هل يجب أن نقلق من الإخوان المسلمين والإسلام السياسي؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2166
عدد القراءات

2019-03-06

ترجمة: مدني قصري


يعمل معهد بروكينغ، Brookings Institute, think-tank  وهو مجموعة تأمّل مقرّها في واشنطن، على "تعزيز الديمقراطية الأمريكية، والتضامن الاقتصادي والاجتماعي، وعلى التفكير في نظام دوليّ أكثر انفتاحاً وأمناً وازدهاراً وتعاوناً".

اقرأ أيضاً: تورغت أغلو: أردوغان يوفر التمويل والملاذ الآمن لشيوخ الإسلام السياسي
وإلى جانب هذا العرض، اكتسبت مجموعة التأمّل خبرة خاصة في العالم الإسلامي وقضاياها المعاصرة. يركز اثنان من الباحثين، شادي حميد وويليام ماكنتس، على الإسلام السياسي، وفروقه الدقيقة وأهدافه وسوسيولوجيته.
في مواجهة هذا الكائن المتغيّر الأشكال، يشرح الباحثان مقاربة واقعية ونزيهة، دون مجاملة للتيار الإسلاموي.
لا يزال بعض الإخوان يقرأون كتابات البنا وقطب
أحدثُ كتاب لحميد وماكنتس الذي صدر في أواخر عام 2017، إعادة التفكير في الإسلام السياسي  Rethinking political islam، يروي عامين من الأعمال في شكل محصّلة، بَلداً بلداً، عن نجاحات وإخفاقات الإسلام السياسي. والنتيجة هي عمل جماعي أصيل، تم تنظيمه في شكل نقاش؛ حيث يُجيب الباحثون الميدانيّون والصحفيّون، والمتنافسون أحياناً، في مقالاتهم، على بعضهم البعض؛ لفتح المناقشة أمام المعنيّين الرئيسيّين لم يتردّد الباحثان في ترك القلم لقادة الأحزاب الإسلامية، التونسية والباكستانية والمصرية والأردنية.

احتفل الإخوان بعيد ميلاد الجماعة التسعين عام 2018 ومن الغريب أنّ تطورات العالم لم يكن لها أي تأثير على أهدافها واستراتيجياتها

ففي سياقٍ من تنافسية الرسالة الجهادية، وكيف غيّرت هذه الحركات، ومعظمها من جماعة الإخوان المسلمين، خطابها؟ ماذا كان تأثير قمعِ ما بعد الربيع العربي على تصوّرهم للعبة الانتخابية والاندماج السياسي؟ هل عرفوا كيف يعيدون هيكلة خطّهم العقائدي والسياسي؟ احتفلت جماعة الإخوان المسلمين بعيد ميلادها التسعين في عام 2018، ومن المدهش أنّ تطورات العالم بشكل عام، والعالم الإسلامي بشكل خاص، لم يكن لها أي تأثير على أهدافها واستراتيجياتها فلا يزال بعض الإخوان يقرأون اليوم كتابات البنا وقطب.
عند قراءة الكتاب، تطفو خطوط متعدّدة من القوة والخطأ: مقاومة الضغوط والتكيفية عند معظم هذه الحركات، وكذلك الحلول الوسط، أو حتى التساهلات، التي لا مفر منها، التي تنطوي عليها اللعبة السياسية والقمع. وبشكل أكثر عمقاً، يناقش الكتاب المآزق الأيديولوجية التي تواجه الحركات الإسلامية اليوم.

إعادة التفكير في الإسلام السياسي  Rethinking political islam
أوّلاً - حركات مرنة وقابلة للتكيف
يسعى شادي حميد، إلى التركيز على "الدولة الإسلامية" التي أدّت ظاهرتُها إلى تشويه النقاشات الأساسية حول الإسلام السياسي: "معظم الإسلاميين ليسوا عنِفيين ولا يدافعون عن فكرة الإطاحة بالمؤسسات". علاوة على ذلك، (...) تنظيم الدولة الإسلامية لا يدّعي شيئاً وهو ليس حركة جماهيرية "(صفحة 2).

اقرأ أيضاً: الوهابية: هل لها علاقة بأفكار الإسلام السياسي في العصر الحديث؟
لذا، هل يجب أن نقلَق من الإخوان المسلمين والإسلام السياسي القانوني؟ إنّه السؤال الأساسي الذي يمرّ عبر الكتاب، حيث يُبرز معظم المساهمين رغبة الأحزاب الإسلامية الحقيقية في الاندماج السياسي.
أ) التكيّف مع المحظورات الوطنية
في المغرب، من المستبعد بالطبع على حزب العدالة والتنمية أن يعلن نفسَه مناهضاً للنظام، طالما أنّ هذا الموقف سيُفقدة الحظوة لدى السلطة ولدى جزء كبير من السكان. يشرح ماكس شبيجل، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة سان دييغو، أنّ استراتيجية أسلمة المجتمع تنطوي على بقاء الحركة في المغرب. فبحكم وعيهم أنهم سيختفون في اللحظة التي سيعارضون فيها النظام، تخلى مؤسّسُو حزب العدالة والتنمية في وقت مبكر عن فكرة إقامة دولة إسلامية، وحجتهم في ذلك أنّ الملكية المغربية في حد ذاتها دولة إسلامية بالفعل. وقد أجبرت الهجمات الإرهابية المختلفة على الأراضي المغربية، الحزبَ على توضيح مواقفه من العنف.

اقرأ أيضاً: الأزهر يجدد نفسه لمواجهة أنجع مع جماعات الإسلام السياسي
ومن أبرز مزايا هذه الاستراتيجية، الانتصار الذي حقّقه حزب العدالة والتنمية في تشريعيات 2011، والتعيين الذي تلاها لرئيس وزراء من صفوف الحزب، عبد الإله بنكيران.
شرعية حركة النهضة
في تونس بعد سقوط بن علي،..، كان على حزب النهضة أن يتكيّف مع مجتمع تونسي علماني إلى حد كبير، وأن يتنازل عن الشريعة كمصدر للتشريع. وردّاً على ما وصفته مونيكا ماكرس (جامعة أكسفورد) بالتراجع الأيديولوجي، أظهرت نائبة حزب النهضة سيّدة الونيسي  Sayida Ounissi بعض الفروق،..

اقرأ أيضاً: "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين".. التطرف الديني إلى أين؟
في مقالها "النهضة من الداخل"، تفضّل سيّدة الونيسي تعريفَ حزب النهضة بالحزب الديمقراطي الإسلامي (على نمط "المسيحيون الديمقراطيون الأوروبيون") وترفض صراحة تسمية "إسلاموي". قليلون هم الذين ما زالوا يرفضون حتى اليوم شرعية النهضة على المشهد السياسي التونسي، حتى لو كانت لا تزال تُسمَع أصواتٌ تتّهمه بأنه ليس سوى استيراد من جماعة الإخوان المسلمين المصريين. في عام 2016، أصبح الحزب مرّة أخرى أوّل قوّة سياسية تونسية.
نائبة حزب النهضة سيّدة الونيسي

ب) جهات اجتماعية سياسية مسؤولة؟
لا ينبغي النظر إلى هذا الشكل من أشكال النسبوية على أنه مجرد تكتيك. الإيديولوجية لا تسود دائماً على الشعور بالانتماء القومي: على سبيل المثال، من الصعب التشكيك في التعلق الصادق بالنظام الملكي لأغلبية أعضاء حزب العدالة والتنمية المغربي، وفقاً لما قاله ماكس شبيجل. كل الإخوان المسلمين الذين شاركوا في كتاب إعادة التفكير في الإسلام السياسي Rethinking Political Islam يؤكدون على اهتمامهم بالحفاظ على الدولة والمؤسسات. ويسعى المساهمون المنبثقون عن هذه الأحزاب إلى تسليط الضوء على شرعيتهم، وعلى تقديم أنفسهم كفاعلين مسؤولين عن المجال السياسي، وعلى أن يميّزوا أنفسهم بوضوح عن الجهادية السلفية.

سعى الإخوان المصريون تدريجياً إلى الانشغال ببقائهم واستمرارهم كحركة ولذلك حرصوا دوماً على الالتزام باحترام قواعد المشاركة السياسية بدقة

يُذكِّر عاصف لقمان قاضي، وهو شخصية في حزب "الجماعة الإسلامية" الباكستاني، في مقال "التجربة الإسلامية في باكستان" أنّ حركته التي أسّسها أبو العلاء مودودي، ساهمت بشكل مباشر في إنشاء دولة باكستان.
وأكثر من ذلك، ففي العديد من البلدان، كانت الأحزاب الإخوانية قوّة دافعة في دمقرطة المجال السياسي، لا سيما في الكويت، كما كشفت عنه كورتني فرار، الباحثة المتعاونة في برنامج الكويب، التابع لكلية لندن للاقتصاد London School of Economics. لقد اختاروا أن يلعبوا اللعبة التشريعية دون خوف، بالاعتماد على مطالب مكافحة الفساد، لصالح مزيد من الشفافية في صنع القرار السياسي، ومع عدم تردّدهم في الارتباط مع الأحزاب اليسارية.

اقرأ أيضاً: دولة جماعات الإسلام السياسي المستحيلة
بالتوازي مع هذا العمل الحزبي، لابد أيضاً من ملاحظة العمل الاجتماعي للحركة. ففي مصر حلّت جماعة الإخوان المسلمين، من خلال شبكتها من المدارس والمستشفيات الحديثة، محلّ الدولة لدى السكان المهمشين. وهي خدمة ظلت لفترة طويلة - وهذا لم يعد هو الحال اليوم – تضمن بقاءَها في ظلّ نظام حَرَمَها مراراً من أي مشاركة سياسية، كما يقول ستيفن بروك، الأستاذ بجامعة لويزفيل، ومؤلف المقالة المكرسة للإخوان المصريين. هل يعني هذا الأكاديمي أنّ في هذه الخدمة طريقة لـ"كسب القلوب والعقول" من خلال مؤسسة خيرية مهتمة؟ وهو ما رفضه عمرو دراج، وزير التعاون الدولي المصري في ظل رئاسة الإخواني محمد مرسي، في مقالته "سياسة أو تقوى؟  لماذا ينخرط الإخوان المسلمون في تقديم الخدمات الاجتماعية"، إذ يقول "إنها عدم قدرة العديد من المحللين على فهم الدوافع الروحية لعملنا "(صفحة 221).
الإخوان.. هل يسهمون في شرعيّة الأنظمة؟
يرى البعض في هذه القدرة على التكيف، بل في هذا التحوّل إلى الديمقراطية والمصلحة العامة، وسيلة لقلب مؤسسات الدولة. الإخوان المسلمون، وبشكل أعم أنصار الإسلام السياسي لديهم دائماً نفس الأجندة في أذهانهم، فهم يمارسون هنا سياسة "الخطوات الصغيرة". لكن من الواضح جداً، كما يشير إلى ذلك أوليفييه روي في عمله، أنّ المشاركة واختيار الاندماج السياسي يميلان إلى تحقيق الاعتدال في المواقف الأيديولوجية، بل وحتى مناقضتها. وهذه المعاينة تدحض المواقف الحذرة المفرطة للدول الغربية فيما يتعلق بالإسلام السياسي. فحيثما اندمجوا في اللعبة السياسية، أثبت الإخوان المسلمون أنهم موالون للأنظمة السياسية القائمة، خاصة وأنهم ساهموا أحياناً وبشكل مباشر في شرعيّتها.

ثانياً- تحدي القمع
ومع ذلك، فإنّ الفكرة التي ترى على العكس أن قمع الإخوان المسلمين، سيؤدي بالضرورة إلى تطرف الحركة، فكرة لا تصمد أمام فحص الحقائق. ففي مقالته حول الهيكل التنظيمي، يُقصِي جاكوب أوليدورت، من معهد واشنطن، ببساطة، مسألة الصلة بين القمع والتطرف، مشيراً إلى أنّ أسباب التطرف متغيّرة للغاية من فرد إلى آخر.
أ) "احترام القانون لن ينقذك"
تجدر الإشارة إلى أنّ مدير كتاب شادي حامد، "إغراءات السلطة"، قد أظهر بالفعل أن الخط الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين المصريين قد عُدِّل بشكل واضح تحت تأثير القمع. فبحكم تهميشهم سياسياً من قِبل معظم الرؤساء المصريين تقريباً منذ سقوط النظام الملكي في عام 1952، سعى الإخوان المسلمون المصريون تدريجياً إلى الانشغال ببقائهم واستمرارهم  كحركة. ولذلك حرصوا دوماً على الالتزام باحترام قواعد المشاركة السياسية بدقة – التي كثيراً ما كانت في كثير من الأحيان تعسّفية ومكرّسة على وجه التحديد لتحييد وشل الحركة الإخوانية. حركة الاستثمار في العمل الاجتماعي يمكن أيضاً أن تُقرأ باعتبارها شكلا من أشكال عدم التسييس الطوعي أمام تهديد السلطات المعنية، على الرغم من أنّ المعنيّين يفضّلون تقديم العمل الاجتماعي كجزء من دعوة الحركة. لكنْ، بدلاً من أن يحميهم فقد سهّل احترامُ هذه القواعد  قمعَ الإخوان المسلمين.

اقرأ أيضاً: علاء حميد: العلمانية العربية ردّ فعل على تغوّل الإسلام السياسي
في فصل "احترام القانون لن ينقذك" يُذكّر ستيف بروك بأنّ جماعة الإخوان المسلمين المصريين أدّت دائماً أنشطتها الاجتماعية في الإطار الضيق جداً المفروض من قبل القضاء المصري. "تستخدم الأنظمة الاستبدادية وفرةً في القوانين، في المجتمع المدني، لجعل كل نشاط مرئياً وبالتالي يمكن السيطرة عليه. عندما قرر النظام أن يستحوذ على شبكة خدمات جماعة الإخوان المسلمين أعدّ قائمة جاهزة بالعقارات والشركات والناشطين، وكان ذلك بفضل التزام الإخوان باحترام قواعد المشاركة السياسية بدقة "(صفحات 26-27). فحتى في عهد مبارك، صار الإخوان المسلمون المصريون المبشّرين بدمقرطة النظام. وكان الهدف من ذلك هو توجيه انتقاد من الصعب إدانته من قبل الحكومة، وإسماع صوتهم على الساحة الدولية، حيث الإسلاميون من مختلف المشارب، يثيرون الريبة..
ب) الجهاز بدلاً من الالتزام
في الحالة السورية، يصف المقال الذي كتبه رافاييل لوفيفر (جامعة أكسفورد) الحملة القاسية للغاية على جماعة الإخوان المسلمين في الثمانينيات، والتي أجبرت المديرين التنفيذيين للحركة على الخروج إلى المنفى. معظمهم في الأردن، وبالنسبة للآخرين في تركيا. وللحفاظ على وحدة الحركة، طوّرت الكوادر بيروقراطية ثقيلة، عزّزت في حد ذاتها الصراعات بين الفصائل، خاصة بين الحرس القديم والأجيال الجديدة. كما جعل المنفى الحركةَ معتمِدةً على عرّابيها الأجانب، لا سيما في سياق الحرب الأهلية منذ عام 2011. وهكذا اضطر غسان هيتو، المقرب من الإخوان المسلمين السوريين، إلى الرحيل عام 2013 عن رئاسة الحكومة السورية الانتقالية.
غسان هيتو رئيس الحكومة السورية المؤقتة السابق

ج) فخ التسوية
المثالان المصري والسوري اللذين طُرحا للنقاش في الكتاب يسلطان الضوء على الفخ الذي أغلق فيه العديد من الإخوان المسلمين على أنفسهم، من أجل بقاء الحركة في الوجود. لقد ساهم استعدادهم لإرضاء النظام المصري في تسهيل قمعهم، في حين كان يُفترض أن يُجنّبهم مثل هذه المغامرة. في سوريا، أدى هذا التوجه إلى تغيير الخيارات التكتيكية وفقاً للقيود المفروضة في اللحظة إلى فقدهم لتأييد مجموعات جيدة أخرى كثيرة، رغم قربها الشديد من أفكارها. لقد ضحّى الإخوان بنفوذهم السياسي من أجل بقاء الجهاز. ومن خلال دمجِهم مع مرور الوقت للّعبة السياسية للدول التي يقيمون فيها، غالباً ما اضطر الإخوان إلى الارتداد إلى أهدافهم الأيديولوجية النظرية، متنازلين تدريجياً عن فكرة مجتمع إسلامي بالكامل. وبعيداً عن السيطرة على السلطة، يمكن القول إنّ الحصة من السلطة المكتسبة، والخوف من فقدانها، هو ما جعل جماعة الإخوان المسلمين يرتقون إلى مواقف أكثر توافقية.

اقرأ أيضاً: عبيد الخليفي: التنظيمات الإرهابية ثمرة جماعات الإسلام السياسي
هذه الحلول الوسط، وحتى هذه التساهلات، تفسّر جزئياً لماذا لا تُتَرجم الشعبية الحقيقية للأيديولوجية الإخوانية في العالم الإسلامي إلى دعمٍ سياسي قوي لصالح الأحزاب والحركات التي تدّعي انتماءها لهذه الأيديولوجية. معظم المقالات تشير إلى أيّ حد تشكل السلفية، الجهادية في بعض الأحيان، منافساً خطيراً للحركات الإسلامية التقليدية.
ثالثاً- الجمود الأيديولوجي
أ) المنافسة السلفية

إذا كان قمع الإخوان المسلمين لا يؤدي بالضرورة إلى تطرّف الحركة، فإنّ غياب ردّ فعلٍ حازم من قبل جماعة الإخوان المسلمين عندما يتعرضون للقمع، قد دفع الشباب الإسلاميين بالتأكيد إلى التحوّل إلى حركات جهادية أكثر تشدداً. لقد أدى التنازل عن تجسيد تخريب سياسي واجتماعي إلى تنازل الإخوان المسلمين تدريجياً، لصالح السلفية، الجهادية في بعض الأحيان، كما تؤكد مونيكا ماركس: "تعطّشهم للمعنى والتمرد، الذي تغذيه مثالية ثورية، دفع العديد من الشباب التونسيين من الطبقات الدنيا إلى أن يروا في السلفية الجهادية ثقافة مُلهمة ومحفّزة. (صفحة 39) لقد فقدت جماعة الإخوان المسلمين قدرتها على مواجهة هذا الفصيل من الشباب.

معظم المقالات تشير إلى أيّ حد تشكل السلفية الجهادية في بعض الأحيان، منافساً خطيراً للحركات الإسلامية التقليدية

ويُستخلَص من معظم المقالات أنهم فشلوا أيضاً، على الرغم من الجهود الكبيرة لبناء حاجز أيديولوجي واضح بين الشكل السياسي للإسلام والسلفية، بحيث أنّ هذه الأخيرة أمكنها أن تقدّم نفسها باعتبارها شكلاً إسلاموياً كاملاً غير مشبُوه بقضايا السلطة والحاجة المستمرة إلى تقديم تعهّدات بالاعتدال للسلطة الحاكمة، وللغرب والجهات الراعية الإقليمية. تكتيكات التشنّجات المرتبطة بالمشاركة السياسية، وضرورة تقديم أنفسهم بأنّهم "فاعلون مسؤولون" جعلت العديد من مواقف الإخوان المسلمين غير مقروءة. ففي سوريا، أثار إصرارهم على الطابع الوطني لنضالهم ضد النظام عدم الفهم لدى الشباب: ألم تكن هذه فرصة مثالية لإقامة الدولة الإسلامية التي كان يحلم بها العقائديون التاريخيون في الحركة؟ التماسك الشديد في الخطابات السلفية الجهادية والإغواء الذي يمارسه هذا التطرف بالضرورة على الشباب الإسلاميين أبرزَ بقسوة المماطلات الأيديولوجية للإخوان والحركات الإسلامية الأخرى التابعة. التطرف هو أيضاً نتاجُ فشل الحركات الإسلاموية التاريخية في تجسيد بديل حقيقي للممارسات السياسية السارية في المنطقة.
ب) البقاء من أجل عدم الوجود؟
من هاجسهم للقضايا التكتيكية ("تعزيز الوعظ أو العمل السياسي؟ الأسلمة من أسفل أم الاستيلاء على السلطة لتحقيق الأسلمة؟"، الخ.)، يواجه الإخوان المسلمون مشكلة عدم التوافق الأيديولوجي. فعن طريق اختيار النهج اللامركزي - يُكيّف كل طرف برنامجه في البلد الذي يقع عليه – أتاحوا ازدهار الخطب التوافقية في أحسن الأحوال، والمتناقضة في أسوأ الأحوال، بما في ذلك تعريف النموذج السياسي الذي يجب تنفيذه. حزب العدالة والتنمية المغربي يرى المشاركة الديمقراطية كعنصر مكمل لسلطة الملك، في حين أنّ الإخوان المسلمين المصريين يربطون الدولة الإسلامية بكاملها تقريباً بالديمقراطية. تعريف ما ينبغي أن تكون عليه أيّ دولة إسلامية يختلف بشكل كبير من بلد إلى آخر، والحال أنه منذ وقت طويل لم يُجْرِ منظرّو الحركة أيّ تحديث للمذهبِهم السياسي الديني.

اقرأ أيضاً: هل ساهمت العلمانية في بروز الإسلام السياسي؟
ذلك أنّ مثل هذا المشروع، إنْ حُظي بجدارة استعادة أهداف الإسلام السياسي في عالم اليوم، قد يتمكن بالفعل ليس فقط التأثير على السلطات القائمة، بل حتى على التيارات الإسلامية الأكثر راديكالية، التي لا يزال الإخوان المسلمون يأملون في التحالف معها، وفقاً للمبدأ القائل إننا لا نخرج من الالتباس إلا على حسابنا.

ج) عدم كفاءة فكريّة
ومع ذلك فإنّ هذا الغموض الإيديولوجي لا يلقَى باللومن فيه على مثل هذه الاعتبارات التكتيكية. ففي المقالة الأخيرة من الكتاب (مكان لا يدين للصدفة بأي حال)، يذهب أوفامير أنجوم، وهو إمام وحامل كرسي علم الإسلام في جامعة توليدو، إلى حد طرح السؤال الاستفزازي حول "العجز الفكري" لدى الاسلاميين ".

اقرأ أيضاً: هل فشل الإسلام السياسي في غزة.. ولماذا؟
ما هو الاقتصاد الذي يعمل وفق المبادئ الإسلامية؟ وأي مكان للأقليات فيه؟ وما هي السياسة الاجتماعية؟ ما هي السياسة الدولية؟ إلخ.. الكثير من الأسئلة التي لم تقدّم لها جماعة الإخوان المسلمين إجابات واضحة ومتسقة. إذا كان من الضروري توجيه التحية للمسافة المتخذة إزاء التكفيرية (السلاح المفضل عند الجهاديين) والعنف، فإنّ الحركة الإخوانية لا يمكن أن تكتفي بمجرد النفي لتعريف نفسها. معظم خصوم الإخوان المسلمين - المحافظون، السلفيون، التقليديون أو الشيعة الإثنا عشرية - يعتمدون على التقاليد الدينية والفلسفية والروحية القديمة والمحدّدة بشكل جيد.

اقرأ أيضاً: في غياب السؤال النظري لدى الإسلام السياسي
إذا كان الإخوان المسلمون لا يقللون دائماً من مصادر الإلهام هذه، فهم يقيمون مع تاريخ الفكر الإسلامي علاقات متناقضة. "إنهم يشيرون إليه لإصلاحه وتحويله، أكثر ممّا يرغبون في أن يحوّلوا أنفسهم به. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا التحديث، فإن علاقته بالحداثة تظل باهتة. يمكن تفسير ذلك ببساطة من خلال عدم اهتمامهم بالبحث الفكري المتعمّق، للتقاليد الكلاسيكية أو ما يشكل الحداثة. (الصفحة 304). تتكون نخبة الإخوان المسلمين أساساً من التكنوقراط والبيروقراطيين، وليس من المثقفين الذين يملكون حدس المستقبل.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي التقليدي والديمقراطي وإشكالية الحريات
يشير أوفامير أنجون Ovamir Anjum أيضاً إلى عدم قدرة الإخوان المسلمين على تبني القضايا المعاصرة، بسبب أيديولوجية متصلبة ودفاعية. فهو يستنكر "عدم قدرتهم على اقتراح سبل منطقية لمواجهة تهديدات العالم المعاصر، مثل عدم المساواة الاقتصادية والتحديات البيئية" (صفحة 306)، ويسلط الضوء على اهتمامهم الضعيف بالدراسات المستنيرة  لتقاليد القرون الوسطى الإسلامية، مفضلين الصيغ الجوفاء على المصلحة العامة ومقاصد الشريعة. يسعى الإسلاميون على هذا النحو إلى تبرير عودة دولة إسلامية، من دون أن يتدبّروا بجدية جدوى مثل هذا المشروع في العالم اليوم: "إنهم يدعون إلى "العدالة الاجتماعية"، لكنهم يتجاهلون أو يهملون الجوانب المدمرة لليبرالية الجديدة على الأسرة والمجتمع والبيئة. إنهم يدافعون عن اقتصاد إسلامي، دون أن يسألوا كيف يمكن تحقيق "الحداثة" خارج الدوافع المادية التي هي في صميم الرأسمالية والعلمانية. وهم يقترحون طريقة عيش للمسلمين الغربيين دون فهمٍ حقيقي للمجتمعات الغربية. "(صفحة 306).

اقرأ أيضاً: كارثة الإسلام السياسي ومظلتها الغربية
إعادة التفكير في الإسلام السياسي، من خلال تنوّع التحليلات، تقدّم بياناً لا يقبل التأويل: جماعة الإخوان المسلمين، أينما كانوا، يمرّون بمنعطف في تاريخهم. فإذا كانوا قد تمكنوا من نشر أفكارهم، أو حتى أسلوب حياتهم، في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فقد فشلوا في إثبات وجودهم في السلطة على نحو مستدام، وفشلوا في تحديد دورهم بدقة: حزب له أهداف سياسية مستقرة، أم حركة اجتماعية تقدّم نفسها كثقافة مضادة راديكالية؟ فبوجودهم بين مطرقة الأنظمة الاستبدادية وسندان السلفية، فهم يشغلون وضعاً غير مريح بين التسوية مع السلطة، والقمع "المضاد للإرهاب". رسالتهم غير واضحة، ومواقفهم العقائدية غير قابلة للقراءة. وبتحولهم حصراً نحو إشكاليات البقاء على قيد الحياة، كان الإخوان المسلمون غير قادرين على تقديم إجابات متجانسة وثابتة ومُرضية للقضايا المعاصرة الكبرى، سواء تعلّقت بالنموذج السياسي والاقتصادي أو البيئة. فهم محكومون بتحديث هيكلي لبرنامجهم الأيديولوجي.


المصدر: lesclesdumoyenorient


هامش:

عنوان الكتاب : Shadi Hamid et William McCants, Rethinking Political Islam, Oxford University Press, 2017.

اقرأ المزيد...

الوسوم: