بيرم: حكاية تونسي تزعّم شعراء العامية في مصر

4950
عدد القراءات

2019-01-06

في الوقت الذي يبيع كثيرون إبداعهم من أجل أن يظفروا بلقمة هنيئة، ولباس فاخر، ومنزل فخيم، وسيارة فارهة، يختار آخرون الانحياز للفقر والبؤس اللذين خرجوا من رحمهما، كما فعل محمود بيرم التونسي في إخلاصه للطبقات المعدمة والمظلومة، فظلّ قابضاً على شقائه، وهو الشاعر العظيم، متنعماً في وطنيته، التي دفع ثمنها تشريداً وجوعاً ونفياً وتغريباً.

بدأت وهي تبكي في غناء "الحبّ كده"؛ التي كتبها لها بيرم

عندما بكت كوكب الشرق

لم تتمالك أم كلثوم دموعها، وهي على مسرح الأزبكية، وسط القاهرة، عندما مال عليها الموسيقار الكبير، محمد القصبجي، وأسرّ لها في أذنيها: "مات بيرم".

اقرأ أيضاً: النثر والشعر.. التوأمان اللدودان

كأنّ الذكريات مرت في لحظات أمام عيني "كوكب الشرق"، فضربت وجدانها بالحزن والأسى، على (التونسي) الذي لم يمهله الموت الحصول على الجنسية المصرية، العام 1960، بعد أن منحه الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية.. هزمه الربو، الذي أصابه جراء الشتات في المنافي، والصقيع والرذاذ الذي تكاثر على رئتيه، وهو يعمل حمّالاً في الموانئ.

أوقفت سيدة الغناء العربي وصلتها الثالثة من أغنيتها "يا ظالمني"، وبدأت وهي تبكي في غناء "الحبّ كده"؛ التي كتبها لها بيرم، وانساب صوتها شجياً حزيناً، يصدح بكلمات أمير شعراء العامية: "تشوفه يضحك وفي قلبه الأنين والنوح، عايش بلا روح، وحيد، والحب هو الروح، حبيب قلبي وقلبي معاه، بحبه في رضاه وجفاه".

كان من أولئك الذين يضحكون، ليمنحوا من حولهم رشفات من السعادة، وجرعات من الأمل، يحجب عن الناس ما يختلج بين أضلعه من أحزان، وما يدفنه قلبه من ذكريات حارقة، وكأنّه كان يكتب عن نفسه "تشوفه يضحك وفي قلبه الحنين والنوح".

أخرج التونسي من وجدانه المحترق زخات النار التي أحرق بها الظالمين، وأقلق مضاجعهم، منذ أن كان صبياً في الحارة، إلّا أنّ كلماته كانت تنضح بحبّ مصر، وهو المولع بكل تفاصيلها، وحواريها وأزقتها، وشمسها ونيلها وأبراجها وورودها "والنرجس مال، يمين وشمال، على الأغصان بتيه ودلال". 

يروي في مذكراته أنّه لم يستفد من "الكُتّاب" إلا الإلمام بمبادئ القراءة والكتابة فقط

محنة الكُتّاب

في حي الأنفوشي بالإسكندرية، ولد العام 1893، لأسرة من أصول تونسية، فتمنى والده أن يصبح هذا الصبي عالماً فقهياً جليلاً، فدفع به للالتحاق بكتاب الشيخ جاد الله، عندما بلغ عامه الرابع.

كانت عقدة بيرم، كما يقول، أنه "بليد في الحساب، لا يعرف كتابة السبعة من الثمانية"؛ لذا لم ينج من وطأة الفلقة في يوم من الأيام، ولم يعد يطيق الطفل هذه الحال، فذهب لأبيه ذات يوم، يرجوه أن يرحمه من قسوة الشيخ، لكنّ الأب لم يأبه، وأجبره على الذهاب، لكنّ الطفل لم يستطع أن يفكّ عقدته، حتى يئس منه والده، وأخرجه ليجلس مع أولاد عمه في دكان الحرير الذي يمتلكه.

اقرأ أيضاً: فكرة المختارات تجوز في الشعر ولا تجوز في النثر

يروي بيرم في مذكراته عن تلك الفترة من حياته، فيقول إنّه لم يستفد من الكُتّاب إلا الإلمام بمبادئ القراءة والكتابة فقط، فلم يكن للشيخ أيّ دور في تشجيعه على الثقافة، أو النهم للمعرفة، أو الاستدامة في القراءة.

حاول والد بيرم أن يعود إلى محاولة جديدة لتعليمه، فأرسله إلى مسجد المرسي أبو العباس؛ حيث المعهد الديني، الذي كان يتردد عليه أغلب أبناء تجار الحيّ، وأقبل بيرم على ما كان يلقى في هذا المعهد من دروس في نهم وشغف، لكنّه لم يكمل دراسته في هذا المعهد؛ حيث جاء موت أبيه ليوقفه عن دروسه.

قبل أن يتم 14 عاماً أصبح مسؤولاً عن الإنفاق على نفسه وأمه

بدايات مريرة

بعد أن تزوج والده للمرة الثالثة، وحكت له والدته ما يضيق به صدر صبي صغير، توالت عليه المآسي، فقبل أن يتم 14 عاماً أصبح مسؤولاً عن الإنفاق على نفسه وأمه بعد تيتمه، فاضطر للعمل صبياً في محل بقالة، بعد أن استلب أولاد عمّه حقه في ميراث أبيه، واستولت زوجة أبيه الثالثة على 5 آلاف من الجنيهات الذهبية كان يكنزها في بيتها، وعندما بلغ 17 عاماً، تزوّجت أمه، ثم ماتت بعد زواجها بفترة قصيرة، فبات طفلاً حزيناً، لا يقبل اللعب مع الأطفال، وكان يكتفي بمراقبتهم وقت اللعب.

كان بيرم يمنح من حوله رشفات من السعادة وجرعات من الأمل رغم ما يختلج فيه من أحزان

التحق بيرم بالعمل مع زوج أمّه في عمله الشاقّ؛ إذ كان يعمل بصناعة هوادج الجمال، لكن تصادف خلال هذه الفترة أن تعرف على أحد البنّائين من حفظة السيرة الشعبية، فأعجب بما يترنم به، واندفع بكل قوة نحو القراءة والتحصيل، سيما في دواوين الشعر ومدوّنات الأدب الشعبي.

تزوج بيرم مبكراً، وعاش في حجرة بمنزل والد زوجته، التي أنجب منها طفلين، هما محمد وكريمة، ثم ماتت الزوجة، ولم يعرف كيف يتعامل مع صغيريه، فاضطر للزواج مرة ثانية، بعد 17 يوماً فقط من وفاة زوجته الأولى، وأفلس محل البقالة الذي كان قد فتحه مشاركةً مع أحد الصيادين، فقرّر بيع المنزل الكبير الذي تركه أبيه، واشترى منزلاً صغيراً، واستخدم ما تبقى من المبلغ في تجارة السمن، لكنّه فوجئ بالمجلس البلدي يحجز على البيت الجديد للمطالبة بعوائد عن أعوام لا يعلم عنها شيئاً، وكانت الواقعة سبباً في ميلاد زجليته المشهورة: "قد أوقع القلبَ في الأشجانِ والكمدِ، هوى حبيبٍ يُسمّى المجلس البلدي، ما شرّد النومَ عن جفني سوى، طيف الخيال، خيال المجلس البلدي، يا بائع الفجل بالمليم واحدةً، كم للعيال وكم للمجلس البلدي، كأنّ أمي أبلَّ الله تربتها، أوصت فقالت: أخوك المجلس البلدي".

اقرأ أيضاً: تأثير الشعر العربي القديم في خطاب "الجماعات الدينية" المتطرفة

نشرت القصيدة كاملة بجريدة "الأهالي"، وفي الصفحة الأولى، وكانت أول قصيدة تنشر لبيرم، وطبع من العدد الذي نشرت فيه 4 آلاف نسخة، وأحدث نشرها دوياً، فلم يعد في الإسكندرية من لم يتكلم عنها، أو يحفظها أو يردّدها، كما طلب موظفو المجلس البلدي ترجمتها إلى اللغات الأجنبية ليستطيعوا فهمها، فقد كانوا جميعاً من الأجانب.

يقول بيرم: "لم اكتفِ بنشرها في الصحيفة، بل أصدرت كتيباً يتضمنها، بعته بخمسة مليمات للنسخة الواحدة، فراج رواجاً عظيماً، وطبعت منه مئة ألف نسخة، وهكذا وجّهني القدر إلى مهنة الأدب وسيلة للرزق، ثم دأبت على إصدار كتيبات صغيرة بها مختلف الانتقادات الاجتماعية".

بدأ بيرم بعد هذه القصيدة يتجه إلى الأدب، فترك التجارة واهتم بتأليف الشعر، إلا أنه أدرك بعد فترة أنّ الشعر وسيلة محدودة الانتشار، بين شعب 95% منه لا يقرؤون، فاتّجه إلى الزجل، ليقرب أفكاره إلى أذهان الغالبية العظمى من المصريين، وكان زجله في البداية مليئاً بالدعابة والنقد الصريح، الذي يستهدف العلاج السريع لعيوب المجتمع، وكان يعتمد في لقطاته الزجلية على السرد القصصي، ليصوّر العلاقات الزوجية، ومشكلات الطلاق، والعادات الاجتماعية الساذجة الموجودة آنذاك، مثل: حفلات الولادة، والطهور، والزار.

المناضل المنفي

شكّلت كلمات بيرم وقوداً للغضب الشعبي أثناء ثورة 1919، سيما في الأعمال التي غناها له سيد درويش، ومن أهمّها على الإطلاق: أغنية "أنا المصري كريم العنصرين"، التي كتبها بناء على رغبة درويش في غناء عمل يمجد المصريين، لمواجهة الدعوى التي روجت لها سلطات الاحتلال، وتزعم أنّ الشعب المصري غير مؤهّل لنيل الاستقلال.

بدأ بيرم بعد قصيدة المجلس البلدي يتجه إلى الأدب فترك التجارة واهتم بتأليف الشعر

بسبب نقده اللاذع للملك فؤاد وأسرته، صدر القرار بنفي بيرم إلى الأراضي التونسية، سيما بعد نشره قصيدة "البامية الملوكي والقرع السلطاني"، التي عرض فيها بفضائح الأسرة الملكية، ومقاله "لعنة الله على المحافظ"؛ الذي هاجم فيه زوج الأميرة فوقية بنت الملك فؤاد، وكان وقتها محافظاً للقاهرة.

أراد بيرم أن يواصل مسيرته الصحفية في تونس، لكنّه اكتشف أنّه موضوع تحت مراقبة شديدة، بعد أن سبقه صيته في مصر، باعتباره محرضاً على الثورة، فغادر تونس إلى باريس، التي أعجبه نشاط أهلها، لكنّه فشل هناك في الحصول على عمل، فانتقل إلى "ليون" لتتفاقم معاناته إلى حدّ الجوع.

اقرأ أيضاً: القدس.. ملهمة الشعراء والفنانين

ويصف بيرم حاله في ليون قائلاً: "كنت أثناء الجوع أمرّ بمراحل لا يشعر بها غيري من الشبعانين، كنت في البداية أتصوّر الأشياء واستعرضها في ذاكرتي، هذا طبق فول مدمس، وهذه (منجاية مستوية)، وهذه -يا ربّي- رائحة بفتيك تنبعث من عند الجيران، ثم أصل بعد ذلك إلى مرحلة التشهي، فتتلوى أمعائي، ويبدأ المغص، ويطوف الظلام حول عيني، وأتمنى من الله أن ينقلني إلى الآخرة، فهي أفضل من هذا العذاب الأليم، وأخيراً تبدأ مرحلة الذهول وخفّة العقل، فأطيل النظر إلى اللحاف الذي يغطيني، وتحدثني نفسي أن آكل قطنه، أو أبحث عن بذرة للغذاء تحتوي على زيوت، وكان لا ينقذني من تلك الحال سوى معجزات، عندما أنهض كالمجنون أبحث في كل أركان الحجرة عن أيّ شيء فأعثر، بالصدفة، على كسرة خبز، أو بصلة مهجورة".

محاولة العودة

لم يطق بيرم صبراً على المنفى والابتعاد عن مصر، فرتّب أوراقه للعودة، وركب أول سفينة متجهة إلى بورسعيد، فوصلها في آذار (مارس) 1922، وتوجه من فوره إلى الإسكندرية، للقاء زوجته التي كان تركها وهي حامل، فلّما وصل عرف أنها وضعت بنتاً سمّتها عايدة، وأنها طلبت تطليقها بحجة أنّ زوجها "مغضوب عليه"، ومنفي ولا أمل في عودته.

اقرأ أيضاً: أشهر 10 شعراء مديح في التاريخ الإسلامي

تضاعفت همومه، مع شعوره بالضيق بسبب التخفي من السلطات، نشر أزجاله دون توقيع، وواصل هجومه وسخريته من القصر والاحتلال، وبعد 14 شهراً، ألقي القبض عليه، ليرحّل مرة أخرى على أول سفينة متجهة إلى فرنسا؛ حيث عمل حمّالاً في ميناء مرسيليا، قبل أن ينتقل للعمل في مصنع كيماويات، ثم مصنع حرير، ممّا أثّر كثيراً على صحته، فنقل إلى المستشفى، وطال غيابه عن العمل، فصدر قرار بفصله، لكنّه استمرّ في هجاء الأسرة الحاكمة، وعندما تولّى الملك فؤاد الحكم، نشر بيرم زجله المشهور: "لما عدمنا بمصر الملوك، جابوك الإنجليز يا فؤاد، قعدوك تمثل على العرش دور الملوك، وفين يلقوا مجرم نظيرك ودون، بذلنا ولسة بنبذل نفوس، وقلنا عسى الله يزول الكابوس، ما نابنا إلا عرشك يا تيس التيوس، لا مصر استقلت ولا يحزنون".

كان زجله في البداية مليئاً بالدعابة والنقد الصريح الذي يستهدف العلاج السريع لعيوب المجتمع

دام النفي الثاني لبيرم 15 عاماً، بين 1923 و1938، ذاق خلالها الشقاء والبؤس والجوع أضعافاً مضاعفة، لكنّه رغم ذلك لم يتوقف عن الإنتاج الأدبي، فقد قابله المسرحي الكبير، عزيز عيد، في فرنسا، وطلب منه أن يؤلّف له مسرحية مستوحاة من نصّ أجنبي، ومنحه مقدماً عشرين جنيها، فكتب "ليلة من ألف ليلة"، وقدمها عيد على مسرحه فلاقت نجاحاً كبيراً، كما كتب بيرم مقارنة اجتماعية نقدية بين فرنسا ومصر، سماها "السيد ومراته في باريس"، وأرسل أجزاءها إلى صديقه عبد العزيز الصدر، فنشرها على نفقته الخاصة، وقد استُخدم هذا العمل في دراسة عن اللهجة العامية المصرية أعدّها قسم اللغات الشرقية بجامعة برلين.

وبسبب قرارات فرنسية تخصّ الأجانب، تمّ ترحيل بيرم من فرنسا إلى تونس، ثم رحّل من تونس إلى سوريا؛ حيث ألقي به في سفينة لنفيه إلى خارج سوريا، فاستطاع الهرب أثناء توقف السفينة في بورسعيد، ليظلّ في معاناة مع الاختفاء والترقب، إلى أن استطاع أصدقاؤه استصدار قرار من وزارة الداخلية بعدم ملاحقته.

أشعار على ألسنة كبار المطربين

أكسبت أعوام النضال والمنفى بيرم شهرة كبيرة على شهرته، التي حازها بسبب إنتاجه المتميز في التأليف المسرحي؛ لذا لم يمضِ عامان على عودة بيرم من فرنسا حتى فوجئ بطلب من مطربة العرب الكبرى، أم كلثوم، للقائه والتعرّف إليه، عبر صديقهما المشترك شيخ الملحنين، زكريا أحمد، كان لقاء بيرم وأم كلثوم نقطة تحوّل كبرى في حياة الشاعر الكبير، فقد كوّن مع كوكب الشرق وزكريا أحمد ثلاثياً نجح نجاحاً ساحقاً مدوياً، وأصبحت مصر كلّها تتغنى بكلمات بيرم، في أغنيات أصبحت كلّها علامات مهمّة في مسيرة الطرب العربي: "الأولة في الغرام"، "أنا في انتظارك"، "حبيبي يسعد أوقاته"، "حلم"، "الأمل"، ورغم الخلاف الذي دبّ بين أم كلثوم وزكريا، إلا أنّ التعاون استمرّ بينها وبين بيرم، فشدت من كلماته، بألحان السنباطي، إحدى قصائد الذرى العالية: "شمس الأصيل دهبت خوص النخيل"، كما غنّت له "الحبّ كده".

وبعد مصالحة السيدة مع زكريا، عاد الملحن الكبير مرة أخرى بكلمات بيرم الخالدة: "هو صحيح الهوى غلاب"، وكان ختام ما غنته له؛ زجليته الصوفية الرقيقة "القلب يعشق كلّ جميل".

اقرأ أيضاً: الشعر في الاحتجاجات العراقية يسجّل وقائع الفقر والعنف

تغنّى بكلمات بيرم كبار المطربين، أمثال: سيد درويش، ومحمد عبد الوهاب، وأسمهان، وفريد الأطرش، ومحمد فوزي، وشادية، ونور الهدى، والكحلاوي، وشارك بيرم بكلماته في الأحداث الكبرى التي مرّت على مصر، بعد ثورة تموز (يوليو)، سيما العدوان الثلاثي.

"المصري" المحروم

عاش بيرم التونسي يحمل كثيراً من الألم؛ كونه لا يحمل الجنسية المصرية، إلى أن قامت ثورة يوليو، وأطاحت بالنظام الملكي، وحققت للشاعر الكبير أمنيته بمنحه الجنسية المصرية، تقديراً لمواقفه الوطنية ورحلة نضاله الكبيرة، وتقديراً لجهوده في الارتقاء بالكلمة، منحه الرئيس جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية، العام 1960، لكن بعد هذا التكريم بعدة أشهر رحل بيرم التونسي، في 5 كانون الثاني (يناير) 1961، ففقدت العامية المصرية أكبر أركانها؛ الشاعر الأديب الزجال الصحافي المناضل، الذي لخّص فلسفته في الحياة بكلمات تقول:  "قال إيه مراد ابن آدم؟ قلت له: طقة، قال: إيه يكفي منامه؟ قلت له: شقة، قال: إيه يعجّل بموته؟ قلت له: زقة، قال: حـد فيها مخلّد؟ قلت له: لأ".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



رينيه جينو.. رحلة حيرة تنتهي في الشرق

2019-07-14

بسبب ذلك الجسد الهزيل الذي لم يفارقه الاعتلال، ظل ذلك الطفل ابن الأسرة الكاثوليكية المتدينة، دائم التفكير والتأمل في الأسباب التي تقف وراء هذه الصحة الواهنة، وباحثاً عن إجابات لأسئلة أخرى أشد تعقيداً، لعلّها تبعث في نفسه القلقة تلك الطمأنينة التي طالما تاق لها، وكان لـ"رينيه جينو" أو الشيخ العارف بالله عبد الواحد يحيى، في النهاية ما أراد.

رينيه جينو شاباً

تيه المدارس الروحية

ولد رينيه جينو في الخامس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1886، في مدينة بلوا الفرنسية، أنهى دراسة البكالوريا عام 1903، ثم انتقل إلى باريس العام 1904، وسجّل اسمه لدراسة الرياضيات في كلية رولين، العام 1906، ورغم نبوغه اللافت في هذا التخصص؛ فإنّه ترك الكلية ولم يكمل الدراسة فيها، ثم حصل على الليسانس في كلية الآداب من جامعة السوربون، العام 1915، وبعد ثلاثة أعوام بدأ يعد لدرجة الأجريجاسيون (شهادة تؤهل للتدريس بالمدارس الثانوية الفرنسية) في الفلسفة.

انبهار جينو بالغنى الثقافي الباريسي دفعه للانصراف عن دراسة الرياضيات والاغتراف من المذاهب الصوفية المسيحية

لم يلبث أن انجذب جينو إلى مجتمع باريس الذي ضمّ عدداً لا يحصى من أتباع الأفكار والأديان والمذاهب والمعتقدات، هذا الانبهار بعالم مدينة النور دفعه للانصراف إلى المذاهب الصوفية المسيحية التي انشغلت بأسئلة سقوط الإنسان في المادية، بعيداً عن النبع الإلهي المقدس، وكيفية العودة إلى هذا النبع مجدداً.
في هذه الأجواء انجذب الشاب المتدين إلى الطريقة المارتينية؛ التي أشرف عليها الطبيب الفرنسي جيرار انكوز (Gérard Encausse)، تدرّج في تلك الطريقة، حتى وصل إلى أعلى رتبة فيها، ثم تركها لينضم إلى الكنيسة الغنوصية، كما شارك في تأسيس دوريتها الغنوص  (La Gnose)، والكتابة فيها حتى عام 1922.

اقرأ أيضاً: ساراماغو حين لا يعبأ بمعاداة السامية: مع فلسطين ضد إسرائيل

وبسبب ظمئه الروحي، الذي لم تروِه تلك المعتقدات الغريبة، وملاحظته لعدد من المخالفات والتجاوزات التي سجلها على تلك الطرق؛ اتجه إلى عدة منظمات دينية مسيحية وماسونية، وكان كدأبه مع كلّ جماعة يصل إلى أعلى مكانة ورتبة، ثم يتركها بعد أن يعاوده الظمأ الروحي وشعور الاغتراب عن الحقيقة الروحية التي يصبو إليها، حتى انتهى به الحال بوصف ذلك النمط من الروحانيات بالزائف.

عاد جينو إلى الحياة العامة مجدداً، في أوائل عشرينيات القرن الماضي، تاركاً خلفه تلك المذاهب؛ لينغمس في دراسة المذهب الكاثوليكي، مدفوعاً بقلقه، وباحثاً عن إمكانية وجود صوفية كاثوليكية بتصحيح الانحراف الحادث بها عن طريق ما أسماه "الإدراك".

اقرأ أيضاً: علي مبارك "أبو التعليم في مصر" لا تمثال له في القاهرة
أثناء تقلّبه من جماعة دينية إلى أخرى؛ درس جينو الأديان الشرقية القديمة، الهندوسية والبوذية والطاوية، عبر اتصاله بأشخاص ينتمون إلى ما يعرف بأدفيتا فيدانتا (طريقة فلسفية من الطرق الكلاسيكية الهندوسية، لتحقيق الإدراك الروحي، ترى إمكانية تحرر الإنسان في العالم)، كما درس الإسلام، ليصدر بعد هذه التجربة الغنية كتاب "مقدمة لدراسة العقائد الهندوسية" العام 1921، ثم تبعه بكتاب عن فلسفة أدفيتا فيدانتا، بعنوان "الإنسان ومصيره وفقاً للفيدانتا" العام 1925.

نشأ المتصوف الفرنسي في سياق غربي مضطرب

الرحلة إلى الله
نشأ المتصوف الفرنسي، إذن، في سياق غربي مضطرب؛ فشهد في شبابه أحداثاً عظيمة، بلغت ذروتها مع الحرب العالمية الأولى، كما تدهورت أمام عينيه مبادئ التنوير والحداثة تدهوراً حاداً، فكانت الأزمة الحضارية الغربية والحلول الهشة غير الناجزة سببين لبحثه عن مخرج آخر باحثاً عن الحقيقة الميتافزيقية الخالدة، كما أسماها.

أثناء تقلّبه من جماعة دينية إلى أخرى درس الأديان الشرقية القديمة: الهندوسية والبوذية والطاوية ثم الإسلام

تعرّف جينو أخيراً إلى فنان تشكيلي سويدي شهير، تحوّل إلى الإسلام، يدعى جون جوستاف أجيلي (John Gustaf Agelii) أصبح اسمه بعد إسلامه، الشيخ عبد الهادي عقيلي، وكان عقيلي هذا مهووساً بالشيخ محيي الدين بن عربي، وأسّس طريقة صوفية في باريس، العام 1911، تسمى الأكبرية، نسبة إلى طريقة الشيخ محيي الدين بن عربي، وقد ضمّ معه رينيه جينو.

في العام 1912، أثمرت مصاحبة الشيخ عبد الهادي، بإعلان الفتى القلق إسلامه، وكان عمره يناهز السادسة والعشرين، واتخذ اسم "عبد الواحد يحيى" الذي سيرافقه حتى وفاته.

بعد وفاة زوجته الفرنسية سافر جينو إلى القاهرة بحثاً عن نصوص صوفية إسلامية، بمرور الوقت تخلى عن فكرة العودة إلى فرنسا، ليستقر به الحال بجوار مسجد الأزهر، تزوج من بنت الشيخ سلامة الراضي من الطريقة الشاذلية، العام 1934، ثم حصل على الجنسية المصرية العام 1948.

اقرأ أيضاً: رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

أسس جينو ما يسمى بالمدرسة التقليدية (Traditionalist)، التي كانت ترى أنّ كلّ المذاهب التراثية التقليدية لها نفس المبادئ الخالدة، وترفض المادة كحدود نهائية أو كلية، للإنسان، وتؤمن بالعالم الغيبي غير المنظور إيماناً غير محدود؛ كان يقول إنّ المعرفة الغيبية والتحقق الذاتي الذي تتضمنه واحدة في كلّ مكان، ولكن هناك مناخ عام للحضارة، يؤدي إلى نوع من الاختلافات البينية، مؤكداً أنّ مناخ الحضارة الغربية غير مهيأ إلى تقبل وإنتاج المعرفة الغيبية هذه، على عكس الحضارة الشرقية، وكان يقصد حضارات الشرق عموماً، بما فيها الهندوسية والطاوية والكونفشيوسية والإسلام.
نقد الغرب روحياً
آمن جينو أنّ الغرب عانى من عدة انقطاعات عقلية وفكرية عن ذلك التراث الميتافزيقي المقدس، ما سبّب له الضياع والشتات الروحي، وأنّ الثورة الغربية العدمية على القيم أزاحت القيم والتقاليد الميتافزيقية، وأحلت محلها الفوضى والقلق الوجودي الدائم، وزاد من حجم الاهتمام بالمادة ومنجزاتها على حساب الروح وتدرّج القيم؛ ففقد القدرة على التمييز بين عتامة المادة ونور الروح، وظهور مشكلات خطيرة، مثل صراع الطبقات الاجتماعية، وتغذية تلك الخلافات، ما أوصل إلى اندلاع حربين عالميتين أودتا بملايين الأبرياء.

اقرأ أيضاً: صبحي غوشة: شمس مقدسية تطل من النافذة العالية
نقد جينو المذهب التجريبي الكمّي، الذي أسسه بيكون، رغم انبهار الغربيين بمنجزاته التي حققها، واعتبارها علامة فارقة في تاريخ حضارتهم؛ إذ رأى أنّ التجريبية ناجحة فقط في دراسة الجزئيات وإدراكها، لكنها عاجزة تماماً عن إدراك الصورة كاملة؛ فالغرب، كما يقول، مدفوع بالرغبة في التعمية على الفشل الروحي بإنهاك الغربيين عبر حصرهم في مجموعة هائلة من البيانات، بزعم استخدام المناهج العلمية الدقيقة "الوضعية" و"التجريبية".

 لم يشترط جينو الثقافة في المتصوف أو حتى القدرة على القراءة بل ما أسماه ملكات خُلقية

الصوفي والمتصوف
فرّق "الشيخ عبد الواحد يحيى" بين الصوفي والمتصوف؛ فالأخير، كما يرى، اتخذ الطريق بحثاً عن الحقيقة، أما الصوفي فهو من وصل للدرجات العليا، ويستحيل على متصوف حقيقي أن يطلقها على نفسه؛ لأنّ الصوفي الحقيقي هو من امتلك الحكمة الإلهية.
واعتبر جينو التصوف مكوناً رئيسياً في الإسلام، يعود إلى السنن النبوية، وأنّ للطرق الأصيلة سلسلة من الشيوخ يرجع نسبهم إلى الرسول، عليه السلام، والتوصل إلى مبادئ التصوف يتطلب قراءة وفهم القرآن الكريم، والتصوف الإسلامي، بنظره، مذهب ميتافزيقي يضمّ مجموعة من العلوم الموروثة المرتبطة بالمبادئ الميتافزيقية، وهو لا يشترط الثقافة في المتصوف، أو حتى القدرة على القراءة، ولكنّه يشترط نوعاً مما أسماه "ملكات خُلقية"، وأن يرتبط بسلسلة منتظمة في طريقة، وما إن يحصل المريد على الوصل، حتى يبدأ العمل الداخلي المنتظم وصولاً إلى درجة "الهوية العليا" أعلى مراتب التصوف.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية

من القاهرة، ظلّ الشيخ عبد الواحد يحيى يراسل مجلة "دراسات نقلية" (Études Traditionnelles)  التي ساهم في تأسيسها حينما كان في باريس، وظلّ يراسل المفكرين ويناظرهم حول مدرسته التقليدية.

في منتصف شهر كانون الأول (ديسمبر) العام 1950؛ أصيب بعدة قروح، ثم عاودته بعد عام، فانتابتْه تشنجاتٌ حادة، وفي مساء السابع من كانون الثاني (يناير) 1951، جلس في فراشه، محاطاً بأبنائه الثلاثة وزوجته الحامل، وقال بالعامية المصرية: "النَّفَس خِلِصْ!"، وأخذ يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يردد: "الله.. الله"، ليرحل عن عالمنا عن عمر يناهز الرابعة والستين ويدفن في مدافن الدراسة بالقاهرة، تاركاً 29 كتاباً، وما يزيد على خمسمئة مقال ومراجعات للكتب، دافع فيها عن الإسلام وفلسفته الروحية مثل: ملك العالم أو "القطب"، الشرق والغرب، و"أزمة العالم المعاصر" الذي أعيد طبعه عدة مرات.

للمشاركة:

ساراماغو حين لا يعبأ بمعاداة السامية: مع فلسطين ضد إسرائيل

2019-07-10

حصل الكاتب البرتغالي، خوسيه ساراماغو، على جائزة نوبل، عام 1998، وكان ربما من أواخر الروائيين الخارجين من رحم السحر والتشاؤم والسخرية بحقّ، وهو الذي أعلن أنّه "ليس على المرء ليموت، إلا أن يوجد في هذا العالم أولاً، وليس عليه ليكون أعمى، إلا أن يوجد في عالمٍ لم يصنع من تفاصيله أي شيء"، فكان وجوده منذ ولادته حتى مماته، اعتراضاً أميناً على مآسي العالم وحروبه وتاريخه، من خلال الكتابة.
نعيش القلق، ونكتب لنقلق!
كلّ الروايات التي كتبها خوسيه ساراماغو (16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1922 - 18 حزيران (يونيو) 2010)، وكلّ ما دوّنه على الورق، مكّنه من بناء عالمٍ كبير، انتقل إليه ليظلّ حياً فيه، بعد أن تلاشى جسده ووعيه من عالمٍ لم يبنه، إنّما فقط، ولد فيه. فالأمر هكذا بالنسبة إلى الكاتب البرتغالي الكبير، الذي قال ذات مرة: "الفرق بين الموت والحياة هو أن يقول أحدهم: كان هنا، والآن لم يعد كذلك".

يصف ساراماغو تفاصيل رواياته بالسخف أي البساطة التي يمكن منها صنع الجمال في مواجهة الأفكار الكبيرة التشاؤمية

تلك المقولة كانت سيئة بالنسبة إلى ساراماغو، بقدر ما كان العالم مجرد هاويةٍ "لم نزل نسير إليها كمجموعةٍ انتحاريةٍ من القوارض"، مثلما كان يقول، وهو لم يكن دافعاً كبيراً ربما، ليبدع ما أبدعه في رواياته المتنوعة، التي اتخذت صفةً تشاؤمية في متنها بصورةٍ عامة، وحملت أشياء وتفاصيل، وصفها مؤلفها بأنّها "سخيفة"؛ أي إنّها بسيطة وصغيرة، لكنّها وحدها التي تصنع الجمال، فيما تتمتع الأفكار الكبيرة بالتشاؤم.
وفي الرواية، لا معنى للزمن أو الوقت، فالعمل لا يشيخ، ولا ينتهي بانتهاء صفحاته، هذا، وكان التعويض الوحيد لساراماغو بعد تجاوزه الثمانين من العمر، وشعوره بأنّ نهاية كلّ يوم، صارت تعد خسارةً لا تعوض، فالإنسان في رأيه، والكاتب بالطبع، يولد، ويعيش، ثم يموت، لا يمكن لأحدٍ تجاوز هذا الأمر العادي الذي يحصل باستمرارٍ وتكرار، مهما كتب المرء، أو حاول تقريباً، فإنّ الموت المفرط الحيوية، لا يمكن له أن يأخذ إجازة، وهل "يعرف الكون أننا كنا هنا ذات يوم، أو هل يعرف مثلاً: أنّ هوميروس كتب الإلياذة؟".

اقرأ أيضاً: معاداة السامية تقلق ألمانيا
ساراماغو ملتزم، بطريقةٍ أو بأخرى، فكتابته لرواية "العمى" أشهر أعماله، كانت إعلاناً منه كما يقول؛ من أجل "عدم التخلي عن جميع أولئك البشر الذين جاؤوا إلى هذا العالم في الظلام". فقد رأى أنّ الكتابة مهنة من أجل تحقيق الوجود، ذلك الغارق في الظلام؛ لذا فإنّ عملية إرجاع الناس إلى العمى في روايته، من خلال المدينة التي يصيبها العمى كمرضٍ معد، ليست سوى عودة إلى الحالة الطبيعية، في عالمٍ قائم، وجد فيه الناس دون أن يضيفوا شيئاً إليه، إنهم عميان في الأصل، يتلمّسون طريقهم وسط الأفكار والأيديولوجيات والسياسات والثقافات والتقاليد القائمة، ونادراً ما يتمكن أحدهم من الإبصار، أي تحقيق شيءٍ من وجوده في هذا العالم.

تعبّر أعمال ساراماغو الروائية عن حاجة الإنسان إلى بناء وجوده لا أن يُفرض عليه

ولذا؛ فإنّ كتابته كانت طريقته من أجل كسب محبة الآخرين، ومن أجل إضاءة بعض الجوانب في جنبات العالم المظلمة، هذا هو الجمال والالتزام في رأي ساراماغو، الذي بدأت شهرته في سنٍّ متأخرة، في سنّ الستين، بعد أن عمل في مهنٍ عديدة، أبسطها صانع أقفال، إلى أن بلغ الخامسة والسبعين، وهو السنّ الذي عثرت فيه نوبل على ساراماغو، الذي ظلّ ملتزماً بقناعاته الشخصية حتى بعد نوبل، وكان قد قال، بعد حصوله على الجائزة، في نهاية تسعينيات القرن الماضي إنّ الجائزة قدمت له فرصةً إضافيةً ليعرفه ملايين القراء. لكنه لا يبحث عن أيّ قارئ، بل إنه يريد "القارئ الذي لا يذعن؛ لأنّ الكاتب الذي يكتب له، ليس مذعناً؛ فهو يعيش القلق، ويكتب إلى القارئ حتى يقلق، وليس لأجل أن يرتاح، فلا حاجة إلى قرّاء خاملين، أو متزمتين، إنني خوسيه ساراماغو، لا أريد أن أعيش أو أكسب من أموال قرّاء كهؤلاء".

اقرأ أيضاً: كيف تواجه ألمانيا معادي السامية في مدارسها؟
ورغم أنّ ساراماغو، كان شيوعياً في جانبٍ من جوانب أفكاره وحياته، إلا أنّه آمن دوماً بأنّ للإنسان حقّه في تقرير مصيره وأسلوب وجوده، وعلى الأقل، كانت الشيوعية بالنسبة إليه الأداة الوحيدة التي عرفها في مواجهة "الرأسمالية"، كما كان يقول، ساراماغو خاض مواجهاتٍ عديدة طوال حياته. ولم تكن مواجهته ضدّ تغول رأس المال هي المواجهة الوحيدة.
المنفى مكتبة
بعد إصداره لروايته "الإنجيل يرويه المسيح"، عام 1991، وكانت تحمل نقداً لاذعاً فلسفياً وسياسياً، للكنيسة الكاثوليكية، ونهجت تلك الرواية أسلوباً يعتمد مطالبةً ضمنية، بأن يسمح للإنسان أن يروي قصته مع الإنسان، ومع الأرض والحياة، دون تدخّل (الإله)، تعرض ساراماغو للنبذ في البرتغال، رغم أنّ رواياته، وحصوله على نوبل، سوف تقدم خدمةً جليلةً إلى اللغة البرتغالية فيما بعد، إلا أنّ وجود حكومةٍ محافظةٍ آنذاك، يرأسها كافاكو سيلفا، تسبّبت بالتضييق على ساراماغو وأعماله، كما منعت تلك الحكومة ترشحه إلى واحدةٍ من أرفع الجوائز الأدبية في بلاده؛ لذا قرّر أن يرحل إلى منفاه، بصحبة زوجته ومترجمته إلى الإسبانية: بيلار ديل ريو؛ حيث انتقل إلى جزيرة "لانزاروث"، وهي واحدةٌ من جزر الكناري، التي تتمتع بحكمٍ ذاتي.

في منفاه الاختياري تمكّن من اختزال العالم في مكتبة

طوال أعوام؛ بقي ساراماغو في لانزاروث، شهرته لم تغيّر آراءه، ولا نمط حياته تقريباً، فعدا زياراته المتنوعة إلى دول العالم، ولقائه بأصدقاء من طينة غابرييل غارسيا ماركيز، ظلّ يعمل، فكتب "سيرة الفيل" و"ذكريات صغيرة"، وباتت أعماله تتسم بسخريةٍ عميقة تنبع من أبسط الأشياء، لتسخر من أكبرها، وعلى الجزيرة، سكن في بيته الواقع على قمة تلّ يطلّ على البحر، وزرع الزيتون هناك، آملاً أن يعيش مدةً أطول ليراه حين يكبر، وبقي رغم شيخوخته، يتخذ موقفاً صلباً من السلطة المستبدة في أيّ مكانٍ كان، فأعرب مراراً عن تضامنه العميق مع فلسطين، ضدّ إسرائيل، غير آبهٍ بما وجِّه إليه من تهمٍ عن (معاداة السامية).

ساراماغو: لا حاجة إلى قرّاء خاملين أو متزمّتين لا أريد أن أعيش أو أكسب من أموال قراء كهؤلاء

وهناك، في منفاه الذي مكّنه من الابتعاد، أخذ يبني مكتبته شيئاً فشيئاً، وهي المكتبة التي سوف تكبر وتتنظم، ثم تتوقف عن النموّ بموت ساراماغو، عام 2010، كانت تلك المكتبة الكبيرة كنزه الوحيد في جزيرته البعيدة، وقد أمضى عمره في تربيتها؛ إنّها العالم الذي أضاف إليه شيئاً مميزاً، هو الكتب، وبالتحديد "الروايات".
خوسيه ساراماغو، بنى بيته على تخوم مكتبته ورواياته، من هناك، اختار أخيراً أن ينظر إلى العالم، من وجهة نظر هو من كتبها، بجرأةٍ وحماسة وسخرية منقطعة النظير، ضدّ كلّ ما يقود إلى الدمار في هذا العالم؛ حيث قال أخيراً:
"الإنسان هو ذلك المرء الذي يقوم دوماً ببناء الوجود، لكنّ هذا لا يمنع أنه يحاول دوماً تدمير كلّ ما بناه".

المراجع:

فيلم وثائقي بعنوان: ساراماغو وبيلار، أنتج في 2006
رواية العمى، ورواية الإنجيل كما يرويه المسيح ورواية ذكريات صغيرة للكاتب ساراماغو

للمشاركة:

علي مبارك "أبو التعليم في مصر" لا تمثال له في القاهرة

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2019-07-01

"أبو التعليم في مصر" و"طليعة الأفندية"، وسواها. ليست مجرد صفات بلاغية أو ألقاب، تحمل مبالغات حول شخصية تنتمي إلى النخبة السياسية والثقافية في تاريخ مجتمعها، كما يحدث أحياناً، لكنها في حالة "علي مبارك"، تعني بدقة ووضوح شديدين، أهمية تأثيره ودوره في مجالات حيوية عديدة، ساهم فيها بدرجات متفاوتة، وترك آثاره عليها، في التعليم والصحافة والعمران، وجمع بين عدة اهتمامات كالعلم والفنون، وهندسة المدن، وأنظمة الري والمواصلات، والعمل الوزاري والدور الشعبي، بالإضافة إلى الاطلاع الواسع على التراث، وعلوم العرب القديمة، وفنون الغرب الحديثة.
الهروب من القرية
ولد علي مبارك (1833-1893) في إحدى قرى محافظة الدقهلية، شمال شرق دلتا النيل. وكحال معظم أبناء جيله، التحق بـ "كتاب" القرية، حيث حفظ القرآن الكريم، وتعلم القراءة والكتابة، لكنه لم يحتمل الطريقة التقليدية للدراسة والحفظ لدى مشايخ الكتاب، فهرب من قريته أكثر من مرة، حتى تمكن من استكمال مسيرته التعليمية التي بدأها بشغف، ورغبة في التقدم والنبوغ، إذ أمضى ثلاث سنوات في المدرسة التجهيزية، والتي انتقل إليها من مدرسة الجهادية بالقصر العيني، حين التحق بها بعد هروبه، بينما كان في الثانية عشرة من عمره، وهي مدرسة داخلية، يحكمها النظام العسكري الصارم، بيد أنّها ألغيت بعد عام من دخوله إليها.

من المفارقات التي تبعث على الدهشة والحيرة أنّ المتجوّل في شوارع القاهرة لا يجد تمثالاً واحداً لعلي مبارك

وفي مدرسته الجديدة، التي تميزت بخصائص تعليمية عديدة، ونظام تربوي وتعليمي، أكثر حداثة تطوراً ومرونة، اختير مع مجموعة من الطلبة المتفوقين، للالتحاق بمدرسة المهندسخانه، وقد كان المسؤول عنها، المهندس الفرنسي، "يوسف لامبيز"، وخلال خمسة أعوام، هي عمر ما قضاه في تلك المدرسة للدراسة، تعرف على أصول ومبادئ الهندسة والرياضيات، ودرس المعادن وطبقات الأرض والجيولوجيا، حتى سافر في بعثة إلى فرنسا، العام 1845، لدراسة العلوم، حيث اختاره سليمان الفرنساوي، للسفر مع أبناء محمد علي باشا وأحفاده، في البعثة التعليمية التي عرفت باسم "بعثة الأجيال".
ولد علي مبارك (1833-1893) في إحدى قرى محافظة الدقهلية

النهضة التعليمية ومسيرة النبوغ
اقترنت نشأة علي مبارك بالتطور الذي رافق العملية التعليمية في مصر، والتغيرات الجمة التي تعرضت لها، في مسيرة تأسيس الدولة المدنية الحديثة، منذ شرع محمد علي في بنائها، خلال سنوات حكمه، الممتدة من 1805 وحتى العام 1848، إذ شهدت طموحات مؤسس مصر الحديثة في التوسع، وزيادة مساحة نفوذه السياسي والعسكري. لذا، يعد مسار مبارك التعليمي مرتبطاً بمسار الدولة المدنية، وخطواتها في التأسيس والازدهار؛ إذ كان تعليمه من البداية وحتى النهاية مدنياً، كما يشير الناقد الأدبي، الدكتور جابر عصفور، في كتابه: "أعلام التنوير".

اقرأ أيضاً: صبحي غوشة: شمس مقدسية تطل من النافذة العالية
إذاً، ذهب مبارك إلى فرنسا في البعثة التعليمية، بوصفه طالباً مدنياً وليس شيخاً أزهريا معمماً، كحال من سبقوه، سيما رفاعة الطهطاوي.
أمضى مبارك في باريس عامين، قضاهما مع أعضاء البعثة، والتي كان من بين أعضائها الخديوي إسماعيل، والأخير كان الأقرب لمبارك في البعثة، وأضحى مبارك في عهده ناظراً للمعارف العمومية ووزارة الأشغال والسكك الحديدية، بالإضافة إلى إسناد مهمة الإشراف على القناطر الخيرية أثناء تدشينها.
بصمات على البشر والعمران
ومن بين الأدوار المهمة التي قام بها علي مبارك، والتي مازال أثرها قائماً حتى اليوم، هي إنشاء دار الكتب التي أشرف على تأسيسها، وكان أول من وضع لها نظاماً دقيقاً في ما يتصل بعملية المطالعة والمراجعة والنسخ، وتمكن من حيازة نوادر المخطوطات، والمطبوعات، والوثائق، التي كانت متفرقة بين الزوايا والمساجد والبيوت، بالإضافة إلى الكتب المطبوعة التي تزامن وقت طباعتها مع إنشاء مطبعة بولاق، العام 1822، بعد أن ظلت الطباعة العربية تحتكرها مطبعة الآستانة.

اقرأ أيضاً: أحمد لطفي السيد: لا نهضة دون اختلاف
فطن مبارك إلى تأسيس ديوان المدارس، وهي خطوة تعكس رؤية متقدمة وجادة في سبيل تغيير نوعي في العملية التعليمية، ورفع مستواها، عبر أسس علمية سليمة، تراكم المعرفة بشكل منظم؛ حيث من شأن "ديوان المدارس" أن يعنى بتوحيد أنظمة التعليم، وتطويرها، عبر نظام مركزي واحد، مهمته التحديث وبناء المناهج. وفي العام 1871، الذي أنشأ فيه الديوان، أسس "دار العلوم" التي تقوم بتخريج معلمين، يقومون بالتدريس في المدارس المدنية الحديثة، والتي كانت قد بدأت في الانتشار في مصر، في فترة شهدت تصاعد لوتيرة التعليم المدني.
قام بتوسيع شارع محمد علي وميدانه في منطقة وسط القاهرة

الصحافة المدرسية.. طلائع الأفندية
تدين الصحافة المدرسية إلى علي مبارك الذي تفتق ذهنه إليها، في إطار رؤيته لتحديث التعليم، إذ اعتبر أنّ ممارسة الطلبة للصحافة داخل مدارسهم، من شأنها أن تربطهم بالمعرفة الحديثة، وتحرضهم على الثقافة والنقد، والاشتباك مع الواقع وأحداثه وتطوراته في مختلف المجالات، لذا، أنشأ مجلة "روضة المدارس"، في العام 1870.

من بين الأدوار المهمة التي قام بها مبارك إنشاء دار الكتب حيث وضع لها نظاماً دقيقاً للمطالعة والمراجعة والنسخ

ثمة إشارة لافتة إلى دور صاحب مجلة "روضة المدارس"، في تحديث العمران، وتطوير الأحياء والشوارع، والاهتمام بجماليات المدينة التي عاش فيها، وبنفس الدرجة التي سعى فيها إلى تطوير الفكر وتحديث المعرفة، شغف بالتخطيط المدني، وضم أدوات الاتصال والنقل العصرية، ووسائل التحديث، فقام بتوسيع شارع محمد علي وميدانه، في منطقة وسط القاهرة، وميادين الأزبكية وعابدين، وأزال التلال الموجودة بين منطقتي الفجالة وباب الفتوح، وأقام فيها الحدائق.
كما أنشأ جسر قصر النيل الواصل بين القاهرة والجيزة، ونظم المرافق الصحية، فضلاً عن تأسيس مباني البريد، ومحطات السكك الحديدية الحديثة، وتعددت القناطر والجسور التي أسسها، وأشهرها: "ترعة الإسماعيلية والإبراهيمية".

اقرأ أيضاً: جادو عزّ الدين.. رحيل شاهد على ذاكرة النضال والوحدة
ومن المفارقات التي تبعث على الدهشة والحيرة، أنّ المتجوّل في شوارع القاهرة، لا يجد تمثالاً واحداً لعلي مبارك، حتى يخلد دوره الذي ساهم فيه بالكثير تجاه المدينة التاريخية، ويعد صاحب النهضة العمرانية الحديثة بها، وذلك حين أسند إليه، الخديوي إسماعيل، قيادة مشروعه المعماري العمراني، وإعادة تنظيم القاهرة على نمط حديث، فشق الشوارع الواسعة، والميادين، وأسس المباني والعمائر العثمانية الجديدة، وأمد القاهرة بالمياه وأضاء شوارعها بالغاز والمصابيح.

للمشاركة:



هذا ما وصلت إليه مفاوضات السودان..

2019-07-16

أعلن المجلس العسكري الانتقالي في السودان الوثيقة الدستورية المشتركة، والمزمع مناقشتها اليوم، مع قوى إعلان الحرية والتغيير التي تمّ تقديمها للأطراف لدراستها.

وقال المجلس: إنّ "الوثيقة الدستورية المشتركة تمّ إعدادها بواسطة لجنة قانونية مشتركة، تضمّ ثلاثة أعضاء من كلّ طرف"، وفق وكالة الأنباء الرسمية.

المجلس العسكري الانتقالي يوقع اليوم قوى إعلان الحرية والتغيير الوثيقة الدستورية المشتركة

ومن المنتظر أن يعقد اجتماع مباشر بين المجلس العسكري الانتقالي، اليوم، بالخرطوم، بعد تأجيله بناءً على طلب قوى إعلان الحرية والتغيير مهلة 48 ساعة، لإكمال مشاوراتها الداخلية حول وثيقة الإعلان الدستوري.

وتجري جولة التفاوض، التي ينتظر أن تكون حاسمة، وسط حضور دولي وإقليمي لافت؛ حيث استبق المبعوث الأمريكي الخاص للسودان، دونالد بوث، جولة الغد بلقاءات أمس، شملت رئيس المجلس العسكري، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وينتظر أن تمتد إلى قوى الحرية والتغيير لدفع العملية السلمية.

وأثار تأجيل انعقاد جلسة التفاوض بين المجلس العسكري والحرية والتغيير للتوقيع على وثيقة الإعلان الدستوري، مرتين متتاليتين، مخاوف البعض من العودة إلى المربع الأول، لكنّ تحليلات الخبراء جاءت عكس ذلك؛ حيث أكّدت أنّ عملية التسوية سوف تسير بشكل جيد.

أثارت عودة خدمة الإنترنت على الهواتف المحمولة في السودان صدمة كبيرة لدى الملايين؛ حيث تمّ تداول عدة مقاطع فيديو وصور تظهر "تعاملاً وحشياً" لمسلحين بملابس عسكرية مع المتظاهرين، خلال فضّ اعتصام الخرطوم، في مطلع حزيران (يونيو)، بحسب ما نقلت "فرانس برس".

وجدّدت المقاطع والصور الغضب تجاه المجلس العسكري الحاكم في السودان، خاصة أنّه مع عودة الإنترنت على الهواتف المحمولة، أصبح تداول أشرطة الفيديو أكثر سرعة وانتشاراً.

وكان السودانيون يعتصمون قرب المقر العام للقيادة العامة للجيش، منذ السادس من نيسان (أبريل)، للمطالبة بتغيير النظام السياسي.

فيديوهات وصور لمسلحين بملابس عسكرية يعتدون على متظاهرين يجدد غضب السودانيين

وبعدما أطاح الجيش، في 11 نيسان (أبريل)، بالرئيس عمر البشير، الذي حكم البلاد على مدى ثلاثين عاماً، رفض آلاف المحتجين فضّ الاعتصام، مطالبين بنقل السلطة إلى المدنيين، فيما يتولى مجلس عسكري الحكم منذ الإطاحة بالبشير.

ويذكر أنّ خدمة الإنترنت قطعت في السودان إثر فضّ مسلحين يرتدون زياً عسكرياً الاعتصام، في عملية أسفرت عن مقتل أكثر من مئة متظاهر، وإصابة مئات آخرين بجروح، ويتّهم المحتجون ومنظمات حقوقية قوات الدعم السريع بالهجوم على اعتصام المحتجين.

 

 

للمشاركة:

في ظلّ تعنّت إيران.. هل تنقذ أوروبا الاتفاق النووي؟‎

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

قال المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، بهروز كمالوندي، أمس؛ إنّ "طهران ستعود إلى وضع ما قبل الاتفاق النووي الذي أبرمته مع القوى العالمية، إذا لم تفِ الدول الأوروبية بالتزاماتها".

منظمة الطاقة الذرية الإيرانية: طهران ستعود إلى وضع ما قبل الاتفاق النووي

وتقول إيران: إنّ على الدول الأوروبية بذل المزيد لضمان حصولها على المزايا الاقتصادية التي كان يفترض أن تنالها، مقابل فرض قيود على برنامجها النووي، بموجب الاتفاق الذي انسحبت منه واشنطن، العام الماضي.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا"، عن كمالوندي قوله: "سنقلص التزاماتنا بموجب الاتفاق النووي حتى يفي باقي الموقِّعين بتعهداتهم".

من جهته، أكّد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عباس موسوي؛ أنّ بلاده "ستبقى ملتزمة بالاتفاق النووي المبرَم مع القوى الدولية عام 2015، بالقدر نفسه الذي سيلتزم به باقي الموقّعين عليه".

وأضاف موسوي أيضاً، وفق ما ذكرته وكالة "تسنيم" للأنباء؛ أنّ "إيران تتوقع من أوروبا اتخاذ خطوات عملية لتنفيذ الاتفاق".

في المقابل؛ قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني: إنّ "الأطراف الباقية في اتفاق إيران النووي لا تعدّ مخالفات طهران للاتفاق انتهاكات كبيرة، ولم تشر إلى أيّة نية لتفعيل آلية فضّ النزاع بالاتفاق".

موغريني: الاتفاق النووي مع إيران ليس في وضع جيد لكنّه ما يزال حياً

وأضافت في مؤتمر صحفي، بعد اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل: "في الوقت الحالي، لم يشر أيّ من أطراف الاتفاق إلى أنّه ينوي تفعيل هذا البند، وهو ما يعني أنّ لا أحد منهم يعدّ في الوقت الحالي، وفي ظلّ البيانات الحالية التي تلقيناها، سيما من الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ أنّ المخالفات انتهاكات كبيرة"، وفق ما نقلت "سي إن إن".

وأعلنت أنّ "الاتفاق النووي مع إيران، ليس في وضع جيّد، لكنّه ما يزال حياً، ولا يمكن تحديد إن كان في ساعاته الأخيرة".

بدوره، أكّد وزير الخارجية البريطاني، جيريمي هنت، أنّ الوقت ما يزال متاحاً لإنقاذ الاتفاق النووي الإيراني، مضيفاً إلى أنّ بلاده لا تتفق مع الولايات المتحدة، وهي أقرب حلفائها، في طريقة تعاملها مع الأزمة الإيرانية.

وقال هنت للصحفيين، أمس، لدى وصوله إلى اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل: "ما يزال أمام إيران عام على الأقل لإنتاج قنبلة نووية، لكن هناك فرصة ضئيلة لإبقاء الاتفاق على قيد الحياة".

وزير الخارجية البريطاني: ما يزال أمام إيران عام على الأقل لإنتاج قنبلة نووية

وفي السياق نفسه؛ قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لو دريان، اليوم: "يجب على أوروبا أن تظلّ موحّدة في محاولة الحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني"، مضيفاً أنّ "على طهران العدول عن قرارها بعدم الالتزام ببنود في الاتفاق".

وأوضح لو دريان للصحفيين في بروكسل: "يجب على الأوروبيين الحفاظ على وحدتهم في هذه المسألة".

وأضاف أنّ "قرار إيران بتقليص التزامها بالاتفاق، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة العام الماضي، بمثابة "ردّ فعل سيّئ على قرار سيّئ".

 

للمشاركة:

التحالف يصدّ هجوماً إرهابياً جديداً للحوثيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

أسقطت قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، أمس، طائرتيْن مسيّرتيْن أطلقهما الحوثيون من صنعاء باتجاه مدينة خميس مشيط السعودية.

التحالف العربي يسقط طائرتين مسيّرتين أطلقهما الحوثيون باتجاه خميس مشيط

وقال المتحدث الرسمي باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي: "تمكّنت قواتنا، مساء اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرتيْن من دون طيّار (مسيّرتين)، أطلقتهما الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران من صنعاء باتجاه الأعيان المدنية والمدنيين بمدينة خميس مشيط"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء "واس".

وأضاف: "عملية الاعتراض والإسقاط للطائرتين المعاديتيْن نتج عنها سقوط الشظايا والأجزاء بأحد الأحياء السكنية، مما نتج عنه تضرّر أحد المباني السكنية بأضرار طفيفة، وبعض المركبات، دون وجود خسائر بالأرواح".

وبيّن العقيد المالكي؛ أنّ "محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية، المدعومة من إيران، بتعمّد استهداف المدنيين، تعبّر عن إفلاس الميليشيا الإرهابية، ونهجها اللاأخلاقي في مثل هذه الأعمال الإرهابية"، مشيراً إلى أنّ "هذه الهجمات الإرهابية والعدائية المتكررة ممنهجة لاستهداف المدنيين، في مخالفة واضحة وصريحة للقانون الدولي الإنساني، وهو ما يعدّ جريمة حرب."

تضرّر مبنى سكني ومركبات بحي سكني في المدينة إثر سقوط شظايا الطائرات المسيَّرة

وأكّد استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، وتحييد القدرات الحوثية، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

 

للمشاركة:



نجيب محفوظ يعود لـ"أولاد حارته"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

فتحية الدخاخني

يطل الأديب العالمي نجيب محفوظ مجدداً على "أولاد حارته" عبر متحف يوثق مسيرته الأدبية بمبنى تكية محمد بك أبو الذهب في حي الأزهر بقلب القاهرة الفاطمية التي ألهمت «أديب نوبل»، عشرات القصص الإبداعية خلدتها أعمال سينمائية مختلفة.

واختارت وزارتا الآثار والثقافة مبنى تكية أبو الذهب لإنشاء متحف محفوظ لقربها من المنزل الذي ولد فيه بحي الجمالية.

بعد نحو 13 عاماً على قرار إنشائه، افتتح الدكتور خالد العناني وزير الآثار المصري، والدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة المصرية، نيابة عن الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، متحف الأديب العالمي نجيب محفوظ، بمبنى تكية أبو الذهب بحي الأزهر، بقلب القاهرة التاريخية، الذي يوثق مسيرة حياة الأديب العالمي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب.

وقالت الدكتورة عبد الدايم إن «افتتاح متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ يعد حدثاً عالمياً مهماً، لأن الأديب الراحل أحد الحاصلين على جائزة نوبل في الآداب»، مشيرة إلى أن «نجيب محفوظ يعد أيقونة مصرية خالدة لفن الرواية».

ويأتي افتتاح المتحف نتيجة للتعاون المشترك بين وزارتي الآثار والثقافة، حيث نفذته وزارة الثقافة في مبنى تكية أبو الذهب الأثري. وأوضح الدكتور جمال مصطفى، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار، أن «اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية وافقت عام 2017 على الطلب المقدم من وزارة الثقافة لاستغلال مبنى التكية كمتحف لنجيب محفوظ، في إطار خطة استغلال المواقع الأثرية في أنشطة ثقافية»، مشيراً إلى أن «اختيار مبنى تكية أبو الذهب يرجع لقربها من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، كما أنه يقع وسط منطقة القاهرة التاريخية، التي استوحى منها محفوظ أغلب شخصيات وأماكن رواياته».

وقال العناني لـ«الشرق الأوسط» إن «الوزارة وضعت خطة لإعادة استغلال 12 موقعاً أثرياً في أنشطة ثقافية، على غرار متحف محفوظ، إذ يجري حالياً دراسة هذه الخطة، وإعدادها بشكل متكامل».

ويقع المتحف وسط حارة شعبية من تلك الحارات التي أبدع أديب نوبل في تصويرها، ليستقر الأديب العالمي صاحب رواية «أولاد حارتنا» مرة أخرى بين أولاد حارته، ولكن المكان يحتاج إلى إعادة تطوير وتنسيق، وهو أمر بدأته محافظة القاهرة، وجهاز التنسيق الحضاري، بجدارية لمحفوظ، تغطي واجهة سوق شعبية أمام مدخل المتحف. وأكد الدكتور فتحي عبد الوهاب، رئيس صندوق التنمية الثقافية، لـ«الشرق الأوسط» «وجود خطة متكاملة لتطوير المنطقة المحيطة بالمتحف».

ولتجهيز المتحف، انتهت وزارة الآثار من أعمال ترميم وصيانة مجموعة محمد بك أبو الذهب، التي تضم السبيل والمسجد والتكية وحوض الدواب، وذلك ضمن مشروع ترميم وتطوير المباني الأثرية بالقاهرة التاريخية.

ويتكون المتحف من طابقين، يتوسط الطابق الأرضي منهما صحن به صورة لمحفوظ، تحيط به مجموعة من الأبواب باللون الأزرق، وهو اللون الذي تم الاتفاق عليه مع وزارة الآثار ليكون مميزاً للمتحف، ويضم الطابق الأرضي مجموعة قاعات للدراسة والندوات والاطلاع، بينما يحكي الطابق الثاني سيرة حياة نجيب محفوظ، من خلال مجموعة من القاعات تضم الأوسمة والنياشين التي حصل عليها، بينها قاعة خاصة لجائزة نوبل، ومكتبة نقدية تضم الدراسات النقدية عن محفوظ، وأخرى لأعماله بمختلف الطبعات العربية والإنجليزية، وقاعات أخرى تضم بعض متعلقاته الشخصية، أهدتها للمتحف أسرة الأديب الراحل، لعل أهمها مكتبته الشخصية التي تضم كتباً تحمل إهداءً لمحفوظ من مؤلفيها، وبعض الأوراق التي كتبها محفوظ بخط يده في الفترة التي كان يتدرب فيها على الكتابة في أعقاب محاولة اغتياله.

ومحفوظ هو أول مصري يحصل على جائزة نوبل في الآداب، وقد بدأ رحلته مع الكتابة في الأربعينات من القرن الماضي، وبرع في تجسيد الحارة المصرية في «الثلاثية»، وأثارت روايته «أولاد حارتنا» كثيراً من الجدل بسبب تفسير بعض الرموز الدينية بها، حتى تم منعها من النشر في مصر، وكانت واحدة من أربع روايات حصل بموجبها على نوبل للآداب عام 1988، كما كانت سبباً في محاولة اغتياله عام 1995، وتم نقل عدد من رواياته للتلفزيون والسينما.

وتعود فكرة إنشاء المتحف إلى الفترة التالية لوفاة محفوظ، في 30 أغسطس (آب) 2006، حيث طالب المثقفون بإنشاء متحف لنجيب محفوظ لتخليد ذكراه، ليصدر فاروق حسني، وزير الثقافة المصري في ذلك الوقت، قراراً وزارياً عام 2006، يحمل رقم 804، بتخصيص تكية أبو الذهب لإقامة متحف لنجيب محفوظ، وذلك لقرب التكية من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، وهي المنطقة التي استوحى منها محفوظ معظم شخصيات رواياته، وكتب عن كثير من الأماكن بها. وتعرض المشروع لكثير من فترات التوقف بسبب الأوضاع السياسية في أعقاب ثورة 25 يناير (كانون الثاني)2011، وغيرها من الأسباب، ليبدأ التنفيذ الفعلي في عام 2016. وبلغت تكلفة إنشاء المتحف نحو 15 مليون جنيه.

وتكية أبو الذهب أنشأها الأمير الكبير محمد بك أبو الذهب، وتوجد في منطقة الأزهر، وأنشأت عام 1774.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

مساعدات سعودية إماراتية لإنقاذ الموسم الزراعي بالسودان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

تنطلق سفينة محملة بما يزيد على 50 ألف طن من المغذيات الزراعية «اليوريا» واحتياجات المزارعين، من ميناء الجبيل الصناعي بالسعودية إلى ميناء بورتسودان بالخرطوم، بشكل عاجل، لإنقاذ الموسم الزراعي في السودان.

وحسب وكالة الانباء السعودية "واس"، فقد اكد مصدر مسؤول أن هذا الدعم جاء بتوجيه مباشر من قيادتي الإمارات والسعودية استمرارا للمواقف الأخوية والمستمرة لمساندة شعب السودان الشقيق في أزمته الحالية، ولتخفيف العبء عن المزارعين من أبناء السودان، نظرا لكون الزراعة تمثل مصدر دخل رئيسياً لعدد كبير من أهل السودان.

وأوضح المصدر أن هذه المساعدات جاءت امتدادا للدعم المالي البالغ 3 مليارات دولار والذي قدمته السعودية والإمارات، منها 500 مليون دولار كوديعة في بنك السودان المركزي، لدعم الاقتصاد وتخفيف الضغوط على الجنيه السوداني.

وأضاف أن الدعم المباشر للشعب السوداني الذي تقدمه المملكة والإمارات ينطلق من عمق العلاقات بين شعبي الدولتين والشعب السوداني والمصير المشترك الذي يربطهم، واستنادا إلى تاريخ طويل من العلاقات الاستراتيجية والأخوية التي تربط بين شعوب الدول الثلاث في النواحي كافة.

وكانت مصادر اعلامية افادت بوجود خلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في السودان، وذلك عقب إعلان الوسيط الأفريقي، محمد الحسن ولد لبات، تأجيل مراسم توقيع الإعلان الدستوري بين الطرفين. ووفق المصادر فإن الخلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير تتعلق بتبعية وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية، هذا إلى جانب نسب توزيع أعضاء المجلس التشريعي. كذلك ترفض قوى الحرية والتغيير توفير حصانة لأعضاء المجلس السيادي.

فيما أفادت مصادر «سكاي نيوز عربية»، أمس، بأن قوى التغيير طلبت من الوسيط الإفريقي تأجيل الاجتماع ليوم غد الثلاثاء، وذلك لمزيد من التشاور في ما بينها حول المسودة، أكد المتحدث باسم المجلس العسكري الفريق ركن شمس الدين الكباشي عدم تلقي المجلس أي إخطار من الوسيط الإفريقي بشأن تأجيل الاجتماع.

في غضون ذلك، طالب المجلس العسكري الانتقالي السوداني القضاء السوداني بإلغاء قراره بإعادة خدمة الإنترنت في البلاد، وإصدار أوامره بوقف الخدمة على الفور، وذلك بعد أيام من أمر صادر عن محكمة الخرطوم الجزئية بإعادة الخدمة للمشتركين، لحين البت في الدعوى القضائية، حيث ألغت بذلك قرار المجلس العسكري الانتقالي الذي قطع خدمة الإنترنت باعتبارها «مهددة للأمن القومي».

وأمرت محكمة الخرطوم الجزئية شركات الاتصالات السودانية الثلاثاء الماضي، بإعادة خدمة الإنترنت لمشتركيها، لحين البت في الدعوى القضائية المرفوعة من قبل «الجمعية السودانية لحماية المستهلك».

وقال الأمين لجمعية حماية المستهلك د. ياسر ميرغني لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن شخصاً اسمه «حيدر أحمد عبد الله»، تقدم بطلب للمحكمة بإلغاء قرارها بإعادة خدمة الإنترنت للبلاد، باعتباره مستشاراً قانونياً لرئاسة الجمهورية.

عن "إيلاف"

للمشاركة:

الشعبويات العربية الجديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

السيد ولد أباه

في تونس تفيد استطلاعات الرأي حول الانتخابات الرئاسية المقررة في أكتوبر القادم أن المركز الأول في التوقعات يحتله رجل الأعمال المثير للجدل نبيل القروي، مالك قناة «نسمة» الخاصة، بينما يحتل المركز الثاني مدرس القانون الدستوري المغمور «قيس سعيد»، في حين تراجعت إلى حد بعيد حظوظ كل الزعامات السياسية المعروفة بما فيها رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي كان يعتبر الوريث الطبيعي للرئيس الحالي الباجي قايد السبسي.
بعض المعلقين التونسيين ذهب إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة تبين أن «الشعبوية الإسلامية» التي تمثلها حركة «النهضة» تراجعت لصالح أنماط جديدة من الشعبوية تستخدم الشعارات الاجتماعية الأكثر رواجاً، وتتبنى المطالب التعجيزية للشارع.
في السودان حالة شعبوية مماثلة تبرز لدى بعض قوى «الحرية والتغيير» من أقصى اليسار ومن التنظيمات القومية الراديكالية الرافضة لمنطق التوازنات الواقعية، وفي الجزائر هناك الظاهرة نفسها التي قد تعرقل مسار التحول وفق الضوابط الدستورية.
من الواضح إذن تنامي النزعات الشعبوية في الشارع العربي على غرار السيناريو الذي حدث في أوروبا وأميركا الجنوبية، بما يعني تراجع تنظيمات الإسلام السياسي التي استفادت سابقاً من انهيار الأحزاب السياسية التقليدية.
المشكل الذي تطرحه النزعات الشعبوية العربية الجديدة، كما هو حال التيارات الشعبوية إجمالا، هو عدم إدراك الفرق الجوهري بين ثلاثة معاني مختلفة لمفهوم الشعب: المفهوم السياسي الذي يعني الكتلة المندمجة في إطار هوية روحية مشتركة، والمفهوم الاجتماعي الموضوعي الذي يحيل إلى التنوع الطبقي والفئوي بين قوى متصادمة من حيث المواقع والمصالح، والمفهوم الانتخابي الذي يتحدد وفق الموازين الكمية المؤقتة.
فالحركات الشعبوية عموماً تتفق في تحميل الموازين الانتخابية دلالة الهوية الروحية العميقة للأمة بالقفز على اعتبارات التعددية الاجتماعية والتنوع السياسي، بما يعني تمويه الرهانات المجتمعية الحقيقية التي هي الموضوع السياسي الفعلي.
وبالرجوع إلى التحديدات التي بلورها الفيلسوف «جرار براس»، يتبين أن المفهوم الحداثي للشعب يعود في مرجعيته العميقة للتقليد اليوناني الروماني الذي ميز بين المفهوم النخبوي للشعب الذي تعبر عنه مقولة populis التي تشمل المواطنين المشاركين في نظام الدولة، والمفهوم الاجتماعي الذي تعبر عنه مقولة plebs أي عموم الناس من الطبقات السفلى التي لا مكان لها في دائرة التشاور والقرار، والمفهوم العرقي النسبي الذي تحيل إليه مقولة ethnos أي المجموعة التي تتقاسم الأصول والثقافة والتقاليد الخصوصية.
وفي القرن السابع عشر، برزت لدى فلاسفة الحداثة مقولة «الجمهور» multitude التي تعني الكتلة الحية من الفرديات الحرة المستقلة قبل حالة الانتظام السياسي في شكل الدولة التعاقدية (الشعب من حيث هو أمة).
لقد لاحظ المفكر المغربي عبد الله العروي أن الدولة الإسلامية التقليدية لا مكان فيها للعامة، من حيث هي جسم سياسي، بل هي مسألة سلطان وخاصة، فالعامة مصدر خطر دائم يتهدد النظام العام واستمرار السلطة والحكم، في حين أن الخاصة هي عماد المجتمع ومركز القرار. وإذا كان البعض يربط بين هذه الملاحظة وهشاشة القاعدة السياسية للدولة العربية، فإن هذه الحقيقة لا تنفي أن المجتمع السياسي العربي الوسيط كان أقوى من الدولة وأكثر تماسكاً، وإن لم يعرف من التركيبة التي يتحدث عنها «براس» سوى العامة (أو الدهماء) التي تحيل إلى شبح الفتنة أو مقولة الشعب التي تعني في المعجم الوسيط القبيلة الكبيرة.
وقد يكون مفهوم الأمة في ما وراء دلالته الدينية الضيقة (جماعة الدعوة أو جماعة الاعتقاد) هو الأقرب لمفهوم الشعب في دلالته الحديثة، لما يربط بينهما من فكرة الائتلاف المؤسس على نواميس جامعة: الشريعة في التقليد الإسلامي والقانون المدني في التقليد الحديث.
بيد أن ما يميز الأمة في التجربة التاريخية الإسلامية عن الأمة بالمفهوم الحديث ليس الطبيعة الدينية للولاء والانتماء، فقد كانت الدولة الإمبراطورية الإسلامية في الغالب متعددة النسيج الديني، كما أنها طورت أشكالا متعددة من الرابطة السياسية تدخل في باب المواطنة بالمعنى الراهن، إلى حد أن المستشرق المعروف ماسينيون اعتبر أن الدلالة الوحيدة للأمة في السياق الإسلامي هي إرادة العيش المشترك وليس الهوية الدينية أو العصبية. إن الفارق الأساسي بين الدلالتين هو أن المفهوم الحديث للشعب أو الأمة يقوم على نفي الطابع التعددي الاختلافي في الجماعة (أي الجمهور)، في حين أن الحقل السياسي في نظام الاجتماع السياسي في الإسلام الوسيط لم يقوض أو يذوب حركية المجتمع الأهلي.
ومن هنا نخلص إلى أن الخطر الذي تمثله الشعبويات في نسختيها، الإسلامية المؤدلجة واليسارية الراديكالية، هي تأجيج الفتنة داخل مجتمعات هشة لم تستطع فيها الدولة بعد عقود من الاستقلال تأمين الجسم الاجتماعي وبناء هوية وطنية متماسكة وصلبة، في حين أن الجماعة التي كانت في السابق محور توازن وتماسك هذه المجتمعات تحللت وانهارت بانهيار التقليد الوسيط نفسه.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية