"تاريخ التكفير في تونس" إذ تكتبه السلطتان الدينية والسياسية

إزاء موجة التّكفير التي طفت على السّطح إثر الثّورة التونسية، بات من المهم البحث في تاريخ هذه الظاهرة في السياق التونسي، الذي يعدّ في حدّ ذاته أنموذجاً مصغراً للسياق العربي والعالمي، من حيث العوامل المتحكمة في ظاهرة التكفير وسياقاتها. ومن الضروري الكشف أيضاً عن الأسباب العميقة المنتجة لهذا الخطاب التكفيري الذي أضحى ملازماً لخطاب جماعات إرهابية كثيرة، اعتمدته مبرراً للعنف والقتل والتخريب، وهو ما يبحث فيه شكري المبخوت في كتابه "تاريخ التكفير في تونس"، الصادر عن دار "مسكلياني" للنشر والتوزيع في الشهر الماضي في 351 صفحة.
أصل التكفير: دين أم سياسة؟
تضمن الكتاب أربعة فصول؛ أوّلها "مدخل إلى التكفير"، وثانيها "قصة تكفير عبد العزيز الثعالبي ومحاكمته"، وثالثها "مأساة الطاهر الحداد مع إكليروس الزيتونة"، ورابعها "فضيحة المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة".

سعى شكري المبخوت إلى كشف القاع الأيديولوجي والسياسي الذي كان الدافع الحقيقي لتكفير كلّ من الثعالبي والحداد وبورقيبة

حرص المبخوت على تذييل كل من الفصول الأربعة بجملة من الملاحق والنصوص ذات العلاقة بمضامين كل فصل لمزيد التوضيح ولوضع القارئ وجهاً لوجه مع النصوص التي مثلت إشكاليات في فهمها كي يكون طرفاً في التأويل الخاص لتلك النصوص واتخاذ موقف من تحليل الكاتب وفهمه لتلك الوقائع التاريخية بالقبول أم بالرفض.

غلاف الكتاب
ينطلق الكتاب من افتراض مسبق يسعى لتأكيده على امتداد القضايا الثلاث التي ناقشها مفاده أنّ التكفير في الظاهر يتخذ وجهاً "شرعياً" متصلاً بالدين والعقيدة، غير أنّ مهمة الباحث أن يذهب بالوقائع إلى ما هو أبعد، قصد الكشف عن جوهرها السياسي المتحكم فيها. ولتحقيق ذلك جعل المبخوت النظر "في السياقات والأبعاد والأفكار والتفاصيل التي حفّت بالقضايا التكفيرية الكبرى في التاريخ التونسي" رهاناً لكشف القاع الأيديولوجي والسياسي الذي كان الدافع الحقيقي لتكفير كلّ من الثعالبي والحداد وبورقيبة، "فلا يغرننا الإيهام بأنّ المسألة عقائدية محضة، يتكلم فيها أهل العلم من الفقهاء والقضاة. فهؤلاء يمثلون بالقدر نفسه جملة من التصورات الاجتماعية ويمارسون سلطة روحية في ظاهرها تلتقي مصلحياً مع السلطة السياسية" (ص. 25).
في مسار التكفير
ولئن كان الكتاب قد ناقش القضية اتكاء على ثلاثة نماذج، فإنّ غايته أبعد من ذلك بالتأكيد، لأنّ الآليات المتحكمة في ظاهرة التكفير واحدة تقريباً، رغم ما قد تختص به قضية من القضايا من حيثيات أو تفاصيل صغيرة تجعلها مختلفة عن غيرها، دون أن تخرجها عن مسار التكفير الذي يحدده المبخوت بدءاً بإبداء أحد المثقفين أو المفكرين رأياً يصطدم برأي يرقد في طمأنينة في أذهان الناس ضمن خانة تكون عادة تحت اسم "المعلوم من الدين بالضرورة"؛ هذا ما يولّد الخطوة الثانية في المسار وهي التكفير الرسمي من قبل مؤسسة دينية رسمية أو مثقفين آخرين ممن اطمأنوا إلى المستقر والثابت المستمد عادة من الماضي، ويرافق ذلك حملة من التحريض والتجييش والتفسيق والتكذيب قد تصل حد العنف (وما حصل مع الثعالبي والحداد دليل على ذلك إذ يذكر الكاتب أنّ بعضهم كان يرميهم بالحجارة حتى صاروا يتنقلون محتمين بأصدقائهم). ثمّ تتنامى القضية ككرة الثلج وتتسع دائرتها إلى أن تصبح قضية رأي عام وتخرج عن كونها كلمات قيلت في مقهى (مثل حالة الثعالبي) أو أفكار نشرت في كتاب (حالة الحداد) أو آراء قيلت في خطاب سياسي (حالة بورقيبة).

اقرأ أيضاً: كيف يصنعون الظلام؟.. تفكيك ثالوث الطائفية والتكفير والإرهاب
عادة ما تتوحد السلطتان على قضية التكفير وتناصر كل منهما الأخرى

الحفر في الأسباب
لم يكتف الكاتب بتتبع مسارات وقائع تكفير النماذج الثلاثة المذكورة ورصد تفاصيلها اعتماداً على ترسانة من المراجع الدقيقة وفحصها والمقارنة بينها في أكثر من مناسبة وتدقيق ترجماتها وطبعاتها المختلفة، بل حفر عميقاً في الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تكفير الثعالبي والحداد وبورقيبة. ولئن كانت جمعيها تشترك في ما تزيّت به من غلالة دينية عقدية معلنة في خطابات التكفير، فإنّ السبب الأعمق والدافع الأهمّ في نظر الكاتب هو الدافع السياسي. فإذا كانت السلطة السياسية (الباي) تستمد مشروعيتها من السلطة الدينية (الزيتونة) فإنّ أي مساس بالثانية يعدّ تهديداً للأولى، لذلك عادة ما تتوحد السلطتان على قضية التكفير وتناصر كل منهما الأخرى.

تتزيا ظاهرة التكفير بالعقدي والديني ولكنها في العمق سياسية أيديولوجية وتستهدف كل من يخوض في الشأن الديني

يكشف المبخوت أهمية البعد السياسي في الحملة ضد الحداد بالعودة إلى العام 1925 عندما قرر محمد علي الحامي تأسيس أول نقابة وطنية باسم "جامعة عموم العملة التونسيين" التي عارضها اتحاد النقابات الفرنسي بمباركة من قيادات الحزب الحر الدستوري الذي كان يسيره محيي الدين القليبي رفقة الطاهر الحداد، وإن لم تكن للثاني صفة رسمية في الحزب. حينها اعتبر الحداد أنّ موقف الحزب كان "خيانة لحركة محمد علي التي ساندها الحزب أول ظهورها" (ص 190) وصار للحداد مساندون من الحزب سيسمون فيما بعد "عصابة الحداد" لما يبرز الانشقاق الأكبر في الحزب سنة 1934. وبناء على هذا يعتبر الكاتب أنّ "اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري كانت وراء الحملة وتحديداً محيي الدين القليبي" (ص 191).

اقرأ أيضاً: "شغور الزمان".. حجة التكفيريين للخروج على الحكومات
ولا يغفل الكاتب أهمية البعد الأيديولوجي في الحملة على الحداد خصوصاً وقد بدأ في تلك الفترة بروز تيارين في فهم الإسلام: تيار المحافظين وتيار المجددين. يقول: "والبيّن من ناحية أيديولوجية تفكيك الإسلام إلى إسلامين: إسلام الجمود وأتباع الماضي والتعلق بما انقضى، إنه إسلام الموت، وإسلام التطور والحرية والتعلق بالمستقبل، إنه إسلام الحياة" (ص. 199)
ملامح المكفِّرين
كشفت السجالات التي اعتملت خلال تكفير الثعالبي والحداد وبورقيبة الأسباب الكامنة وراء تكفيرهم، وهي في جوهرها سياسية وأيديولوجية، في أنّها رسمت صورة واضحة لمن أطلقوا حملات التكفير؛ فشيوخ الزيتونة الذين كفروا الحداد والثعالبي لا يختلفون في شيء عن عبد العزيز بن باز الذي كفر بورقيبة وأرسل له يستتيبه دون أن يحظى برد، هؤلاء سرعان ما يتحول جدالهم، إلى ضرب من إلقاء التهم بما أنهم لا يستندون إلى أساس عقلي يقارعون به الحجة بالحجة، إنما يتكئون على ترسانة من النصوص ينقلونها كما استقر فهمها من المدونة الفقهية، غير مبالين بنقاط التقاطع والتنافر بينها وبين الواقع الذي يتغير بنسق حثيث، لذلك اتهم الحداد بخدمة التبشير المسيحي، وبورقيبة بالعمالة للاستعمار، والثعالبي بخدمة فرنسا والغرب (ص. 336).

 عبد العزيز بن باز
بالإضافة عن هذا رفع الجميع شعار "المعلوم من الدين بالضرورة"، وهو الأداة الأمثل لغلق باب العقل وتكريس العادة والمستقر والمتواتر المطمئن، وهذا يجرهم تباعاً إلى نفي صفة الاجتهاد عن الثلاثة (الثعالبي والحداد وبورقيبة) نفياً يسقط مشاريعهم من جهة ويثبت الأهلية للمكفِّرين بما أنّهم – في اعتقادهم، وبمباركة السلطة السياسية - "سدنة الدين ومحتكرو المعنى الديني الذي لا يحق لغيرهم أن يقترب منه" (ص. 337)
التكفير راهناً
إذا كان كتاب المبخوت انكباباً على تاريخ التكفير وكشف ملابساته والآليات المتحكمة فيه، وحفراً في أسبابه الظاهرة المعلنة والخفية التي لا تظهر إلا بربط الأحداث والتفاصيل، فإنّ التكفير ليس موضوعاً يمكن طيه بسهولة، كما أنه ليس ملفاً من الأرشيف، بما أنّ حملات التكفير مازالت مستمرة في تونس والعالم العربي والإسلامي على كل من يخوض في الشأن الديني. إنه موضوع راهن لا بنتائجه فحسب: التكفير، بل بالعوامل المنتجة له. والدليل الأوضح على ذلك أنّ الجدل الذي رافق طرح قضية المساواة منذ ثمانين عاماً، كما يؤكد الكاتب، مازال يرافق القضية نفسها في زمننا. والسبب الرئيس أنّ البنية المنتجة له فكرياً واجتماعياً مازالت قائمة لم تتفكك بعد، بل إنّها تعبر عن قوة وجودها بالتحكم في المشهد السياسي وتشكيله وتطويعه لخدمة أجنداتها، والمحرك الأبرز لها طبعاً والمستفيد الأوحد منها هو الإسلام السياسي.

الأقسام: