الأزهر وأوكسفورد.. بداية واحدة ومآلات مختلفة

صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
2692
عدد القراءات

2019-04-24

يحكي مسار التعليم الديني بين الجامع الأزهر وأوكسفورد قصة حضارتنا وحضارتهم؛ بين الانعزال والتفاعل، والوصاية والاستقلال، بدأ التعليم بالجامع الأزهر، أقدم مدارس الشرق، العام ٩٨٩، وبعده بحوالي مئة عام، تأسست "أوكسفورد"، أقدم مدارس الغرب الناطقة بالإنجليزية، على غرار الأزهر في قواعده وأروقته العلمية، ونظامه الوقفي، وفي الوقت الذي لم تكن أوروبا قد عرفت المكتبات العامة، كانت مكتبة الجامع الأزهر، في القرن العاشر الميلادي، تحتضن مليوناً وستمائة ألف كتاب، وذلك قبل أن يُفكّر الخليفة في بيعها؛ ليُسدّد المرتبات المتأخرة للجند والموظفين.

اقرأ أيضاً: الأزهر يجدد نفسه لمواجهة أنجع مع جماعات الإسلام السياسي
لكن سرعان ما تجمّد الأزهر، وتحرّكت أوكسفورد، التي سبقت الأزهر، بسبعة قرون، في التحوّل إلى نظام التعليم الحديث في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي؛ فأنشأت كليات العلوم والفنون بينما تأخّر الأزهر في ذلك إلى منتصف القرن العشرين عندما دُفع إليه دفعاً العام ١٩٣٠.

يلخص مسار التعليم الديني بين الجامع الأزهر وأوكسفورد قصة حضارتنا وحضارتهم

وفي الوقت الذي جمد فقه الوقف في الأزهر، وفسدت نظاراته، طوّرت أوكسفورد نظامها الوقفي ملتزمة في إدارته بشفافية مالية وقانونية صارمة؛ ليصل الوقف العام ٢٠١٧ إلى نحو ١٤٢٩ مليون إسترليني (١٧٨٦ مليون دولار)، متمتعة باستقلالية عن الحكومة البريطانية في إدارة كامل شؤونها، حتى أصبحت واحدة من أفضل عشر جامعات عالمية.
وبالقدر الذي شجّعت أكسفورد مبكراً محاولات النقد، ومحاكمة أنساق المجتمع الثقافية، والدفع نحو المزيد من التفكير العلمي والعقلانية والإبداع والتفاعل مع متطلبات الواقع بما يُحدث حالة من التطوير والتغيير المستمر، أُحبطت تلك المحاولات في الأزهر قديماً؛ مثلما حدث مع أول دراسة نقدية لنظام التعليم الأزهري، للشيخ محمد الأحمدي الظواهري، في كتابه "العلم والعلماء ونظام التعليم"، العام ١٩٠٧، الذي أغضب أروقة الأزهر، والخديوي عباس حلمي الثاني، حتى أنّ شيخ الجامع الأزهر، الشيخ الشربيني، أمر بإحراق مخطوطة الكتاب الأولى.
ومثلما حدث مع الشيخ عبد المتعال الصعيدي في محنته الأولى، عندما نشر كتابه "نقد نظام التعليم الحديث في الأزهر"، العام ١٩٢٤، منتقداً نظام العالمية الجديد (الإجازة العالية) لما فيه من تكرار لسلبيات النظام القديم من إهمال التخصص في العلوم، واقتصار كتبه على متون غامضة معقّدة تدور حولها الحواشي والشروح، واعتماده على طريقة تقليدية تلقينية في التدريس، لا تعنى بتربية مَلَكة الفهم والنقد، وتفتقد التدرّج، فتأخذ المبتدئين بما تأخذ به المنتهين، داعياً إلى تعليم اللغات، وإرسال بعثات إلى أوروبا، وإنشاء نادٍ ومجلةٍ للأزهر، وإنشاء مجمع علمي ولجنة تأليف، ومطبعة، فقامت الدنيا، ولم تقعد، وأُحيل للتحقيق الذي أوصى بعزله من المعاهد الدينية إلا أنّ العُقوبة خُففت إلى دون ذلك.

اقرأ أيضاً: الأزهر والإخوان المسلمون.. صراع يتجدد
وفي الوقت الذي احتفظت فيه أوكسفورد عبر تاريخها بمسافات كافية تفصلها عن تقلبات السلطة السياسية، عجز الأزهر عن قطع الحبل السري الرابط بينه وبين السلطة السياسية، فمن رحم المشروع السياسي، وبتوجيهٍ منه، وُلد إصلاح الفكر الديني وتطوير التعليم الأزهري، مما جعله تابعاً له، ومتأثراً به، بل ومغضوباً عليه أحياناً؛ إذ لا تخلو العلاقة بين الإصلاحي والسياسي في تجاربنا الحديثة من وقوع تعارض يُؤدي إلى التضحية بالإصلاحي، بل ومعاقبته، فبعد جهود الشيخ الأزهري، رفاعة الطهطاوي، في تأسيس المدارس وإدخال العلوم الحديثة وإتاحة الفرصة لتعليم المرأة في عهد محمد علي، نُفي الشيخ رفاعة الطهطاوي إلى السودان، وأُوقف مشروعه في عهد الخديوي، عباس الأول، في ٤ كانون الأول (ديسمبر) ١٨٤٨.

رغم أسبقية تأسيس الأزهر بمئة عام لكن سرعان ما تجمّد وتحرّكت أوكسفورد التي سبقته بسبعة قرون

وبعد موت عباس الأول، ١٦ تموز (يوليو) ١٨٥٤، وتولّي  الخديوي سعيد باشا حكم مصر، أمر بعودة الطهطاوي من منفاه، وأسند إليه نظارات مدارس: الحربية والهندسة ومصلحة الأبنية، ومشروع مطبعة بولاق لطبع كتب التراث، لكن فجأة، على عادة الشرق، عزل الخديوي الشيخ الطهطاوي من العمل، العام ١٨٦١، وبقي دون عمل رسمي إلى أن مات الخديوي سعيد.
وفي محفل تتويج الخديوي توفيق على عرش مصر، قدّم الخديوي السيد جمال الدين الأفغاني إلى المصريين قائلاً: "أنت موضع أملي في مصر، أيها السيد"، ولم تمر سوى بضعة شهور حتى أمر الخديوي بترحيل "أمله" عن مصر، في ٢٤ آب (أغسطس) ١٨٧٩، وتحديد إقامة تلميذه الشيخ محمد عبده في قريته، حتى عفا الخديوي عن الشيخ بعد عام من الإقامة الجبرية، وأسند إليه رئاسة تحرير جريدة "الوقائع" المصرية، لكن سُرعان ما غضب عليه الخديوي مرة ثانية، وأصدر أمراً بنفيه خارج مصر؛ لمشاركته في ثورة عرابي ١٨٨١، ثم عاد وعفا عنه بعد ستّة أعوام من النفي، وسمح له بالعودة إلى مصر شريطة ألا يعمل بوظائف التعليم.

اقرأ أيضاً: عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: تنقية المناهج لمواجهة خطر فكر الإخوان
ورث عباس حلمي الثاني حكم مصر بعد موت أبيه، فقرّب الشيخ محمد عبده، وأسند إليه وظيفة أول مفتٍ للديار المصرية، وعضوية مجلس إدارة الأزهر، لكن لا تكاد تمضي بضعة أعوام حتى يغضب الخديوي على الشيخ؛ ويُؤلب عليه الجامدين من علماء الأزهر، وزاد الطين بلّة فتوى الشيخ وقتها بجواز الأكل من طعام غير المسلمين، والتزيّي بزيهم (البدلة)، فاتّهم الشيخ في دينه، واضطر إلى الاستقالة من مجلس إدارة الأزهر، ولاحقته الإساءات حتى مات حُزناً، في ١٥ تموز (يوليو) ١٩٠٥.

بينما جمد فقه وقف الأزهر طوّرت أوكسفورد نظامها الوقفي حتى وصل إلى ١٧٨٦ مليون دولار العام 2017

وفي عهد الملك أحمد فؤاد الأول؛ تُسند مشيخة الأزهر إلى الشيخ محمد مصطفى المراغي، الذي يُشكّل لجنة برئاسته لدراسة سُبل إصلاح الأزهر، منتهياً إلى ما عُرف تاريخياً بمذكرة المراغي الإصلاحية، التي أثارت سخط الملك والجامدين من الأزهريين، وزادت الأمر سوءاً فتوى الشيخ بجواز ترجمة معاني القرآن الكريم التي نُظر إليها بأنها باب لتحريف القرآن الكريم، واضطر الشيخ إلى تقديم استقالته، في ٢ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٢٩، والابتعاد عن الأزهر قرابة خمسة أعوام، حتى ثار طلاب الأزهر مطالبين بعودة الشيخ "المراغي" هذه المرة، ليس من أجل مذهبه الإصلاحي؛ بل لقوّته في الدفاع عن حقوقهم، فلم يعد خريجو الأزهر وحدهم من يعمل بوظائف القضاء والتعليم، فبات ينافسهم بقوة خريجو مدارس القضاء الشرعي ودار العلوم، سيما أنّهم يجمعون بين العلوم القديمة والحديثة، وهذا ما دفع الأزهريين إلى قبول إجراءات إصلاحية محدودة من الشيخ المراغي، ومن قبله الشيخ الأحمدى الظواهري، أهمّها: إدخال بعض العلوم الحديثة إلى الأزهر، بعد عقود من الجمود والتقليد والرفض لمحاولات الشيخ محمد عبده.

اقرأ أيضاً: لماذا تدخّل شيخ الأزهر في قضية طالبة المنصورة؟
وفي عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ومشيخة الإمام محمود شلتوت للأزهر؛ صدر قانون العام ١٩٦١ لتطوير الأزهر، متضمناً حزمة من الإصلاحات التي قبلها الأزهريون على مضض وارتياب، فأُعيدت هيكلة الكليات الشرعية، وللمرة الأولى؛ أنشئت الكليات غير الشرعية، ومعهد للطلاب الوافدين، ودخلت اللغات الأجنبية ضمن برامج التعليم، وسُمح للفتيات بالالتحاق بالأزهر، لكن كما منحَ القانون للأزهر سلبَ منه، فنُقلت صلاحيات شيخ الأزهر إلى وزير خاص بشؤون الأزهر مما دفع بالشيخ محمود شلتوت إلى تقديم استقالته.

اقرأ أيضاً: عبدالغني هندي: التجديد الديني إشكالية لا تتعلق بالأزهر وحده
هكذا جاء تطوير الأزهر متأخراً عن أوكسفورد قرابة سبعمئة عام، وشأن كلّ محاولة إصلاحية تأتي من أعلى تمسّ الحجر وتخطئ الإنسان، تُغيّر في الشكل واللوائح لكنّها لا تنجح في إقناع العقول بضرورة استكمال مسار التغيير، فالمشروع السياسي للخديوي، ثم الملك، ثم الرئيس، هو ما دفع الأزهريين نحو التغيير، وليس قناعتهم بالرؤية الإصلاحية التي طرحها إصلاحيون، أمثال الطهطاوي أو عبده أو شلتوت، وفرق كبير بين أن يكون الإصلاح جوهرياً حقيقياً نابعاً من حيوية وتفاعل الأزهر مع أفكار التراث المتنوعة، ولمواجهة تحديات الواقع، ومجيباً عن أسئلة الحاضر، ومنفتحاً ومُشتبكاً مع الحضارة الحديثة، وبين أن يكون إصلاح الفكر الديني لتحقيق غايات سياسية مباشرة يُصيبها التغيّر أو التراجع أو الفتور.

في الوقت الذي احتفظت فيه أوكسفورد تاريخياً بمسافات كافية عن السلطة السياسية عجز الأزهر عن ذلك

فلم تختلفْ تجربة الشيخ شلتوت مع الرئيس عبد الناصر عن تجربة الشيخ رفاعة الطهطاوي مع محمد على باشا وأبنائه، ولا عن تجربة الشيخ محمد عبده مع الخديوي توفيق وعباس حلمي الثاني، ولا عن تجربة الشيخ المراغي مع الملك فؤاد وفاروق؛ فكلّ واحدة منها مثّلت حلقة من حلقات التداخل بين المشروع السياسي ومسار إصلاح الفكر الديني، مما أضعف المسار الإصلاحي؛ فرغم أنّ الإصلاح، كفاعلية فكرية، نوع من ممارسة السياسة بآليات الفكر، وكون الممارسة السياسية نوعاً من ممارسة الفكر بآليات السياسة إلا أنّ بينهما اختلافاً نوعياً من حيث الآليات والغايات؛ ففي الوقت الذي تنشغل الممارسة السياسية بالهموم الآنية للسلطة، وتسعى نحو اليومي والمتغير والمباشر في خضم انشغالها باتخاذ القرارات، ينشغل المفكر الإصلاحي بتحليل وتفسير ظواهر أكثر عُمقاً وأبعد مدى، ويسعى نحو الجوهري والثابت والحقيقي الذي يقترب من حدود العلم.
ارتباط إصلاح الفكر الديني بالمشروع السياسي للسلطة ينحرف بالإصلاحيين عن مسارهم الحقيقي ويُدخلهم في دائرة البحث الدائم عن مبررات دينية للمواقف السياسية، فالسلطة تُراهن تارةً على مؤسسات الخطاب الديني الرسمي، وتارةً على الخطابات الدينية غير الرسمية؛ فقد راهن الملك فاروق في صراعاته الأخيرة مع الوفد على جماعة الإخوان المسلمين في ظلّ ضعف وهامشية تأثير أشكال العمل الإسلامي التقليدي حينها الأزهر والطّرق الصوفية وأنصار السنة المحمدية، وشهدت الحقبة الناصرية في بدايتها تقارباً مع "الإخوان المسلمين"، ثم اختلافاً ومواجهة لخطابهم بخطاب ديني رسمي أزهري، ثم عادت وتصالحت الحقبة الساداتية مع الجماعات، فانطلقت من الجامعات المصرية الجماعة الإسلامية التي خرج منها التيارات السلفية وجماعة الإخوان المسلمين (التأسيس الثاني)، وعشرات الجماعات الجهادية، مستمدة تلك الجماعات زخمها من توحدها المزعوم مع دعوة الإسلام، وسعيها المستمر لاستعادة الأصل الديني الغائب، من منظورها، الخلافة الإسلامية.
وفي ظلّ تلك السجالات المتكررة يتراجع التجديد والإصلاح الذي يتطلب حيويّة فكرية، لا تنبع من المكانة الروحية لمؤسسة أو مدينة؛ ففي فترة ازدهار الحضارة الإسلامية نهضت مدن وليدة مثل البصرة والكوفة، ولم تنهض مدن ذات مكانة روحية مثل مكة والمدينة، فالنهوض الذي يسبقه إصلاح يأتي من تشجيع التفكير الإبداعي الحرّ والتواصل النقدي الخلاق مع الحضارة الحديثة للاستفادة من آليات إنتاج المعرفة في مجالات الدارسات الإنسانية، ومواجهة الاستقطاب الأيدلوجي والشّحن العاطفي بمزيد من العقلانية والحوار، والتصدى لدعوات الكراهية والتّعصب بالدعوة إلى التسامح والتعايش.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف سعى حزب الله لتصدير الثورة الإيرانية خليجياً؟‎

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-07-16

يعد حزب الله اللبناني أبرز وكلاء إيران لاختراق دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال استثمار لبنانيين يعملون في دول الخليج، إضافة إلى استثمار أبناء الأقلية الشيعية العربية في دول مجلس التعاون، والمنتشرين في معظم دول الخليج بنسب متفاوتة، تتركز غالبيتها في المنطقة الشرقية بالمملكة  العربية السعودية والبحرين، إضافة إلى نسب أقلّ في الكويت والإمارات وقطر.

اقرأ أيضاً: هل تصنّف ألمانيا حزب الله اللبناني منظمة إرهابية؟

وتحفل سجلات القضاء والمحاكم في السعودية والبحرين والكويت، إضافة إلى الإمارات، بالعديد من القضايا، التي ما يزال بعضها منظوراً فيه، حول نشاطات غير مشروعة، تستهدف تقويض الأمن الوطني للدول المذكورة، من خلال ضبط "خلايا" تمّ تشكيلها من قبل مواطنين وعناصر إيرانيين، وعناصر تابعين لحزب الله اللبناني، تحت مسمّيات مختلفة: "حزب الله/ الحجاز"، و"حزب الله/ البحرين"، وبيّنت تحقيقات مع عناصر تلك الخلايا وجود شبكات معقدة، قاسمها المشترك تخطيط وتمويل من الحرس الثوري الإيراني، وتنفيذ ودعم لوجستي ومالي من حزب الله اللبناني، وتدريبات عسكرية في معسكرات بإيران والعراق، ولدى حزب الله في لبنان، واستغلال لظروف العراق بعد عام 2003، بوصفه ساحة تدريب، واستثمار زيارات الأماكن الدينية المقدسة في النجف وكربلاء، إضافة إلى المشهد وقم الإيرانيتين، في عقد الاجتماعات ووضع الخطط التي تستهدف دول مجلس التعاون.

ازداد الاستهداف الإيراني لدول الخليج بعد التطورات التي شهدها العراق منذ 2003 إضافة للتحولات باليمن وما يجري بسوريا ولبنان

ورغم أنّ دول الخليج تقع في إطار الاستهداف الإيراني، إلا أنّ هذا الاستهداف يتفاوت في حجمه وسعة انتشاره وتأثيره من دولة لأخرى، والذي ازداد بعد التطورات التي شهدها العراق منذ عام 2003، إضافة إلى التحولات في اليمن، وما يجري في سوريا ولبنان، وإعلان القيادة الإيرانية أنّها تسيطر على أربع عواصم عربية، هي: بغداد، دمشق، بيروت، وصنعاء.

إنّ المخاوف الأمنية من انكشاف العلاقات المباشرة بين الحرس الثوري الإيراني والأجهزة الأمنية الإيرانية مع التنظيمات "الشيعية" المعارضة في دول مجلس التعاون الخليجي، دفعت إيران لإيجاد وسيط "طرف ثالث" يقوم بتلك المهمة، فكان حزب الله اللبناني الأكثر وفاءً للقيادة الإيرانية وولاية الفقيه، وهو ما أعلنه زعيم الحزب، حسن نصر الله، مراراً، وبأنّ موازنة الحزب كلّها تأتي من إيران؛ حيث قام الحزب بهذه المهمة في علاقاته بالتنظيمات الشيعية الخليجية، ارتباطاً بـ "سهولة" الحركة بالنسبة إلى كوادر وعناصر تلك التنظيمات من وإلى لبنان، وفتح مكاتب تنسيق لتلك التنظيمات في الضاحية الجنوبية، تحت حماية حزب الله، وتوفير معسكرات التدريب والأسلحة.

اقرأ أيضاً: عقوبات بريطانية جديدة على حزب الله اللبناني

ومن خلال متابعة نتائج تحقيقات معلنة في السعودية والبحرين والكويت، فإنّ دور حزب الله اللبناني في تنفيذ إستراتيجية تصدير الثورة الإيرانية إلى دول مجلس التعاون، يتخذ عدة أشكال أبرزها:

أولاً: بناء علاقات مع المراجع الدينية الشيعية العربية، والترتيب لعقد مؤتمرات لها في العراق، النجف وكربلاء، ومؤتمرات في لبنان، تستثمر المناسبات الدينية للطائفة الشيعية، وتؤكّد على ضمان ولاء تلك المراجع للولي الفقيه الإيراني، علي خامنئي، وتعمل على الحيلولة دون ظهور أية مرجعية شيعية عربية معارضة لمبدأ ولاية الفقيه "الإيرانية"، وقد نجحت جهود حزب الله اللبناني، بالتعاون مع القيادة الإيرانية، في عزل العديد من المراجع الشيعية العربية، خاصّة الرافضين لولاية الفقيه، المختلَف عليها في أوساط المراجع الشيعية؛ من خلال تشكيل مجالس دينية ترعى أبناء الطائفة الشيعية في كلّ دولة، تسمى "المجلس العلمائي"؛ وهي مجالس بمهمات سرية تنفّذ أجندة إيرانية، وظاهرها رعاية أبناء الطائفة الشيعية في كلّ دولة، بما في ذلك الإفتاء في المعاملات والتجارة، وجمع أموال "الخمس"، وتأمينها للقيادة الإيرانية.

اقرأ أيضاً: بهذه الطريقة تهرّب إيران الأسلحة لحزب الله اللبناني

ثانياً: شكّل الحزب قاعدة إيرانية متقدمة في توفير الدعم اللوجستي للأحزاب والتنظيمات الشيعية والسنّية الموالية لإيران، من خلال توفير ملاذات آمنة ومعسكرات تدريب لها في لبنان، وقد أسهمت تطورات العراق، بعد عام 2003، وإنشاء الحشد الشعبي العراقي، في توسيع أدوار حزب الله اللبناني، وتبادل عمليات التدريب في قواعد الحشد الشعبي العراقي، داخل العراق، وفي لبنان؛ حيث يتم استقطاب العناصر الخليجية وإرسالها إلى لبنان والعراق، ومن هناك إلى إيران لتلقّي التدريب.

اقرأ أيضاً: هل يكرس حزب الله اللبناني فكرة العبودية؟

ثالثاً: يدير حزب الله اللبناني، وبأموال إيرانية، شبكة إعلامية وثقافية واسعة، من خلال العديد من المواقع الإخبارية والصحف، إضافة إلى فضائيته المعروفة "المنار"، والتي تتعاون بشكل وثيق مع الفضائيات الإيرانية الرسمية الناطقة بالعربية، مثل: "العالم"، و"الميادين"، والعديد من المحطات الفضائية "الشيعية" العراقية، والتي تكاد تبثّ مضموناً إعلامياً واحداً، يستهدف بثّ رسائل حول قوة إيران وانتصاراتها، ولا تخلو تلك المضامين من إثارة الصراعات المذهبية، وإعادة إنتاج مفردات وقواميس المظلومية التاريخية، والتبشير بقرب "الفرج" والنصر.

أوجدت إيران حزب الله اللبناني كوسيط بينها وبين التنظيمات الشيعية المعارضة في دول مجلس التعاون الخليجي

وقد وقع الجهد الإعلامي لحزب الله، خاصة من خلال محطة "المنار"، في تناقضات مكشوفة؛ إذ تمّ اعتبار ما جرى في البحرين عام 2011 "ثورة"، فيما تمّ اعتبار الثورة السورية، خاصة مع انطلاقة مراحلها الأولى (قبل عسكرتها)، بأنّها "تمرّد"، وتتعامل "المنار"، حتّى اليوم، مع تطورات السودان والجزائر، بما يخدم المشروع الإيراني.

رابعاً: رغم اتخاذ القيادة الإيرانية، ومعها حزب الله، موقفاً معادياً للمنظمات الحقوقية الدولية، المعنية بالحرية والديمقراطية، "والتي تحفل بإدانات واسعة ومتكررة للقيادة الإيرانية، ومدى التزامها بمنظومات حقوق الإنسان"، إلا أنّ الحزب عمل على تمويل العديد من تلك الهيئات في دول الخليج، خاصة في مملكة البحرين، وقام عبر مؤسسات بتقديم تدريب للعاملين فيها على كيفية إعداد التقارير الدورية حول حالة حقوق الإنسان في الدول المستهدفة، وبثّ تقاريرها؛ حيث تكون مصدراً لتقارير المنظمات الدولية.

للمشاركة:

لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟

2019-07-16

يعتكفون في مساجدهم لطلب العلم الشرعي، يتمدّدون تحت أعين الأنظمة، ينهمكون بحماس لافت في أنشطتهم الاجتماعية والدعوية، عبر مؤسسات تحظى عادة بشرعية قانونية، عمر بعضها يتجاوز القرن من الزمن، يتابعون هزائم الإخوان والجهاديين، بتعاطف أحياناً وشماتة أحياناً أخرى.

تحدّثهم أنفسهم بأنّهم وحدهم من تفوق على الأنظمة السياسية والحركات

تحدّثهم أنفسهم بأنّهم وحدهم من تفوق على الأنظمة السياسية والحركات، والتيار الذي استطاع أن يعيش ويتمدّد ويبقى، ليقدّم الأرضية العقدية والفكرية، حتى لمن فشل من الإخوان والجهاديين؛ فهل يعود شعورهم بالتفوق فقط إلى نجاتهم من سخط المجتمعات والأنظمة وتجنّبهم السقوط في مستنقع السياسة أو مصير شركائهم؟
لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟ لا شكّ في أنّ الإجابة تبدو مركّبة، وأكثر تعقيداً مما يعتقد كثيرون، لكن أيضاً قد تكون البساطة والوضوح في السلفية سببين مهمّين لجاذبيتها، رغم ارتباطها في الأغلب بانتهاكات تبدو  مستوعبة اجتماعياً للحقوق والحريات، سواء في قمع النساء أو السيطرة الاجتماعية الحادة، عبر الفهم المتطرف لمفهوم الحسبة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنّ تلك الجاذبية لها وجه آخر، خاصة لدى الشباب، خاصة الذين يشعرون بالتهميش، أو المسحوقين تحت مطارق العيش، أو المهاجرين، أو المقموعين سياسياً، والذين يجدون في السلفية الفرقة الناجية التي تمتلك الحقيقة المطلقة التي تؤمّن دائرة الراحة الفورية وسط هذا التّيه.

اقرأ أيضاً: هل نشأت السلفية في مصر لمواجهة الاستعمار والتغريب؟
يبدو السلفيون عادةً قادرين على منازعة أيّة سلطة سائدة؛ سواء سلطة الأسرة، أو الأب، أو النخب، أو الدولة، أو القيم الثقافية الشائعة، إضافة إلى رفض الذوبان في العولمة بالتشديد على النقاء العقدي، وكما يقول محمد علي أدراوي، في كتابه عن السلفية في فرنسا: "تكمن القوة الأساسية للسلفية في مقدرتها على أن تقول نحن أفضل منكم".
نجد أبعاد هذا الشعور بالتفوق في ستّ محددات في السلفية:

تتميز السلفية أنّها ليست ثورية على نحو صريح فلا تتحدى أيّة حالة راهنة تحدياً مباشراً

1- أنّها ليست ثورية على نحو صريح؛ أي إنّها لا تتحدى أيّة حالة راهنة تحدياً مباشراً، بزعمها القدرة على قلب الأوضاع، عبر تبنّي أيديولوجية وافدة، كالماركسية مثلاً؛ بل هي تزعم أنّها تبني نظاماً أخلاقياً مثالياً لتطهير البنى الموجودة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، وهي مثل كثير من الحركات الإصلاحية الأخرى، محطمة للتماثيل الدينية، أو تقاليد الوثنية، باسم المحافظة.
2- هي أيضاً تستمد تمكينها من زعمها بالتفوق الفكري في المعرفة، أو ما يسمى في أدبياتها "العلم الشرعي"، الذي يُختزَل عادة في الفهم الخاص للتفسير والحديث، والالتحاق بالفرقة الناجية عندهم لا يعني الحصول على مرتبة التفوق الأخلاقي على الآخرين فقط؛ لكن يعني أيضاً اكتساب معرفة أعلى بالإسلام، وهي المعرفة التي يظنون أنّ على كلّ مسلم أن يمتلكها، وزيادة على ما تقدم؛ القدرة على الوصول المباشر إلى النصّ، الذي يجعل المرء قادراً على تحدّي المؤسسات الدينية الرسمية، التي تستند عادة إلى الفقه بمذاهبه المعروفة، إضافة إلى النسخة الشعبية السائدة للإسلام، وكلاهما مرتبطان بهيكل السلطة المهيمنة، أو الثقافة السائدة.

اقرأ أيضاً: كيف تسلّلت الدعوة السلفية إلى حزب النور؟
3- تزوّد السلفية أتباعها بهوية قوية، تترك في نفوسهم شعوراً بالأمان، في مواجهة رياح العولمة والتغريب العاصفة، فهم بارزون ومتمايزون؛ كونهم مختلفين في المظهر (اللحية، والثوب القصير للرجال، والنقاب للنساء)، ويبدو السلفيون الجدد -كما يرى أوليفييه روا- مهووسين بالحدود.

اقرأ أيضاً: إخوان العتيبي.. تاريخ الجماعة السلفية المحتسبة في السعودية
4- تسمح السلفية لأتباعها أن يتماهوا بسهولة أكثر بكثير مع الأمة الواسعة، وهو الأمر الذي يعزز ادعاءاتها، وهذا على النقيض من الإخوان الموجهين توجيهاً سياسياً بشكل أكبر منه اجتماعياً.
5- السلفية فاعلة نشيطة، في الوقت الذي تبدو فيه لدى المراقب ساكنة مستكينة، فهي تستحثّ أتباعها طوال الوقت، عن طريق التحفيز والتلقين المستمرين، عبر حلقات ما يسمى "العلم الشرعي"، والدعوة إلى المشاركة بفعالية في الرسالة السلفية، ونشر أفكارها؛ فهي تمتلك وظيفة اجتماعية نشطة، لا من باب إظهار تفوق المرء فقط، ولكن لإظهار وممارسة هذا التفوق أيضاً في المجال العام والخاص، باستخدام الولاء والبراء، أو بتعبير أقوى حتى مما سبق؛ عن طريق المشاركة في الجهاد، عند السلفية الجهادية.

اقرأ أيضاً: إخوان العتيبي.. تاريخ الجماعة السلفية المحتسبة في السعودية
6- السلفية، مثل كلّ الحركات الدينية، وعلى النقيض من الأيديولوجيات السياسية، تمتلك خبرة هائلة من الغموض والمرونة، مع أنّها تدّعي الوضوح والصلابة في عقيدتها؛ فهي رغم صراعها من أجل النقاء في الممارسة، طيّعة وقابلة للتشكّل، ويسمح غموضها للموالين لها بأن يكونوا من الناحية السياسية مساندين للأنظمة، وأن يقوموا أيضاً برفضها في آن واحد.

تسمح السلفية لأتباعها بالتماهي بسهولة مع المحيط خلافاً للإخوان الموجهين سياسياً أكثر منه اجتماعياً

تبدو كلّ تلك الخصائص دوافع في البنية السلفية، تدفع أصحابها للشعور بالتفوق على كلّ شركاء الحالة المتطرفة؛ حيث يبدو التيار السلفي، سواء في مشايخه أو أحزابه، مثالاً حيّاً لتلك الخصائص، التي جعلتهم حتى الآن في منعة من عداء الأنظمة، التي استخدمت بعضهم في ترسيخ سلّم اجتماعي، والتقاط الأنفاس في ظلّ المواجهة المستعرة بين الأنظمة والمجتمعات من جهة، والإخوان والجهاديين من جهة أخرى، ويبقى السؤال: هل تبقى الحركات السلفية بمأمن من غضب الحكومات والمجتمعات طويلاً، أم ستدرك المجتمعات والحكومات معاً أنّ من قدّم البنية المعرفية والتربوية لعناصر الإخوان والجهاديين في الحقيقة، كانت هي الحركات السلفية التي لا يخفي أيّ من قيادات الإرهاب دورها في تنشئته وإعداده لدوره هذا، أو الطريق الذي اختاره لحياته؟ بمعنى آخر؛ بعد الفشل الواضح للإخوان والجهاديين هل حانت ساعة السلفيين؟!

للمشاركة:

أفكارنا الدينية.. من أين تأتي؟ وما حدود الخطأ والصواب؟

2019-07-15

"يجب أن تكون الإجابات موجودة حتى لو عجزنا عن معرفتها.. وإلا فإنّ الأسئلة تكون غير أصيلة"

أشعيا برلين

تتحول التجربة الدينية بعد لحظة الإيمان والتصديق إلى توقعات إنسانية، فلا يمكن ممارسة الدين من غير توقعات، وهذه التوقعات هي بطبيعة الحال مستمدة من الإنسان نفسه، ولا تهبط عليه من خارجه، ولا يملك المؤمن سوى أن ينشئ تديّنه مستمداً من الحقيقة التي أدركها، وكما يقول نورثروب فراي "مركز الحقيقة حيث يتصادف أن يكون المرء، ومحيطها ما يدركه خيال المرء".

تتحول التجربة الدينية بعد لحظة الإيمان والتصديق إلى توقعات إنسانية فلا يمكن ممارسة الدين من غير توقعات

وهكذا أيضاً فإنّ الدين حين يتجاوز الفرد في علاقته الحصرية بالمقدس، يتحول إلى تديّن أو خطاب ديني لا يمكن وصفه بأنّه "مقدس ديني" وإن كان مستمداً من الدين، ففي التدين يعالج المؤمن النص الديني متحرّياً بأدواته الإنسانية ما يريده الله تعالى، تقول كارين آرمسترونغ: "الدين والفن يرتبطان ببعضهما، فالفن والدين كلاهما يحاولان استخلاص معنى أقصى من هذه الدنيا المعيبة الغاصة بالكوارث، وإن كان الدين يختلف عن الفن لأنه لا بد أن يتخذ بعداً أخلاقياً، وربما كان من الممكن وصف الدين بأنّه شرعة جمالية أخلاقية، فتجربة الإحساس بالقداسة أو الكيان المتعالي لا تكفي، بل يجب بعد ذلك تجسيد تلك التجربة في سلوكنا تجاه الآخرين". ويظلّ الصواب مقتصراً على وجدان وقلب المؤمن في اعتقاداته وممارساته الفردية، وكذلك المعنى الديني نفسه، وبغير هذه المقولة لن يتقدم الجدل الديني خطوة واحدة، لكن يظلّ في مكانه، يدور حول تأكيد ما هو مؤكد ومتفق عليه، ولا ينشئ ذلك فكرة جديدة.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي

يقال لدينا الكتاب والسنّة لن نضل ما تمسكنا بهما... ولكن الخلاف هو في فهم الكتاب والسنّة وتطبيقهما، وفي ذلك يقال هناك المحكم والمتشابه، ولكن الله تعالى لم يقل لنا ما المحكم والمتشابه، ويقال العلماء والمجتهدون يوضحون المعنى والمحكم والمتشابه، ولكن من هو العالم؟ هو من يتبعه الناس ويثقون به، أو تعينه السلطة، المفتي أو وزير الأوقاف أو المعلم أو الداعية بمن هم موظفو السلطة وأساتذة التعليم الديني في المدارس والجامعات والمفتون والقضاة، العالم لا يعرف إلا بثقة الناس أو بقرار سلطوي، وقد تكون السلطة بيد ضابط في الجيش أو حاكم عائلي (ملك أو أمير أو سلطان) أو مواطن منتخب، وفي المحصلة فإنّ من يحدد من هو العالم ومن ثم  المعنى الديني ومراد الله تعالى وتأويل وتفسير الآيات الكريمة والأحاديث النبوية وما المحكم والمتشابه وما الصحيح أو الخطأ واحد من ثلاث فئات: العسكري، أو زعيم عائلة حاكمة، أو المواطن العادي بما هو ناخب أو متّبَع أو ثقة، وفي الحالات الثلاث لا يمكن لأحد أن يجزم بالصواب والخطأ ولا أن يعرف من العالم ومن ليس عالماّ، لا نملك في الواقع سوى عدم يقين، ولا يرشدنا في الاختيار سوى عدم اليقين، والحال أنّ الصواب هو عدم اليقين.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار
لن يكون فعل ما خطأً أو حراماً حتى لو حرّمه الدين أو القانون أو الثقافة السائدة حتى تراه الذات بما هي فرد مستقل مفكر ومسؤول خطأ أو حراماً، قد تلتزم القانون أو الدين أو الثقافة السائدة، ولكن ذلك لا يعني أنك تعتقده خطأ أو حراماً، فالالتزام غير الاعتقاد، ولا يحدد الاعتقاد أو يقرره أو ينفيه سواك، ولا يمكن إجبارك عليه ولا منعك عنه.

الدين حين يتجاوز الفرد في علاقته الحصرية بالمقدس يتحول لتديّن أو خطاب ديني لا يمكن وصفه بأنّه مقدس ديني

وبالطبع فإنّ الصواب قائم بذاته، ولا يغير فيه حجة أو دليل، وما نفعله ليس سوى إدراك الصواب أو محاولة الاقتراب منه، لكن سيظل هناك فرق بين الصواب الحقيقي وبين إدراكنا، حتى عندما يكون إدراكنا للصواب مطابقاً له، فإنّ فرقاً مستمداً من الشك وعدم اليقين يظل قائماً في اعتقادنا وأفكارنا، وعلى نحو عملي وتطبيقي فإنّ الصواب غير موجود، ما هو موجود بالفعل هو الحجة والخيال والمشاعر والاعتقادات التي لا نعلم إن كانت صواباً أم لا.

فإذا كان ثمة صواب فهو صواب لا يغير فيه أحد، وكيف يكون صواباً إذا كان متغيراً أو مستمداً من الحجة والبرهان القاصرين حتماً والمتغيرين؟ الصواب إذن هو الفكرة القادرة على البقاء والمواجهة حتى نثبت خطأها، وفي المحصلة فإنّ الصواب هو ما نظنه صواباً، إنه ليس أيقونة نقصدها أو نلجأ إليها أو نحميها، لكنه سراب نتبعه، نمضي حياتنا نبحث عنه، ولا نجده أو لا نصل إليه، أو لا نعلم إن كنّا وجدناه أو وصلنا إليه، لكننا ربما نقترب منه، أو على الأقل نحاول ذلك بصدق. ولا نملك سوى الصدق! "قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم" (المائدة 119).

اقرأ أيضاً: إشكالية العلاقة بين السلطة والمعرفة في التاريخ الإسلامي
إنّ السلوك الدعوي والفقهي الغالب الذي يعكس شعوراً بامتلاك الحقيقة لدرجة الوصاية على الله تعالى، أو احتكار الحق، ليس من الدين في شيء، وليس سوى وهم أو تسلط على الناس، واعتداء على الدين، لا بأس أن تعتقد أنّ الله تعالى طلب من الناس أشياء ونهاهم عن أخرى، ولكنك لا تملك وصاية على هذه الرسالة، الناس يطلعون مثلك على المصادر وإذا احتاجوا إليك يسألونك ويقصدونك.

للمشاركة:



ما قصّة الصاروخ القطري الذي ضبط بحوزة النازيين الجدد؟ (فيديو)

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

ضبطت الشرطة الإيطالية أسلحة متنوعة بيد جماعات يمينية متطرفة، يطلق عليهم "النازيون الجدد"، وأوقفت ثلاثة أشخاص، بينهم مرشّح سابق لعضوية مجلس الشيوخ عن حزب "فورزا نوفا" الفاشي.

وقالت الشرطة: إنّه "خلال العملية تمّ ضبط صاروخ جو-جو يستخدمه الجيش القطري"، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

فرانس برس: الشرطة الإيطالية تضبط أسلحة متنوعة بيد النازيين الجدد منها صاروخ يستخدمه الجيش القطري

وأوقفت ثلاثة أشخاص، من بينهم شخص يبلغ 50 عاماً، يدعى فابيو ديل بيرغيولو، كان قد ترشّح في السابق لعضوية مجلس الشيوخ عن حزب "فورزا نوفا" الفاشي؛ إذ عُثر في منزله على مجموعة كبيرة من الأسلحة، إضافة إلى مواد دعائية للنازيين الجدد، وتذكارات لهتلر، وفق ما جاء في بيان نشر أمس.

وقالت الشرطة: إنّه "خلال العملية، تمّ ضبط صاروخ جو-جو صالح للاستخدام، وبحالة ممتازة يستخدمه الجيش القطري"، في إشارة إلى صاروخ "ماترا"، الذي يزن 245 كيلوغراماً.

وهذا الصاروخ، الذي يبلغ طوله 3,54 متر، مصنوع في فرنسا، وكان صاحبه، ديل بيرغيولو، يأمل في بيعه مقابل 470 ألف يورو، وفق تقارير وسائل إعلام إيطالية.

وقادت الرسائل التي اعترضتها الشرطة إلى التحري حول ديل بيرغيولو، الذي أرسل صوراً للصاروخ المعروض للبيع، عبر تطبيق واتساب.

وتمّت مداهمة منزله بعد وضعه تحت المراقبة؛ حيث عثر على مجموعة من الأسلحة؛ بينها مدفع رشاش من طراز "سكوربيون"، و306 من قطع السلاح، و20 حربة، وأصدر حزب "فورزا نوفا" بياناً، أمس، نأى فيه بنفسه عن ديل بيرغوليو.

وشملت الاعتقالات الأخرى سويسرياً (42 عاماً)، وإيطالياً (51 عاماً)، متّهمين بحيازة وتسويق الصاروخ الذي عثرت عليه الشرطة في مستودع بالقرب من مطار ريفاناتزانو تيرمي الصغير في مقاطعة بافيا.

وفي الوقت الذي لم يصدر فيه أيّ شيء عن وزير الداخلية اليميني المتطرف، ماتيو سالفيني، بعد المداهمة، حث الحزب الديمقراطي المعارض من يسار الوسط الحكومة الشعبوية في البلاد على بذل المزيد من الجهد للتعامل مع المتطرفين اليمينيين.

 

 

 

 

للمشاركة:

لهذه الأسباب شنت البحرين هجوماً على قناة "الجزيرة"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

قال وزير خارجية البحرين: إنّ برنامج "ما خفي أعظم" الذي بثته قناة "الجزيرة" القطرية، أول من أمس، هو حلقة جديدة من "التآمر على المملكة".

وقال الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة: "برنامج "ما خفي أعظم"، الذي بثته قناة "الجزيرة" مساء أمس، وما حمله من أكاذيب واضحة، ومغالطات فجّة، ما هو إلا حلقة جديدة من سلسلة تآمر ضدّ مملكة البحرين وضدّ أمن واستقرار المنطقة بأسرها".

وزير خارجية البحرين: "الجزيرة" تبثّ حلقة جديدة من سلسلة التآمر ضدّ مملكة البحرين وضدّ أمن واستقرار المنطقة

وأشار وزير الخارجية البحريني؛ إلى أنّ "الشبكة القطرية تشكّل الخطر الأكبر على دول مجلس التعاون الخليجي، وأنّها تحاول ضرب وحدة صفّه، وزرع الفتنة بين دوله"، وفق ما نقلت شبكة "سي إن إن".

وشدّد الشيخ خالد بن أحمد على "ضرورة أن تعمل دول مجلس التعاون على مواجهة تلك الممارسات والأعمال العدائية لهذه الدولة وتصرفاتها غير المسؤولة، واتخاذ كافة الإجراءات الحازمة التي تضمن ردعها، وإلزامها بالتجاوب وبكل شفافية مع المطالب العادلة للدول المقاطعة لها، وتنفيذ ما وقعت عليه من اتفاقات، ليستمرّ مجلس التعاون، ويحافظ على منجزاته، ويحقّق المزيد من التنمية والازدهار، والتقدم لصالح دوله وشعوبه".

وكان مصدر مسؤول في وزارة شؤون الإعلام البحرينية قد صرّح، في وقت سابق أمس، بأنّ أسلوب البرنامج الذي بثته "الجزيرة": "يحض على الكراهية، ويحرّض على الفرقة وشقّ الصفّ الوطني"، وفق ما ذكرته وكالة أنباء البحرين الرسمية.

وزارة الإعلام البحرينية: أسلوب البرنامج الذي بثته الجزيرة إرهابي يحثّ على الكراهية ويحرّض على الفرقة

من جهتها، قالت قوة دفاع البحرين اليوم: إنّ "ما بثّته قناة "الجزيرة" القطرية، عبر برنامج "ما خفي أعظم"، معلومات مغلوطة تستهدف إثارة الفتنة".

وأضاف المتحدث؛ أنّ المعلومات التي أدلى بها ياسر عذبي الجلاهمة في البرنامج "مغلوطة وهي تزوير للحقيقة والواقع".

وأشار إلى أنّ "كتيبة الأمن الداخلي التي عمل من ضمنها المذكور، عام 2011، كانت قوات مساندة لوزارة الداخلية لتأمين مستشفى السلمانية، ولم تكلَّف بأية مهامّ في عملية دخول الدوار".

وتابع: "وبالتالي؛ فإنّ كافة الادعاءات الكاذبة التي ساقها المذكور في البرنامج، بما فيها تعداد الكتيبة ووضع أسلحة وتصويرها من قبل وزارة الداخلية في الدوار، معلومات لا تمتّ للواقع والحقيقة بأيّة صلة".

وأوضح أنّه "عام 2018 تمّ رصد ياسر عذبي الجلاهمة من خلال الأجهزة الأمنية في قوة دفاع البحرين بقيامه بتجنيد خلايا تجسسية عنقودية لصالح دولة أجنبية".

قوة دفاع البحرين: المعلومات التي أدلى بها ياسر عذبي الجلاهمة في البرنامج مغلوطة وتزوير للحقيقة والواقع

ومضى قائلاً: "اشترك مع متهمين آخرين، من خلال السعي والتخابر، في ارتكاب جناية إفشاء أسرار الدفاع عن البلاد، وتسليم هذه المعلومات للأجهزة استخبارات دول أخرى، بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة مملكة البحرين والإضرار بمركز البلاد الحربي".

ولفت، وفق المصدر نفسه، إلى أنّه "صدر غيابياً بحقّ ياسر عذبي الجلاهمة حكم بالإعدام، وتنزيل رتبته إلى جندي، وطرده من قوة الدفاع، وعدم التحلي بأيّ وسام أو نوط، وشطب اسمه من قائمة أعضاء القوة الاحتياطية، حيث ما يزال المذكور مطلوباً للعدالة."

كما أنّ الجلاهمة صدر بحقه، عام 2013، حكم بالسجن لمدة 10 أعوام؛ وذلك لعدم تلبية الدعوة للقوة الاحتياطية، بعد أن فرّ إلى قطر، وتجنّس بجنسيتها، دون موافقة الجهات المختصة في قوة دفاع البحرين، وقد صدرت بحقه مذكرة قبض من خلال الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، لملاحقته قضائياً، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء البحرينية.

 وكانت "الجزيرة" قد بثّت برنامج "ما خفي أعظم"، أول من أمس، وتضمّن اتهامات للبحرين بالتعامل مع عناصر تنظيم القاعدة من أجل القيام بعمليات اغتيال وتخريب.

 

 

 

للمشاركة:

تونس: الموت لا ينهي معاناة المهاجرين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

لم تنته معاناة المهاجرين المجهولين، الذين غرق مركبهم قبالة سواحل تونس قبل نحو أسبوعين، رغم وفاتهم؛ حيث رفضت السلطات المحلية ببعض مدن الجنوب التونسي دفن جثثهم، في مقابر التونسيين، أو تخصيص مقابر خاصة بهم، ما أثار جدلاً واسعاً في البلاد، واتهامات بسوء معاملة الذات البشرية.

بلديات تونسية ترفض دفن المهاجرين الذين غرق مركبهم قبل نحو أسبوعين

ورفضت بعض البلديات دفنهم، في المقابر التابعة لها، على غرار بلديتي قابس ودخيلة توجان، التابعتين لمحافظة قابس، وفق ما نقلت وكالات أنباء تونسية.

وردّاً على الجدل؛ أكّدت بلدية دخيلة توجان، على صفحتها في موقع فيسبوك؛ أنّه "بعد التشاور مع مجموعة من المواطنين والمجتمع المدني تبين اختلاف وجهات النظر حول دفن مجموعة من الغرقى في مقبرة دخيلة توجان، وتجنباً للاختلاف، رفضت البلدية دفنهم في مقابرها".

وأرجعت مصادر محلية وناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، السبب إلى كونهم "غير مسلمين".

وفي هذا السياق، رأى المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية؛ أنّ ما وقع أثناء انتشال الجثث ونقلها نحو مستشفى قابس، ومن ثم البحث عن أماكن للدفن "مخجل من حيث التعامل مع الذات البشرية بعد الموت"، موضحاً أنّه "تمّ نقل كثير من الجثث في شاحنات معدة أساساً لنقل الفضلات، إضافة إلى محاولات عدد من البلديات التخلي عن مسؤولياتها الإنسانية والأخلاقية في إيجاد مكان لائق للدفن".

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية يؤكّد أنّه تمّ نقل الموتى في شاحنات نقل الفضلات

وأضاف المنتدى: "بقدر ما نرحبّ بأخذ عينات من الحمض النووي للجثث، وحفظها، لتمكين عائلاتهم في مرحلة لاحقة من التعرّف إلى جثث أبنائها، فإننا نعبّر عن سخطنا مما قامت به بلدية جرجيس، من دفن جماعي في حفرة واحدة لجثث المهاجرين"، داعياً السلطات إلى تحمّل مسؤولياتها في إيجاد مقابر لجثث المهاجرين، بما يحفظ الكرامة بعد الموت، ويعطي أملاً لعائلاتهم في التعرف إلى جثث أبنائها، وإعادة دفنهم.

وانتشلت يوم السبت الماضي، آخر جثة لركاب المركب الغارق قبالة سواحل مدينة جرجيس التونسية، من قبل وحدات الحرس البحري والحماية المدنية ومتطوعي الهلال الأحمر التونسي، ليبلغ العدد الإجمالي للجثث التي تم انتشالها 82 جثماناً، من بين 86 مهاجراً غادروا ليبيا في اتجاه السواحل الإيطالية، وتم إنقاذ 4 منهم، قبل أن يتوفَّى أحدهم بمستشفى جرجيس، وتمّ إيواء الثلاثة الآخرين في أحد مراكز المهاجرين.

 

للمشاركة:



هل ترتكب الصين إبادة ثقافية بحق المسلمين في شينغيانغ؟

2019-07-16

ترجمة: علي نوار


تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم، وتمنع الحديث بلغتهم أو ممارسة شعائر دينهم في إقليم شينغيانغ غربي البلاد، حسبما كشف تحقيق جديد. وبينما يجري احتجاز مئات البالغين بمخيمات ضخمة، تُبنى أيضاً معسكرات هائلة للأطفال.

الباحث الألماني: أعتقد أنّ الفصل الممنهج بين الآباء والأطفال دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية

وفقاً لما ورد في وثائق حكومية وعشرات المقابلات مع عائلات تعيش في الخارج، توصّلت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى أدلّة دامغة حول ما يجرى بحق الأطفال في الإقليم الصيني.

وتشير السجلّات إلى أنّه وفي مدينة واحدة فقط، فقد 400 طفل آباءهم وانتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون. كما تجري السلطات تقييماً رسمياً كي يتسنّى لها تحديد ما إذا كان الأطفال بحاجة إلى "رعاية مركزية". وإضافة إلى جهود تغيير هوية البالغين في شينغيانغ، توجد مؤشرات على حملة موازية لإبعاد الأطفال وبشكل ممنهج عن جذورهم.

تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم

"سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"

تؤدّي الرقابة والسيطرة المُحكمة من جانب الصين في شينغيانغ؛ حيث تخصّص السلطات أشخاصاً لمرافقة الصحفيين على مدار اليوم، إلى جعل مهمة الحصول على شهادات الأهالي شبه مستحيلة هناك، لكن يمكن فعل ذلك في تركيا.
في إحدى القاعات الفسيحة بمدينة إسطنبول التركية، يصطفّ عشرات الصينيين كي يرووا حكاياتهم، وقد جلب الكثيرون برفقتهم صوراً لأطفالهم الذين اختفوا في شينغيانغ.
تقول إحدى الأمّهات بينما تشهر صورة يظهر فيها من يفترض أن يكنّ طفلاتها الثلاث "لا أعرف من يرعاهنّ، ليس لدي أي تواصل معهنّ". وتقترب امرأة أخرى تحاول بلا جدوى كفكفة دموعها التي لا تتوقّف عن الانهمار، قائلة "سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"، مشيرة إلى صورة يبدو فيها ثلاثة أطفال وطفلة هم أبناؤها القصّر.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم
وعلى مدار 60 مقابلة، كشف آباء ملتاعون عن تفاصيل اختفاء ما يزيد عن 100 من أطفالهم في شينغيانغ.
ينحدر هؤلاء الأشخاص جميعاً من عرق الإيغور، وهي أكبر عرقية تدين بالإسلام في إقليم شينغيانغ ولها صلات منذ القدم بتركيا بسبب عاملي؛ اللغة والديانة.
ارتحل الآلاف إلى تركيا بغرض الدراسة وزيارة الأقارب أو حتى الفرار من الرقابة الصارمة على معدّل المواليد في الصين وتصاعد القمع الديني، بيد أنّهم باتوا عالقين منذ أعوام على خلفية بدء احتجاز الصين لمئات الآلاف من الإيغور، وأشخاص من أقليات أخرى داخل مخيمات ضخمة.

اقرأ أيضاً: تقرير: الصين تسعى لطمس هوية الإيغور

وتزعم السلطات الصينية أنّ الإيغور يتلقّون التأهيل داخل "مراكز للتدريب المهني" بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف. إلّا أنّ الأدلة تكشف أنّ الكثيرين تعرّضوا للاعتقال فقط بسبب التعبير عن هويّتهم الدينية -عن طريق الصلاة أو ارتداء غطاء الرأس- أو حتى وجود صلات خارجية بشكل أعمق من اللازم مع دول مثل تركيا.

 

 

العودة مستحيلة

بالنسبة للإيغور، تعني مسألة العودة الاعتقال الحتمي. انقطع التواصل الهاتفي: فقد أصبحت مهاتفة الأقارب في الخارج عملية محفوفة بقدر جمّ من المخاطر هذه الأيام بالنسبة لمن يعيشون في شينغيانغ.

بعد اعتقال زوجته في شينغيانغ، يعرب أحد الآباء عن تخوّفه من انتقال ابنه البالغ من العمر ثمانية أعوام ليكون تحت تصرّف الدولة الصينية. ويضيف الأب: "أعتقد أنّهم اقتيدوا إلى أحد مخيمات تعليم الأطفال".

ويسلّط تقرير حديث لـ "بي بي سي" الضوء على ما يحدث مع هؤلاء الأطفال وآلاف آخرين.

جرى تعمّد إخفاء بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت

يعد الباحث الألماني، أدريان زينس، أحد المعروفين في مجاله، وقد عكف على معرفة إلى أي مدى وصلت مسألة مخيمات الاعتقال الجماعية للبالغين في شينغيانغ. وتكشف تقارير زينس، المستندة إلى وثائق رسمية متاحة للعامة، عن مدى التوسّع غير المسبوق في بناء هذا النوع من المدارس في الإقليم. فقد ازداد حجم هذه النوعية من المنشآت، وبُنيت غرف جديدة، كما ارتفعت الطاقة الاستيعابية لهذه المراكز بصورة كبيرة.
هناك أمر آخر يسترعي الانتباه في هذا الصدد؛ ألا وهو ارتقاء الدولة الصينية بقدراتها على تقديم الرعاية الكاملة طيلة الوقت لعدد كبير من الأطفال، في الوقت الذي تشيّد فيه مراكز احتجاز أيضاً. ويبدو أنّ كل شيء يستهدف على وجه التحديد نفس المجموعات العرقية.
فخلال عام 2017، قفز العدد الإجمالي للأطفال المسُجّلين في رياض الأطفال بنصف مليون في شينغيانغ، ويمثّل الإيغور وأقليات أخرى تعتنق الإسلام ما نسبته 90% من هذه الزيادة، طبقاً للإحصائات الحكومية. وكنتيجة لذلك، تحوّل مستوى التسجيل في مرحلة ما قبل المدرسة بشينغيانغ من أقل نسبة مقارنة بالمتوسّط الوطني ليصبح الأعلى على مستوى الصين وبفارق شاسع.

استثمرت السلطات الصينية ملياراً و200 مليون دولار أمريكي في بناء وإعادة تجهيز رياض الأطفال في الأجزاء الجنوبية من إقليم شينغيانغ، وهي المناطق التي تشهد تركزاً سكانياً كبيراً من الإيغور. ويفترض التحليل الذي وضعه زينس أنّ هذه النقلة الهائلة في البناء تشمل كذلك إضافة مساحات كبيرة على الغرف.

اقرأ أيضاً: ما هي أقلية الإيغور المسلمة التي تحتجز السلطات الصينية مليون شخص منها؟

ويبدو أنّ هذا النشاط في أعقاب التوسّع في بناء المنشآت التعليمية في الإقليم، يأتي اتباعاً لنفس الخطوات فيما يتعلّق باعتقال البالغين بشكل عشوائي، ويؤثّر بالقطع كما هو واضح على كافة الأطفال المنحدرين من الإيغور والعرقيات الأخرى، وبغض النظر عما إذا كان ذووهم محتجزين في مخيمات من عدمه.

وفي نيسان (أبريل) الماضي، أعادت السلطات المحلية توزيع ألفي طفل من القرى المجاورة إلى مخيم آخر للأطفال. وتركّز الدعاية الحكومية على مميزات هذه المراكز بداعي أنّها تسهم في "الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسلام. وتقوم المدارس بدور أولياء الأمور"، إلّا أنّ زينس يشير إلى سبب آخر مستتر وراء ذلك.

اقرأ أيضاً: كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

ويوضح الخبير الألماني "توفّر المراكز الإطار الأمثل لإعادة تشكيل الأقليات الاجتماعية ثقافية وبصورة مستدامة".

وعلى غرار ما يحدث في مراكز تأهيل أخرى، كشف التقرير أنّ هناك اتجاهاً محدّداً لمنع استخدام لغة الإيغور واللغات المحلية الأخرى في المدارس. وتشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال وحتى المعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية. كل ذلك بالتزامن مع بيان رسمي يؤكّد أنّ جميع المدارس في شينغيانغ باتت تدرّس اللغة الصينية.

انتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون

الدليل الدامغ

خلال محادثة مع "بي بي سي"، نفى تشو غويشيانغ الموظف في وزارة الدعاية بإقليم شينغيانغ أن تكون لدى الدولة رغبة في التكفّل بهذا العدد الكبير من الأطفال الذين باتوا بلا والدين نتيجة للسياسات الحكومية.

وأوضح غويشيانغ "إذا كان جميع أفراد العائلة قد ذهبوا إلى أحد مراكز التأهيل، فإنّ هذا يعني أنّ الأسرة تعاني مشكلة خطيرة، لكنّني شخصياً لم أر مثل هذه الحالة".

تشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال والمعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية

لكن الجزء الأهم في العمل الذي قام به زينس يكمن في الدليل الذي يقطع الشك باليقين فيما يخص أبناء المقبوض عليهم والذين يرسلون إلى مراكز احتجاز وبأعداد كبيرة.

وهناك بالفعل استمارات مُفصّلة تستخدمها السلطات المحلية لتسجيل موقف الأطفال الذين يقبع ذووهم بأحد مراكز إعادة التأهيل أو السجون، بحيث يتسنّى لها تقييم ما إذا كان الأطفال بحاجة لرعاية من جانبها أم لا.

وقد عثر زينس على وثيقة حكومية تتحدّث بإسهاب عن الإعانات المتاحة "للمجموعات المحتاجة" بما فيها تلك الأسر حيث "يقبع الزوج أو الزوجة بمركز إعادة تأهيل". كما أنّ التعليمات الصادرة عن مدينة كاشغر إلى مكاتب التعليم تنصّ بوضوح على تكليف هذه المكاتب بالتكفّل باحتياجات الطلاب الذين يتواجد آباؤهم بالمخيمات وبشكل عاجل.

اقرأ أيضاً: مسلمو الصين: رموز على الشاشة أرقام في المعسكرات

ويتعيّن على المدارس "تعزيز الدعم النفسي"، بحسب التعليمات، و"دعم الطلاب عن طريق التعليم"، وهي العبارة التي تتكرّر بالمخيمات التي يُحتجز بها أولياء الأمور.

جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"

مشكلة اجتماعية

من المؤكّد أنّ تأثير الفصل الجماعي للأطفال يُنظر له بوصفه مشكلة اجتماعية ذات أبعاد مهمة، وأنّ هناك قدراً من الجهد يُبذل في سبيل التعامل معها، رغم حقيقة أنّ السلطات لا تبدو مهتمة بالكشف عن تفاصيل في هذا الصدد.

اقرأ أيضاً: هل يدفع المسلمون ثمن الصراع الصيني الهندي حول سريلانكا؟

وعلى الأرجح فإنّ بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية جرى تعمّد إخفائها بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت، عن طريق إدخال مصطلحات غامضة بدلاً من مصطلح "تأهيل مهني". إلا أنّ بعض مخيمات اعتقال الراشدين يوجد في محيطها نقاط تأمين، الأمر الذي يؤّكده مراسلو وسائل الإعلام المحلية.

وتسمح هذه المراكز للأطفال المنحدرين من أقليات بتعلّم "عادات حياة أفضل" وأسس النظافة الشخصية، مقارنة بما كانوا يتعلّمونه في منازلهم، على حد زعم السلطات.

بعض الأطفال بدأوا في مناداة معلماتهم بـ"أمي"

حين حاولت "بي بي سي" التواصل مع عدد من مكاتب التعليم في شينغيانغ للتحقق من السياسة الحكومية في هذه الحالات، امتنعت أغلبها عن الرد. رغم أنّ بعضها عرضت جزءاً يسيراً من التفاصيل حول النظام.

وقد كشفت إحدى المدارس "يقيمون بالحضانات، نمنحهم المنزل والمأكل والملبس، كما أنّ رؤساءنا أمرونا بأن نعتني بهم جيداً".

روضة محاطة بالأسلاك

إحباط واستياء

داخل القاعة في إسطنبول حيث ما يزال أفراد الأسر يقصّون حكاياتهم، يسود شعور باليأس وكذلك الاستياء الشديد. تقول إحدى الأمهات "يتعرّض آلاف الأطفال الأبرياء للفصل عن ذويهم وندلي بشهاداتنا دائماً، لماذا يظل العالم صامتاً إذا كان على دراية بما يحدث؟".

تزعم السلطات الصينية أن الإيغور يتلقّون التأهيل داخل مراكز للتدريب المهني بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف

لقد أظهر التقرير أنّ جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"، حيث توجد بالكثير من هذه المدارس أنظمة مراقبة ورصد وأسوار كهربائية بقوة 10 آلاف فولت. وقد حُدّدت هذه الإجراءات مع بداية العام 2017، حين أخذت مخيمات الاحتجاز في الانتشار بوتيرة متسارعة.

ويتساءل زينس عما إن كانت الدولة مستعدة لاحتمالية أن يحاول الآباء الإيغور باسترداد أبنائهم بالقوة.

وعن هذا الأمر يكشف الباحث الألماني "اعتقد أنّ الدليل على حدوث فصل ممنهج بين الآباء والأطفال هو مؤشر واضح على أنّ حكومة شينغيانغ تعمل من أجل تعليم جيل جديد منفصل عن أصوله ومعتقداته الدينية وحتى لغته الأم، أرى أنّ هذا دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية".


المصدر: تحقيق للصحفي جون سادورث عن الفصل بين الأطفال والآباء من عرق الإيغور في الصين، نشر بالنسخة الإسبانية من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"

للمشاركة:

حزب الله يبحث عن المال في أوروبا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

تعيد أجهزة الاستخبارات الأوروبية تركيز جهودها لمكافحة انتشار حضور حزب الله داخل بلدان الاتحاد الأوروبي. يأتي ذلك على خلفية التصعيد بين إيران والولايات المتحدة من جهة وعلى خلفية الجدل الداخلي في أوروبا حول تباين مستويات التعامل مع حزب الله بين الدول الأعضاء من جهة أخرى.

وتقول مصادر أوروبية إن المزاج الأوروبي عامة تقوده رؤية ألمانيا التي ما زالت تدعو إلى التمييز بين الجناحين السياسي والعسكري في مقاربة العلاقة الأوروبية مع حزب الله. غير أن تقارير أمنية في ألمانيا نفسها بدأت تدق ناقوس الخطر محذرة من الأنشطة المقلقة التي يقوم بها حزب الله على الأراضي الألمانية.

ونقلت مصادر متخصصة عن وكالة الاستخبارات في مدينة هامبورغ في ألمانيا عن أن معلوماتها تفيد بأن لـ30 مسجدا ومركزا ثقافيا في ألمانيا صلات ما بتنظيم حزب الله.

تطرح هذه المعطيات أسئلة حول مسألة تعاطي الاتحاد الأوروبي وألمانيا خصوصا مع حزب الله. وفيما يضع الاتحاد الأوروبي منذ عام 2013 الجناح العسكري للحزب على قوائم الإرهاب، فإن بريطانيا وهولندا هما الدولتان الوحيدتان في الاتحاد اللتان تضعان حزب الله بجناحيه السياسي والعسكري على هذه القوائم.

وانضمت لندن في قرارها مؤخرا إلى واشنطن في عدم التفريق بين الجناحين السياسي والعسكري. وقال وزير الداخلية البريطانية، ساجد جاويد، في فبراير الماضي إن “حزب الله يواصل محاولاته لزعزعة استقرار الوضع الهش في الشرق الأوسط، وإننا لم نعد قادرين على التمييز بين جناحه العسكري المحظور بالفعل والحزب السياسي”. وأضاف “بسبب ذلك، اتخذت القرار بحظر الحزب بأكمله“.

والظاهر أن بريطانيا مارست صبرا طويلا قبل أن تتخذ قرارها الجديد حيال حزب الله لاسيما أن لندن كانت على علم بالأنشطة الخطيرة التي يمارسها الحزب في بريطانيا. وكانت صحيفة “الديلي تلغراف” كشفت في يونيو الماضي أن بريطانيا أحبطت محاولات حزب الله تخزين متفجرات في لندن عام 2015.

واستنادا على معلومات حصلت عليها من وكالة استخبارات أجنبية، داهمت قوات تابعة لجهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5) وشرطة العاصمة لندن أربعة عقارات في شمال غرب لندن، وعثرت على الآلاف من أكياس الثلج التي احتوت على مادة نترات الأمونيا التي تُستخدم في صنع القنابل، بحسب تقرير الصحيفة.

كان المخطط جزءا من خطة أوسع لحزب الله لوضع الأساس لهجمات، وأشار التقرير إلى عمليات تم إحباطها لحزب الله في تايلاند وقبرص ونيويورك. 

وأفاد التقرير أن الاعتقال جاء بعد أشهر من انضمام بريطانيا إلى الولايات المتحدة وبقية الدول الموقعة على الاتفاق النووي مع إيران، وقدّرت الصحيفة أن السبب في عدم الكشف عن المخطط الإيراني هو محاولة تجنب إفشال الاتفاق مع طهران.

وبالعودة إلى تقرير أمني ألماني كشف مؤخرا، فقد أعلنت وكالة الاستخبارات في هامبورغ عن رصدها لحوالي 30 مسجدا وجمعية ثقافية يجتمع داخلها أعضاء تابعون لحزب الله أو أنصار متأثرون بعقائد الحزب وأيديولوجياته في ألمانيا.

وتكشف وثيقة صادرة عن الوكالة مؤلفة من 282 صفحة، أن “جمع التبرعات هو إحدى أهم مهام الجمعيات” حيث يجتمع عملاء حزب الله. وكان الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله اعترف بالضائقة المالية التي يعاني منها الحزب، مناشدا مناصريه للتبرع للحزب في لبنان والعالم.

وعلى الرغم من أن عمليات التبرع كانت ناشطة لصالح الحزب في العالم، إلا أن لاستمرارها في هذه الآونة التي يتعرض فيها الحزب لعقوبات أميركية مشددة وتتعرض فيها إيران لعقوبات تاريخية، وفق تعبير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يعتبر تورطا في المشاركة بالجهد الحربي المعتبر إرهابيا لدى الكثير من دول العالم.

ويعمل حزب الله في ألمانيا من خلال جمعيات لاحتضان الجاليات اللبنانية لاسيما تلك المناصرة للحزب لدى الطائفة الشيعية. وتشتغل هذه الجمعيات على تنظيم العلاقة ما بين “جمهور حزب الله” في الخارج وشبكاته الداخلية والأوروبية.

وتثير وثيقة الاستخبارات مسألة حجم المبالغ المالية التي يرسلها أنصار حزب الله في ألمانيا إلى لبنان. وتتحدث مصادر ألمانية عن أن أموالا مصدرها ألمانيا تشارك في تمويل أنشطة الحزب العسكرية وعملياته الأمنية في لبنان وسوريا ومناطق أخرى في العالم، ما يعزز القلق حول علاقة الاقتصاد الألماني بتوفير جانب من الوفورات المالية التي قلّصتها العقوبات الأميركية وحاصرت شبكاتها في العالم.

وكانت مصادر صحافية كشفت عن وجود مراكز ثقافية يسيطر عليها حزب الله في مدينتي بريمن ومونستر إلى جانب أماكن أخرى في ولاية ساكسونيا السفلى. ويُظهر تقرير الاستخبارات في هامبورغ حضورا أكبر وأوسع لحزب الله من ذلك الذي سبق للسلطات الألمانية أن رصدته.

ويكشف التقرير عن أنشطة لحوالي 30 مناصرا يعملون لصالح حزب الله في هامبورغ فيما يعمل 1050 مناصرا للحزب في جميع أنحاء ألمانيا. ويقول التقرير إن هذه الأرقام موثقة أيضا من قبل وكالات استخبارات أخرى في ألمانيا.

وأكد تقرير أصدرته وكالة الاستخبارات في ولاية ساكسونيا السفلى أن عدد أعضاء حزب الله وأنصاره ارتفع من 950 في عام 2017 إلى 1050 في عام 2018. وأشار تقرير الاستخبارات، المكون من 192 صفحة، والذي أعده عملاء المخابرات من جهاز أمن الدولة، إلى وجود 150 من عناصر حزب الله في ولاية سكسونيا السفلى وحدها.

وقال التقرير “في ألمانيا، يحافظ أتباع حزب الله على تنظيمهم وأيديولوجيتهم وتماسكهم في جمعيات مرتبطة بالمساجد المحلية التي يتم تمويلها بشكل أساسي من خلال التبرعات”، مشيرا إلى أن أنصار حزب الله ينشطون في عدد من المدن والبلدات في ولاية سكسونيا السفلى، من بينها هانوفر وأوسنابروك وأولزين.

وبحسب تقرير لوكالة الاستخبارات ولاية شمال الراين-وستفاليا، الأكثر اكتظاظا بالسكان، فإن عدد عناصر الحزب ارتفع في العام 2017 من 105 إلى 110 عناصر في 2018 في الولاية المذكورة. وجاء في التقرير الاستخباراتي الألماني، أن مركز الإمام المهدي في مدينة مونستر مثّل منصة ومكانا للتلاقي بالنسبة إلى مؤيدي الحزب في الولاية، إلى جانب مدن بوتروب ودورتموند وباد أوينهاوزن. ولفت إلى أن حزب الله يمتلك مراكز في هامبورغ وبرلين ومونستر.

وتتحدث مصادر أوروبية عن أن سوء التفاهم المتنامي بين إدارة ترامب في واشنطن والاتحاد الأوروبي ما زال عائقا لتوحيد معايير الطرفين في التعامل مع حزب الله. ففيما عدا بريطانيا وهولندا فإنه، ووفق ما ينقل عن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل، فإن تغيير الموقف من حزب الله يحتاج إلى إجماع أوروبي.

ولطالما تذرّع موقف أوروبا بأن مهادنة حزب الله تتعلق بسلامة الجنود الأوروبيين المشاركين بالقوات التابعة للأمم المتحدة في الشرق الأوسط، إلا أن الأمر يتجاوز ذلك إلى رغبة أوروبية في اختراق الأسواق الإيرانية لاسيما بعد إبرام الصفقة النووية، وبالتالي فمهادنة حزب الله هدفها مهادنة إيران.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

معركة عام ونصف مع إيران

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

عبد الرحمن الراشد

خلال الأسابيع القليلة الماضية، نشطت الدبلوماسية الدولية تسعى لمنع قيام معركة على ضفتي الخليج. ورغم هذا الجهد، يتزايد عدد القطع البحرية العسكرية من الجانبين المستعدة للقتال.
وفي الوقت نفسه، تُستكمل تفاصيل تحالف بحري عسكري دولي يجري لتكوين قوة ترافق الناقلات النفطية في مياه الخليج، وتردع أي اعتداءات بحرية إيرانية. ومشروع أسطول الحماية هذا يسعى لتحقيق غاية أساسية؛ منع قيام حرب إيرانية خليجية أميركية، وفي الوقت نفسه الاستمرار في حرمانها من بيع نفطها، حتى يؤدي الاحتواء دوره، الذي يهدف إلى الضغط على نظام طهران للتفاوض، وقبولها بالشروط المعلنة.
لا نريدها أن تصدر النفط، وفي الوقت نفسه لا نريد حرباً؛ معادلة صعبة، والأصعب ضمان استمرارها عاماً ونصف العام، حتى يحين موعد الانتخابات الأميركية وحسم الرئاسة، باستمرار دونالد ترمب في البيت الأبيض، صاحب المشروع، أو حتى يتبيَّن الخلف، وما هي سياسته.
ولا يخفي الجانبان، الإيراني والأميركي، اعتبار هذا التاريخ موعداً حاسماً للأزمة. وحتى ذلك الحين، لن تقوم الحرب، ولن يسقط النظام الإيراني، وربما لن يكون هناك حل يتم التفاوض عليه؛ الأمر الذي يتطلب ضبط الأعصاب، والامتناع عن ردود فعل قد تتسبب في حرب لا أحد يرغب فيها.
خلال هذه الفترة الفاصلة إلى موعد الانتخابات، هناك مخاطر محتملة. فإيران ستستمر في التصعيد والعدوان في المناطق المحيطة بالخليج، واستهداف مصالح أميركية أو خليجية خارج حدودها، عبر وكلاء طهران من ميليشياتها في المنطقة. والتحدي القائم، والأخطر، هو رفعها نسبة التخصيب، وسيعطي الاعتراف الإيراني بذلك لإسرائيل حجة «مشروعة» لقصفها خلال الأشهر المقبلة. وفي حال وقوع الهجوم الإسرائيلي، ستكون ردود فعل إيران عسكرية، لكن في أي اتجاه؟ إيران تخشى من التورط في حرب غير محسوبة مع إسرائيل التي قد ترد بعنف، وبأسلحة غير تقليدية، في حال أمطرت إيران مدنها بهجمات صواريخ واسعة. ولهذا قد يكون الخليج الهدف الأقرب، والأرجح أنها ستدفع «حزب الله» في لبنان إلى مهاجمة إسرائيل، وتوسيع دائرة الأزمة.
لهذا، أمام السياسيين احتمالات سيئة كثيرة، وعليها يبنون اليوم تحالفات موجهة ضد إيران، هدفها إرسال رسالة تقول إن الحرب لن تكون مشروع ترمب وحده، ولا هي حرب أميركية فقط. كما أنها تكتب مرافعة قوية موجهة للرأي العام الداخلي والدولي، توضح أنها لا تريد حرباً إلا إذا كانت في حال دفاع عن النفس، مفروضة عليها، وهي الضحية.
ماذا عن الحصار الاقتصادي الذي تعتبره إيران بمثابة إعلان حرب عليها؟ الحكومة الأميركية، من الناحية النظرية، لم تمنع إيران من بيع نفطها، أي أنها لا تمنع ناقلات النفط من أن تملأ صهاريجها، وتغادر ميناء بندر عباس، وتبيعه لمن تشاء. ليس ممنوعاً أن تبيعه، بل الممنوع هو أن تشتريه دول وشركات لها مصالح مع الولايات المتحدة، وإن فعلت ستمتنع أميركا عن المتاجرة معها، عقاباً. هنا، يفترض أن تدرك إيران قوة خصومها ونفوذهم، وعليها أن تقبل وتتخلى عن سياستها العدوانية. فلا أحد ينوي شن حرب على إيران، لكن هل بمقدور إيران الصبر، وعدم شن حرب لوقف عملية الخنق التي تتعرض لها؟ لا يبدو أن قادة النظام في طهران قد حسموا أمرهم بعد بشكل نهائي؛ نراهم يختبرون جملة من الخطوات، من تلغيم ناقلات النفط في ظلام الليل، وشن حملات إعلامية تخويفية، وفتح باب التفاوض مع فرنسا على الاتفاق النووي.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية