هل اقترب موعد أفول نجم "النهضة" في تونس؟

هل اقترب موعد أفول نجم "النهضة" في تونس؟

مشاهدة

20/07/2020

تُقبل حركة النّهضة التونسية، ذات المرجعية الإسلامية (صاحبة الأغلبية البرلمانية بـ 54 نائباً من جملة 217)، على فصلٍ جديدٍ من المعارك السياسية التي أنهكتها منذ عودة نشاطها للعلن، عام 2011، مع بروز معارض شرس (الحزب الدستوري الحر)، أشهر في وجهها كلّ الأسلحة منذ بداية المدّة النيابية الحالية.

يرى المحلل السياسي يوسف الوسلاتي أنّ ما تقوم به الأحزاب التونسية والمنظمات النقابية هو محاولة لجعل حزب النهضة مدنياً بمواصفات تونسية، يراعي طبيعة المجتمع وأسسه العلمانية

 وتبدو الحركة الآن أكثر عزلة وضعفاً من أيّ وقت مضى، في وقت يستعديها الحلفاء قبل الخصوم، وتلفظها المنظمات النقابية، ويغادرها مؤسّسوها، لدرجة أنّ البعض يتحدثون عن إمكانية انتهائها أو اختفائها، على الأقل في شكلها الحالي.

وتنشط حركة النهضة منذ 2011، بعد عقود من الحظر، وفازت بالانتخابات البرلمانية في عامي 2011 و2019، وقد حافظت على تواجدها في السلطة حتى اليوم، رغم التراجع الكبير الذي شهدته منذ الثورة إلى الآن، إذ تحصّلت في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، عام 2011، على مليون و500 ألف صوت، غير أنّها تراجعت إلى حدود 550 ألف صوت فقط في انتخابات 2019.

المعارضة تحاصر حركة النهضة

منذ صعودها للبرلمان، نجحت عبير موسي، التي عُرفت بعدائها الشديد للثورة التونسية، وولائها الكبير للنظام السابق، الذي ثار عليه التونسيون عام 2011، في اختراق المشهد التونسي والصعود بشكل لافت في ظرف وجيز، لتتزعّم المعارضة، وتتحوّل بفضل كرهها الكبير لتنظيم الإخوان المسلمين، والحزب الذي تعدّه فرعاً للجماعة في تونس (حركة النهضة) إلى أبرز الوجوه السياسية في البلاد، التي تستحوذ على اهتمام الرأي العام، الداخلي والخارجي، والخصم الأول الذي بات يقضّ مضجع الإسلاميين.

ومنذ تأسيسها "حزب الدستور الحر"، أكّدت موسي أنّ برنامجها السياسي يتمثل في إخراج الإخوان من حكم تونس في كنف القانون وبقوّة الصندوق الحجة وبإنارة الرأي العام بشأن أجندات الإسلام السياسي.

موسي، التي مثّلت حجر عثرة أمام أجندات من ترى أنّهم "فرع تنظيم الإخوان بتونس"، داخل البرلمان وخارجه، تمضي قدماً في حربها ضدّ حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي، فهي التي قادت اعتصاماً تحت قبة البرلمان، وتقدّمت بلوائح تصنّف الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية"، ونظّمت وقفةً احتجاجية وسط العاصمة تونس على خلفية رفض البرلمان تخصيص جلسة عامة لمناقشة لائحة تصنّف الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي، وكشفت وثائق تؤكد عدم شرعية النّهضة، وتورّطها في أعمال غير قانونية.

اقرأ أيضاً: كتل نيابية تبحث سحب الثقة من الغنوشي... هل تنجح هذه المرة؟

وأعلنت موسي أنّها سترفع دعوى قانونية ضدّ تأسيس "حركة النهضة الإخوانية"، وارتباطها بتنظيم الإخوان المسلمين الدولي، إضافةً لتلقيها تمويلات أجنبية من جهات خارجية مشبوهة، ما يشكّل خطراً على الأمن القومي التونسي.

وكشفت موسي في تصريحاتها؛ أنّها تملك وثائق تثبت أنّ منح الترخيص لحركة النهضة عام 2011 لمزاولة نشاطها في البلاد جاء على خلاف الصيغ القانونية المتبعة، موضحة أنّ هذا الملف، الذي تمّ تسليمه لوزارة الداخلية، غير قانوني ولم يستكمل الوثائق.

وتحدّثت موسي عن عملية تحايل قامت بها الحركة للتلاعب بنصوص القانون وعلى الإدارة، وعلى المجتمع التونسي كله في ذلك الوقت، للحصول على الترخيص.

وأكّد النائب عن الدستوري الحر، مجدي بوذينة، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ حزبه لن يستسلم وسيواصل تحركاته من أجل تصنيف حركة النهضة حركة إرهابية، ولن يكتفي باللائحة التي أسقطها مكتب البرلمان دون وجه حقّ.

النّهضة تزداد عزلةً

على خلفية تشبثها بموقفها الداعي إلى ضرورة توسيع الائتلاف الحكومي، بانفتاحه على حزب قلب تونس الليبرالي، فقد قطعت النهضة حبال وصلها مع باقي حلفائها في الحكم، لكسب حلفاء جدد من المعارضة؛ إذ شدّد رئيس الكتلة الديمقراطية، هشام عجبوني، في تدوينة نشرها مؤخراً على حسابه الخاص بالفيسبوك، على أنّه "لن يكون هنالك توسيع للحزام السياسي للحكومة بحزب نبيل القروي"، داعياً إلى "الكفّ عن العبث بمصلحة البلاد"، مضيفاً أنّ "من لم تعجبه الحكومة.. فلينسحب"، في إشارةٍ إلى حركة النّهضة.

اقرأ أيضاً: لهذه الأسباب لن تتراجع عبير موسي عن معركتها ضد الغنوشي

الأزمة داخل الائتلاف الحكومي لم تقف عند الخلاف حول توسيع الائتلاف الحكومي، بل امتدت إلى الخيارات البرلمانية والتصويت على اللوائح، فقد صوّت، نواب "التيار الديمقراطي" و"تحيا تونس" في مكتب البرلمان، في خطوة مفاجئة، على تمرير لائحة للجلسة العامة قدّمها الحزب الدستوري الحر المعارض، تصنّف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية.

وكانت حليفتها في الحكم، حركة الشعب (ناصرية)، قد صوّتت سابقاً على لائحةٍ تقدم بها الحزب الدستوري الحرّ أيضاً، تندّد بما وصفه بالتدخل العسكري التركي في ليبيا، وهو ما رأته النهضة خروجاً عن مبدأ التضامن والانسجام الحكومي والبرلماني بين الائتلاف الواحد.

ويرى النائب عن حركة الشعب، خالد الكريشي؛ أنّ حركة النّهضة تسعى للحفاظ على مصالحها السياسية على حساب المصلحة العليا للبلاد، كما أنّها تعمل مؤخراً على ابتزاز رئيس الحكومة، إلياس الفخفاخ، من أجل ضمان أغلبيةٍ لها داخل البرلمان لاسترجاع دورها القيادي، وتصدّر المشهد، الذي سيطرت عليه خلال عام 2011.

وشدّد الكريشي، في حديثه لـ "حفريات"، على أنّ حركة الشعب لن تقبل بالمساعي التي يقوم بها زعيم النهضة، راشد الغنّوشي، والمتعلّقة بدفع البلاد نحو الاصطفافات والمحاور الإقليمية، والتي تدخّل بها في صلاحيات رئيس البلاد.

النهضة.. منبوذة سياسياً

ورغم تراجع شعبيتها في الشارع، لم تبدِ حركة النهضة، خلال الانتخابات الماضية التي جرت أواخر 2019، أيّ استعداد للدخول في تحالف مع أيّ حزب، كما لم يعلن أيّ حزبٍ رغبته في عقد تحالفات مع الحركة الإسلامية التي تحوم حولها الكثير من الاتهامات، التي تتعلق باغتيالات وبملفات فساد، بل بنت كلّ الأحزاب المترشحة حملاتها الانتخابية على معاداة الحركة.

آخر السهام جاءت من الاتحاد العام التونسي للشغل؛ الذي ألمح إلى ضرورة التوجه إلى انتخابات مبكرة، إذ شدّد الأمين العام للمنظمة النقابية، نور الدين الطبوبي، في كلمة له أمام تجمّع نقابي، على أنّه "في ظلّ المشهد الموسوم بالمناكفات، من الأفضل للمكونات السياسية داخل البرلمان أن تتفق فيما بينها على إعادة الأمانة لأصحابها"؛ أي إعادة القرار للشعب بالذهاب لانتخابات مبكرة.

 عبد الجبّار المدّوري لـ"حفريات": النّهضة لن تحافظ على استمراريتها طويلاً، وستنتهي إلى الفشل في قادم المحطات الانتخابية، لأنّها لم تستطع التماهي مع المجتمع التونسي

من جانبه، يرى المحلل السياسي، يوسف الوسلاتي؛ أنّ ما تقوم به الأحزاب التونسية والمنظمات النقابية هو محاولة لجعل حزب النهضة مدنياً بمواصفات تونسية، يراعي طبيعة المجتمع وأسسه العلمانية، ويقطع مع تنظيم الإخوان، وأن يبتعد عن المحور الإخواني (القطري – التركي) تحديداً، ولا يورّط البلاد في جرائمه.

ولفت الوسلاتي، في تصريحه لـ "حفريات"، إلى أنّ "التحرّكات الأخيرة التي تقودها المعارضة لحظر نشاط النهضة، ومحاسبتها على العنف الذي مورس في تونس، منذ 2011 إلى اليوم، والاغتيالات التي عاشتها البلاد، سيزيد عزلة الحركة، وسيجعلها منبوذة سياسياً، والدليل على ذلك أنّ كلّ الأحزاب التونسية بنت حملاتها الانتخابية على استعداء الحركة، خوفاً من الفشل".

الغنوشي في الزاوية

بالتوازي، يواجه شيخ النهضة، راشد الغنوشي، موجة معارضة عاتية من داخل حزبه وخارجه، بسبب ممارساته وطموحاته الحزبية التي تعكس تفرّده بالقرار داخلياً، وانسياقه خلف تحالفات دولية يمكن أن تسبّب الضرر الكبير لتونس.

ففي وسط الأسبوع المنقضي أودع نواب الأحزاب التي تتشارك مع النهضة في الحكم عريضة من أجل سحب الثقة من رئيس البرلمان وزعيم الحركة راشد الغنوشي، وضمت القائمة العدد المطلوب الممثل لثلث نواب البرلمان (73 نائباً)، ودعمها الحزب الدستوري الحر بـ16 إمضاءِ حتى لا تسقط، وتمرّ إلى جلسةٍ عامّةٍ، تتطلّب تصويتاً بالأغلبية المطلقة (109 أصوات)، قد تكتمل بالتحاق المستقلين بالقائمة.

وأصبح الغنّوشي بذلك محاصراً بعدّة أزمات باتت تهدّد وجوده على رأس البرلمان، وحتى على رأس حركة النهضة؛ فقد وجهت حملة "من أين لك هذا؟" في تونس عريضة إلى رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان، بشأن ثروة رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، داعيةً إلى تشكيل لجنة مستقلة للتدقيق في ثروات السياسيين، وطالبت الحملة الرئاسات الثلاث بالعمل على تحقيق مطالبها للتصدي للفساد.

ووقّع على العريضة برلمانيون وسياسيون وحقوقيون، وفئات مختلفة من المجتمع التونسي، على خلفية الغموض الذي يحيط بمصدر الثراء الفاحش للغنوشي، الذي تملّك خلال الأعوام التي تلت الثورة قصوراً وعقارات في مناطق راقية وسيارات فخمة. ويتساءل الموقّعون حول طرق الحصول على هذه الأموال وهوية الجهات المانحة، وما إذا كانت متأتيّة من خارج البلاد.

كما جاءت الانقسامات التي جرت في صفوف حركة النهضة مؤخراً لتعزز من حصاره داخل حزبه أيضاً، وتضعف من مكانته وسط صفوفه، لا سيما بعد الاستقالات التي شملت قادة مؤسسين للحركة، وكبار مسؤوليها، بينهم نائب الحركة ومرشحها السابق للرئاسة، عبد الفتاح مورو، والأمين العام لها، حمادي الجبالي، فضلاً عن السخط الزائد وسط شباب الحركة الراغبين في تجديد شبابها، بسبب اصطفاء رئيسها لأقاربه ومؤيديه، وإبعاد معارضيه عن موقع السلطة والقرار.

وكانت سبعة أحزاب قد دانت، في أيار (مايو) الماضي، الاتصال الهاتفي الذي أجراه رئيس البرلمان الغنوشي بفائز السراج، رئيس حكومة طرابلس الليبية، ورأت أحزاب (التيار الشعبي، والعمال، وحركة تونس إلى الأمام، والحزب الاشتراكي، والحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي، والقطب، وحركة البعث) الاتصال "تجاوزاً لمؤسسات الدولة، وتوريطاً لها في النزاع الليبي إلى جانب جماعة الإخوان وحلفائها".

اقرأ أيضاً: كيف رد الرئيس التونسي على تسريب الغنوشي؟

ودعت الأحزاب القوى والمنظمات الوطنية لـ "اتخاذ موقف حازم" تجاه الغنوشي وجماعته، الذين "يحاولون الزجّ بتونس في النزاع الليبي، وتوريطها مع الاحتلال التركي، وهو ما يشكّل خطراً كبيراً على تونس والمنطقة".

وسبق أن أبدت أحزاب تونسية اعتراضها على "تحركات واتصالات غامضة ومخالفة للقوانين"، يقوم بها الغنوشي ويتجاوز من خلالها دور رئيس الجمهورية ووزير خارجيتها، وكانت من ضمنها زيارته لتركيا، في كانون الثاني (يناير) الماضي، ومقابلته لرئيسها رجب طيب أردوغان، وكذلك اتصالاته بأعضاء جماعة الإخوان في ليبيا.

النهضة والمرجعية الإخوانية

دخول حركة النهضة، بعد تاريخ الثورة التونسية إلى الحكم، إثر فوزها في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، عام 2011، جعلها مجبرة على التضحية بهويتها الإخوانية، والتخلص من الإرث الإخواني، وشدّد أعضاؤها على أنّ حركتهم لا تربطها أيّة علاقة تنظيمية بالإخوان المسلمين، وأنّها فقط أصبحت حركةً تونسيةً بأولويات وأجندات تونسية وطنية.

وهو الفعل الذي كان وراء ظهور انقسام داخل الحركة؛ حيث أصبح الحديث يدور حول جناح صقور النهضة وحمائمها.

 ويعدّ جناح الصقور، الجناح التنظيمي لحركة النهضة، وهو أساساً مكوّن من أسماء جلّها بقي في تونس، خلال مرحلة ما قبل 2011، وهو جناح يركّز على الطابع الإسلامي العقدي للحركة كهوية أيديولوجية وسياسية، ينحدر قياديوه من مرجعية أصولية محضة، ترفض أيّ شكل من أشكال الانفتاح على المحيط الخارجي، أو تغيير مسار الحركة وتوجهاتها وخياراتها.

ويتقدّم هؤلاء قياديان بارزان، هما الشيخان الحبيب اللوز والصادق شورو، الذي طالب في إحدى جلسات البرلمان التأسيسي للدستور الثاني للجمهورية التونسية، عام 2012، بضرورة اعتماد القرآن مصدر التشريع الأول في الدستور المعدّة فصوله آنذاك، كما دعا في إحدى مداخلاته في المجلس إلى تطبيق حكم بتر اليد، وإقامة الحدّ على كلّ من يثبت تورطه في أيّ احتجاج أو حركة معارضة للحكومة، التي كان يحكمها أحد صقور النهضة، وهو علي العريض، في مناخ كان يتّسم بالتوتر إثر اغتيال الزعيم اليساري شكري بلعيد، والزعيم العروبي محمد البراهمي.

اقرأ أيضاً: الغنوشي يستقوي بأردوغان لمواجهة ضغوط تشكيل الحكومة

في المقابل؛ ينزع جناح الحمائم نحو التأسيس لمرحلة أخرى داخل الحركة، والبحث عن التغييرات المناسبة التي تضمن مناورات مريحة في المستقبل المنظور، خاصّة أنّ حركة النهضة ما تزال في أدبياتها حركة إسلامية، محاولة بذلك النأي بصورة الحركة عن المحيط الإقليمي والدولي الذي يتّسم بانتشار الإرهاب والحركات الإسلامية المسلحة المتشددة، سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا.

ويرى المحلل السياسي، عبد الجبّار المدّوري، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ النهضة، ورغم كلّ التنازلات التي أقدمت عليها من أجل ضمان بقائها في الساحة السياسية، وكي تدفع عنها شبهة الانتماء إلى التنظيمات السلفية، فإنّ الانتماء إلى تنظيم الإخوان ظلّ بمثابة التهمة التي لا تفارقها ولا تستطيع التخلص منها.

ورأى المدّوري أنّ الحركة الإسلامية تحاول من خلال سعيها إلى فكّ ارتباطها الفكري والسياسي بتنظيم الإخوان، "التفاعل مع التحولات التي بدأت في رسم ملامح جديدة لخريطة جيوسياسية في المنطقة العربية، ومن أجل التموقع من جديد بعيداً عن الإخوان، غير أنّها لم تنجح في التخلّص من مرجعيتها الإخوانية، وارتباطها الأيديولوجي".

المدّوري رجّح أنّ النّهضة "لن تحافظ على استمراريتها طويلاً، وستنتهي إلى الفشل في قادم المحطات الانتخابية، لأنّها لم تستطع التماهي مع المجتمع التونسي، الذي منحها أكثر من فرصةٍ لتنزع عنها عباءة الإخوان، وما يملؤها من حقدٍ وعنفٍ كاد يدخل البلاد في متاهاتٍ مظلمة".

الصفحة الرئيسية