من المستفيد من الغزو التركي لسوريا؟

7748
عدد القراءات

2019-10-13

عندما بدأت تركيا في التاسع من الشهر الجاري عدواناً عسكرياً على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية شمال شرقي سوريا، ادّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنّ الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا.

اقرا أيضاً: الأكراد الأوروبيون ينتفضون ضدّ العدوان التركي
غير أنّ كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات، بكل ما حققته من انتصارات ونجاحات في محاربة إرهاب تنظيم داعش وحضور ديمغرافي وجيوسياسي في شمال شرق سوريا.

تركيا تعتبر وحدات حماية الشعب جماعة إرهابية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني المحظور

فقوات سوريا الديمقراطية، التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عنصراً أساسياً فيها، كانت تسيطر على معظم الأراضي التي كانت في حوزة "داعش" في سوريا، وتحتجز الآلاف من مقاتلي التنظيم في السجون، وعشرات الآلاف من أسرهم في مخيمات الاحتجاز مثل مخيم الهول الذي يضم أكثر من 70 ألفاً.
وتركيا تعتبر وحدات حماية الشعب "جماعة إرهابية" مرتبطة بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي يقاتل منذ 35 عاماً ضد الدولة التركية، كما تنظر أيضاً إلى المنطقة، التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب بأنّها "تهديد وجودي" ومحدد أساسي في الأمن الإستراتيجي لتركيا المعاصرة.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يهدّد فيها ترامب الأوروبيين بهذا الملف الملتهب
بالعودة إلى بداية العملية العسكرية التركية التي أسمتها "نبع السلام"، يمكن الإشارة إلى مجموعة من المؤشرات التي كانت تشي بأنّ العملية واقعة لا محالة؛ ولعلّ أهم مؤشر هو إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، منذ العام الماضي أنّه سيسحب القوات الأمريكية من سوريا، ثم أتبع ذلك مطالبته أكثر من مرة بأن تتدخل الدول التي لها مواطنون معتقلون لدى قوات سوريا الديمقراطية باستعادتهم ومحاكمتهم في بلادهم، ثم تبع ذلك تهديده الصريح بأنّه سيقوم بإطلاق سراح هؤلاء المعتقلين الذين يمثلون أكثر من 50 دولة في العالم.

اقرأ أيضاً: كيف تمّ التمهيد للهجوم التركي على أكراد سوريا؟
لقد هدّد ترامب يوم الجمعة 20 أيلول (سبتمبر) 2019، بنقل مقاتلين من تنظيم داعش تعتقلهم قوات سوريا الديمقراطية، وإطلاق سراحهم على حدود أوروبا، إذا لم تبادر فرنسا وألمانيا ودول أوروبية أخرى إلى استعادة رعاياها من بينهم.
حينها قال ترامب للصحافيين، لدى استقباله في البيت الأبيض رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون: "أنا هزمتُ دولة الخلافة" مضيفاً: "والآن لدينا الآلاف من أسرى الحرب ومقاتلي داعش ونطلب من الدول التي أتوا منها في أوروبا أن تستعيد أسرى الحرب، وحتى الآن رفضوا ذلك"، مشيراً بالتحديد إلى كل من فرنسا وألمانيا.

رد أوروبا الحاد على السلوك الأمريكي والعملية التركية يفسره المخاوف من انفلات ملف المقاتلين الإرهابيين الأجانب

وبلهجة واضحة التهديد والوعيد قال ترامب مخاطباً الأوروبيين: "في نهاية المطاف سأقول: أنا آسف لكن إما أن تستعيدوهم أو سنعيدهم إلى حدودكم".
وأوضح ترامب أنّه سيفعل ذلك "لأنّ الولايات المتحدة لن تسجن آلاف الأشخاص الذين وقعوا في الأسر في (غوانتانامو)، ولن تبقيهم في السجن طوال خمسين عاماً؛ لأنّ ذلك سيكلّفها مليارات ومليارات الدولارات"، مضيفاً "لقد قدّمنا خدمة كبرى للأوروبيين، في حال رفضوا استعادتهم علينا على الأرجح إرسالهم إلى الحدود وسيتعيّن عليهم أسرهم مجدداً"!
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يهدّد فيها ترامب الأوروبيين بهذا الملف الملتهب؛ ففي أيلول (سبتمبر) 2018، هدّد بنقل المقاتلين الأوروبيين المعتقلين في سوريا إلى بلادهم، وإطلاق سراحهم هناك في حال لم تتولَّ دولهم إعادتهم بنفسها.
وبحسب تحذيرات صدرت عن الأمم المتحدة في أيار (مايو) 2019، تلقَّت أوروبا تحذيرات جديدة من خطر عودة المقاتلين الأجانب من داعش، وما يمكن أن يشكله الأمر من تهديد للأمن الأوروبي ومخاوف من اعتداءات إرهابية جديدة، تستهدف المدنيين وبطرق مختلفة، وذلك في ظل مؤشرات على تدفق متزايد للمقاتلين من مناطق الصراعات، خصوصاً في سوريا والعراق، إلى دول الاتحاد الأوروبي.

اقرأ أيضاً: أبرز تطورات العدوان التركي شمال سوريا
ومن هنا يمكن فهم ردة فعل الدول الأوروبية الحادة على السلوك الأمريكي والعدوان التركي؛ لأنّها المتضرر الأكبر من "انفلات" ملف المقاتلين الإرهابيين الأجانب؛ ولذلك جاء رد الفعل الألماني السريع حيث أعلنت برلين السبت 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، حظر تصدير أسلحة إلى تركيا يمكن استخدامها في الهجوم التركي في شمال شرقي سوريا، وفقاً لما ذكرته صحيفة "بيلد أم زونتاج" عن وزير الخارجية الألماني هايكو ماس بقوله في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2019 إنّ حظر تصدير الأسلحة إلى تركيا جاء كرد فعل على الهجوم التركي على وحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا.
السياسة.. المصالح أولاً
في التحليل الأولي لهذا الغزو التركي يبدو أنّ الرابحين على المدى القصير هم: الأمريكان، ثم الأتراك، ثم تنظيم داعش، ثم سوريا –ربما- على المدى الطويل.
ويبدو أنّ الأكراد وحدهم بالدرجة الأولى، ثم الأوروبيين، الذين لم يلتقطوا إشارات الرئيس الأمريكي ترامب، هم الخاسرون، حتى لو تم وصف الموقف الأمريكي بالطعنة بالظهر "لأحلام الأكراد"، فهذا هو مبدأ السياسية الخارجية الأمريكية، وليس بالغريب على كل متابع حصيف لتاريخ السياسة الخارجية الأمريكية في حقبة الحرب الباردة وبعدها.

حتى الآن يبدو أنّ الطرف الأمريكي هو المستفيد الأول من العملية
حتى الآن يبدو أنّ الطرف الأمريكي هو المستفيد الأول من العملية، خاصة في ظل حقيقة أنّ الأجهزة الاستخبارية الأمريكية قامت منذ مدة طويلة بعملية استخبارية هائلة؛ حيث أقامت أولاً وجهّزت كافة الخدمات اللوجستية لأماكن الاعتقال للمقاتلين الإرهابين الأجانب، ثم قامت بحصر أعدادهم وجنسياتهم وتفاصيلهم الشخصية، وأنهت عملية التحقيق والاستجواب لهم، وبناء عليه يمكن القول إنّها استخلصت منهم كل مفيد لبناء قاعدة بياناتها الأمنية والاستخبارية واحتفظت بعدد قليل جداً منهم.
وبالتالي ضمن موازنة تحليل المخاطر والتكاليف الاقتصادية التي تبرع فيها العقلية الأمريكية وإدارة ترامب خصوصاً؛ أصبحت عملية الاحتفاظ بهم ودفع تكاليف الرعاية الصحية واللوجستية المختلفة لهم أكثر من فائدتهم، وهذا أمر يبدو أنّه فات حلفاءهم الأكراد!

الأكراد وحدهم بالدرجة الأولى ثم الأوروبيون الذين لم يلتقطوا إشارات ترامب هم الخاسرون من العملية

طبعاً دون أن نغفل ردة فعل الرئيس الأمريكي ترامب في 9 تشرين الثاني (أكتوبر) 2019، على العملية؛ إذ ادعى أنّه سيدمر اقتصاد تركيا إذا قضى التوغل التركي في سوريا على السكان الأكراد بالمنطقة، في رد ترامب على سؤال لأحد الصحفيين عما إذا كان يخشى من أن يقدُم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على القضاء على الأكراد. وقال ترامب: "سأمحو اقتصاده إذا حدث ذلك.. أتمنى أن يتصرف أردوغان بعقلانية".
وأضاف: "فعلت ذلك بالفعل من قبل مع القس برونسون"، وذلك في إشارة إلى العقوبات الأمريكية على تركيا بشأن احتجاز القس الأمريكي. وكان أندرو برونسون، من بين المعتقلين الذين اتهمته تركيا بالتجسس ومساعدة المنظمات الإرهابية بعد محاولة الانقلاب الفاشل.  

اقرأ أيضاً: المنطقة العربية "مغارة الدم" .. والبروكسي التركي والإيراني
المُستفيد الثاني؛ الطرف التركي الذي يبدو أنّه، حتى الآن، نجح في التخلص من خصمٍ تاريخي عنيد يتمثل بالحلم الكردي، ثم ربما أنّه سيتمكن من السيطرة على ملف الإرهابيين الأجانب من تنظيم داعش، أو ربما يقضي عليه لمصلحة تنظيم منافس هو جبهة النصرة. وبالتالي ينهي هذا الكابوس المؤرق الى الأبد بخصوص حجم الاتهامات الهائلة لتركيا بأنّها سهّلت دخول معظم هؤلاء لسوريا منذ بداية الأزمة في سوريا، ثم في مرحلة لاحقة ستقوم تركيا بابتزاز الاتحاد الأوروبي بهذا الملف.

اقرأ أيضاً: الجامعة العربية تدين العدوان التركي.. قطر هذا موقفها
ويمكن ملاحظة مؤشرات هذا السلوك التركي، حتى الآن، من خلال تتبع ما تنشره وسائل الإعلام العالمي؛ فمنذ بدء "الغزو التركي" يلاحظ أنّ القوات التركية استهدفت بشكل خاص البلدات والمدن، التي كان تنظيم داعش يسيطر عليها.
المستفيد الثالث من العملية هو تنظيم داعش الذي يبدو أنّه يستثمر حالة الفوضى خلال المعارك الدائرة لتحقيق "الهروب الكبير" من السجون وإعادة الانتشار؛ حيث أشارت معلومات إلى أنّه خلال الهجوم التركي، استغل بعض مقاتلي داعش هذه العمليات العسكرية لتنفيذ عمليات إرهابية أو الفرار من السجون.

الهجمات التركية تشكل خطراً كبيراً على تأمين عناصر داعش المحتجزين لدى القوات الكردية
فقد ذكر مسؤول إعلامي في قوات سوريا الديمقراطية الجمعة 4 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، أنّ خمسة معتقلين من تنظيم داعش، فرّوا من سجن "نفكور" الواقع عند الأطراف الغربية لمدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية، والذي يضم مقاتلين أجانب من التنظيم، بعد سقوط قذائف تركية بجواره، لتتحقق بذلك المخاوف من أن يؤدي الغزو التركي للمنطقة إلى فرار عناصر التنظيم وإعادة بناء قدراته. وأشار مسؤول آخر في قوات سوريا الديمقراطية، إلى أنّ قذائف تركيا تتساقط "باستمرار" قرب سجن (جيركين)، الذي يؤوي أيضاً عناصر من التنظيم في المدينة.

قصف الأتراك للسجون يستهدف تحرير معتقلي داعش لزجّهم في قتال الأكراد باستغلال العداء الشديد بينهما

وفيما يبدو أنّ قصف الأتراك للسجون يقصد به تحرير السجناء فيها؛ لزجّهم في قتال الأكراد خاصة في ظل العداء الشديد الآن بين تنظيم داعش وقوات سوريا الديمقراطية.
وعبّرت قوات سوريا الديمقراطية مؤخراً عن خشيتها من أن ينعكس انصرافها إلى قتال القوات التركية سلباً على جهودها في حفظ أمن مراكز الاعتقال والمخيمات، كما في ملاحقة الخلايا النائمة لداعش.
وفي هذا السياق، حذرت رئيسة الهيئة التنفيذية لمجلس سوريا الديمقراطية، إلهام أحمد، من أنّ الهجمات التركية، تشكل خطراً كبيراً على تأمين عناصر داعش المحتجزين لدى القوات الكردية، مضيفة أنّ ضرب شمال سوريا يهدد أمن المنطقة وقد ينشر الفوضى فيها، وبيّنت أنّ الخطر يتعاظم أيضاً مع "نساء داعش" الموجودات في المخيمات.
وتابعت: "يمكن أن يتم تهريبهن وإيصالهن إلى بلدانهن الأصلية لتنفيذ عمليات إرهابية، في حال خرجت الأمور عن سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في المناطق التي تتعرض لقصف تركي عشوائي".
وحسب حصيلة للمرصد السوري لحقوق الإنسان بتاريخ 4 تشرين الأول (أكتوبر) 2019 تّبنى تنظيم داعش تفجير سيارة مفخخة في مدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية، تسبب بمقتل ستة أشخاص بينهم مدنيون، وأورد التنظيم، في بيان على تطبيق تلغرام، أنّ مقاتلي داعش قاموا "بتفجير سيارة مفخخة مركونة" قرب تجمع للمقاتلين الأكراد في المدينة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أبرز المعيقات التي تمنع تطور التقارب بين تركيا وإيران

2019-11-19

تشاركت الدولتان المهمتان في الشرق الأوسط، تركيا وإيران، الحدود والجوار منذ قرون ممتدة، واتسمت العلاقات بينهما بالتذبذب باعتبار تغيّر الحسابات والظروف الدوليّة. اليوم تزداد المؤشرات على عودة العلاقة بينهما إلى مسار التقارب، فإلى أيّ حد يمكن أن يتطوّر التقارب، وما هي أهم المعيقات؟

اقرأ أيضاً: تركيا وإيران... الأصولية والطائفية
بإلقاء نظرة سريعة على البدايات، تعود بداية الصراع إلى توسّع الدولة العثمانيّة في الأناضول، خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، مستفيدة من الفراغ الذي تركه انحلال دولة سلاجقة الروم، ومن ثم اجتياح تيمورلنك وانحلال دولته أيضاً بعد ذلك، وبعد استلام السلطان سليم الأول الحكم عام 1512، بدأت حملات جديدة لتوسيع الدولة، وهذه المرة بدأ التفكير يتجه للامتداد خارج حدود الأناضول؛ فكان أن اختار التوجّه شرقاً، والتوغل نحو العراقين؛ عراق العرب وعراق العجم.

الضغوط على  تركيا وإيران تدفع باتجاه المزيد من التقارب بينهما. ولكن، بالعموم، تبقى العلاقات بينهما في إطار وحدود "التقارب"

اصطدمت جيوش سليم الأول في معركة "جالديران" سنة 1514 بقوّات الدولة الصفويّة، التي كان حكمها في مرحلة النشوء والتوسّع آنذاك في الهضبة الإيرانيّة، وتوغّل حتى احتلّ عاصمتها تبريز. وكانت تلك البداية لصراعات وحروب ممتدة عبر ثلاثة قرون بين الدولة العثمانية من جهة، والدولة الصفوية والدول الإيرانية الوريثة لها (الهوتاكيّة، والأفشاريّة، والزنديّة، والقاجاريّة) من جهة أخرى. انسحب الجيش العثماني بعد معركة جالديران من مناطق جبال زاغروس، ولكنّ النفوذ العثماني ترسخّ منذ تلك المعركة في العراق، فأصبح جزءاً من الدولة العثمانيّة طوال القرون الأربعة اللاحقة.

ومنذ تلك الحرب انتقل ميدان الصراع إلى مستوى آخر، وهو المستوى المذهبيّ، مع توجّه الشاه إسماعيل الصفويّ إلى نشر وتعميم المذهب الشيعيّ في بلاده ليكون الأساس في تشكيل رابطة الولاء في الدولة، ويصبح مذهب الدولة الرسميّ في مواجهتها مع الدولة العثمانيّة التي كانت متبنيّة للمذهب السّني، وبذلك اكتسى الصراع الثوب المذهبيّ.

اقرأ أيضاً: تركيا وإيران: الاستعمار الجديد في الوطن العربي!
وفي عهد السلطان سليمان القانونيّ استمرت الحروب بين الدولتين، مع توجّه كل منها لعقد تحالفات مع دول غير إسلاميّة في إطار المواجهة بينهما؛ فتحالف الصفويون مع البرتغاليين ومع امبراطوريّة المجر والنمسا، وتحالف العثمانيون مع فرنسا، واستمرت الحروب في الأقاليم الحدوديّة لكن دون حدوث تغييرات جوهريّة في الخرائط. واستمرت حتى نهاية الحرب الأخيرة عام 1823، وامتد الصراع فيها حول المناطق الممتدة من القوقاز شمالاً وحتى البصرة جنوباً. ولم تتمكن أيّ من الدولتين من القضاء على الأخرى بسبب تكافؤ القدرات بينهما في التعبئة العسكريّة.
الحداثة والعلمنة والحرب الباردة.. الاتجاه نحو التقارب
بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ونيل الجمهوريّة التركيّة استقلالها، ومع بداية عهد الأسرة البهلويّة في إيران، تميّز عهد رضا شاه بالاتجاه نحو التقارب مع تركيا الكماليّة، فكان رضا شاه معجباً بمصطفى كمال أتاتورك ونموذجه التحديثيّ العلمانيّ، وهو ما عنى تجاوز ميراث الانقسام المذهبيّ، في ظل طغيان الاتجاه الحداثيّ بين النخب في حينه.

الباحث عبد القادر الطائي: وجود الخلافات بين تركيا وإيران على المستوى الأيديولوجي لا يعطل العلاقات الثنائيّة بينهما

وفي عام 1926 وُقعّت معاهدة الصداقة بين البلدين، وشملت النصّ على تعزيز مبادئ السلام والتعاون، وتفعيل العمل المشترك بين البلدين على كافّة الصُعُد والمستويات، واتبعت باتفاقيات لاحقة. كما شهدت تلك المرحلة بداية الاتفاق الإستراتيجي بين البلدين على الموقف الرافض من قيام دولة كرديّة مستقلّة تهدد وحدة وكيان كليهما، والتشبث بمخرجات معاهدة لوزان، وهو ما سيستمر لاحقاً ويشكّل نقطة تعزيز دائمة للعلاقات الثنائيّة بينهما.

أتاتورك مستقبلاً رضا شاه أثناء زيارته تركيا عام 1934

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتوجّه رضا شاه نحو التقارب مع النازيّة، ومن ثم تنحيته من قبل البريطانيين والمجيء بابنه محمد رضا شاه إلى الحكم، ومن ثم حدوث الانقلاب عام 1953 على حكم رئيس الوزراء محمد مصدّق، ترسّخ حكم محمد رضا باعتباره حكماً قائماً على أساس الموالاة المطلقة للغرب (الولايات المتحدة وبريطانيا). وتزامن ذلك مع فترة رئاسة دوايت أيزنهاور، في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وهو الرئيس الأمريكي صاحب مبدأ "سد الفراغ"، الذي هدف لمدّ نفوذ الولايات المتحدة في منطقة "الشرق الأوسط" في مسعى لصدّ خطر التوسع السوفييتي القادم من الشمال، وفي هذا السياق، ومع اشتداد الحرب الباردة، جاءت مشاركة البلدين في تأسيس "حلف بغداد" عام 1955. وهو ما دفع باتجاه تعزيز العلاقات بين البلدين؛ باعتبار مشاركتهما في ذات التحالفات والتوجّهات الاستراتيجية.
الثورة في إيران.. مسار الاختلاف والافتراق
ولكن نقطة التحوّل جاءت مع اندلاع الثورة في إيران، والإعلان عن تأسيس الجمهورية الإسلاميّة عام 1979؛ فمن جهة أدى هذا التحوّل إلى حدوث خلاف وافتراق جوهريّ بين الدولتين على المستوى الأيديولوجي؛ مع تحوّل إيران إلى دولة دينيّة ثوريّة، في حين بقيت تركيا جمهوريّة علمانيّة، ومن جهة أخرى برز الاختلاف فيما يتعلق بالموقف من الولايات المتحدة والنظام الدولي؛ فإيران أصبحت دولة ثوريّة تعلن العداء والتحدي للولايات المتحدة، فيما تركيا دولة عضو في حلف الناتو. كما أعلنت الجمهورية الإسلاميّة مناصبة "إسرائيل" العداء، بالمقابل حافظت تركيا على علاقات بمستويات متقدمة معها على مختلف الصُعُد. وبالتالي ساد البرود العلاقات بين البلدين.
حقائق الجغرافيا.. والعودة إلى مسار التقارب
وعلى الرغم من ذلك، بقي هناك قدر من العلاقات بين البلدين؛ بسبب ما تفرضه حقائق الجغرافيا على الأرض؛ فتركيا بالنسبة لإيران ممر لصادراتها باتجاه أوروبا، وإيران ممر لصادرات تركيا نحو آسيا، كما أنّ التجاور والحدود المشتركة يسهّلان ويقللان من نفقات النقل والتبادل التجاري بين البلدين.

اقرأ أيضاً: ألمانيا وتركيا على صفيح ساخن.. ما علاقة الإسلام السياسي؟
وجاء التحوّل مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002، والتحوّل الإستراتيجي الذي أحدثته القيادة الجديدة بالتوجّه نحو إقامة وتعزيز العلاقات والنفوذ في الشرق والجنوب، بدلاً من حصر المساعي - كما كان في السابق - بالالتحاق بالغرب ومسعى الانضمام للاتحاد الأوروبي. كما كانت نخبة العدالة والتنمية أقل ميلاً لرؤية إيران الإسلاميّة باعتبارها تهديداً لأركان النظام العلماني التركيّ، كما كانت تصوّرها النخب العلمانية التركيّة السابقة.

اقرأ أيضاً: تقرير: طموحات تركيا في سوريا خير دليل على اتباع أردوغان النهج العثماني للتغيير العرقي
انعكست هذه التحوّلات الجديدة على المستوى الاقتصادي، فتعزز سريعاً مستوى التبادل التجاري، وارتفع من حدود المليار دولار عام 2000 إلى الأربعة مليارات عام 2005، ووصل إلى عشرة مليارات في العام 2010. كما انعكس تحسّن العلاقات على المستوى السياسي أيضاً؛ فأعلن الرئيس أردوغان في زيارة له إلى طهران عن تأييده ودعمه للبرنامج النووي الإيراني، على أن يكون سلمياً وملتزماً بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النوويّة.

أردوغان وأحمدي نجاد في طهران عام 2010

الناتو والحراك العربي.. الخلافات من جديد
وبالرغم من حدوث تطوّر في العلاقات إلا أنها لم تتحوّل إلى حالة من الشراكة والتحالف الإستراتيجي، وذلك عائد للخلافات الجوهريّة بينهما فيما يخصّ التوجهات الإستراتيجيّة، وخصوصاً بسبب علاقة تركيا مع حلف الناتو والولايات المتحدة. وسرعان ما حدث التوتر بين البلدين عندما وافقت تركيا على استضافة نظام درع صاروخي تابع للناتو، والذي اعتبرته إيران موجهاً لها، ويهدف لحماية "إسرائيل" من التعرض لأي هجوم إيراني في حال استهدفت "إسرائيل" مواقع إيرانيّة.

اقرأ أيضاً: هل يتم إقصاء تركيا من حلف الناتو؟
على صعيد آخر، سرعان ما تسارعت الأحداث في الإقليم مع اندلاع الاحتجاجات في معظم الدول العربيّة نهاية العام 2010 وبداية العام 2011، وما رافق ذلك من سقوط أنظمة حكم وثورات وأزمات، وهنا سعت كل من تركيا وإيران للاستفادة من حالة الاختلال والاضطراب في النظام العربي لتحقيق تمدد على مختلف المستويات، من السياسة إلى الاقتصاد إلى التمدد العسكري، بما يضمن لكل منهما تعزيز وتأمين المصالح الإستراتيجيّة، وهو ما تسبب في تأزيم العلاقات من جديد بين البلدين؛ نتيجة للاختلافات في طموح كل منهما، وبلغ التأزّم ذروته في سوريا، مع اختيار تركيا دعم قوّات المعارضة المسلحّة في مواجهتها مع النظام الحاكم الحليف لإيران.
أنقرة تعيد الحسابات
إلا أن عودة واستدارة حدثت في السياسة التركيّة، جاءت على إثر تغيّر المعطيات على الأرض في سوريا، بدءاً من بروز خطر تنظيم الدولة، إلى بروز خطر قيام كيان كردي مستقل أو بحكم ذاتي يكون مدعوماً من  الولايات المتحدة، إضافة إلى التدخل الروسيّ العسكريّ الحاسم، ثم جاءت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016 لتدفع الأتراك باتجاه التقارب مع مواقف روسيا وإيران من الأزمة، والاتجاه نحو خيار دعم إعادة بسط الحكومة السورية سيطرتها على أراضي البلاد، وهو ما بدت بوادره سريعاً مع تخليها عن إسناد فصائل المعارضة المسلحّة في معركة حلب، معقل المعارضة في حينه، في كانون الأول (ديسمبر) عام 2016، ومن ثم الاتفاق مع إيران وروسيا على المضيّ في مسار أستانا - سوتشي للسلام، البديل عن مسار جنيف الذي ترعاه دول أوروبا والولايات المتحدة. وبالتالي، فإنّ الموقف التركي والإيراني انتهى إلى التشارك في الدفع باتجاه تعزيز الاستقرار السوريّ، ما حرك عجلة التقارب بين البلدين من جديد.

اقرأ أيضاً: قطر ترفع شعار مع تركيا ظالمة أو مظلومة
ويرى الباحث عبد القادر فهمي الطائي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الشرق الأوسط، في حديثه لـ "حفريات" بأنّ "وجود الخلافات بين تركيا وإيران على المستوى الأيديولوجي لا يؤدي إلى تعطيل العلاقات الثنائيّة بينهما، وإنما يتم تأجيل مثل هذه المسائل، في مقابل الحسابات والمصالح المتزايدة؛ فهناك الغاز والنفط الإيراني الذي يصدّر بأسعار تفضيليّة لتركيا، وهناك حجم التبادل التجاري بالمليارات، والمعبر الإيراني إلى أوروبا هو تركيا، لا يمكن لأيّ من الدولتين أن تفرطا بهذه الأرقام والحسابات من أجل خلافات أيديولوجية". أما بخصوص وجود تنافس بينهما في إقليم ثالث، وهو المنطقة العربية، فإنّ ذلك، بحسب الطائي، "لا يؤدي إلى التصادم بقدر ما يؤدي إلى تقسيم الحركة والنفوذ على أساس التفاهم".

توافقت تركيا مع روسيا وإيران على الدفع باتجاه إنهاء الصراع في سوريا

ورحبت تركيا بالاتفاق النووي مع إيران عام 2015، والاتجاه نحو رفع العقوبات الاقتصاديّة عن إيران، ومع مواجهة تركيا عقوبات وضغوطات وتهديدات أمريكيّة متزايدة في العام 2019، على إثر شرائها منظومة (S400) من روسيا، وقيامها بالعملية العسكريّة "نبع السلام في شمال سوريا، ومع رفض تركيا الالتزام بالعقوبات على إيران، فإنّ هذه الضغوط على كليهما باتت تدفع باتجاه المزيد من التقارب بينهما. ولكن، بالعموم، تبقى العلاقات بينهما في إطار وحدود "التقارب"، ولا يمكن الحديث بعد عن الانتقال إلى حالة من "التحالف الإستراتيجي"؛ فلا يزال مثل هذا التحالف مفتقداً لعناصر عدّة.

للمشاركة:

ما الذي يحدث في إيران فعلاً؟ وهل ينكسر النظام أم يتراجع؟

صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
2019-11-19

لم تكن الاحتجاجات الأخيرة التي انطلقت في مدن الأحواز العربية في إيران، وانتشرت بسرعة لتعمّ أكثر من خمسين مدينة إيرانية، هي الأولى التي تشهدها البلاد في الآونة الأخيرة؛ فقد أصبحت الاحتجاجات الشعبية عنواناً متكرراً في إيران، خلال الأعوام العشرة الأخيرة.

اقرأ أيضاً: إيران تواجه الاحتجاجات السلمية بالباسيج
جاءت هذه الموجة من الاحتجاجات مدفوعة بقرار الحكومة الإيرانية رفع أشعار المشتقات النفطية، لكن، كما هي العادة، تطورت شعارات المحتجين بسرعة إلى شعارات سياسية راديكالية، كما تطوّرت المواجهات أيضاً إلى صدامات واشتباكات عنيفة، وما يزال من غير الممكن تقدير عدد الوفيات والإصابات في ظلّ التعتيم الإعلامي الإيراني، وقطع خدمة الإنترنت عن معظم مناطق البلاد كلياً، وأظهرت المقاطع المصوّرة التي نجح المتظاهرون في تسريبها، عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية، وجود تدخّل عنيف للقوات الأمنية، واشتباكات مباشرة مع المحتجين، قابلها أعمال شغب وتخريب وإشعال حرائق.

أظهرت الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة أنّ القاع الاجتماعي بات مُهدِّداً رئيساً لاستقرار النظام بطيفيه؛ المحافظ والإصلاحي

ويجمع المختصون على أنّ الاحتجاجات الحالية التي تشهدها إيران مختلفة، شكلاً ومضموناً، عن تلك التي سبقتها أواخر عام 2017، وذلك لاعتبارات عديدة أبرزها؛ نجاح هذه الاحتجاجات جزئياً في كسر حواجز القطيعة السوسيولوجية التي كرّسها النظام الإيراني بين مكونات الشعب الإيراني؛ فللمرة الأولى في إيران، منذ عام 2009، يشترك في الاحتجاجات الشعبية عدة أعراق أو قوميات إيرانية، لكن ما يزال من المبكر، وفق الخبراء، تقدير نتائج هذه الموجة من الاحتجاجات، واتجاهاتها المستقبلية.

إرادة كبيرة لدى مختلف مراكز السلطة في النظام بقمع وإخماد الاحتجاجات
يشهد المجتمع الإيراني، منذ نحو ثلاثة عقود، تطورات درامية في آليات التفاعل الاجتماعي ودينامياته، وأدّى التعريف الضيق للهوية الذي فرضته السلطة إلى تكثيف علاقات صراعية بين مختلف التيارات التي تتنافس من أجل السيطرة، والتمكين داخل الجمهورية الإسلامية، ويقتضي فهم مآلات الصراع بين النظام، وديناميات التغيير الاجتماعي، ضرورة تحديد وفهم الخطوط العامة الأوسع للتغيير الاجتماعي والثقافي في إيران، والتي يمكن إجمالها في ثلاثة محاور رئيسة: أولاً؛ صراع الأجيال الذي تدور رحاها بين نخب ورموز نظام يعانون من الشيخوخة، نظراً لوجودهم في السلطة منذ نحو 40 عاماً، وبين شبان وفتيات يُعتبَرون الشريحة الأكثر تعليماً في البلاد، ولا يقرّ الشباب الجدد بأيّ قدسية للرموز الثورية الشائعة بين أركان النظام الحالي، ويشكّكون في قدسية ورمزية قائد الثورة الأكبر،  الخميني.

تتمظهر الانقسامات الاجتماعية بشكل حادّ في إيران على ثلاثة أسس؛ صراع الأرياف والمدن وصراع الطبقات والصراع الجندري

وثانياً: صراع القوميات والمذاهب؛ حيث دشَّنت ثورة 1979 حقبة من الصراعات الطائفية الحادة، والاضطرابات في المنطقة عموماً، وثالثاً: الصعود المفاجئ للتيار الوطني اليميني المتطرف؛ ففي تشرين الأول (أكتوبر) 2016، فوجئت السلطات الإيرانية بتزايد أعداد الشباب الذين يتوافدون إلى مقبرة الملك (كوروش الكبير)؛ الذي يعدّ مؤسس السلالة (الهخامنشية)، في باسار غاد للاحتفال بما يسمونه يوم (كوروش الكبير)، وهتف الحضور بشعارات من قبيل: "كوروش والدنا، وإيران وطننا"، وبينما كانت الصور ومقاطع الفيديو تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، اتجهت وسائل إعلام النظام بشكل مثير للاستهجان، إلى أسلمة "كوروش"، ومحاولة إثبات أنّ النبي محمد ﷺ، كانت له علاقة بـ (كوروش) أو أنّه امتدحه، وكان ذلك مؤشراً على أنّ رؤية القيادة للمسألة القومية ما تزال مضطربة ومشوشة.

اقرأ أيضاً: وثائق إيرانية سرية تكشف هيمنة طهران على بغداد بهذه الطريقة
في الأيام التالية؛ بدأت الأمور تتكشف عن وجود حركة ثورية شبابية شديدة الراديكالية تقف خلف هذه التجمعات، أطلق عناصر الحركة على أنفسهم اسم "الريستارتيون/ ريستارتيها"، وهي تسمیة مأخوذة من الإنجليزية (Re-Start)، ويعتقد أنصار هذه الحركة أنّه لا بدّ من تدمير كلّ ما هو موجود ليعاد بناء إيران على أسس جديدة تحاكي ما كانت عليه قبل الغزو العربي (الفتح الإسلامي)، ويتشكّل قوام هذه الحركة من شباب أعمارهم بين 14 إلى 25 عاماً، وهم ذوو نزعة قومية-وطنية إيرانية جارفة، وشعارهم الأساسي نحو إيران المجيدة، وهم ليسوا علمانيين فقط، بل يحملون مشاعر معادية جداً للدين، وكلّ ما يرتبط به من رموز ومظاهر، ويرون في الإسلام شكلاً من أشكال الغزو الثقافي العربي لإيران، كان من اللافت أنّه ليس هناك تيار أو حزب سياسي مرتبط مباشرة بهذه الحركة أو ترتبط به، لكن التيار الملكي هو الأقرب إليهم؛ لأنّهم ببساطة يريدون عودة إيران ملكية-إمبراطورية، ويعدّ الإمبراطور الهخامنشي كوروش الكبير، رمز عظمة وقوة إيران، وفق هذه الحركة.

أصبحت الاحتجاجات الشعبية عنواناً متكرراً في إيران
يظهر الريستارتيون اليوم في مختلف الاحتجاجات الإيرانية، ولعلّ مما يزيد من خطورتهم حقيقة أنّه ليس لدى هؤلاء الشباب أيّة مطالب، لا من النظام، ولا من المجتمع الدولي؛ فهدفهم هو نسف كلّ ما هو موجود، ولذلك لا حاجة لهم لا بالمفاوضات، ولا بالهياكل التنظيمية، ولا يحتاجون أيضاً إلى وجود قيادة تفاوض عنهم أو تديرهم؛ فالهدم لا يحتاج سوى معوّل، لكنّ الريستارتيين استخدموا النار كوسيلة للهدم، أولاً؛ لرمزيتها الروحية عندهم، وثانياً؛ لأنّها تأتي على كلّ شيء، ولا تبقي أثراً سوى الرماد، هم ببساطة يتشكلون، ويتحالفون على شكل مجموعات وخلايا صغيرة، غير مترابطة تنظيمياً، وبلا هرم قيادي، وبلا هياكل تنظيمية واضحة، وتقوم كلّ مجموعة بتخريب ما تطاله أيديها، مع التركيز على تخريب رموز الدين، والسلطة الحاكمة؛ لذلك ركّزوا على حرق المساجد، والمراكز الأمنية، والبنوك، كرموز للدين والسلطة والمال، وقد بلغ عدد المساجد والحسينيات التي أحرقوها أكثر من عشرة آلاف مسجد وحسينية، خلال الأعوام الثلاثة الماضية، بينما تجاوز عدد المراكز الأمنية التي أحرقت حوالي ألف ومئتي مركز أو نقطة أمنية، وتمكّنوا من إحراق عشرات البنوك رغم الحماية الأمنية الفائقة التي تتمتع بها البنوك عادة.

اقرأ أيضاً: بغداد تقدح شرارة الربيع الإيراني.. طهران حين تخاف
أما ملف الأقليات العرقية والقومية، أو "الشعوب الإيرانية"، كما يحلو للبعض تسميته؛ فهو عقدة أخرى تضاف إلى هذا المزيج غير المنسجم من القومية والمذهبية، ولا يبدو أنّ المجتمع الدولي أو المنظمات الدولية، يمتلكان الرغبة في تسليط الضوء على الانتهاكات التي تتعرض لها الأقليات العرقية في إيران، وتقرّ منظمة "هيومن رايتس ووتش"، بـصعوبة التحقق من المعلومات حول انتهاكات حقوق الإنسان ضدّ الأقليات العرقية في إيران، فأوضاع الأقليات العرقية لا تخضع للرقابة اللصيقة من جانب جماعات الدعم الدولية، ويصعب الوصول إلى كثير من مناطق إقامة الأقليات، كما أنّ الإعلام الإيراني يلتزم الصمت أحياناً، والتضليل أحياناً أخرى تجاه ملف الأقليات.
اضطرابات سياسية أم اقتصادية؟
يمكن تصنيف مجمل الاحتجاجات التي حدثت بعد استقرار نظام ثورة 1979 في إيران، إلى صنفين أساسيين: اضطرابات سياسية، واضطرابات اقتصادية، ويمكن تحديد أبرز سمات الاضطرابات السياسية التي شهدتها إيران في غلبة عناصر الطبقة المتوسطة عليها، وتركّزها في العاصمة طهران وبعض المدن الكبرى، وتمحورها حول مطالب إصلاحية وليست راديكالية، وأخيراً وجود قيادة محددة لها، أما الاضطرابات الاقتصادية؛ فهي غالباً ما تكون مدفوعة بعوامل احتقان طبقي، ويغلب عليها الطبقات الفقيرة، وتنتشر في مختلف المدن والأقاليم، بينما قد يكون حضورها محدوداً في العاصمة والمدن الكبرى، وتغلب عليها النزعة الثورية والراديكالية، وأخيراً؛ فإنّها عادة ما تفتقر لقيادة واضحة، وتندرج في إطار ما يسمى "الاحتجاجات العمياء" أو "المظاهرات دون رأس".

لا يُقلِّل وصف الاحتجاجات بالاقتصادية من أهميتها فتجربة الثورة الإيرانية عام 1979 حدثت تحت تأثير نمط الاحتجاجات الاقتصادية

ويمكن إرجاع أغلب أسباب الاحتجاجات الاقتصادية في إيران إلى عاملَين: الضغوط الاقتصادية الخارجية الناتجة عن سياسات النظام، وتبنّي الحكومات الإيرانية سياسات نيو-ليبرالية في مجال الاقتصاد الكلي (Macro Economy)، التي تشمل "الخصخصة الاقتصادية والصحية"، و"خفض الإنفاق العام"، و"رفع الدعم عن البضائع الأساسية"، و"رفع الضرائب"، و"التقشف".
وبينما ظلّت رواية النظام تتبنى حماية المستضعفين في الداخل والخارج طوال العقود الماضية من عمر الثورة، أظهرت الاحتجاجات الأخيرة؛ أنّ "القاع الاجتماعي" بات مُهدِّداً رئيساً لاستقرار النظام بطيفيه؛ المحافظ والإصلاحي، وتتمظهر الانقسامات الاجتماعية بشكل حادّ في إيران على ثلاثة أسس، صراع الأرياف والمدن، وصراع الطبقات، والصراع الجندري.

لا يُقلِّل وصف الاحتجاجات الأخيرة بالاقتصادية من أهميتها وأثرها
ولا يُقلِّل وصف الاحتجاجات الأخيرة بالاقتصادية من أهميتها وأثرها، بل يعطيها زخماً أكبر، خاصة إذا أُخذت في الاعتبار عدة نقاط، منها: أنّ حجم الطبقة المتوسطة ليس كبيراً مقارنة بحجم الطبقة الكادحة، وأنّ مطالبات الطبقة المتوسطة ليست راديكالية، وأنّ تجربة الثورة الإيرانية عام 1979، حدثت تحت تأثير نمط الاحتجاجات الاقتصادية، كما أنّ وصف الاحتجاجات الأخيرة بالاقتصادية لا يعني أنّها غير ذات منحى سياسي، وذلك نظراً لطابعها الراديكالي، فعلى عكس الاحتجاجات السياسية التي لم تُحدِثْ تغييراً مهماً في خريطة القوى السياسية، فإنّ الاحتجاجات الاقتصادية من شأنها أن تُحدِث هذا التغيير، ومن المرجَّح، وفق هذه الرؤية؛ أنّ تتواصل الاحتجاجات الاقتصادية في إيران، وتتفاقم نظراً لدوام تردّي الحالة الاقتصادية، واستمرار الإصلاحات النيوليبرالية، واستمرار العقوبات الاقتصادية.

التواصل الاجتماعي يعمّق أزمات النظام البنيوية
مرة أخرى، أثبتت مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها تطبيق "تلغرام"، فاعليتها وتأثيرها في مجريات الأحداث في الساحة السياسية في إیران خلال الاحتجاجات الأخيرة، ويمكن وصف "تلغرام"، على ضوء الاحتجاجات في أكثر من 50 مدينة إيرانية، بـ "الدينامو المحرك" و"غرفة عمليات" الحراك الشعبي، و"القناة" التي نسّق المحتجون نشاطهم من خلالها، وهو ما دفع النظام الإيراني إلى قطع الإنترنت عن عموم البلاد في خطوة، ووجهت باستهجان كبير، لكن يبدو أنّ جهات دولية ما استطاعت توفير خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية لأعداد كبيرة من المتظاهرين، وهذا متغير مهمّ ولافت في الاحتجاجات الحالية.

اقرأ أيضاً: هل تأثرتْ إيران بانتفاضة العراق؟
ومن بين هذه القنوات الناشطة على "تلغرام"، تبدو قناة "ري ستارت" هي الأكثر خطورة من الناحية الأمنية على النظام؛ إذ تعكس القناة أفكار الحركة الشبابية التي تتمتع بشعبية واسعة، ولها متابعوها المخلصون في إيران، كما أنّها تتمتع بقوة تجنيد طاقات قتالية شابّة ومتحمسة، وقادرة على إثارة الفوضى، ونقطة قوتها أنّها تتمتع بنبرة وطنية، ما يجعلها قادرة على استقطاب الجيل الشاب، الذي يدعو إلى المبادئ الوطنية، ومن نقاط قوّتها، وفي الآن نفسه؛ هي من نقاط ضعفها، أنّها حركة يديرها شخص واحد، ما يمكّنه من اتّخاذ القرارات بسلاسة وسرعة أكبر، وقد أسس هذه الحركة، ويديرها بشكل منفرد، الناشط الاجتماعي والإعلامي الإيراني المعروف، سيد محمد حسيني.
لكنّ هناك عدة نقاط ضعف في هذه الحركة؛ أهمها: أنّ الحركة يديرها شخص واحد، وأنّ قيام أتباع الحركة بإحراق المساجد أثار حفيظة الشارع المحافظ في إيران، وترك انطباعاً سيئاً لدى الجمهور إزاء الحركة، لكن رغم ذلك؛ قامت بعض الجهات بالتحالف مع الحركة، لتوسيع نطاقها، ويمكن القول إنّه إلى جانب القنوات التي تدعم الخطاب الملكي، هناك كتلة من القنوات تحاول حشد الشارع في إطار خطاب معارض أقرب إلى الديمقراطية.
يظهر الريستارتيون اليوم في مختلف الاحتجاجات الإيرانية

جغرافيا الاحتجاجات
تُظهر دراسة الانتشار الجغرافي للاحتجاجات، أنّها لم تقتصر على المناطق ذات الخصوصيات العرقية والإثنية؛ ما يعني أنّ القوميات تحاول البحث عن جسور مشتركة فيما بينها في مواجهة النظام، ولا تمثل الشعارات التي طرحت في الاحتجاجات أيّاً من اتجاهات الأقليات العرقية أو مطالبهم السياسية، فمعظم هذه الشعارات كانت تدعو إلى إسقاط النظام، دون إشارة إلى الحكم الذاتي أو حقوق الأقليات، وربّما يثير وجود بعض الشعارات المتمحورة حول "الملكية"، والمفاخرة بالعرق "الآري"، حفيظة الأقليات العرقية التي لا تحبذ الفكرتين، فيحجمون عن المشاركة فيها. وعلى العموم؛ فإنّ الحالة الموجودة في الاحتجاجات تبيّن لنا "عدم التضافر"، و"عدم التعاطي" بين مطالب المتظاهرين المتجلية في شعاراتهم ومطالب القوميات الإيرانية، ولعلّ صمت القوميات إزاء مسيرة الاحتجاجات، يمثل نقطة الضعف الأخطر لها، وهو خطر يهدّد ديمومتها، كما شهدنا خلال التجارب السابقة، وهذه النقطة من أهم الملاحظات التي يحاول النظام استثمارها في التصدّي للاحتجاجات.
هل ينجح النظام في إخماد الاحتجاجات؟
تشير الاحتجاجات الأخيرة، وتلك التي سبقتها في الأعوام 1991 و1995 و1999 و2009، و2017، إلى تآكلِ شرعية النظام، وتفاقمِ الأزمات الهيكلية الداخلية، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وتدللُ على إخفاق "النموذج الإيراني"، لكن رغم كلّ الأزمات التي يمرّ بها النظام الإيراني والاحتجاجات المتتالية التي شهدها، إلا أنّه يبدو أنّ لديه قدرة على البقاء والتحايل على تلك الأزمات، وثمة أسباب موضوعية عديدة، أهمّها: وجود إرادة هائلة لدى النظام للقمع، وتطوير قدرته على ممارسة هذا القمع، وعدم وجود انشقاقات جذرية داخل طبقة الحكم، فضلاً عن غياب الدعم الخارجي لأيّ تغيير داخلي.

تُظهر دراسة الانتشار الجغرافي للاحتجاجات أنّها لم تقتصر على المناطق ذات الخصوصيات العرقية والإثنية؛ فالقوميات تبحث عن جسور مشتركة لمواجهة النظام

وينجح النظام الإيراني عادة في استغلال "القطيعة السوسيولوجية" بين إيران المركز، وإيران الأعراق، التي تحول دون انتشار الاضطرابات من مناطق الأكثرية إلى مناطق الأقليات، أو العكس، وتتيح للنظام إمكانية توظيف الأقليات لقمع المحتجين من الأكثرية، أو توظيف الأكثرية لقمع المحتجين من الأقليات، لكن في هذه الاحتجاجات الأخيرة فقد النظام هذه الميزة لأسباب وعوامل عديدة، أهمها: صعود التيار الوطني الإيراني، الذي قلّل من حجم تأثير التمايزات بين المذهبية والمناطقية، وخفّف من حدّة النزعات القومية، كما يمكن القول إنّ الظروف الاقتصادية الصعبة عملت على توحيد مطالبات الإيرانيين من النظام أكثر من أي وقت مضى؛ لأنّ المطالب الاقتصادية عابرة بطبيعتها للقوميات والمذاهب.

اقرأ أيضاً: ماذا بقي لإيران في العراق؟
ومع ذلك لا ينبغي الذهاب بعيداً في توقع استمرار الاحتجاجات وانتشارها في ظلّ توافر قدرة، وإرادة كبيرة لدى مختلف مراكز السلطة في النظام بقمع وإخماد الاحتجاجات، ولطالما عمَّق النظام الإيراني الانقسامات الاجتماعية في البلاد؛ بسبب إصراره على تفضيل الحلول والمقاربات الأمنية للمشكلات الداخلية العالقة؛ إن بهدف تفكيك وقمع القوى المناهضة للنظام في داخل المجتمع، أو بهدف عزل الفئات الغاضبة فيه عن بعضها، وعن باقي فئات المجتمع، وخفض دائرة المحتجين من أجل سهولة التصدي لهم.

إستراتيجية النظام لمواجهة الاحتجاجات
ظهر النظام الإيراني متحدًا في مواجهة المحتجين، وتبنت مختلف مراكز السلطة رواية واحدة تقوم على أساس أنّ رفع أسعار المشتقات النفطية كان ضرورة وطنية، وأنّ المحتجين هم مجموعة من الأشرار والغوغائيين الذين يحاولون تخريب الأمن والسلم المجتمعي، وتجدر الإشارة إلى أنّ النظام الإيراني وصل إلى السلطة أساساً عن طريق إدارة احتجاجات شعبية، وبالتالي؛ فإنّه يمتلك خبرة متراكمة في آليات إدارتها، والتعامل معها، وتفكيكها، أو قمعها وإخمادها عند الضرورة، وللسوابق التاريخية وقعها وتأثيرها في هذا الاستنتاج.

اقرأ أيضاً: القمع والاغتيالات منهج إيران الثابت تجاه الأقليات
وقد بنى النظام إستراتيجية مواجهة الاحتجاجات الأخيرة على ثلاثة عناصر: القول إنّ الأوضاع الاقتصادية التي تعاني منها البلاد ضريبة طبيعية للمواقف الإيرانية الصلبة في مواجهة المؤامرات الأمريكية، والقول إنّ الأزمة متعلقة بالحكومة فقط، لا بالنظام، وأنّها حصيلة لإخفاقات الحكومة الاقتصادية، وعجزها عن تحقيق وعودها الانتخابية، مع تأييد الجهود الأمنية لقمع الحراك الاجتماعي، ووسمه بأنّه حصيلة مؤامرات خارجية من خلال التركيز الإعلامي على عمليات التخريب، والإساءات إلى رموز الدولة، والنزعات الانفصالية، وفي الوقت نفسه؛ واصل النظام محاولات تفكيك المجتمع، وعزل الفئات الغاضبة فيه عن بعضها، وعن باقي فئات المجتمع، وخفض دائرة المحتجين من أجل سهولة التصدي لهم.

أثبتت مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها "تلغرام"، فاعليتها وتأثيرها بمجريات الأحداث في الساحة السياسية في إیران خلال الاحتجاجات الأخيرة

كما لجأ النظام إلى تعطيل شبكات التواصل الاجتماعي عبر قطع خدمة الإنترنت، والتوسع في عمليات الحجب والفلترة، وكما جرت العادة؛ يرجَّح أن تقوم قوات التعبئة العامة (الباسيج) خلال الأيام المقبلة، بحشد الشارع الموالي والمحافظ في المجتمع الإيراني، وتشكيل "مسيرات موالية" للنظام، ومعارضة للمعارضين المحتجين.
نقاط الضعف التي تعاني منها الاحتجاجات
بدأت الاحتجاجات بشكل عفوي؛ لذلك فإنّها تعاني مما تتصف به الحركات الاجتماعية-السياسية العفوية، مثل: الافتقار للقيادة، وتباين المطالب والشعارات، وضعف الدعم الدولي للمحتجين، أو عدم فعاليّته، ووقوف الحركة على أسس هشة، قائمة في العالم الافتراضي؛ إذ تمرّ الدعوة إلى المظاهرات، ومختلف التفاصيل الأخرى عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وبين أشخاص لا يوجد بينهم تواصل وارتباط فعلي غالباً، ومعنى ذلك؛ أنّ الحركة تفتقر إلى شبكة تنسيق ميدانية واقعية، ما يؤدّي إلى إصابتها بالشلل عندما تقوم أجهزة النظام بقطع شبكة الإنترنت عدة أيام.

النظام الإيراني عاش أكث من عمره الافتراضي
رغم أنّ محاولة النظام الإيراني تجاهل التأثير القوي للاحتجاجات في العراق ولبنان على الساحة الإيرانية، يبدو أنّ منطق الحراكات الثلاث متشابه إلى حدّ بعيد، وقد استهدفت الشعارات التي رفعها المتظاهرون في لبنان والعراق النفوذ الإيراني في البلدين، وطالبت بإنهاء الهيمنة الإيرانية على مؤسسات الدولة، والقرار السياسي في كلّ منهما، لكنّ هذا البعد تجلى بشكل أوضح في مظاهرات العراق التي شهدت شعارات مباشرة ضدّ النفوذ الإيراني، ومساساً واضحاً بالرموز السياسية الإيرانية.

يمكن وصف "تلغرام"، على ضوء الاحتجاجات في أكثر من 50 مدينة إيرانية، بـ "الدينامو المحرك" و"غرفة عمليات" الحراك الشعبي

وعُدَّت الاحتجاجات في البلدين اعتراضاً شعبياً على نظام المحاصصة الطائفية الذي يراه المتظاهرون السبب الرئيس في التردي الاقتصادي وحالة الفساد التي يعيشها البلدان، وتُعدّ إيران المستفيد الأول من نظام المحاصصة؛ إذ استطاعت ترسيخ نفوذها وتعميقه من نفوذ على صعيد القوى الاجتماعية إلى نفوذ مؤسساتي، وهيمنة رسمية على مؤسسات الدولة، وأظهرت مجمل التطورات الأخيرة؛ أنّ إيران لم تعد تمتلك اليد العليا في طائفياً في المجتمع الشيعي في العراق، ولبنان، وحتى في إيران نفسها.

 

وتلقي طهران باللائمة على الولايات المتحدة بدعوى أنّها تقف وراء إشعال هذه الاحتجاجات في الدول الثلاث، ولا توجد مؤشّرات على أنّ الاحتجاجات أدّت لغاية الآن إلى أيّ تحليل مُتفحّص ذي معنى في طهران حول الدروس أو التداعيات الناتجة عنها، يمكن أن ينعكس على سياسات إيران الخارجية، وما يزال خطّ الدفاع الأساسي يقوم على أنّ هذه الاحتجاجات مدفوعة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، لكنّ الحقيقة البارزة؛ هي أنّ النظام الإيراني بات أكثر قابلية للتفكك والانهيار من أي وقت مضى، ورغم أنّ العقوبات لم تنجح -حتى الآن- في إعادة إيران إلى طاولة الحوار الشامل، لكن بات لدينا ما يفيد بوجود تأثير قوي للعقوبات، من شأنه أن يُحدث مثل هذا الأثر في حال مواصلة العقوبات خلال العام المالي الإيراني المقبل.
ويميل كثير من المحللين في الغرب والشرق إلى الاعتقاد أنّ النظام الإيراني عاش أكثر من عمره الافتراضي! ولعلّ إشكاليتهم الكبرى مع النظام الإيراني أنّهم يعدّونه خارج سياق العصر، وأنّه لم يكن يصلح بالأساس لأكثر من مرحلة انتقالية بعد الثورة، لكنّ النظام استمرّ، ولا يعني ذلك أنّ استمراره كان أمراً طبيعياً، لكن بالمقابل ليس هناك أيّ أساس منطقي مقبول للقول إنّ عدم بقائه كان هو الأمر الطبيعي.
ضغوط هائلة يتعرض لها النظام الإيراني، داخلياً وخارجياً، لكنّه يبدو حتى الآن متماسكاً، وقد يكون من الصعب التنبؤ بما سيحدث في المستقبل القريب، لكنّ منطق الأنظمة الشمولية يفيد بأنّها تنكسر عادةً، ولا تتراجع.

 

للمشاركة:

من هي الشخصيات التي أعادت الحكومة الصومالية بناء تماثيلها؟

2019-11-19

أعيد في الصومال، الشهر الماضي، بناء وترميم النصب التذكارية لشخصيات وطنية، تدمّرت تماثيلها في مرحلة الحرب الأهلية، وأبرز تلك التماثيل التي شيدتها الحكومة الصومالية من جديد تعود لمحمد عبد الله حسن، الذي يرتبط ذكره بمقاومة الاستعمار البريطاني في صومال لاند، وأحمد غري، البطل التاريخي من القرن الخامس عشر، وأيقونة التحرّر من الاستعمار الإيطالي؛ حاوا تاكوا.

استخدم الرئيس سياد بري صورة الثائرة الصومالية حاوا تاكوا من أجل الترويج لنفسه بأنّه يدعم حقوق المرأة الصومالية

وشُيّدت النصب التذكارية لهؤلاء الشخصيات في العاصمة الصومالية قرب المسرح الوطني، بحضور الرئيس الصومالي، محمد عبد الله فرماجو، الذي غرّد معلقاً على حسابه في توتير: "كنت فخوراً بأن أقود أمتنا اليوم في ترميم آثارنا التاريخية"، وأضاف: "هذه الآثار هي فخر لنا جميعاً، ولأجيال الصومال، والحفاظ على تاريخنا يذكرنا برحلتنا التاريخية ويلهم مستقبلنا".
لكن سرعان ما أثار هذا الموضوع جدلاً على صفحات التواصل الاجتماعي، فيما رأى البعض أنّ الحكومة خطت بنصبها هذه التماثيل أولى خطواتها في حملتها الانتخابية القادمة، ويتصل الجدل المثار حول هذه الشخصيات بالخلاف القائم على السرديات المتضاربة حول التاريخ الوطني في الصومال؛ فمن هي تلك الشخصيات؟

الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو يدشن النصب التذكارية لشخصيات وطنية

حاوا تاكو: أيقونة التحرر من الاستعمار الإيطالي
تعدّ حاوا تاكو من أبرز رموز الاستقلال من الاستعمار الايطالي في الصومال الجنوبي، ورغم أنّ حقيقة حياتها غير معروفة بشكل كامل، إلا أنّ شخصيتها تحضر في الذاكرة الجمعية الصومالية كرمز للكفاح ضدّ الاستعمار في بلادها.
في أربعينيات القرن الماضي، كانت حاوا تنتمي لرابطة الشباب الصومالي، وذاع صيتها، بحسب بعض المصادر التاريخية، حين عقدت "لجنة القوى الأربعة"، المكونة من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي، اجتماعاً، في كانون الثاني (يناير) 1948، لتوزيع المستعمرات الإيطالية في القرن الأفريقي، في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

اقرأ أيضاً: صراع قطري تركي في الصومال
وأصبح وجود اللجنة نقطة اشتعال للخلاف السياسي بين المستعمِر الإيطالي ورابطة الشباب الصومالي (SYL) التي كانت حاوا تنشط في صفوفه، وتسعى إيطاليا في أعقاب الهزيمة التي لحقتها من الحرب العالمية الثانية الاحتفاظ بالصومال وإدارتها لمدة ثلاثين عاماً أخرى، في وقت كانت تلاحق نيل باقي الدولة الأفريقية على الاستقلال.
وفي 11 كانون الثاني (يناير) 1948، نظمت رابطة الشباب الصومالي مظاهرات حاشدة للمطالبة بتعجيل استقلال الصومال، وأطلق الحاكم الاستعماري الإيطالي الشرطة وبعض المرتزقة الصوماليين لمواجهة المظاهرة بعنف، مما تسبّب بقتل 17 صومالياً بمن فيهم حاوا تاكو.

يعدّ الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي بطلاً وطنيّاً من أبطال الصومال، واكتسب أهميته تلك خلال الحرب الإثيوبية الصومالية

وتشير إحدى روايات وفاتها إلى أنّه عندما وصلت القوات التي تقودها إيطاليا، انقسمت الرابطة إلى مجموعتين، كانت إحداها بقيادة حاوا؛ حيث قاتلت برمي الحجارة حتى قُتلت، ووفق ما قالته حليموا غودني، في مقابلة أجرتها مع الباحثة في جامعة هارفارد، صفية عيديد: "هاجم الإيطاليون المسلحون بالأسلحة النارية المظاهرات السلمية، وبدأوا في إحراق مبنى "SYL"؛ حيث تم إطلاق النار على محمد حرسي نور، أحد الأعضاء المؤسسين لـ "SYL"، وقد حاولت حاوا تاكو مساعدته، وأصيبت هي الأخرى بالرصاص".
وتقدّم الروايات الأكثر دراماتيكية للحادثة تفاصيل أكثر، منها القول إنّها قتلت بسهم مسموم؛ وإنّها ماتت أمام أولادها، ويقدّم تلك الروايات الكاتب العالمي، نور الدين فارح، في روايته "إبرة عارية"؛ حيث يورد أنّها قتلت بسهم مسموم أطلقه عليها صومالي مؤيد لبقاء إيطاليا، وهو ابن حاكم المنطقة، ويدعى حسن باري تولو.

تمثال حاوا تاكو

وأياً يكن؛ فقد أًصبحت حاوا تاكو ضمن ثقافة الصومال الشفهية رمزاً قومياً يجسد دور المرأة في حركة التحرر من الاستعمار، وأصبح وضعها الأيقوني رسمياً في السبعينيات، بعد تولي سياد بري السلطة في انقلاب عسكري؛ حيث بنى نظام بري نصباً تذكارية عديدة في مقديشو "تكريماً لشخصيات وأحداث قومية رمزية في التاريخ الصومالي"، ومن بين هذه الآثار؛ تمثال حاوا تاكو، التي شُيِّد تمثالها بالقرب من المسرح الوطني، وهو يصورها مسلحة بالسيف والحجارة، وتظهر أيضاً في عملة الشلن الصومالي، وهي تحمل بندقية ومجرفة مع طفل مربوط بخصرها، ويمثل ذلك رمزاً حيوياً لشجاعة المرأة الصومالية وقوتها وقدرتها على التحمّل، ودورها في بناء الأمة.

اقرأ أيضاً: هل يسدد الصومال ديونه الخارجية ويخرج من نفق "الدولة الفاشلة"؟
وفي حركته التحديثية القسرية؛ استخدم الرئيس سياد بري صورة حاوا من أجل الترويج لنفسه؛ بأنّه يدعم حقوق المرأة الصومالية؛ حيث أُعلن، مثلاً، قانون الأسرة المساند للمرأة في ذكرى وفاة حاوا، عام 1975، وأعلن بري القانون بالقول: "اعتباراً من هذا اليوم، فإنّ الرجال والنساء الصوماليين متساوون".
محمد عبد الله حسن: قائد الدراويش و"الملأ المجنون"
أسّس محمد بن عبد الله حسن نور حركة الدراويش، وهي حركة نهضت بدور محاربة الاستعمار في صومال لاند، وتجمع في مرجعيتها بين السياسة وتصوف الطريقة الصلاحية، وهدف من خلالها توحيد القبائل الصومالية، وحثّ الناس على الجهاد ضدّ الاحتلال البريطاني وقاد المعارك بنفسه.

اقرأ أيضاً: تمرير قانون النفط يفاقم الانقسامات السياسية في الصومال
تنقل السيد عبد الله حسن في صباه بين الطريقة القادرية والأحمدية، طلباً للعلم، قبل أن يسافر إلى مكة، بغية أداء شعائر الحج، غير أنّه التقى هناك رجل دين يدعى الشيخ محمد صالح، وهو مؤسس الطريقة الصالحية والمتأثرة بالأفكار الثورية المناوئة للاستعمار الأوروبي، وقد انعكس ذلك على موقف محمد عبد الله حسن من الاستعمار الأوروبي في الصومال وقت رجوعه.

يظهر محمد عبدالله حسن في المخيال الشعبي؛ بصورة البطل في بعض المناطق، ويظهر في مناطق أخرى بصورة المخرّب والمتهوّر

أٌقام السيد حسن في الجزيرة العربية أربعة أعوام (1886-1890)، وهي فترة كافية للتخرّج في مدرسة الشيخ محمد صالح الصوفية، والحصول على الثقة المطلوبة لتعيينه خليفة، أو ممثلاً شخصياً لزعيم الطريقة الصالحية في الصومال، وهكذا أسّس فور وصوله إلى صومال لاند، مراكز تتبع طريقة الصالحية في مدينة بربرة، التي استقر فيها ثلاثة أعوام، ومن ثم بدأ في مقاومة الاستعمار الأوروبي والاحتلال الإثيوبي، عبر تحشيد القبائل ضدّ الاستعمار.
وقد شنّت عليه بريطانيا حرباً عسكرية، وعملت على تشويه صورته من خلال إشاعة أنّه مجنون؛ حيث أطلق عليه الألمان لقب "الملا المجنون" (Mad Mullah)، لكنّه واجه أطماع الإثيوبيين والإيطاليين في البلاد إلى جانب البريطانيين، وشنّت الأخيرة عليه، في أواخر حزيران (يونيو) 1916، حملة قضت على معظم رجاله، لكنّها فشلت في أسره، خلافاً لما خططت له.

اقرأ أيضاً: الصحفية الصومالية هودون ناليي تكتب بدمائها سيرة الأمل وتتحدى الإرهاب
ويعدّ السيد محمد عبد الله حسن من أكثر الشخصيات التاريخية المثيرة للجدل، فمنذ سبعينيات القرن الماضي، اهتمت الحكومة العسكرية بتضخيم صورته واستخدمت أشعاره القتالية في الدعاية الحربية أثناء الحرب الصومالية الإثيوبية، عام 1977، لكن يظهر في المخيال الشعبي؛ مرة بصورة البطل في بعض المناطق، بينما يظهر في بعض المناطق الأخرى بصورة المخرّب والمتهوّر؛ حيث كان يقتل وينهب إبل القبائل التي لا تشارك معه في حروبه.
وفي أعوامه الأخيرة؛ شهدت حركته انشقاقات في صفوفها، وطلب الحماية من الدولة العثمانيّة، لكنّها لم تقدم له المساعدة التي احتاجها، فقد كانت مشغولة بالثورة العربية، وتحت القصف البريطاني لاذ بالفرار إلى الأراضي الإثيوبية بعد أسر عدد من عناصره وأفراد عائلته؛ حيث توفّي هناك بسبب الإنفلونزا، عام 1920.

تمثال السيد محمد عبد الله حسن

أحمد جري: بطل صومالي من القرن الخامس عشر
الشخصية الثالثة التي تمّت إعادة بناء تمثالها، هي للإمام أحمد بن إبراهيم الغازي، المعروف باسم أحمد جري (جري: تعني الأعسر في اللغة الصومالية)، من مواليد إقليم حوبات، وهو من أسرةٍ صومالية؛ عمل أفرادها جنوداً في جيش أمير هرر في سلطنة عدل، بحسب بعض المصادر.
لكنّ أصول أحمد غروي غير متفقة؛ حيث يثار كثير من الجدل حول أصوله القومية، عمّا إذا كان إثيوبياً؛ حيث تقول بعض الروايات إنّه كان ابناً لقسيس في مقاطعة أيجو بالحبشة، وبعد أن اتّصل بالمسلمين وسمع بعض دعاتهم في مقاطعة عدل، أسلم واختار لنفسه اسم أحمد غري، ويرجح هذا القول المستشرق توماس أرنولد، لكنّ الكاتب الصومالي، علي الشيخ آدم موسى، ومصادر إسلامية، أكّدوا أنّ كلام المستشرق توماس لا يستند إلى دليل موثوق.
ولم يشر شهاب الدّين أحمد بن عبد القادر، صاحب كتاب "فتوح الحبشة"، إلى الحياة الخاصّة لأحمد غري، وركّز هذا الكتاب، الذي يعد المصدر الأساسي عن تلك الحقبة، على المعارك القتالية التي خاضها الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي ضدّ الأحباش فقط، في بيئة كانت تموج بالصراعات على السلطة والدين.

اقرأ أيضاً: نواب صوماليون يرفضون خرق فرماجو للدستور
فقد كانت المنطقة تشهد، في تلك الفترة، حروباً دينية بين المسلمين والمسيحيين، خصوصاً بعد حصول المسيحيين على الأسلحة النارية من حلفائهم البرتغاليّين، وهي الأسلحة التي لم تكن معروفةً وقتئذ في القرن الأفريقي، فشنّ الطرفان، الحبشي والبرتغالي، حملةً منسقة ضدّ سلطنة عدل؛ الأحباش من البرّ، والبرتغاليون من البحر، وتمكّنت قوات النجاشي الحبشي داؤود الثالث، عام 1516، من إلحاق هزيمة ساحقة بالقوات الصومالية والعفارية، التابعة لإمارة عدل، التي يقع أهمّ مراكزها على ساحل خليج عدن، بما فيها العاصمة "زيلع".
وقُتل الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي، في مكانٍ يُقال له "زنطرا"، بطلقة رصاصة، في 21 شباط (فبراير) 1543، ويعدّ الصوماليون الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي بطلاً وطنيّاً من أبطال الصومال، واكتسب أهميته تلك خلال الحرب الإثيوبية الصومالية المتكررة في العهد الحديث.

وتتشارك هذه الشخصيات بأنها خضعت لـ "الأسطرة" في التاريخ الصومالي، في فترة الرئيس سياد بري، واستخدم النظام إرث محمد الله حسن وأحمد غري في أوقات حروبه ضدّ إثيوبيا، مما يعني أنّ كتابة تاريخها، وتنصيب النصب التذكارية لها، لم يكن يخلو من الدعاية الأيديولوجية القومية التي كانت تسيطر على الصومال في ذلك الوقت، ورغم ذلك فقد أضحى هؤلاء الثلاثة من أبرز الشخصيات التاريخية في الذاكرة الجمعية للصوماليين.

للمشاركة:



الإمارات تواصل دعم اليمنيين.. آخر قافلة مساعدات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

سيّرت دولة الإمارات، ممثلة في ذراعها الإنساني "هيئة الهلال الأحمر الإماراتي"، أمس، قافلة إغاثية تستهدف ذوي الدخل المحدود في منطقة الغيل بمديرية الروضة، في محافظة شبوة، وذلك في إطار جهودها الإنسانية والإغاثية التي تبذلها على مختلف الأصعدة، لمساعدة اليمنيين والتخفيف من معاناتهم وتحسين ظروفهم المعيشية.

ووزع فريق الهيئة، ضمن هذه الجولة من المساعدات؛ (200) سلة غذائية متنوعة تزن 16طناً، استهدفت الأسر المعوزة والمحتاجة وذوي الدخل المحدود في منطقة الغيل، واستفاد منها 1100 فرد، وذلك للحدّ من مستوى العوز الغذائي وتوفير العيش الكريم للأهالي، وفق ما أوردت وكالة "وام".

هيئة الهلال الأحمر الإماراتي تسير قافلة إغاثية تستهدف ذوي الدخل المحدود في شبوة

من جانبهم، عبّر المستفيدون عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات، قيادة وشعباً، على هذا العون الكبير واللفتة الإنسانية التي ستساهم في التخفيف من معاناة الكثير من الأسر، وسط هذه الظروف المعيشية الصعبة؛ نظراً لتردّي الأوضاع الاقتصادية وانعدام فرص العمل، بالتالي؛ مصادر الدخل لدى عدد كبير من أرباب الأسر في عموم المحافظة.

جدير بالذكر؛ أنّ هيئة الهلال الأحمر الإماراتي وزّعت، منذ بداية عام 2019، (33.374) سلة غذائية، بمعدل (1917) طناً، استفاد منها (159.050) فرداً من الأسر المحتاجة والمتضررة في محافظة شبوة.

وبلغ حجم المساعدات الإماراتية المقدمة للشعب اليمني الشقيق، منذ نيسان (أبريل) 2015 إلى حزيران (يونيو) 2019، نحو 5.59 مليارات دولار، موزّعة على العديد من القطاعات الخدمية والإنسانية والصحية والتعليمية والإنشائية، استفاد منها 17.2 مليون يمني، يتوزعون على 12 محافظة.

وخصّصت 66% من تلك المساعدات للمشاريع التنموية، و34% للمساعدات الإنسانية، وكان من بين المستفيدين 11.2 مليون طفل، و3.3 ملايين امرأة.

 

 

 

للمشاركة:

بوساطة قطرية.. طالبان تستعيد 3 من قادتها المتشدّدين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

تقود دولة قطر عملية تبادل أسرى بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان المتشددة، يتم وفقها الإفراج عن ثلاث قادة متشدّدين من الحركة، مقابل أستاذَين جامعيَّين.

وقالت مصادر من حركة طالبان الأفغانية، اليوم: إنّ ثلاثة قياديين وصلوا قطر في إطار عملية مبادلة مع رهينتين، أمريكي وأسترالي، تحتجزهما طالبان، وفق وكالة "رويترز".

حركة طالبان الأفغانية تقول إنّ ثلاثة قياديين وصلوا قطر في إطار عملية مبادلة لرهينتَين أمريكي وأسترالي

وقالت المصادر: إنّ "الحركة ستطلق، الثلاثاء، سراح الرهينتَين؛ الأمريكي كيفن كينغ، والأسترالي تيموثي ويكس".

بدوره، قال زعيم بارز بالحركة في أفغانستان، طلب عدم الكشف عن هويته: "سجناؤنا الثلاثة أُطلق سراحهم مساء أمس".

وتابع قائلاً: "بعد فترة وجيزة من إطلاق سراحهم تمّ نقلهم جواً إلى الدوحة، وتسليمهم إلى المكتب السياسي في قطر".

وكان قد صرح الرئيس الأفغاني، أشرف غني، يوم 12 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري؛ بأنّ "الحكومة ستطلق سراح أنس حقاني، القيادي البارز بحركة حقاني، المسؤولة عن أسوأ أعمال العنف في الأعوام الأخيرة، واثنين من قادة طالبان"، لكنّ المبادلة أرجئت فجأة، ونقلت طالبان رهائنها إلى مكان جديد عندما لم يصل قادتها إلى قطر.

وأنس حقاني؛ هو الشقيق الأصغر لسراج الدين حقاني، نائب زعيم طالبان، حسبما أفادت وكالة "أسوشيتد برس".

أنس حقاني

 

للمشاركة:

المتظاهرون اللبنانيون يفشِلون انعقاد جلسة للبرلمان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

أرجأ البرلمان اللبناني، اليوم، جلسة تشريعية، بسبب تظاهرة نظمت أمام مبنى البرلمان تخللها إطلاق نار.

ورغم تواجد عدد ضخم من عناصر القوى الأمنية التي استنفرت وحداتها، وأقفلت كلّ الطرق المؤدية إلى البرلمان، إلا أنّ المئات من المتظاهرين وسط بيروت، نجحوا في الوصول إلى مبنى مجلس النواب، وفق ما أوردت "الحرة".

البرلمان اللبناني يرجئ جلسة تشريعية؛ بسبب تظاهرة نظمت أمام مبنى البرلمان تخللها إطلاق نار

واشتبكت قوات الأمن قرب البرلمان مع مجموعة من المحتجين، كانوا يحاولون إزالة حاجز من الأسلاك الشائكة، ومنع النواب والوزراء من الوصول إلى البرلمان لإفشال عقد الجلسة التي سيناقش فيها مشروع قانون العفو العام.

ووقعت حالات تدافع بعد محاولة شبان غاضبين إزالة شريط شائك وعوائق حديدية وضعتها قوات الأمن لمنع تقدّمهم.

واخترق موكب وزير المال، علي حسن خليل، جموع المحتجين محاولاً الوصول إلى البرلمان، لكنّه اصطدم بالمتظاهرين الغاضبين الذين اعترضوا فأطلق مرافقو الوزير النار في الهواء.

وحمل المتظاهرون الأعلام اللبنانية ورددوا هتافات عدة، بينها: "ثورة ثورة"، و"يا عسكر، عسكر على مين؟ عسكر على الشعب المسكين".

وكانت قد عمدت القوى الأمنية والعسكرية باكراً إلى إقفال كلّ المداخل المؤدية إلى ساحة النجمة؛ حيث مقرّ البرلمان، ونفّذت وحدات مكافحة الشغب وعناصر من الجيش انتشاراً غير مسبوق غداة دعوة المتظاهرين إلى قطع الطرق لمنع النواب من الوصول إلى الجلسة.

وزير المال علي حسن خليل يحترق بموكبه جموع المحتجين ومرافقو يطلقون النار في الهواء

ونقلت وكالة "فرانس برس" عن عدد من المتظاهرين؛ أنّهم يمنعون النواب من الدخول إلى البرلمان، مضيفين بانفعال "لا نريد العفو العام"، نريد تحقيق مطالبنا، وأن يشكّلوا حكومة بالدرجة الأولى.

وجاءت الدعوة لاجتماع البرلمان، الثلاثاء، بعد تأجيل لأسبوع تحت ضغط الشارع، ويفترض أن ينتخَب النواب في مرحلة أولى أعضاء هيئة المجلس واللجان النيابية قبل أن تتحول الجلسة إلى تشريعية وعلى جدول أعمالها مشاريع قوانين مثيرة للجدل، بينها قانون عفو عام يستفيد منه آلاف الموقوفين والمطلوبين بجرائم عدة.

 وكان نواب مستقلون وكتلتا القوات والكتائب قد أعلنوا؛ أنّهم لن يشاركوا في الجلسة، وقال نواب من كتلتي المستقبل، برئاسة الحريري والحزب التقدمي الاشتراكي، أنّهم لن يشاركوا في الجلسة، وأعلن أيضاً نواب اللقاء الديموقراطي أنّهم لن يحضروا الجلسة.

ووصل أحد النواب الموالين لحزب الله إلى المجلس على متن دراجة نارية، بعد أن اعترض المتظاهرون سيارته؛ حيث ترجّل منها وركب الدراجة النارية مواصلاً طريقه.

إلى ذلك، أفاد وزير المال في حكومة تصريف الأعمال، علي حسن خليل؛ بأنّ "المسؤولية علينا تقتضي أن تنعقد جلسة المجلس النيابي، والنقطة المركزية التي تهمّنا عمل اللجان كي تبدأ عمليات التشريع، وإذا تأمّن النصاب، سيعقد رئيس مجلس النواب، نبيه بري، الجلسة".

ورأى خليل؛ أنّه "من غير المقبول الاشتباكات، ومن حقّ المواطنين التظاهر، ومن حقّ النواب الوصول إلى مجلس النواب"، موضحاً أنّ "لبنان يمرّ في ظرف استثنائي، وهذا لا يعني أنّ النواب لا يمثلون شرعية ناس، وهناك مئات الآلاف انتخبوا النواب".

وكانت قد نقلت صحيفة "الجمهورية" عن رئيس مجلس النواب، نبيه بري، تأكيده أنّ "أولى خطوات تجاوز المأزق الاقتصادي والمالي تكون عبر المسارعة إلى تشكيل حكومة إنقاذ مطعمة من اختصاصيين، وعدد محدود من سياسيين، تأخذ على عاتقها تنفيذ أجندة عمل إصلاحية فورية، وتلبّي مطالب الحراك الشعبي، وهي مطالب جميع اللبنانيين ونتبناها بكاملها".

المتظاهرون: لا نريد العفو العام، نريد تحقيق مطالبنا المتعلقة برحيل الطبقة السياسية وتشكيل حكومة

وشدّد على أنّ "الهمّ الأساس بالنسبة إليه هو عقد الجلسة الانتخابية لانتخاب اللجان وإحالة مشروع الموازنة إلى لجنة المال لدرسه، وأما فيما يخصّ الجلسة التشريعية؛ فهي في موعدها".

وفي ردّه على سؤال؛ ما إذا كانت الحكومة ستغيب عن الجلسة، أكّد بري أنّه "يكفي أن يحضر وزير واحد، لنشرع، علماً بأنّ كثيراً من المجالس النيابية في العالم تشرع في غياب الحكومة".

وعن الجلسة في حال غابت عنها مكونات مسيحية أو سنّية، أوضح أنّ "نصاب انعقاد الجلسة هو 65 نائباً، ويكفي لعقدها أن يكون من بين هؤلاء نواب من كلّ الطوائف".

وأعادت المصارف اللبنانية فتح أبوابها اليوم بعد إقفال قسري، خلال الأسبوعين الأولين، من الاحتجاجات، ثمّ إضراب لموظفيها لمدة أسبوع.

ويشهد لبنان، منذ 17 تشرين الأول (أكتوبر)، تظاهرات غير مسبوقة بدأت على خلفية مطالب معيشية، ويبدو الحراك عابراً للطوائف والمناطق، ويتمسك بمطلب رحيل الطبقة السياسية بلا استثناء.

وزاد من غضب الناس لدى نزولهم إلى الشارع نقص السيولة في المصارف وارتفاع سعر الدولار الذي صار نادراً، بسبب وجود تسعيرتَين له، الأولى من مصرف لبنان، وهي 1507 ليرات لبنانية، والثانية في سوق موازية يرتفع فيها أحياناً إلى حدود الألفي ليرة.

 

 

للمشاركة:



كيف اندثرت دولة التلاوة القرآنية في مصر؟

2019-11-19

اختفت في مصر الكتاتيب، التي كانت مصنعاً تخرّج فيه قرّاء عظام، مثل: الشيخ مصطفى إسماعيل، وعبد الفتاح الشعشاعي، ومحمد صديق المنشاوي، وغيرهم، ولم يتبقَّ من أثرها سوى الموجود بمدينة الأقصر، ومحافظة المنيا وأسوان، وباقي المدن الجنوبية المصرية، وهو ما أدّى إلى بروز أشكال أخرى، منها مقارئ المساجد، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، ومعاهد القراءات، التي ورغم نفقاتها الباهظة إلا أنها لم تحلّ محلّ دكاكين وغرف المشايخ حتى الآن.

الكتاتيب تاريخ طويل
نشأت الكتاتيب، وفق ويكيبيديا، منذ العصر الأموي، وانتشرت في القرن التاسع عشر والعشرين، انتشاراً واسعاً، وكانت تقام في مبانٍ متصلة بالمساجد، أو مبانٍ مستقلة، أو في بيوت معلمي الكتاتيب أنفسهم أو مشايخها؛ حيث كان المعلم يجلس على كرسي أو مصطبة مرتفعة عن الأرض، أما التلاميذ فكانوا يجلسون أمامه على الأرض المفروشة بالحصير، وهذا ما ساد في القرى المصرية بالأخص.

اختفت وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بالكتاتيب منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها

أما العاصمة القاهرة؛ فانتشرت فيها بشكلٍ أكبر الكتاتيب التي تعلو السُبل، مثل: سبيل وكُتَّاب "عبد الرحمن كتخدا"، الذي بُني عام 1744، في شارع المعز لدين الله الفاطمي، لمصمّمه الأمير عبد الرحمن كتخدا، عبقري الهندسة المعمارية في عصره، وهو عبارة عن سبيل يشرب منه المارة، يعلوه كُتَّاب يتلقى فيه الطلاب العلم. وسبيل وكُتَّاب "نفيسة البيضاء" القائم بمنطقة السُكَّرية العتيقة بالقاهرة، ويرجع تاريخه إلى عام 1796، وصاحبته هي السيدة نفيسة البيضاء التي عُدَّت واحدة من أغنى نساء عصرها، كما عُرِفت بعلمها وثقافتها وحبّها لعمل الخير.
صوَّرت رواية الأديب طه حسين "الأيام" ما يدور داخلها، وكيف أنّها لا تمنح شهادات أو مؤهّلات، إلا أنّها وضعت في الأطفال المصريين بذور المعرفة الصحيحة باللغة العربية وقواعدها، لكن في ذات الوقت كانت مثار تسلط المشايخ الأزهريين، الذين كان بعضهم لا يفقهون الأصول والقواعد التربوية الحديثة في تعليم النشء.

في تصريح صحفي نشرته "فيتو"، قال الدكتور أحمد المعصراوي، شيخ مشايخ قرّاء مصر السابق: إنّ "دور الكتاتيب تراجع كثيراً في الأعوام الأخيرة؛ بسبب تقصير الأزهر ووزارة الأوقاف المصرية في الاهتمام بها، رغم أنّها دائماً مصنع العظماء من رجال الدين والأدب والشعر وكبار المفكرين والعلماء، لذا اعتمد محمد علي باشا، والي مصر، على خريجي الكتاتيب في تأسيس المعاهد الأزهرية، وحقّق من خلالهم نهضة تعليمية شاملة، ومن أبرز خريجي الكتاتيب المصرية؛ المفكّر والمترجم رفاعة الطهطاوي".

 الدكتور أحمد المعصراوي
وقال الشيخ عبد الله عبد الواحد، محفِّظ قرآن: "رغم اندثار الكتاتيب إلا أنّه حلّ محلّها المقرِئة، ويطلق عليه أيضاً الكتَّاب، لكن ليست كالكتاتيب المتعارف عليها قديماً؛ حيث اختفت بعض وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بها منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار، والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها، وكذلك الفلكة، وهي إحدى أدوات العقاب، والتي كانت تمثل رعباً وعقاباً شديداً للمتخاذلين في حفظ القرآن"، لافتاً إلى بروز "ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية، التي تقوم عليها الفتيات والسيدات، اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهن".

أسباب الغياب
يرى الباحث التراثي، هيثم أبو زيد، في تصريح لـ"حفريات"؛ أنّ "دولة التلاوة القرآنية في مصر انتهت تماماً، والأسباب كثيرة، وأهمّها غياب الكتاتيب، التي كانت تنتج لنا المئات من القرّاء المتميزين، والذين كانوا يمرون بمراحل كثيرة تدقّق فيهم جيداً، ومنها الإذاعة التي لم يدخلها أحد بسهولة، ضارباً المثل بالطبلاوي، الذي لم يصبح مقرئاً رسمياً إلا بعد عدة مرات رسب فيها، وكذلك الشيخ المنشاوي، وأيضاً نصر الدين طوبار والنقشبندي، اللذَين تمّ رفضهما والسماح لهما فقط بالتواشيح".

برزت ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية التي تقوم عليها الفتيات والسيدات اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهنّ

وفي سؤال حول معاهد القراءات التي أصبحت بديلاً للكتاتيب، أوضح أبو زيد؛ أنّ "تلك المعاهد لا علاقة لها بالقرّاء وإنتاجهم، فهي تخرّج مدرسين محترفين في علوم القرآن والقراءات العشر، لكنّ مشايخ القرآن يعتمدون بشكل ذاتي على مواهبهم الخاصة، التي ينمونها بالدراسة، مثلهم مثل الفنانين، وفي هذا التوقيت قلّت تلك المواهب بسبب حالة التجريف الثقافي التي يمرّ بها المجتمع جملة"، مضيفاً: "لا يجوز لأحد أن يطلق على نفسه لقب قارئ إلا إذا كان حافظاً للقرآن الكريم والمقامات الموسيقية، والأحكام والمتون الخاصة به، وأن يكون موهوباً من الناحية الصوتية، أما الآن فمعظم القراء يحفظون بعضاً من أرباع السور، ولا يتمكنون من أداء المقامات الموسيقية".

وفي سياق متصل، يقر الباحث سامح عسكر، لـ"حفريات" باندثار "جيل القرّاء العظيم صاحب الأسبقية، وبموت أكثرهم وفراغ الساحة أمام مقرئي الخليج (اختلف الذوق) المصري، والعربي بالخصوص، ليعلو سهم آخرين، أما مقرئو مصر فتفرغوا للتجارة بحفلات القراءة شرقاً وغرباً مع التركيز على النغمات والألحان دون الاهتمام باللغة وأحكام التلاوة، فجرت العادة على أنّ القراءة فقط لحلاوة الصوت، لا بأحكام قراءة الآيات، طرباً ولغة ومعنى وشعوراً، كما كان في بدايات الإذاعة".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ محمد رفعت: قيثارة السماء
وفي تصريح لصحيفة "اليوم السابع" المصرية، لفت الشيخ محمد صالح حشاد، شيخ عموم المقارئ المصرية، إلى تراجع الريادة في التلاوة لضعف وتراجع الكتاتيب وقلّة عددها، وتكريم حفظة القرآن الكريم على الحفظ، وليس على الحفظ وجمال الصوت، وغياب التشجيع الحقيقي منذ فترة طويلة، مشيراً إلى أنّ وزارة الأوقاف المصرية ستهتم بإعادة التوسع في انتشار كتاتيب القرآن الكريم، وأنّ "هذا الأمر سينعكس بشكل كبير وإيجابي على عودة الريادة القرآنية التي كانت تتمتع بها مصر".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ مصطفى إسماعيل: روعة الصوت التي لا تُحتمل
أرجع الشيخ محمود الطبلاوي، خلال لقاء على فضائية "إكسترا نيوز" السبب؛ إلى أنّ "معاش قارئ القرآن الكريم 40 جنيهاً فقط، وهذا ما دفعهم للمغالاة في أجور المآتم والحفلات"، مشيراً إلى أنّ "الاختبارات الحالية أصبحت أكثر مرونة من الماضي، وهو سبب كبير لتراجع الأداء".
ويرى الكاتب أحمد الشوربجي؛ أنّ "جماعة الإخوان عملت على إنشاء منظومة تربويّة إخوانيّة خاصّة، تشمل الكتاتيب والمدارس القرآنيّة، وهو ما دفع الحكومة لإغلاق ومراقبة العديد منها، بالتالي؛ وقع التأثير الكبير في غياب هذه الوسيلة الكبيرة التي كانت عموداً كبيراً في دولة التلاوة القرآنية".

أما الباحث هيثم أبو زيد، فقد أشار إلى أنّ إيران أيضاً اخترقت دولة التلاوة المصرية، عبر استقطاب قرّاء كثيرين إلى إيران والضاحية الجنوبية في لبنان، وكانت تعطيهم مبالغ باهظة، وصلت في بعض الأحيان إلى 90 ألف دولار نظير القراءة طوال شهر رمضان في طهران، وهذا ما استتبع انتباه الدولة المصرية إلى هذا الاختراق؛ ففي 2014 تمّ التحقيق مع كلٍّ من: الشيخ الدكتور أحمد نعينع، والشيخ طه محمد النعماني، والشيخ محمد عبد الوهاب الطنطاوي، والشيخ ياسر عبد الباسط عبد الصمد، بسبب سفرهم لإيران والعراق ورفعهم الأذان الشيعي، دون إذن مسبق من الوزارة، وبالتالي أثّر ذلك كلّه في دولة التلاوة القرآنية.

اقرأ أيضاً: رحلة المنع والحصار لقارئات القرآن الكريم في مصر
في إحصائية قدمتها صحيفة "الوطن" المصرية؛ بلغ عدد (الكتاتيب) ما يزيد على 2500، إضافة إلى 863 مدرسة قرآنية، تضمّ كلّ مدرسة ثلاثة محفّظين بالمساجد الكبرى، و174 مدرسة علمية على مستوى الجمهورية المصرية، تخضع لوزارة الأوقاف، التي تعمل على تقنين أوضاع المكاتب الحالية وخلق جيل جديد تغرس فيه الأخلاق الإسلامية، وروح الانتماء للدين والوطن من خلال مكاتب التحفيظ العصرية والمدارس القرآنية التي تمثل المنهج الوسطي، وهذا من أجل محاولة إيجاد حلّ لمشكلة التلاوة القرآنية، وغياب الريادة المصرية الآن عن قيادتها.

للمشاركة:

سلطان بن زايد حامي التراث

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

المغفور له الشيخ سلطان بن زايد بن سلطان آل نهيان من مواليد أبوظبي في الأول من ديسمبر عام 1956م، وهو الابن الثاني للمؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيَّب الله ثراه»، تلقى تعليمه الأولي في العين وأبوظبي، وواصل دراسته في بيروت، وتخرج عام 1973م، من كلية ساند هيرست العسكرية البريطانية، والتحق بدورات عسكرية خارجية في كل من باكستان ومصر.
يعد أحد رجالات الدولة الأوفياء ورمزاً من رموزها الوطنية.. عمل مع المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، على وضع لبنات مؤسسات الاتحاد وخدمة شعبه.

مناصب شغلها الفقيد:
* ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
* نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة.
* رئيس دائرة الأشغال في حكومة أبوظبي.
* قائد عام القوات المسلحة.
* نائب قائد قوات دفاع أبوظبي وقائد للمنطقة العسكرية الغربية.
* رئيس نادي تراث الإمارات، حيث تابعه منذ إنشائه، واهتم به اهتماماً خاصاً، إذ كان من أشد المهتمين بالحفاظ على تراث الإمارات وعادات وتقاليد شعبه، وحمل لقب رجل التراث في العالم العربي.
* رئيس مركز سلطان بن زايد.
* رئيس اتحاد الإمارات لكرة القدم من عام 1976 إلى غاية 1981م.
* شغل العديد من المناصب الأخرى، منها عضويته في المجلس الأعلى للبترول ومجلس إدارة جهاز أبوظبي للاستثمار، ومجالس العديد من الدوائر.
امتدت هوايات فقيد الوطن إلى رياضة الصيد بالصقور، وأولى الفروسية أهمية بالغة، حيث أقام قرية وأكاديمية للفروسية على أسس مدروسة، كما له مكتبة خاصة عامرة بأمهات الكتب ونصوص التراث.

توظيف التراث لتعليم الأجيال
كان فقيد الوطن الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان يمتلك رؤية متقدمة لتوظيف التراث لتعليم الأجيال، وجعل من نادي تراث الإمارات الذي كان يرأسه منصة لخدمة هذا الهدف السامي.
وبدعم واهتمام الفقيد حصل النادي على جائزة مؤسسة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز عن فئة المؤسسات الداعمة للتعليم بمبادرة «تراثنا.. هويتنا» لطلبة المؤسسات التعليمية، في الدورة الحادية والعشرين للجائزة.
وقد حرص في تلك المناسبة على إهداء الفوز بالجائزة إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، لجهوده في تطوير التعليم بكافة مجالاته وتخصصاته، وتشجيع سموه ودعمه السامي لنادي تراث الإمارات في أنشطته لصون التراث الثقافي الوطني ونقله إلى الأجيال المقبلة، وذلك ضمن رؤية سموه لتعزيز المحافظة على موروث الشعب وهويته وشخصيته الوطنية.
وأكد أن التعليم أساس تطور الأمة ونموها وحضارتها، قائلا « إن المفردات التراثية تشكل مصدراً مهماً وملهماً للتعليم وتعزيز وحفظ هوية ومكتسبات الوطن ومنجزاته واستشراف المستقبل.
كما أكد أن فوز نادي تراث الإمارات بهذه الجائزة التعليمية جاء تقديراً لجهود النادي ومراكزه ومرافقه المتعددة وعمله المتواصل على نشر وتعليم وتوثيق الحركة التراثية والثقافية بالدولة.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

"قمة سرية" بين الإخوان والحرس الإيراني برعاية تركية لاستهداف السعودية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

لا يمثل النفوذ الإيراني في العراق سوى واجهة خفيفة لإمبراطورية أعمق وأكثر تأثيرا في المنطقة، ووظفت أوراقا مختلفة بينها جماعة الإخوان المسلمين لاستهداف أكثر من جهة بينها السعودية.

وكشفت وثائق مسربة عن أنشطة الاستخبارات الإيرانية عن “قمة سرية” عقدت في أحد فنادق تركيا وجمعت مسؤولين في فيلق القدس مع قيادات إخوانية، بعد أشهر من الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي، وكان الهدف هو السعودية.

وأكد وفد الإخوان، وفق الوثائق التي نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” وموقع “ذي إنترسبت” الإلكتروني، الاثنين، أنه “ينبغي التركيز على أرضية مشتركة للتعاون، وأن العدو المشترك لكل منهما هو كراهيتهما للمملكة العربية السعودية”.

ورغم الخلافات بشأن الملف السوري، فقد بحث الطرفان إمكانية التعاون ما بين الحوثيين والإخوان في اليمن (حزب الإصلاح) لتقليل الصراع بينهما وإدارته لاستهداف السعودية.

وأظهرت الوثائق أن وفد الإخوان سعى في بداية الاجتماع، لأن تكون له “اليد الطولى” بأنه ذكر فيلق القدس، بأنه يمتلك نفوذا وحضورا في 85 دولة حول العالم.

وتحدث الوفد الإخواني في البداية أيضا، حول وجود خلافات واضحة بين الجماعة وإيران، التي وصفها بأنها ممثل للشيعة في العالم الإسلامي، فيما وصف الإخوان أنفسهم بأنهم “ممثل السنة في العالم الإسلامي”.

وأشار وفد الإخوان، وفقا للوثائق إلى أنه “ينبغي التركيز على أرضية مشتركة للتعاون، ونعتقد أن العدو المشترك لكل منا هو المملكة العربية السعودية”.

وأظهرت الوثائق أن قائد فيلق القدس بالحرس الثوري قاسم سليماني هو الحاكم الفعلي للعراق، وأن أنشطته امتدت إلى ما هو أبعد من خلال شبكات علاقات نجحت في استخدام الإخوان المسلمين الهاربين إلى تركيا في العمل ضد السعودية.

وكشفت التقارير الاستخباراتية الإيرانية المسرّبة “صورة مفصلة عن مدى القوة التي عملت فيها طهران لترسيخ نفسها في الشؤون العراقية، والدور الفريد للجنرال قاسم سليماني”.

ويعتبر سليماني رجل طهران الأساسي في العراق. ودأب على زيارة بغداد خلال الانتفاضة الشعبية ضد النفوذ الإيراني، حيث ترأس اجتماعات في بغداد والنجف خلال الأسابيع الأخيرة، لإقناع الأحزاب السياسية برص الصفوف حول رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي.

وفي إحدى الوثائق المسربة، يوصف عبدالمهدي بأنه كانت له “علاقة خاصة” بطهران حين كان وزيرا للنفط في العراق في العام 2014، وهذا ما يفسر صعود اسمه في 2018 لرئاسة الوزراء وتمسك إيران بعدم التضحية به، رغم الإشاعات المضللة التي رافقته والتي تشير إلى أنه ورقة أميركية لا تعارضها إيران.

وقالت الصحيفة والموقع الأميركيان إنهما تحققا مما يقارب 700 صفحة من تقارير كتبت في عامي 2014 و2015 من قبل وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، وأرسلت إلى “ذي إنترسبت” من قبل شخص رفض الكشف عن نفسه.

وقال المصدر المجهول، الذي رفض اللقاء بالصحافي شخصيا، إنه يريد أن “يرى العالم ما تفعله إيران في بلدي العراق”.

ويكشف التسريب غير المسبوق عن تأثير طهران الهائل في العراق، والذي يعرض سنوات من العمل الشاق الذي قام به الجواسيس الإيرانيون لاختيار قادة البلاد، ودفع رواتب الوكلاء العراقيين الذين يعملون من أجل الأميركيين لتبديل مواقفهم والتسلل إلى كل جانب من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق.

وتصف العديد من الوثائق الحياة الحقيقية التي كان يعيشها الجواسيس، حيث يتم ترتيب الاجتماعات في الأزقة المظلمة وفي مراكز التسوق أو تحت غطاء رحلة صيد أو حفلة عيد ميلاد. كما يسلك المخبرون طرقا متعرجة عند الذهاب إلى الاجتماعات للتهرب من المراقبة. ويتربصون في مطار بغداد ويلتقطون صورا للجنود الأميركيين ويراقبون الرحلات الجوية العسكرية للتحالف.

ويتلقى العملاء هدايا من الفستق والكولونيا والزعفران. كما يقدمون رشاوى للمسؤولين العراقيين، إذا لزم الأمر.

وذكرت الوثائق أيضا أن رؤساء الوزراء السابقين نوري المالكي وحيدر العبادي وإبراهيم الجعفري، ووزير الداخلية السابق، بيان جبر، ورئيس البرلمان السابق سليم الجبوري، هم سياسيون لهم صلات وثيقة بإيران.

ووفقا لصحيفة “نيويورك تايمز” تمكنت طهران من حصد المزيد من المكاسب والنفوذ بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق في العام 2011، والتي قالت إنها تركت المخبرين العراقيين لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “عاطلين ومعدمين”، ما سهل استقطابهم.

وقال التقرير إن هؤلاء لجأوا بعد ذلك إلى إيران، وقدموا معلومات عن عمليات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. آي. إي) في العراق، مقابل أموال.

وفي أحد الأمثلة، تشير الصحيفة إلى أن ضابطا في الاستخبارات العسكرية العراقية سافر من بغداد إلى مدينة كربلاء المقدسة لدى الشيعة، للقاء مسؤول في المخابرات الإيرانية.

وخلال الاجتماع الذي استمر ثلاث ساعات، قال المسؤول العراقي إن رئيسه، الفريق حاتم المكصوصي، أخبره أن ينقل رسالة إلى إيران مفادها أن “جميع استخبارات الجيش العراقي، اعتبرها تحت أمرك”.

وعرض المكصوصي تزويد إيران بمعلومات حول نظام سري أنشأته الولايات المتحدة للتنصت على الهواتف العراقية، يديره مكتب رئيس الوزراء والاستخبارات العسكرية.

وسمح ذلك لإيران بتوسيع نفوذها من خلال علاقاتها الوثيقة مع جيل جديد من السياسيين الذين أصبحوا قادة للعراق، وساعدها في تشكيل ميليشيا الحشد الشعبي التي تضم فصائل شيعية موالية لها.

وجعلها ذلك أيضا شريكا تجاريا رئيسا للعراق الذي يستورد منها الكهرباء والغاز الطبيعي لدعم منشآت الطاقة المدمرة، في بلد أصبح ثاني أكبر مستورد للمنتجات الإيرانية بينها السيارات والسجاد والمواد الغذائية، حتى أن وزيرا للنقل رفض طلبا من الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وقف الرحلات الجوية من إيران، والتي كانت تمرر من خلالها المساعدات العسكرية للنظام السوري.

واستخدمت إيران العمل الاستخباراتي للمحافظة على دورها في العراق، بحسب ما ذكرت الصحيفة والموقع الأميركيان، لتحقيق أهداف استراتيجية تتمثل بـ”منع انهيار العراق ومنع استقلال إقليم كردستان” الشمالي.

وأشارت الوثائق إلى أن “التركيز الأكبر” كان باتجاه “المحافظة على العراق كدولة تابعة لإيران، والتأكيد على بقاء الفصائل السياسية الموالية لطهران في السلطة”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية