أن هذه التحركات سيكون لها أثر كبير وستسهم في التشويش على خطط الحزب وستتعدى المعركة الإعلامية مستفيدة من الأزمة الاقتصادية القائمة. ولكن هذه الأطراف تؤكد في الوقت نفسه أن الحزب لم يسمح لواشنطن أن تأخذ عبر تجميع بعض قوى 14 آذار، ما عجزت عن أخذه بالحروب والمعارك العسكرية، وأن السيناريو الذي تعمل عليه هذه القوى لن يشكل تهديداً للحزب ورؤيته، شرط أن يتخذ خطوات سريعة وجريئة لمواجهة الأزمة الاقتصادية وتداعياتها، خصوصاً ما يتعلق بالبحث عن البدائل الاقتصادية في ظل استمرار التضييق والحصار الأميركي ضد لبنان. وتعتقد هذه الأطراف أنه في حال لم يستطع الحزب استيعاب هذه التحركات والمطالب والضغوط الدولية التي تطالب بنزع سلاحه وتطبيق القرارات الدولية، خصوصاً القرارين 1559 و1701، وما يعنيانه من مسألة السلاح وتهريبها من سوريا، إلى جانب تهريب البضائع وآثارها السلبية على الاقتصاد اللبناني، سيكون خيار الذهاب إلى ما هو أصعب. وفي هذه الحال قد يجد الحزب نفسه في حالة من الدفاع عن وجوده واستمراره، ما يعني أنه سيعمد إلى إسقاط كل المحاذير التي التزمها بعدم تفجير الساحة الداخلية لحاجته الذاتية لذلك، ولاستمرار الهدوء والتهدئة للخروج من نفق هذه المرحلة المعقدة، وعندها فإن أحد الخيارات أمامه سيكون إعادة خلط الأوراق، حتى وإن كان عبر استخدام الذراع العسكرية. فهل يفعلها؟

سؤال قد يكون من الصعب الإجابة عنه لأنه مرتبط بقدرة هذه الميليشيات على تحمل الضغوط الداخلية والدولية ضدها، وقدرة المحور الذي تنتمي إليه على الصمود أكثر أمام الحصار الدولي الاقتصادي والسياسي، ومدى استطاعتها الحدّ أو التقليل من الخسائر التي بدأت معالمهما بالظهور على الساحة العراقية مع الحكومة الجديدة التي تبنت نهجاً يأخذ بعين الاعتبار المصالح العراقية أولاً قبل مصالح الجيران الأقرب أو الأبعد.

عن "اندبندنت عربية"

للمشاركة:

أردوغان يؤيد هدنة ليبية في العلن وينتهكها في السر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

تحاول تركيا الإيهام بانها تبذل جهدا دبلوماسيا لدفع أطراف القتال في ليبيا لوقف اطلاق النار في وقت تساند فيه عسكريا ميليشيات حكومة الوفاق في انتهاك للقرارات الدولية خاصة قرار حظر السلاح.
وفي هذا الصدد قالت الرئاسة الجزائرية، الثلاثاء، إن الرئيس عبد المجيد تبون ونظيره التركي رجب طيب أردوغان اتفقا على بذل الجهود من أجل "فرض وقف إطلاق النار، كمقدمة لا بد منها لتسهيل الحل السياسي" في ليبيا.
وأضافت، في بيان "تلقى الرئيس تبون صباح اليوم مكالمة هاتفية من نظيره أردوغان، هنأه فيها بحلول عيد الفطر، وتمنى له موفور الصحة والسعادة، وللشعب الجزائري المزيد من الرفاهية والرخاء".
وتابع: "بدوره، شكر الرئيس الجزائري الرئيس أردوغان، وبادله التهاني والتمنيات له وللشعب التركي الشقيق بالخير واليمن والبركات".
وحسب نفس المصدر، "وفيما يتعلق بتطور الأحداث في ليبيا، اتفق كل من اردوغان وتبون على تكثيف الجهود من أجل فرض وقف إطلاق النار، كمقدمة لا بد منها لتسهيل الحل السياسي بين الليبيين على أساس احترام الشرعية الشعبية الضامنة لسيادة ليبيا ووحدتها الترابية".
كما "ندّد الرئيسان بمشروع إسرائيل لضم أراض فلسطينية جديدة، باعتباره انتهاكا صارخا آخر للقانون الدولي، وعرقلة إضافية أمام عملية السلام".
وحسب البيان، تبادل الرئيسان أيضا "المعلومات حول الجهود المبذولة في كلا البلدين لمنع تفشي جائحة كورونا".

وتورطت تركيا في دعم ميليشيات حكومة الوفاق بالأسلحة والمرتزقة السوريين واغلبهم ينشط في تنظيمات متطرفة مرتبطة بالقاعدة او الاخوان او داعش وهو ما اثار ادانات دولية واسعة.
والقى الجيش الليبي على العشرات من المرتزقة بينهم قيادي بارز في تنظيم داعش وذلك في محاور القتال جنوب العاصمة.
وتسعى السلطات التركية على وقع تورطها في معارك ليبيا وبعد أن تكبدت خسائر بشرية فادحة في صفوف جيشها ومرتزقتها بجبهات قتالية عدة، إلى استغلال كثيرين ممن يأملون في الهرب من الفقر والبطالة والحرمان في سوريا، وتغريهم بالمال لتجنيدهم بهدف القتال في ليبيا والإلقاء بهم في معارك الموت الدامية.
وفي ليبيا كما في سوريا، فاقم التدخل العسكري التركي، النزاعين اللذين تسبّبا بمقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين خلال السنوات الأخيرة.
ومكن التدخل التركي مع تصاعد استخدام الطائرات بدون طيار الميليشيات والمتطرفين على تحقيق بعض المكاسب الميدانية خاصة السيطرة على قاعدة الوطية ومدن في الساحل الغربي وبلدة الاصابعة لكن الجيش الليبي لا يزال متماسكا حيث قام بالرد على الانتهاكات التي طالب المدنيين في ترهونة ومحاور جنوب طرابلس.
في المقابل بدى الموقف الجزائري محايدا تجاه الازمة في ليبيا حيث قادت الجزائر في فبراير/شباط جهود وساطة على الأرجح لتقريب وجهات النظر بين طرفي الصراع والتوصل إلى تثبيت وقف هش لإطلاق النار.
وكان الرئيس الجزائري تعهد مرارا بتحرك دبلوماسي لإنهاء الأزمة بعد أن أبدى في البداية انحيازا للسلطة القائمة في طرابلس التي تعترف بها الأمم المتحدة وتفتقد للشرعية في الداخل الليبي.

وامام الهجمة التركية افاد اللواء أحمد المسماري المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر في حوار مع قناة العربية الثلاثاء إن "التدخل التركي خطير ويجب أن يوضع أمام العرب لوقفه".
وذكر المسماري أن "أردوغان يجند أبناء العرب لقتل العرب"، مضيفا أن "بعض السوريين يقاتلون في ليبيا بسبب الترهيب التركي".
وأعرب عن استغرابه من "إشارة أميركا لطائرات روسية ولا ذكر للتركية "، موضحا أن "الجيش الوطني الليبي قادر على مواجهة التدخل التركي".
وتابع المسماري "أنقرة أرسلت إلى ليبيا 2000 عسكري تركي غير المرتزقة" وأن "قطر تقوم حاليا بتجهيز قاعدة الوطية لصالح تركيا".

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

مناورة المخابرات والخطاب المفاجئ: الدقائق التي سبقت بدء محاكمة نتنياهو

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

قبل دقائق من دخول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أمس الاول الى المحكمة المركزية في القدس قبل البدء في محاكمته، ابلغ قادة وحدة حماية الشخصيات في الشاباك حراس المحكمة بأنهم سيغيرون ترتيبات الحماية في المكان والتي تم تنسيقها معهم. رجال الشباك عملوا خلافا للاتفاق ايضا لاحقا، وسيطروا على نصف الممر في الطابق الثالث الذي توجد فيه قاعة المداولات.

ترتيبات الحماية لوصول نتنياهو حددت بجولة مشتركة قام بها في الاسبوع الماضي رجال وحدة حماية الشخصيات وحراس المحاكم. حسب الاتفاق بين الطرفين، نتنياهو كان يمكن أن يصعد على الدرج الرئيسي للمحكمة والوصول الى غرفة الانتظار في الطابق الثالث، قرب القاعة التي فيها يجري النقاش. في الطريق، حسب الخطة، كان عليه أن يمر قرب طواقم الاعلام الموجودة في الطابق الاول وحتى الثالث.

حسب مصدر مقرب من رئيس الحكومة فانه عند وصول نتنياهو الى المكان أعلنوا في الشاباك بأنه سيصعد عبر درج جانبي. الشاباك لم يحضر رئيس الحكومة الى غرفة الانتظار المخصصة له، بل سيطر على نصف الممر الموجود في الطابق الثالث في المحكمة وأدخل نتنياهو بدون مصادقة الى احدى القاعات. الشاباك منع أي حارس من حراس المحاكم من الدخول الى المكان الذي أغلقوه في الطابق الثالث، وفي ذاك المكان تواجد فقط رجال نتنياهو.

مصدر امني في حاشية رئيس الحكومة اوضح للصحيفة بأن الشاباك غير ترتيبات الحماية في اللحظة الاخيرة كجزء من مناورة تمويه روتينية. وحسب المصدر، رجال الشاباك يحددون وينشرون المسار الذي سيمر فيه رئيس الحكومة، لكنهم يغيرون في اللحظة الاخيرة المسار لمنع محاولة المس به. الشاباك لم يبلغ حراس المحاكم بذلك بسبب اهمية السرية في المناورة. فعليا المناورة خطط لها في يوم اجراء الجولة مع حراس المحاكم الذين اعتقدوا بأنهم ينسقون المسار الذي سيمر فيه نتنياهو فعليا. المناورة نفذت رغم أن جميع من كانوا موجودين في المحكمة أجري لهم فحص أمني دقيق من قبل الشباك والدخول سمح فقط لمن حصل على مصادقة مسبقة.

بعد دخول نتنياهو الى المنطقة المحمية، سمح الشاباك لوزراء واعضاء كنيست من الليكود بالوصول الى قاعة المحكمة التي كان يوجد فيها رئيس الحكومة. وفي نفس القاعة ايضا تم التقاط الصورة التي ظهر فيها جميعهم. هذا خلافا لقواعد المحاكم التي تقوم بأنه ممنوع التصوير في قاعات المحكمة دون تنسيق ومصادقة.

حراس المحاكم ايضا لم يعرفوا أن نتنياهو ينوي القاء خطاب قبل بداية المداولات. ولأن الشاباك منع الحراس من الدخول الى نصف الممر في الطابق الثالث فانهم اكتشفوا ذلك فقط بعد أن بدأ رئيس الحكومة في الحديث. في خطابه هاجم نتنياهو المستشار القانوني للحكومة افيحاي مندلبليت وجهاز انفاذ القانون. وقد ادعى أن التحقيقات ضده "تم تلويثها وحياكتها" وأن لائحة الاتهام ضده لا اساس لها و"تمت حياكتها" وأنها قدمت من اجل استبدال حكم اليمين.

ادارة المحكمة اعدت منصة قرب القاعة التي جرى فيها النقاش استعدادا لوضع فيه يرغب المتهم أو محاموه باعطاء بيان لوسائل الاعلام. هكذا تم ايضا في محاكمات اخرى اثارت اهتمام صحافي كبير مثل محاكمة رئيس الحكومة السابق اهود اولمرت. ولكن حاشية رئيس الحكومة احضروا معهم منصة خاصة بهم ووضعوها في طرف الممر. في المقابل الشباك صادق على أن يدخل الى المنطقة المحمية تماما المخرج الذي كان مسؤول عن تصوير الفيديو في ذاك الطابق لصالح وسائل الاعلام من اجل تصوير الخطاب.

وجاء من الشاباك ردا على ذلك: "مجمل ترتيبات حماية رئيس الحكومة نسقت واتفق عليها مسبقا مع حراس المحاكم. الادعاء بأنه تم القيام بتغييرات في يوم المحاكمة لا اساس له، وجاء كما يبدو من قبل جهات غير مطلعة على التفاصيل".

مصدر الترجمة: نتعئيل بندل - هآرتس / نقلاً عن "الحياة الجديدة" الفلسطينية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية