ماذا تعني المصالحة في الذهنية الإخوانية؟

4332
عدد القراءات

2019-09-03

كلّما خبا ضوء الجماعة وسط الأحداث المتسارعة، وتعرضت لهزائم منكرة متتالية، ومرّ الوقت على المسجونين، وظلّ التنظيم بعيداً عن مشهد العمل السياسي الرسمي، منذ 7 أعوام مضت، يخترق حديث المصالحة بين النظام المصري والإخوان دائماً أجواء الصمت، وكأنّ هناك من يقصد إثارة هذا الأمر، للبحث عن مخرج قبل أن تفقد الجماعة الفرصة الأخيرة لها في الحياة.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون.. المُصالحة المتوهَّمة
مؤخراً، وعقب رسالة مسرَّبة وقّعها أكثر من 1300 سجين إخواني، دعوا فيها التنظيم للتراجع خطوات للوراء، عاد الحديث مجدداً عن المصالحة، وطرح كلّ فريق تصوّره، وما بين مستنكر ورافض، ظلت الذهنية الإخوانية ثابتة على مفهوم خاص لهذا الأمر، وهو: توفيق أوضاع الجماعة الحريصة على ألا تخرج منها دعوات للتراجع، وقبول وجودها مرة أخرى.

المصالحة والرسالة المسرّبة
من سجن الفيوم، الذي يبعد عن القاهرة مئات الكيلو مترات، أطلق شباب الإخوان رسالة، منذ عامين، لم تأخذ حظّها في الإعلام، دعوا فيها الجماعة للتراجع خطوات للوراء، وقالوا فيها: "نحن مجموعة من السجناء السياسيين اتّخذنا قرارنا بالاستقلال عن القرار السياسي لجماعة الإخوان، منّا من لم يكن ينتمي لها تنظيمياً، وكان يدور في فلك قرارها، ومنا من كان ينتمي للإخوان تنظيمياً، ثمّ اتّخذ قراره بإنهاء هذا الرابط التنظيمي؛ لقد مرّت مصر في الأعوام الأخيرة بأحداث جسام وحالة استقطاب حادة وصراع مرير، وقد خاطبنا في ذلك الصدد جماعة الإخوان على مدار أكثر من عام، دون استجابة تذكر؛ حيث أصرّت على الاستمرار بالعمل وفق المواقف والأفكار ذاتها، فكان لزاماً علينا أن نعيد نحن تقييم هذه المواقف والأفكار".

تطمح الجماعة عبر المصالحة لإدماج الإخوان في العملية السياسية والإفراج عن قادتهم وتشكيل لجنة للتواصل بين الجماعة والنظام

أحد من كتبوا هذه الرسالة؛ هو عمرو عبد الحافظ، محبوس احتياطياً بسجن الفيوم العمومي، منذ 46 شهراً في القضية رقم 1747 جنايات الفيوم، وهو حاصل على ليسانس آداب، وكان عضواً مؤسساً بحزب الحرية والعدالة، استفاد من السماح له باستخدام الهاتف ومواقع التواصل، وقال لـ "حفريات": إنّهم نظموا ورش عمل ومنتديات فكرية وسياسية لبحث الأمر، وقسموا مراجعاتهم إلى محورين رئيسَين: محور المواقف السياسية للجماعة، ومحور المنطلقات الفكرية التي يتبناها التنظيم منذ تأسيسه، عام 1928، وبعد اكتمال المراجعات اتجهوا في خطين متوازيين:
الأوّل: تدوين نتائج هذه المراجعات في مقالات وكتب؛ وقد نشروا في ذلك عدداً من المقالات، كما أنجزوا الكتاب الأول، وهو "الخروج من سجن الجماعة"، وفي طريقهم لإنجاز الثاني، وهو كتاب "الصدمة".
والخط الثاني: هو نشر هذه الأفكار بين السجناء السياسيين بسجن الفيوم العمومي، حتى تشكّل بمرور الوقت رأي عام بين السجناء يؤيد نتائج هذه المراجعات.
هنا تمّ الإعلان عن وجود مجموعة من السجناء المستقلين بسجن الفيوم، في بيان صدر يوم 10 تموز (يوليو) 2017، وتضمن إعلان استقلالهم عن جماعة الإخوان وأنهم لم يعودوا جزءاً من الصراع بين الإخوان ومؤسسات الدولة.
يحكي عبدالحفيظ لـ "حفريات"؛ أنّ إرهاصات المراجعات الفكرية بدأت بسجن الفيوم العمومي، قبل عامين، حينما طلب بعض شباب الإخوان من قيادات الإخوان بالسجن، عمل ورش عمل للنقد الذاتي تتمّ فيها مراجعة مواقف الجماعة السياسية، منذ أحداث 25 كانون الثاني (يناير) 2011، وحتى اللحظة؛ للوقوف على الأخطاء التي أوصلت الجماعة إلى ما هي فيه، من سجون ومطاردة وتشريد، وأوصلت مصر إلى ما تعانيه من تبعات الصراع السياسي، لكنّ قيادة الجماعة بالسجن رفضت ذلك، وأصرّت على خطاب المظلومية وتبرئة نفسها من أية مسؤولية أو خطأ، بعدها قرّر الشباب أن يخوضوا تجربة المراجعة بأنفسهم، فتداولوا فيما بينهم كتباً تعين على المهمة.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" والعمل السري: آخر العمليات الفاشلة للنظام الخاص
في يوم 20 آب (أغسطس)، بعد عام تقريباً، تجددت رسائل شباب الإخوان؛ حيث أرسل 1350 من عناصر الجماعة في السجون المصرية رسالة إلى المسؤولين في الدولة "يطلبون العفو، معلنين رغبتهم في مراجعة أفكارهم التي اعتنقوها خلال انضمامهم للجماعة، ومعربين عن استعدادهم التام للتخلي عنها، وعن العنف وعن ولائهم للجماعة وقياداتها"، إلا أنّ هذه الرسالة واجهها الإخوان بكلّ قوة، وخرج إبراهيم منير على شاشة "الجزيرة"، في اليوم التالي، وقال: "إنّهم لم يُدخلوا أحداً السجون، وإنّ كلّ شاب مسؤول عن نفسه!"، فيما ادّعى طلعت فهمي، المتحدّث باسم الجماعة، أنّها رسالة أمنية، وليست من شباب الجماعة. 
ورغم نكران قيادات الجماعة، وتخليهم عن شبابهم، إلّا أنّ الرسالة السابقة أحدثت صدى كبيراً؛ ما بين مصدِّق لهذه المساومة، ومنكرٍ لها من الأساس.

معنى المصالحة؟
رأى البعض أنّ معنى المصالحة المقصود هو المراجعة لكلّ الأخطاء والاعتراف بكل وضوح بذلك، وهنا تبقى الدولة هي المحتضنة فيما بعد للمخطئين، وآخرون يرون أنّ المصالحة هي حلّ التنظيم جملة وتفصيلاً، الصلح بغضّ النظر عمّا يتنازل به فريق لآخر، وهنا تبدو الدولة في حالة يرثى لها، فهي ضعيفة ومضطرة للقبول بشروط جماعة، وهنا يقول د. ناجح إبراهيم عبد الله، القائد التاريخي للجماعة الإسلامية، التي قامت بمراجعات في السجون المصرية، بدأت عام 2001؛ أنّ المقصود بالمصالحة هو الصلح، الصلح هو أعظم آلية شرعها الإسلام لرأب الصدع ولمّ الشمل، وهو أعظم الآليات لإنهاء الأزمات بين المسلمين، ولولا وجود هذه الآلية لكان أيّ نزاع مسلَّح بين طائفتين مسلمتين يستمر للنهاية أو يستمر حتى يفنى الفريقان، وإنّ الصلح باب عظيم من أبواب الخير، شرّعه الله لتُحقن به الدماء، وتعصم به الأرواح، وهو خير للفريقين، لكلّ الناس، وهو يحتاج إلى رجال شجعان، مثل الحسن بن علي، وهؤلاء الأفذاذ هم الذين يتحملون لوم اللائمين ومزايدة الزائدين.

اقرأ أيضاً: داعش والقاعدة والحوثي والإخوان.. رباعي التطرف المتربص باليمن
أما د. أحمد الشوربجي؛ فيرى أنّ المصالحة هي المراجعة بالضرورة، واعتذار تلك التنظيمات عما جرى، و"خلخلة" الجماعة للعنف واستنكارها له، واعتذارها عنه، والقبول بتطبيق القانون عليها، وليست فريقين يجلسان للتفاوض فيما بينهما.

الانصياع للدولة في العقل الإخواني معناه تصدّع التنظيم وتعرّض فكرة الجماعة للانطفاء وتعرّض القيادات للإجابة عن أسئلة المستقبل

يذهب الشوربجي بعيداً؛ فيرى أنّ المراجعة هي الخطوة الأولى في حلّ هذه التنظيمات، التي لا قبول لوجودها مطلقاً في أيّة دولة.
يوافقه الرأي القيادي الإخواني المنشق، طارق البشبيشي؛ حيث يرى ضرورة ووجوب حلّ كلّ التنظيمات، إذا كانت تريد المصالحة بالفعل، ويقول: عندما كنا في التنظيم كانت القيادات الإخوانية تقول لنا إنّنا نسعى لأن يتحوّل ملفنا من أمني إلى سياسي، ونتمنى أن نرى أخبار الجماعة تتداول في صفحات السياسة، لا في الحوادث؛ هذا ما سعوا إليه قديماً، ويسعون إليه الآن بمبادرات التصالح المزعومة بعدما انهارت قواهم وحرقت جميع أوراقهم: "الحصار الاقتصادي، عزل مصر في الخارج، تحريض الشعب على الثورة، الإرهاب"؛ التي لعبوا بها لإسقاط الدولة وتحويلها لأكوام من تراب.
أما ما يطلق عليها المصالحة؛ فلها مفهوم مختلف لدى الإخوان؛ حيث ترى الجماعة، وفق المبادرات التي طرحها جمال حشمت، وحمزة زوبع، وغيرهما من قيادات الجماعة، إدماج الإخوان في العملية السياسية، والإفراج عن قادة الجماعة، وتشكيل لجنة تختار وسيطاً محايداً للتواصل بين الجماعة والنظام، لتحقيق أهداف عدة، منها تشكيل لجنة تقصي حقائق لكلّ أحداث العنف، منذ "ثورة 25 يناير".

مع الصلح أم المصالحة؟
يقول الكاتب المقرَّب من النظام المصري، ياسر رزق: طوال فترة الرئاسة الأولى للرئيس، عبد الفتاح السيسي، توارى الحديث عن "المصالحة"، إلّا من بعض مقالات في صحف أو كتابات على مواقع التواصل لشخصيات غافلة أو غربت عنها الشمس، وكلّما تردّدت كلمة "مصالحة"، كان الرأي العام يتساءل: "بين مَن ومَن؟ وكيف نضع جماعة إرهابية على قدم المساواة مع الدولة في مقايضة سياسية؟!"، وصارت تلك الكلمة سيئة السمعة جماهيرياً، لا سيما مع اشتداد العمليات الإرهابية التي تشنّها مجموعات تابعة للإخوان في الوادي، أو جماعات ترعرعت في كنف الجماعة بسيناء، غير أنّه، في أوقات مختارة بعناية، كنا نطالع أو نشاهد أحاديث من جانب شخصيات إخوانية، مثل القيادي العتيق يوسف ندا، أو القيادي إبراهيم منير، نائب المرشد ومسؤول التنظيم الدولي، وكان محور تلك الأحاديث؛ إما إبداء الاستعداد لـ "التوسّط" في مصالحة، أو طرح أفكار لها، هي في مجملها المطالب نفسها، الخاصة بالإفراج عن الإخوان السجناء، وعلى رأسهم قيادات الجماعة، ولم تلقَ تلك الكتابات أو الأحاديث عن المصالحة أدنى اهتمام من جانب السلطة، غير أنّ الفضائيات والصحف العامة والخاصة، في معظمها، قابلتها بقصف إعلامي عنيف.

اقرأ أيضاً: العبء "الإخواني" على الرعاة
كان هدف الإخوان طوال فترة الرئاسة الأولى للسيسي، أن يفشل نظامه في تحقيق وعوده للشعب، وبعدما نجح في انتخابات الرئاسة لفترة ثانية، اتخذ الإخوان نهجاً جديداً، له شكل مختلف ومحتوى آخر، وطرحوا مبادرات المصالحة، مثل مبادرة كمال الهلباوي، القيادي الإخواني، التي تبناها إبراهيم منير، القيادي الدولي، والمبادرة التي تمّ إطلاقها في مطلع آب (أغسطس) 2018، على يد معصوم مرزوق.
كما في الذكرى الخامسة لفضّ اعتصامَي رابعة والنهضة؛ حيث صدر بيان عن جماعة الإخوان يتضمن ما وصفته بأنّه مبادرة لـ "الخروج من النفق المظلم"، تدعو إلى عودة الرئيس الإخواني الراحل محمد مرسي إلى سدة الحكم وإجراء حوار وطني!
وفي إحصائية قام بها الموقع الإخواني "رصد"؛ بلغت هذه المبادرات 11 دعوة للمصالحة، قام بها قياديون ومقربون من الجماعة، مثل: البرادعي، وزياد بهاء الدين، وتحالف دعم الشرعية، مبادرة السفير إبراهيم يسري، ومبادرة الداعية محمد حسان، ومبادرة الدكتور أبو المجد، في تشرين الأول (أكتوبر) 2013، وكان ردّ النظام المصري واضحاً، وهو: "قرار المصالحة في يد الشعب".
وفي ظلّ العلاقات المتشابكة بين النظام المصري والإخوان في أعوام كثيرة مرّت، كانت ما بين الحصار والاحتواء والاستخدام، لم يحدث مرة أن تفاوضا وجهاً لوجه، ولم ينصع النظام يوماً للعقل الإخواني، وإن أطلق له، لظروف سياسية، المجال، وهذا يبدو واضحاً في سجون ناصر، ثم السجون عقب اغتيال الرئيس الأسبق أنور السادات، ثم في عهد مبارك؛ حيث كانت المكاتب الأمنية هي المنوط بها ضبط هذه العلاقة.
الموافقة على الجلوس على مائدة المفاوضات، في نظر محللين، هي من رابع المستحيلات، وهذا ما تراه باقي القوى السياسية؛ من أنّ الموافقة على هذه الشروط وإعادة دمج الإخوان في المشهد السياسي جريمة عظمى وركوع لمصر أمام الإرهاب، وأنّ المبادرات ودعوات المصالحات التي تخرج من تحالف دعم الإخوان هي متخبطة ومتأخرة لتوفيق أوضاع الجماعة.
ويوضح تصريح سابق للناطق الرئاسي؛ أنّ "الدولة لن تقبل بأيّة مبادرات للصلح مع الإخوان"، قائلاً: "كيف نقبل التصالح و"الإرهابية" تقتل المواطنين الأبرياء؟ لا مصالحة مع الإرهاب".

الحلّ الأخير
يرى أحد القياديين الأمنيين المعنيين بملف جماعة الإخوان (رفض ذكر اسمه)؛ أنّ الإخوان في النهاية مصريون، وأنّهم لن يبقوا طوال حياتهم بالسجون، وأنّ الدولة لها خطط واضحة، أهمّها فصل التائبين عن غيرهم، ومراجعة مواقف المسجونين كلّ فترة، وفي النهاية سيتمّ الإفراج عن غير المتورطين في العنف، وغير المحكومين بقضايا، وفق التحقيقات التي تجري معهم بشكل دوري، أما غير ذلك فهو مرفوض.

ياسر رزق: طوال فترة الرئاسة الأولى للرئيس السيسي توارى الحديث عن "المصالحة" إلّا من بعض مقالات في صحف

ووفق قوله؛ فإنّ أيّة محاولة للحوار مع الدولة، بغير ما سبق، هي إملاء، أما تصحيح المفاهيم، واستشعار عدم مشروعية أفعال التنظيم، فهما الطريق الأوحد للمصالحة، التي لها طريق معروف لدى الدولة، وهو "خلخلة" الجماعة للعنف واستنكارها له، واعتذارها عنه، والقبول بتطبيق القانون عليها، وبعدها ستخرج الجماعة تنظيمياً وفكرياً وسياسياً من هذه الأوضاع الغريبة، والدولة تحاول الوصول بجماعة الإخوان إلى النهاية الطبيعية التي انتهت بأشباهها، من ممارسي العنف، في التسعينيات، وهي الاعتذار.
في المقابل؛ فإنّ الانصياع للدولة في العقل الإخواني معناه تصدّع التنظيم، وتعرّض فكرة الجماعة للانطفاء، وتعرّض القيادات للإجابة عن أسئلة المستقبل، مثل: موقعهم من الدولة الوطنية، ولماذا كانوا في قصر الاتحادية ثم ذهبوا لميدان رابعة؟ ...إلخ، لذا فهم يراهنون على عامل الزمن، وسقوط النظام بفعل أيّة أزمة، سياسية أو اقتصادية، لكن مع مرور الوقت، ترى الجماعة أنّها هي التي في الأزمة الحقيقية، وسرعان ما تبحث عن حلّ جديد، ولا تجد سوى طريقين: الأول؛ هو الضغط على النظام بمجموعات حسم الإرهابية، والثاني؛ إطلاق مبادرة جديدة للمصالحة عقب حوادث العنف المنظمة، وهكذا تسير الأمور دون حلّ واضح من الجماعة، التي لديها "عمى إستراتيجي" كما يصفها مراقبون.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



قيس سعيد: الرجل الآلي الوفي لمبادئ الثورة

2019-09-17

رفض المرشح للانتخابات الرئاسية التونسية قيس سعيّد (61 عاماً) تمويل الدولة لحملته الانتخابية، وتعفّف عن السلطة، غير أنّ دخوله للسباق الانتخابي السابق لأوانه والذي أجري في 15 أيلول (سبتمبر) الجاري، شكّل منعطفاً غيّر مجريات الأحداث، وسرعان ما ظهر متلحفاً بعلم بلاده، ودموع الانتصار تملأ عينيه، وهو يحتفل مع أنصاره، في شقةٍ صغيرةٍ بأنحاء العاصمة، على وقع شعاراتٍ ثوريةٍ أهمها؛ "أوفياءٌ لدماء الشهداء"، متوعداً أنّه سيعيد لتونس مجدها، وسيمضي في تركيز دعائم دولة القانون والعدل.

خاض تجربته في الوصول للرئاسة بإمكانيات محدودة اعتمد فيها على أموال المتطوعين من الشباب

المرشح المستقل وأستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد استطاع، ومن دون "ماكينة" حزبية أن يتصدر نتائج استطلاعات الرأي وتقديرات هيئة الانتخابات الأولية، ليمرّ للدور الثاني، مع المرشح الحزبي نبيل القروي، الذي يقبع في السجن منذ 23 آب (أغسطس) 2019، مطيحاً بأبرز مرشحي الأحزاب الكبرى، على غرار رئيس البرلمان بالنيابة ومرشح حركة النهضة الإسلامية ذات الثقل السياسي الكبير، عبد الفتاح مورو، ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، ووزير الدفاع، المرشح المستقل، عبد الكريم الزبيدي، الذي تلتف حوله مجموعةٌ من الأحزاب الحداثية.
المرشح المستقل استطاع من دون "ماكينة" حزبية أن يتصدر نتائج استطلاعات الرأي

الرجل الآلي
يُلقب أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد بـ "الروبوكوب؛ أي الرجل الآلي" ويتحدث اللغة العربية في جميع مداخلاته باسترسال، تحوّل في بعض الأحيان إلى موضوع تندّرٍ بين نشطاء التواصل الاجتماعي، وحرص على أن تكون حملته معتمدةً على التواصل المباشر مع الناخبين.

صعود سعيّد غير المتوقّع شكل صدمة لباقي المرشحين الذين أنفقوا ملايين الدولارات على حملاتهم

صعوده غير المتوقّع شكل صدمةً لباقي المرشحين الذين أنفقوا ملايين الدولارات على حملاتهم الانتخابية، التي تستوجب، بحسب مراقبين، ضرورة إعادة قراءة معمقة لمفهوم الخطاب الاتصالي في برامج الأحزاب وخطابها السياسي.
سعيّد خاض تجربته في الوصول للرئاسة بإمكانيات محدودة، اعتمد فيها على أموال المتطوعين من الشباب، وملصقات وصور دعائية (الفلاير) بمبالغ صغيرة جداً، رافضاً للتمويل العمومي الذي تمنحه الدولة للمرشحين للقيام بحملاتهم الانتخابية، وقد برّر ذلك بأنّها تقتطعه من أموال الشعب.

اقرأ أيضاً: التونسيون يقلبون الطاولة على "النهضة" والطبقة السياسية
الباحث علي الفالحي، يرى أنّ قيس سعّيد جاءت به فكرةٌ ومشروعٌ انطلقا بعد 2011، وأنّ المتطوعين الأوائل لهذا البرنامج ليسوا قيس سعيّد بل مجموعة من المهندسين اليساريين الذين يرفضون الحالة الذهنية لليسار الحالي، ويرفضون انتهازية النخبة الحالية، على حد تعبيره، "حيث تم تأسيس نواة عملٍ تحت اسم "تونس الحرة"، اعتمدوا فيها على فلسفةٍ جديدةٍ، بعيداً عن المشهدية الفلكلورية الاستعراضية، لأنّهم كانوا ينصتون للواقع وأحسنوا التموضع فيه، تقوم على سياسة القرب، كالمقاهي، والمعاهد والجامعات وغيرها، وقد ساهم في نجاحه البعد عن مهاترات الأيديولوجيا".

الفالحي: مجموعة متطوعي سعيّد لم تهدر وقتها في تشويه الخصوم كما فعلت كل الفصائل السياسية المترشحة

وأضاف الفالحي، في حديثه لـ "حفريات"، أنّ هؤلاء الشباب المتطوعين لم يحاولوا تغيير الواقع بل استجابوا لانتظاراته وفهموا تطلعاته، و"استوعبوا أنّ مشكلة التونسي ليست المساواة في الإرث ولا المسائل الهوياتية، فاعتمدوا فلسفة "الهرم المقلوب"، الذي يبدأ بفهم انتظارات الواقع ثم بلورة مشروعٍ وشخصية تكون ملائمة له، وليس العكس بإسقاط مشروع أو شخصية"، لافتاً إلى أنّ هذه المجموعة من المتطوعين "لم تلجأ طيلة حملتها، كما قامت محموعاتُ النهضة (يمين)، والجبهة (يسار)، والشاهد (علماني)، بالسب والشتم للمنافسين، بل كانت ملتزمةً بالضوابط الأخلاقية، ولم تهدر وقتها في تشويه الخصوم، كما فعلت كل الفصائل السياسية المترشحة".
وُصف سعيّد أيضاً بكونه مرشح النخبة التونسية المتمثلة خاصّةً في الشباب، الذين توافدوا على مراكز الاقتراع لاختياره رئيساً لهم، كأملٍ أخير، في الانتصار لمطالب مؤجلةٍ رفعوها منذ العام 2010، خلال ثورة كانون الثاني (يناير)، عزّز ذلك إطلالاته غير المتكلفة ومداخلاته الإعلامية كخبير في القانون الدستوري.
ويرى مراقبون أنّ هذا الانتصار غير المتوقع، الذي شكّل صدمةً للرأي العام، أحدث زلزالاً غيّر تضاريس الخريطة السياسية بإسقاط المنظومة الحزبية الحاكمة، أو ما يصفها الإعلام التونسي  "بالسيستام"، فظهر المرشح المستقل برداءٍ الوفاء لمبادئ الثورة وشعاراتها.
تونس تجري ثاني انتخابات رئاسية منذ ثورة يناير 2011

مشروعٌ يثير مخاوف الحقوقيين
قبل صدور نتائج الجولة الأولى من الانتخابات، لم يكن سعيّد سوى رجلٍ مثقفٍ بسيطٍ كل ما يملكه شقةً في أحد الأحياء الفقيرة بالعاصمة تونس، ليتحوّل فجأةً إلى مهربٍ لشباب عانى البطالة والتهميش لعقودٍ، وتجنباً لأيّ اتهاماتٍ، شدّد في أكثر من مناسبةٍ على أنّه لا يرغب في القصور والمآدب الفاخرة، وأنّ قراره خوض الانتخابات الرئاسية ليس سوى تلبية لنداء الواجب ومواجهة المنظومة الحزبية.

اقرأ أيضاً: شعارات "الإخوان" في رئاسيات تونس.. تزوير للتاريخ وتلاعب بالرأي العام

ولئن عرف سعيّد طريق قصر قرطاج، بخطابٍ شعبي قريبٍ إلى قلوب التونسيين الذين منحوه الثقة، بعد الوعود التي راحت هدراً مع تسع حكوماتٍ بعد "ثورة يناير"، فإنّ خطابه السياسي ما انفك يثير جدلاً في الأوساط السياسية والحقوقية، بدايةً من موقفه الرافض للمساواة، فضلاً عن وعوده باسترجاع ثروات البلاد وخيراتها، متوعداً بأن تسترجع تونس سيادتها وثرواتها المنهوبة، حتى إعلانه نيّة إلغاء الانتخابات التشريعيّة إذا وصل إلى قصر الرئاسة، الأمر الذي يخشاه الحقوقيون وجُلّ السياسيين.

يرى مراقبون أنّ هذا الانتصار شكّل صدمةً للرأي العام وأحدث زلزالاً غيّر تضاريس الخريطة السياسية

في هذا السياق، يرجّح المحلل السياسي، محمد بوعود، في حديثه لـ "حفريات"، أنّ تتغير هذه المواقف و"تصبح أكثر عقلانية؛ لأنّ مواقف رؤساء الدول تختلف كثيراً عن مواقف الناشطين السياسيين، والمرشحين الرئاسيين أو البرلمانيين، في انتظار حسمه موقفه من مسألة الإعدام التي لم يحسمها بعد".
ويتابع بوعود: يبدو تبعاً لهذه المواقف، أنّ الأستاذ الجامعي، قد جهل عن وعي أو قصد الصلاحيّات المحدودة التي يمنحها الدستور لرئيس الجمهوريّة، لاسيما أنّه يفتقد حزاماً حزبياً أو كتلةً برلمانيّة تعزز قدرته على المناورة والقيام بتحالفات لتفعيل الحدّ الأدنى ممّا يُحلم به في حملته، وهو الذي صدح صوته بين صفوف الطلاب في الكليات حول مضمون الدستور.
ورغم اختلاف القراءات حول صعوده، وحظوظ نجاحه في أداء مهامه كرئيسٍ، فقد التقت جميعها حول نجاحه في تلقين خصومه درساً عجز المراقبون عن فك شفرة رموزه، في حربٍ اتصالية لم يبذل فيها سعيّد وأنصاره جهداً كبيراً.
قيس سعيد حال صدور النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية وتصدر اسمه

خطّ الثورة المنسيّة
يؤكد كل من التقتهم "حفريات" ممن انتخبوا سعيّد، أنّه "الرجل الأصدق" بين المرشحين الـ26، وأنّه قريبٌ من الشعب، ويعي تماماً كل ما يعانيه، كما يعرف جيداً متطلبات الفئة المهمشة والفقيرة، ويشعر بمعاناتهم، لذلك اختاروه أملاً بتحقيق أهداف الثورة التي دفنت على امتداد تسع سنواتٍ، تولت خلالها تسع حكومات حكم البلاد، دون فائدة.

رفض سعيّد التمويل الذي تمنحه الدولة للمرشحين للقيام بحملاتهم الانتخابية مبرراً ذلك بأنّها تقتطعه من أموال الشعب

وشدد الطبيب عارف عزيزي من محافظة سيدي (وسط غرب تونس) وهو أحد القائمين على حملة سعيّد طوعاً، على أنّ "صدق مرشحهم ونظافة يده، وتواضعه إلى جانب التصاقه بهموم الناس، كانت أكثر الأشياء التي جعلتهم يقفون معه ويدعمونه، ويحرصون على إنجاح حملته."
وأضاف عزيزي في تصريحه لـ "حفريات"، أنّ برنامج سعيّد يقوم على "التأسيس الجديد، أي القطع تدريجياً مع منظومة الحكم القائمة، وتغييرها بنظامٍ جديدٍ، تكون فيه السلطة بيد الشعب، الذي سيصبح اللاعب الأساسي في اللعبة السياسية وفي حكم بلاده، ومن نقاط برامجه؛ تخليص البلاد من "الاستعمار الخفي"، والتركيز على الحكم المحلي، عبر تغيير آلية الانتخاب في التشريعية، وحل البرلمان لفائدة المجالس المحلية، مشيراً إلى أنّه سيعمل أيضاً على "تغيير منظومة التشريع، وبعض القوانين".

للمشاركة:

كيف يمكن قراءة الهجوم على أرامكو السعودية وتداعياته على المنطقة؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-09-17

تتعدّد الروايات والسيناريوهات حول الجهة التي تقف وراء الهجوم الذي تمّ تنفيذه السبت الماضي على منشآت نفطية تتبع لأرامكو، شرق المملكة العربية السعودية، بقيق وخريص، وتتراوح بين إعلان جماعة أنصار الله الحوثية اليمنية التي تشكّل أحد أبرز وكلاء الحرس الثوري في المنطقة، مسؤوليتهم عن العملية، وتنفيذها بعشر طائرات مسيرة، واتّهام الحشد الشعبي العراقي بالمسؤولية، وما تبعه من نفي عراقي رسمي، رغم تزامن العملية مع اكتشاف طائرة مسيَّرة في أجواء الكويت فوق القصور الأميرية.

اقرأ أيضاً: استهداف السعودية بندٌ إيرانيٌّ ثابت
فيما ذهبت اتهامات أمريكية وغربية إلى أنّ للحرس الثوري الإيراني مسؤولية مباشرة عن العملية، بإطلاق صواريخ "كروز"، وأكثر من عشرين طائرة مسيَّرة، من الأراضي الإيرانية مباشرة إلى "بقيق وخريص" السعوديتين؛ حيث أصابت أهدافها في المنشآت النفطية؛ حيث أكّد وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، أنّ لدى الولايات المتحدة ما يكفي من الأدلّة على هذا الاتهام.
وبمعزل عن الجهة التي نفذت العملية؛ سواء أكانت من قبل الحرس الثوري مباشرة، أو من خلال وكلائه، خاصّة الحوثيين، فالمرجح مسؤولية إيران عن الهجوم، التي ما برحت تصرّح بأنّها لن تسمح بحرّية إمدادات النفط وعبوره من منطقة الخليج مع استمرار منعها من تصدير نفطها.

بمعزل عن الجهة المنفذة للعملية سواء نفذها الحرس الثوري مباشرة أو من خلال وكلائه فالمرجح مسؤولية إيران
ويبدو، وفق كثير من التحليلات المرجَّح صحّتها، استبعاد أن يكون الحوثيون وراء العملية، وفق سيناريو تسيير طائرات مسيرة من شمال اليمن إلى المنطقة الشرقية في السعودية؛ حيث تخضع الحدود السعودية اليمنية لرقابة شديدة، وربما أقصى ما يستطيع الحوثيون الوصول إليه من أهداف سعودية، هي المناطق الحدودية في جنوب السعودية، التي تمّ استهدافها مراراً في مطار أبها ونجران وغيرها من المناطق ذات الطبيعة المدنية، وربما تمّ إدخال أجزاء من تلك الطائرات إلى السعودية، وإعادة تركيبها وإطلاقها، خاصة أنّ إعلان الحوثيين زعم أنّ هناك جهات داخل السعودية، قدّمت "دعماً لوجستياً لإتمام العملية".

ثبوت سيناريو مسؤولية الحرس الثوري المباشرة عن العملية يعني دخول الصراع في المنطقة مرحلة جديدة

أما سيناريو أن يكون الحشد الشعبي العراقي هو المسؤول عن العملية؛ فيبدو ضعيفاً لا تدعمه أدلة كثيرة، وهو ما أكّده الأمريكيون، وفي حال ثبوت سيناريو مسؤولية الحرس الثوري المباشرة عن العملية، كما جاء في الرواية الأمريكية، فإننا أمام أول عملية يقف وراءها الحرس الثوري مباشرة منذ انطلاق الأزمة، وهو ما يعني دخول الصراع في المنطقة مرحلة جديدة، تعكس اتجاهات إيرانية جديدة، مؤكَّد أنّها مرتبطة بسياقات وتطورات جديدة.
السياقات الجديدة تتجلى بتطورَين رئيسَين هما؛ الأول: إقالة مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، وانكشاف حدود سياسات وتكتيكات الرئيس دونالد ترامب في إدارة الصراع مع إيران، وفق مقاربة "حافة الهاوية" التي تستخدمها القيادة الإيرانية تاريخياً في إدارة صراعاتها، إلا أنّ ترامب يستخدمها من موقع الأقوى، وفق سياسة "العصا والجزرة"، وربما عجّلت إقالة "بولتون"، بوصفه من أشدّ أعداء إيران، والداعين لاستخدام الخيار العسكري ضدّها، في اندفاع الحرس الثوري الإيراني، للانتقال من مرحلة استخدام الوكلاء لخوض المعارك بشكل مباشر، مدركاً أنّ ردّ الفعل "الأمريكي"، مهما بلغ من القوة، لن يصل حدّ اندلاع حرب شاملة في المنطقة، وأنّ القيادة الإيرانية لديها القدرة على استيعاب أية ضربة والتكيف معها، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ أوساطاً بالحرس الثوري تتطلع لضربة "أمريكية" محسوبة، لاستثمارها بالداخل الإيراني، وإظهار القدرة على الصمود أمام "الشيطان الأكبر"، على خلفية مخاوف من انتفاضة داخلية مرتبطة بتداعيات العقوبات الاقتصادية.

اقرأ أيضاً: بعد ضرب منشآت النفط.. بهذه الطريقة ستعوض السعودية عملاءها

أما السياق الثاني: فمن غير الممكن أن يتمّ التعامل مع الضربة الإيرانية لمنشآت سعودية نفطية بمعزل عن احتمالات عقد لقاء بين الرئيسَين؛ ترامب وروحاني، ورفض أوساط إيرانية، في التيار المتشدّد والحرس الثوري الإيراني، لهذا اللقاء، وما سبقه من اتهامات في البرلمان الإيراني لجواد ظريف وحسن روحاني بـ "الخيانة"؛ على خلفية الزيارة المفاجئة لظريف إلى فرنسا؛ حيث كانت تعقد قمة السبع الكبار، وتقديرات التيار المتشدّد والحرس الثوري بأنّ مخرجات لقاء "ترامب – روحاني" المفترض لن تخدم إيران بهذه المرحلة، وستصبّ بمصلحة ترامب، في إطار استعداداته للانتخابات الأمريكية القادمة، وهدفه بالحصول على "صورة" تجمعه مع الرئيس روحاني، وهو ما يرجّح احتمالات أن تكون العملية لقطع الطريق على قمة "ترامب- روحاني"، التي أصبحت احتمالات عقدها أقلّ بعد الضربة.

من غير الممكن التعامل مع الضربة الإيرانية لمنشآت سعودية نفطية بمعزل عن احتمالات عقد لقاء بين الرئيسَين ترامب وروحاني

يبدو أنّ لدى الولايات المتحدة "معلومات" ذات طبيعة استخبارية، تتجاوز المعلومات التحليلية، سيخضع استخدامها لمتطلبات الإستراتيجية الأمريكية في إدارة الصراع مع إيران، تمّ التمهيد لها بالإعلان الأمريكي عن رفع مستوى التنسيق الأمني "تبادل المعلومات" مع السعودية، وهو ما يفسّر عدم كشف السعودية عن نتائج تحقيقاتها الأولية في العملية، والاكتفاء بالتصريح حول قدرتها على التعامل مع استهدافها، وهو ما يقلّل احتمالات ردّ عسكري أمريكي على إيران، رغم تزايد الأصوات "داخل أمريكا"، التي تطالب بردّ عسكري على التجاوزات الإيرانية، وهو ما يبدو أنّ الرئيس ترامب لن يذهب إليه، لحسابات أمريكية داخلية، فيما لا يُستبعد أن يشنّ التحالف العربي، بقيادة المملكة السعودية، ضربات "نوعية" ضدّ مراكز القيادة والتحكم الحوثية، في صنعاء ومراكز تخزين وانطلاق الطائرات المسيَّرة.

للمشاركة:

بإيعاز إيراني: المالكي يتوسّط لحلّ النزاع بين قادة الحشد الشعبي

2019-09-17

يقود رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، مساعي سياسية لرأب الصدع الحاصل بين قيادات الحشد الشعبي في العراق، لا سيما بعد تضارب الأوامر الإدارية لهيئة الحشد، ما كشف وجود "هوّة" بين رئيس الهيئة، فالح الفياض، ونائبه أبو مهدي المهندس. 

بعد سيطرته على جهاز الأمن الوطني اتهامات للفياض بمحاولات تسييس الحشد الشعبي لصالح حركتهِ السياسية والمالكي يقود المصالحة

مساعي المالكي لمصالحة الفياض والمهندس، تأتي بإيعازٍ إيراني، هدفه لملمة أوراق الحشد، سياسياً على الأقل، بعدما اطّلع الشارع المحلي على حجم الخلافات المتصاعدة بينهما.
وظهر تضارب في الأوامر الإدارية لقادة هيئة الحشد الشعبي العراقي، بعدما حمّل نائب رئيس الهيئة، أبو مهدي المهندس، في 21 آب (أغسطس) الماضي، الولايات المتحدة الأمريكية، مسؤولية استهداف مواقع ومخازن أسلحة الحشد، مهدّداً بالردّ بقوة على المصالح الأمريكية داخل العراق، فيما عدّ رئيس الهيئة، فالح الفياض، بيان المهندس تعبيراً عن نفسه، ولا يمثل الحشد.

اقرأ أيضاً: هل يسعى الحشد الشعبي لتوريط العراق مع إسرائيل لإرضاء طهران؟

وفي الخامس من الشهر الجاري، أصدر المهندس أمراً إدارياً باستحداث مديرية للقوة الجوية داخل هيئة الحشد الشعبي، وتكليف أحد الجنرالات الحشداوية بإدارتها، الأمر الذي دفع القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، إلى إلغائهِ فوراً.

صراع بين رئيس هيئة الحشد الشعبي ونائبه

أسباب الخلاف
ولتسيلط الضوء على مكامن الخلاف بين الفياض والمهندس، عزا مصدر مطّلع ذلك إلى "الهيمنة السياسية" على مفاصل الحشد الشعبي العراقي.
وقال المصدر لـ "حفريات" إنّ "نشوب الخلاف مردّه إلى طموحات سياسية يتبناها رئيس الهيئة، فالح الفياض، الذي يرأس في الوقت نفسه جهاز الأمن الوطني، ويمتلك حركةً سياسيةً، وهي حركة عطاء (7 نواب في البرلمان العراقي)، إلى استثمار الطاقات البشرية واللوجستية والمالية للحشد لصالح حركته"، مبيناً أنّ "الفياض وهو نجل زعيم عشيرة البوعامر العراقية، يخطط لتمكين أفراد عشيرته من الحشد، بعد أن مكّنهم من جهاز الأمن الوطني، من خلال أولويات التعيين السرّي لهم داخل الوظائف الحكومية للجهاز".

اقرأ أيضاً: حرب بيانات بين الحشد الشعبي والدولة: مَن الأعلى كعباً في العراق؟
ويحظى فالح الفياض بدعم إيراني كبير، بعد أن وجه نوابه في حركة عطاء إلى الانسحاب من ائتلاف النصر (بزعامة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي)، الذي دخل معه الانتخابات مؤخراً، فضلاً عن إقناعه نواباً آخرين بالانضمام إلى تحالف الفتح (بزعامة هادي العامري)، المقرَّب من طهران، ما أدَّى إلى إضعاف المقاعد النيابية لائتلاف العبادي، الذي تلاشى حلمه بالولاية الثانية لاحقاً.

المالكي يتوسط لحل النزاع بين المهندس والفياض

محاولات لقضم مصالح الفياض
ويؤكد المصدر، الذي طلب عدم كشف اسمه، أنّ "المهندس بصفته القائد الفعلي لفصائل الحشد الشعبي، يحاول قضم طموحات رئيسه الإداري، فالح الفياض، لا سيما أنّ الأول يرتبط سياسياً وعقائدياً بخطِّ ولاية الفقيه الإيرانية، وبشخصية قائد فيلق القدس، الجنرال قاسم سليماني"، لافتاً إلى أنّ "المهندس لن يسمح بهزيمتهِ، إدارياً وسياسياً وعسكرياً، أمام فصائل الحشد".

إياد علاوي يدعو لدمج الحشد والبشمركة داخل الجيش ومراقبون: هذا مستحيل لارتهان قرار الحشد بيد إيران

ويضيف المصدر: "رئيس حركة عطاء ينتمي للمحور الإيراني، بناءً على مصالح سياسية بحتة، وليس بدافع أيديولوجي، ومن الممكن أن يختلف مع طهران في حال تبدّل بوصلة المكسب السياسي، وهذا ما يخشاه المهندس في حال ارتهان فصائل الحشد لفالح الفياض"، مبيناً أنّ رئيس الهيئة "يلوذ بسدة القانون وبشخص القائد العام للقوات المسلحة، رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، لدى رفضه قرارات قادة الفصائل العسكرية، تحديداً قرارات "أبو مهدي المهندس"، كي يظهر الأمر على أنّه خلاف مهني صرف وليس سياسياً".
ويؤشر حضور المهندس داخل هيئة الحشد الشعبي (المرتبطة برئيس الوزراء)، إلى السيطرة على الفصائل المسلحة الموالية لإيران، داخل العراق، خشية قيامها بعمليات مسلحة ضد المصالح الأجنبية في البلاد، مما يجعل المهندس عامل توازن بين الحكومة وتلك الفصائل.

كتلة الإصلاح في البرلمان العراقي

المالكي يتوسّط بين الفياض والمهندس

إلى ذلك، يسعى زعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، إلى حلّ الخلاف القائم بين المهندس والفياض، خشية تطور الخلافات بين قادة الحشد الشعبي لاحقاً. 
ويقول النائب واثق المولى: إنّ "المالكي يحاول مدّ جسور الثقة ثانيةً بين أفراد قيادة الحشد الشعبي العراقي، لا سيما بعد التصدع الذي حصل مؤخراً"، لافتاً إلى أنّ "زعيم ائتلاف دولة القانون يحاول ثني المهندس عن قراراته الأخيرة المتضاربة مع الفياض والقائد العام للقوات المسلحة".
ويضيف عضو حزب الدعوة الإسلامية، لـ "حفريات" أنّ "تشتّت القرار العسكري في العراق، يضع الحكومة في حرجٍ كبير أمام المجتمع الدولي، فضلاً عن تهديد كيانية الدولة العراقية واستقرار مركزيتها"، مؤكداً أنّ "هناك استجابة بين المهندس والفياض، لوضع مصلحة الحشد أولاً".

اقرأ أيضاً: مَن سيحتوي مَن: الدولة العراقية الهشّة أم الحشد الشعبيّ؟

وتابع المولى قوله: "التضارب الإداري بين قيادات المؤسسات بشكل عام، أمرٌ طبيعي، لحساسية بعض الأفراد القائدة لهذه المؤسسة أو تلك"، مشيراً إلى أنّ "خلاف الفياض والمهندس يأتي في إطار رؤية مختلفة لمسألة هيكلة الحشد الشعبي، التي أمر بها القائد العام للقوات المسلَّحة مؤخراً".

نوّاب يرصدون "صراع الإرادات"
وفي السياق ذاته، انتقد رئيس كتلة الإصلاح النيابية صباح الساعدي، ما اسماه بـ "صراع الإرادات داخل هيئة الحشد الشعبي"، مشيراً الى ضرورة تلافي الأمور الضيقة بين قادة الحشد، كيلا ينعكس الأمر على القوات العسكرية المنضوية في الهيئة.

اقرأ أيضاً: داعش يستهدف الحشد الشعبي في العراق
ويقول الساعدي وهو رئيس كتلة برلمانية مؤلفة من (كتل الصدر والعبادي وعلاوي)، إنّ "هيئة الحشد الشعبي، تعاني من صراع الإرادات بين المهندس والفياض، وهذا ما كشفه تضارب الأوامر داخل الهيئة مؤخراً"، معرباً عن خشيته من أن "العراق ضحية للصراعات السياسية، التي من الممكن أن تنعكس على القرار الوطني".
ودعا عبر  "حفريات"، "رئيس الحكومة العراقية عادل عبدالمهدي، الى فرض هيبة السلطة على مؤسسات حكومته"، مؤكداً "رفض كتلته تدخل النزعات الحزبية في عمل الدوائر الرسمية"، كما طالب بـ "عدم تبعية أي فصيل عسكري يأتمر بأمر القيادة العراقية الى جهة معينة، وما نلحظهُ حالياً يؤكد مخاوفنا من انزلاق فصائل الحشد الشعبي الى الصراع السياسي الذي يحتدم بين قادته، وهذا ما يفرغ أوامر الدولة العراقية من محتواها".

إياد علاوي

"إيرانية" قرار الحشد الشعبي

ومن جهةٍ أخرى؛ دعا زعيم ائتلاف الوطنية، إياد علاوي، إلى دمج القوات العسكرية المتعددة في العراق داخل الجيش العراقي، وذلك ضمن إطار القيادة العامة للقوات المسلحة.
وقال علاوي في تغريدة له على "تويتر": إنّ "الحلّ الوحيد لتلافي ذلك يكمن في تشكيل قيادة عامة للقوات المسلحة تضمّ ممثلين عن البشمركة والحشد المقاتل بقيادة القائد العام للقوات المسلحة ونائبه وزير الدفاع".
وأكّد رئيس الوزراء الأسبق؛ أنّه "لا سبيل لاستقرارنا سوى بعراق واحد وجيش واحد وقرار واحد وقيادة واحدة".

اقرأ أيضاً: ثارات وتصفية حسابات داخل الحشد الشعبي
لكنّ الكاتب والمحلل السياسي العراقي، غالب الشابندر، استبعد إمكانية دمج الحشد الشعبي ضمن منظومة الجيش العراقي، أو القوات المسلحة عموماً.
وأكّد لـ "حفريات" أنّ "أيّ قرار بشأن الحشد هو قرار إيراني صرف"، مبيناً أنّ "رئيس الحكومة الحالية، عادل عبد المهدي، يتناغم بقوة مع الطروحات الإيرانية إن لم يكن منفذاً لها".
ويشير الشابندر إلى أنّ "القيادات السياسية الموالية لطهران هي من تسيطر على الحكومة العراقية، لا سيما مدير مكتب رئيس الوزراء أبو جهاد الهاشمي"، مؤكداً أنّ الهاشمي يمثل "العين الإيرانية الساهرة على سلوكيات عبد المهدي داخل السلطة التنفيذية".

للمشاركة:



الإمارات تواصل حملة الاستجابة العاجلة في المحافظات اليمنية المحرَّرة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

تواصل دولة الإمارات تقديم قوافل الإغاثة في عدد من المحافظات اليمنية، ضمن حملة الاستجابة العاجلة التي أطلقتها في مجال الإغاثة والصحة والتعليم والنظافة في اليمن، مطلع الشهر الجاري، بمناسبة عام التسامح 2019، وذلك ضمن المبادرات والمشاريع الإنسانية التي تواصل الإمارات تنفيذها عبر أجنحة العمل الإنساني في المحافظات اليمنية المحررة، منها: عدن، ولحج، وأبين، والضالع، وحضرموت، وشبوة، والساحل الغربي اليمني "الحديدة وتعز".

حملة الاستجابة العاجلة تتضمن توزيع 15 ألف سلة غذائية في كلٍّ من عدن ولحج وأبين

وتضمّن الجانب الإنساني والإغاثي في حملة الاستجابة العاجلة؛ توزيع 15 ألف سلة غذائية في كلّ من عدن ولحج وأبين، وتستهدف لإغاثة أسر الشهداء والمتضررين والأسر المتعففة، وفق وكالة "وام".

وبادرت الفرق التطوعية التابعة للهلال الأحمر الإماراتي في عدن بتنفيذ حملة الاستجابة العاجلة، منتصف شهر آب (أغسطس)، والتي شملت توزيع أكثر من 3000 سلة غذائية، استفاد منها 21000 نسمة، إضافة إلى توزيع أكثر من 80 ألف لتر من المياه الصالحة للشرب في عدد من أحياء عدن.

كما دشّن الهلال الأحمر الإماراتي حملة إغاثة واسعة في مدينة زنجبار، عاصمة محافظة أبين، ومنذ انطلاق الحملة وزعت الفرق التطوعية التابعة للهيئة أكثر من 2000 سلة غذائية، استفاد منها 14000 نسمة، وما يزال تسيير القوافل وتوزيعها مستمر.

وفي هذا السياق، قال خالد إبراهيم، منسّق المنظمات الإغاثية في محافظة أبين: إنّ "دولة الإمارات بدأت حملة استجابة عاجلة تتمثل بمواد إغاثية وتوفير الأدوية لمستشفيات المحافظة، وتدشين حملة نظافة واسعة، ومواساة أسر الشهداء والجرحى، وتقديم المساعدات لهم"، معرباً عن تقديره وامتنانه لهذه المساعدات.

من جانبهم، أعرب المواطنون المستفيدون عن فرحتهم وسعادتهم بوصول الحملة الإغاثية التي تنفّذها دولة الإمارات في محافظة أبين.

بدوره، سيّر الهلال الأحمر الإماراتي قافلة إغاثية إلى منطقة الخداد بمديرية تبن في محافظة لحج، تعدّ أول إغاثة تصل إلى المنطقة.

وتواصل هيئة الهلال الأحمر الإماراتي توزيع المساعدات الإغاثية والغذائية في محافظة حضرموت؛ حيث وزعت الهيئة 1115 سلة غذائية، استفاد منها 5575 نسمة من الأسر الفقيرة والمحتاجة؛ في الديس الشرقية، ومناطق دمون والفجيرة بمديرية تريم بالوادي، ومناطق الغرف والردود وشريوف بمديرية تريم بوادي حضرموت.

المواطنون يعبّرون عن فرحتهم وسعادتهم بوصول الحملة الإغاثية التي تقوم بها الإمارات في اليمن

كما وزّعت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي مساعدات غذائية على ذوي الدخل المحدود، بمنطقة عريض آل الشيخ في مديرية مرخة السفلى بمحافظة شبوة، وذلك في إطار جهودها الإنسانية والإغاثية التي تبذلها على مختلف الأصعدة، لمساعدة الأشقاء في اليمن والتخفيف من معاناتهم وتحسين ظروفهم المعيشية.

وقام الهلال الأحمر الإماراتي بتنفيذ حملات إغاثية لمساعدة متضرري السيول في الساحل الغربي؛ حيث وزّعت الفرق التطوعية 180 ألف سلة غذئية استفاد منها مليون و260 ألف نسمة في الساحل الغربي اليمني، منذ بدء عام التسامح 2019، حتى شهر أيلول (سبتمبر) الجاري.

يذكر أنّ إجمالي السلال الغذائية التي تمّ توزيعها منذ انطلاق عام التسامح 2019 حتى شهر ايلول (سبتمبر) الجاري أكثر من 320 ألف سلة غذائية، استفاد منها مليونان و240 ألف نسمة في مختلف المحافظات اليمنية المحررة.

 

للمشاركة:

نصف مليار شخص في العالم محرومون من الصحة والتعليم.. تقرير دولي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

كشف تقرير دولي؛ أنّ نحو نصف مليار شخص في العالم ما يزالون محرومين من أساسيات الصحة والتعليم.

وأظهر تقرير أعدته مؤسسة "بيل وميليندا جيتس"، اليوم؛ أنّه "رغم مكاسب التنمية التي تتحقق في العالم باطراد، فإنّ محل الميلاد ما يزال أهم عامل للتكهن بصحة أيّ مولود، والوضع يكون أصعب إذا كان المولود أنثى، بغضّ النظر عن مكان الولادة"، وفق ما نقلت وكالة "رويترز".

الفجوات بين الدول وبين الجنسَيْن تثبت أنّ الاستثمارات العالمية في التنمية لا تصل للجميع

وقال التقرير، الذي يرصد تطورات الحدّ من الفقر وتحسين الصحة: "الفجوات بين الدول والمناطق وبين الفتيان والفتيات تثبت أنّ الاستثمارات العالمية في التنمية لا تصل للجميع".

وكشف التقرير؛ أنّه "رغم المكاسب التي تحققت في إتاحة التعليم للفتيات، فإنّ فرص المرأة في الحياة ما تزال مرهونة بالأعراف الاجتماعية والقوانين والسياسات التمييزية والعنف على أساس النوع".

وقالت الرئيسة التنفيذية للمؤسسة، سو ديزموند هلمان، في مقابلة تناولت نتائج التقرير: إنّ "التحذيرات الأبرز هي المخاطر المتعلقة بالنوع والجغرافيا".

وأشارت إلى بيانات في التقرير تظهر، على سبيل المثال؛ أنّ عدد الأطفال الذين يموتون في تشاد يومياً، يفوق عدد الأطفال الذين يموتون سنوياً في فنلندا! وأنّه في الوقت الذي يصل فيه متوسط التعليم في فنلندا إلى الالتحاق بالجامعة، فإنّ الطفل العادي في تشاد لا ينهي تعليمه الابتدائي.

وتابعت: "النوع ما يزال عاملاً سلبياً كبيراً، يؤثر على المساواة؛ لذلك فإن معالجة عدم المساواة بين الجنسين هو أهم شيء".

عدد الأطفال الذين يموتون في تشاد يومياً يفوق عدد الأطفال الذين يموتون سنوياً في فنلندا

وأضافت: "إذا كان المولود أنثى في أحد أفقر الأنحاء في إفريقيا، فإنّ الموقع الجغرافي لن يكون في صالحها أيضاً".

واستطردت: "لا يمكن قبول أن تكون احتمالات وفاة الطفل في تشاد أعلى 55 مرة من مثيلتها في فنلندا".

يذكر أنّ مؤسسة "جيتس" تصدر هذا التقرير سنوياً؛ لرصد التطور في تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة التي تشمل الحدّ من التمييز والفقر وتحسين الصحة على مستوى العالم، بحلول عام 2030.

 

للمشاركة:

قوات الجيش اليمني والتحالف تهاجم تمركزات الحوثيين في هذه المناطق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

شنّت قوات الجيش اليمني وتحالف دعم الشرعية هجوماً برياً وجوياً على مواقع حوثية بمحافظة حجة، شمال غرب البلاد، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من عناصر الميليشيات الإرهابية.

مدفعية الجيش الوطني تستهدف مواقع وتعزيزات للميليشيات الإرهابية شرق مديرية حيران

وذكر المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية، في بيان؛ أنّ مقاتلات التحالف استهدفت مجاميع حوثية في عزلة بني حسن، شمال مديرية عبس، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الميليشيات.

ونقل البيان عن مصدر عسكري؛ أنّ مدفعية الجيش الوطني استهدفت مواقع وتعزيزات للميليشيات الانقلابية، وتمكّنت من تدمير رتل لعناصر حوثية شرق مديرية حيران، إضافة إلى تدمير آليات قتالية بينها "مدفع" شرق حيران".

يأتي ذلك غداة سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف الميليشيات الحوثية الانقلابية، في عملية إفشال هجوم شنّته عناصرهم على محاور مختلفة في حيران وعبس وحرض، بمحافظة حجة.

وأكّدت مصادر ميدانية؛ أنّ قوات الجيش الوطني أفشلت محاولات الهجوم الحوثية، وأجبرت عناصر الميليشيات على التراجع والفرار.

طيران تحالف يستهدف تمركزات ميليشيات الحوثي الإرهابية في محورَي عبس وحرض

واستهدف طيران تحالف دعم الشرعية عدة مواقع تتمركز فيها ميليشيات الحوثي في مديرية حرض، ودمر أطقماً كانت تحمل تعزيزات وذخائر ومنصة إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة حوثية في محوري عبس وحرض.

وكانت قوات الجيش اليمني، مسنودة بتحالف دعم الشرعية، قد أطلقت، نهاية الشهر الماضي، عملية عسكرية على مشارف مدينة حرض الحدودية، أسفرت عن تحرير نحو عشرين قرية متاخمة للمدينة، وأسر ٢٣ عنصراً حوثياً، وخسائر فادحة تكبدتها الميليشيات في العتاد والأرواح .

 

للمشاركة:



لماذا بقيق؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

سوسن الشاعر
الهجوم على "بقيق" في المملكة العربية السعودية يؤكد ثلاث حقائق مهمة، الأولى حجم الضغط الحقيقي الذي تشعر به إيران، والحقيقة الثانية أن أذرعها "العربية" أينما كانت هم جيش إيراني بامتياز، أما الحقيقة الثالثة علينا تجاهل تصريحات المسؤولين الإيرانيين وإعلامها تماماً، فتلك لا تزيد عن بروباغندا أجادتها إيران لفترة من الزمن وانتهت صلاحيتها، أما الحقيقة الأخيرة والأهم فهي أن المملكة العربية السعودية ترد بهدوء بأنها قادرة على تعويض النقص الذي تحتاجه الأسواق النفطية، وهنا بيت القصيد!!

مجرد أن تعلم إيران قامت باستعداء عالمي لا أمريكي فحسب حين أوعزت لوكلائها سواء كانوا في اليمن أو العراق أن يهاجموا معامل النفط في السعودية، فتأكد أنها متضررة داخلياً بشكل كبير ومربك بالنسبة لنظامها، خاصة مع اقتراب احتمال اجتماع روحاني وترامب على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، لأنها تعلم أنها بهذا الفعل تقوض المبادرات الفرنسية التي تحاول إنقاذها وتخليصها، وأنها تحرج ماكرون الذي يحاول أن يعيد تسويقها من جديد، ومع ذلك لا تبالي بهذه النتائج، فقيامها بهذا الفعل يؤكد أن صبرها، الذي جعلها تبدو هادئة وغير متأثرة منذ بدأ تنفيذ العقوبات إلى الآن، قد بدأ ينفد، وأن العقوبات بدأت تؤثر بالفعل على الداخل.

فصادراتها النفطية تقلصت من ثلاثة ملايين برميل إلى 300 ألف برميل يومياً، والعقوبات تخنق صادراتها من التعدين أيضاً، وتطال مساراتها المالية التي تغذي بها وكلاءها "العرب"، فلا يخلط الأوراق بهذا الشكل من كان مسترخياً كما يدعي وغير متأثر كما يروج، أنها تضعف أوراقها التفاوضية وتقيد حلفاءها.

الحقيقة الثانية هي "الجيش العربي" الذي يقع تحت قيادة إيرانية يقود حرباً على المملكة العربية السعودية من العراق ولبنان واليمن، مطلقاً صواريخ إيرانية وطائرات إيرانية مسيرة لا تحدث أضراراً كبيرة ولكنها تحدث عملية استنزاف طويلة الأمد وقليلة الخسائر على الطرف الذي يقودها، والأهم أنها تحدث ضجة أكبر على المستوى الإعلامي، وهذا ما تلعب به إيران أي حرب "البروباغندا".

في نهاية المطاف نعود للحقيقة الأهم من هذا كله، إيران تحاول أن تحدث نقصاً في الإمدادات النفطية، والمملكة العربية السعودية تعرف ذلك جيداً وتملك من النفس الطويل والهدوء في ردة الفعل مما يبطل مفعول جميع هذه المحاولات.

تحاول إيران أن تحدث نقصاً في السوق النفطية من أجل الضغط على ترامب لدفعه للتفاوض والإسراع بقبول العروض الإيرانية، لذلك تسارع المملكة العربية السعودية بنفي أي تأثر وتعويض السوق بالسرعة المطلوبة، فهذا هو الاتفاق الذي يضمن استمرارية العقوبات والضغط على إيران.

ما يهمنا ويهم المملكة العربية السعودية أن تستمر العقوبات الاقتصادية، وأن نوسع دائرة التحالفات حتى لا تتم عملية الاختراقات التي تعمل عليها إيران.

الوقت في صالحنا ولسنا من يتعرض للضغوطات، لذلك ضبط النفس والنفَس الطويل هما أهم الأدوات التي نحن بحاجة لتعزيزها.

عن "الوطن البحرينية"

للمشاركة:

الملالي وطوق النجاة: ارتهان أمن المنطقة بمنطق الميليشيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

يوسف الديني

أصبحت كل أزمات المنطقة مرتبطة بشكل جوهري بوضعية دولة الملالي في طهران التي ترسل أذرعها لتهديد المنطقة عبر الميليشيات التي تدعمها في العراق ولبنان، وبشكل مركز الآن في اليمن من خلال ميليشيات الحوثي.
تركز إيران على استراتيجية نقل المعركة إلى الخارج لتخفيف أزمتها مع المجتمع الدولي في الملف النووي، مستغلة أنه لا يأبه بغير المصالح الاقتصادية. ربما لهذا السبب تحديداً تدرك دولة الاعتدال وفي مقدمتها السعودية أن دولة الملالي، الراعية للإرهاب في المنطقة والمتحالفة مع دول التصعيد ضد استقرار ومنطق الدولة وفي مقدمتها تركيا وذراعها الإعلامية قطر - «الجزيرة» -، تحاول إدارة أزمتها عبر استثمار حالة «الفزع» التي يعيشها المجتمع الدولي تجاه ملفات المنطقة وحضيض الوضع الأمني والاقتصادي وانتعاش الميليشيات، إذ يحاول الملالي في لغتهم مع الدول الأوروبية الضعيفة أمام إمدادات النفط استخدام الشعارات البلاغية في إيصال حقيقة لطالما بشروا بها وهي تفجير الأوضاع في المنطقة واللعب على إمدادات النفط، وكان آخرها، نقل تصعيد ميليشيا الحوثي من الصواريخ إلى الطائرات المسيرة التي قاموا بتدريبهم عليها، بسبب قدرتها على التخريب بأقل الإمكانات في ظل صمت المجتمع الدولي عن إعادة موضعة الميليشيا كمنظمة إرهابية، وليس كطرف نزاع حتى بعد تغير الأوضاع في اليمن واختطاف الدولة وتغيير هويتها السياسية، فإيران تعتبر نفسها كياناً ثورياً عابراً للقارات محكوماً بمنطق الميليشيات والحرس الثوري، وليس الدولة التي تداعب أحلام الدول الأوروبية حول صيغة توافقية في ظل ارتباك البيت الأبيض في اتخاذ خطوات حاسمة تجاه الوضع في إيران، بسبب عامل الوقت والانتخابات. الملالي يرون في المنطقة جغرافيا يجب حرثها من جديد عبر التخريب، بحيث لا تبقى مستقرة في حال انهيارهم الداخلي أو قدرتهم على جر المنطقة إلى حرب كبرى لا يريدها أحد.
في السياسة لا مجال للعاطفة أو التحليل المبني على معطى رمزي عادة ما يتم الحديث عنه بنرجسية بالغة، وهو الوطن العربي الكبير الذي تحول إلى أوطان مهددة بانقسامات صغيرة وهشة، واللافت في الموضوع أن رمزية «الوطن» غير المقسم وبطريقة عاطفية هي الحجة التي يرفعها أنصار الشرعية في اليمن، لكنه لم يرتق إلى مستوى الحتمية التي يجب الحفاظ عليها عبر مصالحة شاملة بين كل الأطراف، خصوصاً الفاعلين في الجنوب الذين لا يرون أبعد من تجاوز إخفاقات صالح في إدماجهم بعد الوحدة القسرية.
الأكيد أن سيناريو التقسيم هو هدف ميليشيا الحوثي والملالي لتفرد ذراعهم بالشمال وتهديد أمن المملكة، وهو ما تدرك السعودية مبكراً خطورته، كما تدرك بالتالي مسؤوليتها في حث الفاعلين في الجنوب على المصالحة، وإيجاد صيغة تفاوضية عادلة تمكنهم من اقتسام السلطة دون استئثار الشمال الذي اتخذ أشكالاً متعددة من رحيل الاحتلال البريطاني.
المعطيات الجديدة التي أفرزتها لنا الأزمة اليمنية التي لعب فيها صمت المجتمع الدولي وتباطؤه وتقاعسه عن طرح حلول جادة أو التفكير خارج صندوق المصالح الضيقة تبدو كارثية جداً، ويوماً بعد يوم تزداد الفجوة بين الأطراف المؤثرة في اليمن بسبب حالة الشره السياسي، وتركة صالح الثقيلة من الانقسام وضعف مستوى النخبة السياسية، وهي معطيات لا يمكن للتحالف تحمل مسؤوليتها دون اليمنيين.
يجب على الفاعلين في اليمن الخروج من ثنائية منطق القوة والغنيمة، من خلال التأثير على وضعية الداخل عبر استثمار التقدم على الأرض كل في سبيل أجندته السياسية وليس الوطن الواحد الموحد، ومن هنا فإن الانفصال بين «الثوار» أو المقاتلين الفاعلين على الأرض، وبين من يتحدثون باسمهم في الخارج، يبدو كبيراً في حالة قد تلقي بظلالها على مستقبل اليمن بشكل جذري وغامض.
النظام الإيراني يهمه نفوذه وسلطته في المنطقة أكثر من وضعيته المتراخية مع المجتمع الدولي التي يلعب فيها على عامل الزمن، وفيما يخص اليمن يحرص على تقوية وضعية ذراعه في الشمال عبر سيطرة ميليشيا الحوثي على أكبر قدر من الأرض، واستمرار تهديدها العبثي والفوضوي للتخفيف على إيران مما يعرض أمن منطقة الخليج إلى حالة التهديد الدائم، لكن ما لم يدركه الملالي في ظل هذا الصلف والتمادي هو أن الوضع الآن انتقل من تهديد أمن الملاحة الدولية إلى إمدادات النفط التي لا يمكن التعامل معها بذات الوضعية المتراخية للملف النووي، وهو ما يعني المزيد من فرص الانقسام في اليمن، ليس بفعل وضعية التحالف، وإنما نتيجة أخطاء فادحة من التيارات السياسية والفاعلين الذين لا يفكرون أبعد من أرنبة مصالحهم.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

نصرالله "قائم مقام" علي خامنئي وحامل سيفه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

هشام ملحم

في ذكرى عاشوراء، جدد الأمين العام لـ "حزب الله" اللبناني حسن نصرالله ولاءه وولاء حزبه المطلق للجمهورية الإسلامية في إيران، ونصّب قائدها آية الله علي خامنئي، "حسين" هذا الزمان، وشبّه النزاع السياسي والاستراتيجي بين إيران ومحورها والولايات المتحدة وحلفائها، "بمعركة الحق والباطل، وفي معركة الحسين ويزيد."، مشددا على أنه لا حياد في مثل هذه المعركة الوجودية.

وغالى نصرالله في لغته الغيبية حين قال "نحن من لبنان نقول للعالم إن إمامنا وقائدنا وسيدنا وعزيزنا وحسيننا في هذا الزمان هو سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي دام ظله، وأن الجمهورية الإسلامية في إيران هي قلب المحور... نرفض أي مشروع حرب على الجمهورية الإسلامية في إيران، لأن هذه الحرب ستشعل المنطقة، وتدمر دولا وشعوبا، ولأنها ستكون حربا على كل محور المقاومة".

تحدث نصرالله وكأنه مَرْزُبان (حاكم ولاية فارسية) وهذا المفهوم أو التقليد السياسي ـ الإداري لحكم الولايات البعيدة، الذي أتقنته الامبراطورية الفارسية القديمة، يعرف الآن بالإنكليزية بكلمة Satrap التي دخلت إلى اللغة الإنكليزية في القرن الرابع عشر، بعد أن عبر أصلها الفارسي في تنويعات إغريقية ولاتينية وفرنسية.

وهذا الأسلوب الفارسي القديم للحفاظ على المقاطعات المختلفة للإمبراطورية، يعرفه اللبنانيون في تاريخهم الحديث بمنصب قائم مقام في الدولة العثمانية، أي قائم مقام الباب العالي.

حروبنا الأهلية وحروب الآخرين

الحروب التي شهدها لبنان منذ 1975، والتي لم تنته حتى الآن بسلم حقيقي ووفاق وطني قابل للحياة، كان لها أسباب سياسية واقتصادية واتسمت، بسبب طبيعة النظام السياسي والتركيبة الاجتماعية للبلاد، بأبعاد طائفية ومذهبية، واكتسبت أبعادا إقليمية زادتها تعقيدا، بسبب الوجود الفلسطيني في لبنان والنزاع العربي ـ الإسرائيلي، وتنافس، لا بل تصارع دول المنطقة فوق أرض لبنان وإن بأدوات لبنانية.

معظم الحروب الأهلية، وخاصة تلك التي لا تحسم بسرعة وتتصارع فيها أطراف عديدة وتطول لسنوات، تؤدي حتميا إلى تورط جيرانها فيها.

وحدها الحرب الأهلية الأميركية (1861 ـ 1865) من بين الحروب الأهلية الكبيرة في القرنين الماضيين، والتي انتهت بغالب ومغلوب بعد سقوط 750 ألف جندي، لم تتدخل فيها دول أخرى لأن أميركا محاطة بمحيطين ضخمين في الشرق والغرب ودولتين أضعف منها في الشمال والجنوب، كندا والمكسيك.

ولكن الحرب الأهلية الإسبانية (1936 ـ 1939)، التي أدت إلى مقتل نصف مليون نسمة، هي النقيض للحرب الأميركية، لأن دولا أوروبية مثل ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية والبرتغال أرسلت عشرات الآلاف من الجنود للقتال إلى جانب المتمردين اليمينيين وحلفائهم المحافظين، بينما أرسل الاتحاد السوفياتي مئات الجنود والطيارين للقتال إلى جانب الحكومة الجمهورية اليسارية (جوزف ستالين لم يفعل ذلك تضامنا مع اليسار، بل لقاء كميات كبيرة من احتياط الذهب الاسباني).

وانضم إلى الجمهوريين اليساريين أكثر من 40 ألف متطوع أجنبي حاربوا كألوية دولية، من بينهم حوالي 2800 أميركي نظموا أنفسهم باسم "لواء لينكولن" تيمنا بالرئيس أبراهام لينكولن.

القتال الشرس الذي جرى بين هذه القوات (من بينها أكثر من سبعين ألف جندي مغربي بأمرة الجنرال يسيمو فرانسيسكو فرانكو، شكلوا في بداية الحرب رأس الحربة للمتمردين) حوّل اسبانيا إلى مسرح اقتتال عالمي بين اليمين واليسار، كان مقدمة للحرب العالمية الثانية، التي بدأت فور انتهاء الحرب الإسبانية.

الحرب السورية في السنوات الماضية جرت وفقا "للنموذج" الإسباني، مثلها مثل الحرب اللبنانية. الدول الإقليمية ومن بينها إيران وإسرائيل وتركيا، ولاحقا روسيا، إضافة إلى عشرات الآلاف من المتطوعين "الجهاديين" والإسلاميين من سنّة وشيعة، من آسيا الوسطى إلى أوروبا حوّلوا سوريا إلى مسرح قتال إقليمي وعالمي، هو الأسوأ في القرن الحادي والعشرين.

وبعد بروز ظاهرة تنظيم "الدولة الإسلامية" تدخلت الولايات المتحدة وحلفائها لشن حرب جوية ضد هذه الظاهرة التي اقتربت وحشيتها من وحشية النظام السوري. وعند كتابة تاريخ الحرب السورية بشكل كامل، سوف يكون هناك فصلا رئيسيا حول إيران ورأس حربتها في سوريا، قوات حزب الله، التي لعبت دورا ربما مفصليا في إنقاذ نظام الطاغية بشار الأسد من الانهيار.

خصوصية "حزب الله" في لبنان

خلال الحرب اللبنانية حصلت الأطراف المتقاتلة على دعم سياسي ومالي وعسكري من دول عربية ومن إسرائيل ومن دول غربية. ولم يحدث أن تدخل أي جيش أجنبي بدعوة من طرف لبناني أو آخر، أو اجتاح جيش إقليمي جزءا من الأراضي اللبنانية، إلا ووجد طرفا لبنانيا يرحب به ويهلل لدخوله كمنقذ، ويرمي على جنوده الأرز والورد.

كانت الأطراف المتقاتلة تتمتع بمستويات مختلفة من "الاستقلالية" في تعاملها مع حماتها أو داعميها من الخارج. وفي هذا السياق لعبت "الفهلوية" اللبنانية دورا هاما في إقناع بعض الأطراف المحلية بأنها قادرة على استخدام أو استغلال القوى الخارجية كأدوات للتخلص من أعداء الداخل أو إضعافهم، ما أدى إلى نتائج عكسية وحتى كارثية.

لبنانيون راهنوا على إسرائيل، وآخرون (من لبنانيين وفلسطينيين) تعاونوا مع سوريا، آخرون فتحوا لبنان لإيران، بينما تعاون بعضهم مع العراق، وقبض آخرون من ليبيا أو من السعودية، وهكذا. اليساريون ومنظمات فلسطينية تطلعوا إلى الاتحاد السوفياتي للدعم والإرشاد، ورحب كثيرون بمجيء القوات المتعددة الجنسيات.

ولكن لم يحدث أن كان لفريق لبناني علاقة عضوية بدولة أجنبية كما هي علاقة حزب الله بإيران. إيران لم تساعد "حزب الله" كفريق لبناني سعى إليها طلبا للمساعدة؛ وإيران لم تكن حاضنة لـ"حزب الله"، لأن "حزب الله" خرج من رحمها. وهو، أي الحزب، غير قادر على البقاء دون مقومات الحياة التي توفرها إيران، من إرشاد وتوجيه سياسي ومذهبي إلى دعم مالي ومادي وعسكري ولوجستي.

وللمرة الأولى منذ الحروب الإغريقية ـ الفارسية التي استمرت لعقود قبل 500 من الميلاد، أصبحت إيران دولة متوسطية بسبب وجودها العسكري والسياسي والمذهبي في سوريا، ولأنها تهيمن على ولايتها في لبنان من خلال "حزب الله".

ضغوط أمريكية غير مسبوقة

خطاب نصرالله تزامن مع وجود مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر في بيروت. زيارة شينكر هي لمواصلة مساعي سلفه ديفيد ساترفيلد للتوسط بين لبنان وإسرائيل لمحاولة ترسيم الحدود البحرية والبرية، ولكنه حمل معه رسائل واضحة للسياسيين اللبنانيين وخاصة المتواطئين مع سياسات وطموحات "حزب الله"، إما عن قناعة أو عن خوف، وتحديدا "التيار الوطني الحر" الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون ويقوده الآن صهره وزير الخارجية جبران باسيل، بأن "تفهم" واشنطن التقليدي لمعضلة "الدولة" اللبنانية مع "حزب الله" وعجزها أو رفضها عن الوقوف، ولو رمزيا، بوجهه يشارف على النهاية.

ويؤكد المسؤولون الأميركيون، وآخرهم مارشال بيلينغسلي، مساعد وزير الخزانة لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، أن سياسة واشنطن بتقويض اقتصاد إيران وتجفيف مصادر تمويل "حزب الله" سوف تستمر وتتفاقم في المستقبل.

وفي هذا السياق سوف تدرج واشنطن للمرة الأولى شخصيات سياسية ومالية لبنانية من خارج "حزب الله" ومن خارج الطائفة الشيعية ـ في إشارة واضحة لعون وأنصاره الذين تتهمهم واشنطن بتوفير "الغطاء المسيحي" لـ"حزب الله" ـ على لائحة العقوبات.

بعض رسائل شينكر للسياسيين اللبنانيين ولقادة الجيش الذين التقاهم، وفقا لما قالته مصادر مسؤولة قبل وصوله إلى بيروت تشمل تأكيده بأن واشنطن ستؤيد أي إجراءات عسكرية تتخذها إسرائيل ضد "حزب الله" في لبنان أو قواته وقوات إيران في سوريا، وأن واشنطن "تتفهم وتتعاطف" مع قلق إسرائيل من حصول "حزب الله" على معدات وأجهزة متطورة مصممة لتحسين آداء ودقة الصواريخ الإيرانية الموجودة في ترسانة الحزب، وهو ما دفعها لإطلاق مسيرات لتدمير هذه المعدات التي وصلت إلى مقر قيادة تابع لـ "حزب الله" في الضاحية الجنوبية لبيروت. أحد الاسئلة التي طرحها شينكر هي كيف يمكن تبرير عجز الجيش اللبناني عن دخول الضاحية الجنوبية لمعاينة الأهداف التي قصفتها إسرائيل؟

وهناك جدل في الأوساط الأميركية المعنية بلبنان، بين من يدعو إلى الحفاظ على العلاقات العسكرية الأميركية ـ اللبنانية، وضرورة مواصلة تسليح وتدريب القوات اللبنانية المسلحة، وبين من يقول إن الجيش اللبناني غير قادر أو غير مستعد للتصدي، ولو بشكل خجول أو محدود، لـ"حزب الله"، ولذلك يجب أن تقلص واشنطن من مساعداتها العسكرية أو تجعلها مشروطة بإجراءات لاحتواء نفوذ "حزب الله"، وإذا لم ينجح ذلك، يتم قطع هذه المساعدات.

معقل المتشددين هو مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض. في المقابل، لا تزال القيادة العسكرية الأميركية تدعو للحفاظ على العلاقة العسكرية، لأن قطع الإمدادات الأميركية سوف يدفع بلبنان للجوء إلى سوريا وإيران. ووفقا للمطلعين على هذا الجدل، يقول العسكريون الأميركيون إن أداء الجيش اللبناني ضد "التطرف السنّي" المتمثل بعناصر تنظيم "القاعدة" أو تنظيم "الدولة الاسلامية" وخاصة في شرق لبنان كان جيدا، وإن اعترفوا بأن تصدي الجيش "للتطرف الشيعي" المتمثل بـ"حزب الله" غير وارد.

ويتبين من سلوك الدولة اللبنانية الرسمية أنها إما غير قادرة على استيعاب أبعاد هذا الجدل في واشنطن، أو أنها تعيش في حالة نكران. الصمت الرسمي للدولة اللبنانية في أعقاب خطاب نصرالله وصل دويه إلى واشنطن، قبل عودة ديفيد شينكر إليها.

لخطاب نصرالله في ذكرى عاشوراء، والذي أكد فيه تبعية لبنان للجمهورية الإسلامية في إيران، جذور قديمة ويمثل استمرارية واضحة لتفكيره ولرؤيته للبنان كولاية إيرانية. وهناك شريط قديم لنصرالله، بالأبيض والأسود ويعود ربما لسنة 1988 أي قبل قيادته للحزب، ويقول فيه بكل وضوح إن مستقبل لبنان هو أن يصبح جزءا من جمهورية إسلامية واسعة يقودها آية الله روح الله الخميني آنذاك.

أنصار "حزب الله" لا يجاهرون بهذا الشريط لأنه يحرجهم مع حلفائهم ويخيف الفئات اللبنانية الأخرى. يقول نصرالله الشاب، وبلكنة فارسية واضحة "ومشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني".

هذا هو مشروع إيران الإسلامية الإنقلابي في لبنان، وهذا ما يقوم به حسن نصرالله لتحويل لبنان إلى ولاية إسلامية يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق آية الله علي خامنئي.

أيها اللبنانيون وطنكم أسير إيران.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية