شيطنة الموسيقى في إيران

4168
عدد القراءات

2018-03-14

الخميني: الموسيقى تتلف الروح وتضعفها خصوصاً أنها تسبب الإثارة والنشوة كالمخدرات

الورود اليافعة، غصن الورد، والورقة الخضراء.. كلها أسماء لبرامج موسيقية، كانت تبث أو تذاع في إيران قبل العام 1979، حاملة دلالات على ما يمكن للموسيقى أن تفعله، وكيف لها أن تحفر في وجدان شعبٍ من الشعوب، فتشير إلى تقدمه ورغبته بالحياة، أو يشهد منعها على الحالة القمعية المزرية التي وصلها.

تحت عباءة الشيطان

تشير معظم القراءات المنشورة حول التاريخ الحديث للموسيقى في إيران، أنّ الانفتاح في الأداء الموسيقي وتنوّع الألوان الموسيقية، إضافةً إلى ظهور مدارس موسيقية جديدة، كان مرهوناً بالإرادة السياسية، خصوصاً خلال الفترة الفاصلة بين حكم شاه إيران محمد رضا بهلوي، وانفجار الثورة الإيرانية العام 1979.

ومع أنّ فترة حكم الشاه، مارست هي الأخرى ما مارسته من قمع، جاء في ظلّ نظامٍ أحادي، إلا أنّ القمع الذي يأتي باسم "الثورة"، يكون أشد وأكثر عنفاً، ولا دليل أبلغ من قمع الموسيقى في إيران بعد الثورة، بعد أن كانت منفتحة على العالم ونماذجه الموسيقية، وتمزج بين الموسيقى التراثية والأخرى الحديثة، كما أنّها كانت تسمح للجميع بالتعبير، خصوصاً المرأة، إلى أن جاءت عباءات الملالي، وجعلت من الموسيقى لغةً للشيطان.

ربط نظام الملالي في إيران الموسيقى بمفهوم "العفة الاجتماعية" معتبراً أنّها تقود إلى الرذيلة

ورغم أنّ الشيطان، لم يكن وارد الذكر في الفنون من قبل، إلا أنّ اسمه في إيران، أصبح يذكر حيثما توجد منافذ للحرية؛ فمنذ قيام الثورة الإيرانية، بدأت الأنشطة الموسيقية المحلية والعالمية تتراجع، وتختفي مظاهرها، مثل مهرجان "Shiraz-Persepolis" العالمي الذي تأسس في العام 1967، وأسهم في تطور موسيقى "البوب" في إيران خلال سبعينيات القرن الماضي، أيضاً، وحتى قيام الثورة، كانت الإذاعات والبرامج المحلية المتلفزة، تبث الأغاني والبرامج الموسيقية، وبرز موسيقيون ومغنون أمثال؛ "محمد رضا لطفي" الذي ساهم بتحديث الموسيقى التراثية الإيرانية، ومغنيات معروفات مثل "نوش آفرين" والممثلة والمغنية الشهيرة "غوغوش"، وعازف الناي الشهير "حسين عليزاده".

لكن، وبعد قيام الثورة الإيرانية، بدأت الأغاني والموسيقى الإيرانية تتراجعان، شركات التسجيل انحسرت، والأسطوانات الموسيقية أخذت تتعرض للإتلاف والاندثار، ولعلّ البحث عنها اليوم، يدل على ما تعرّضت له الموسيقى الإيرانية هي ومنتجوها ومغنوها من قمعٍ وعنف، ذلك أنّ الأمر أشبه بالتنقيب عن الآثار النادرة، إذ لم ينج منها الكثير.

سُجنت المغنية الإيرانية الشهيرة غوغوش ومنعت من مغادرة بيتها منذ 1979 حتى 2000

الثورة المسروقة

وفي هذا السياق، يتساءل الباحث في الشؤون الإيرانية؛ المترجم والكاتب العراقي غسان حمدان في تصريح خاص بـ"حفريات": "لماذا يجب أن يكون منع الموسيقى والغناء أو حتى المظاهر الأوروبية مبرراً؟ الثورة لم تقم من أجل منع هذا وذاك، بل إنّها كانت من أجل إرساء العدالة والحرية.. نعم، الحرية الشخصية والسياسية كانت من أهداف الثورة؛ إلا أنّ هذه الثورة سُرقت من رجال الدين، كما أنّ مثقفي تلك الفترة لم يناضلوا من أجل الحفاظ على مكتسباتهم وإنجازاتهم؛ بل آثر معظمهم الصمت كي لا يتهموا بمعاداة الدين أو الثورة التي شاركوا فيها بأنفسهم".

كانت الموسيقى تسمح للجميع بالتعبير إلى أن جاءت عباءات الملالي وجعلت منها لغة للشيطان

وبسؤاله إذا ما كانت الثورة الإيرانية العام 1979، قامت بمنع الموسيقى والتضييق على الموسيقيين والمغنين حتى يومنا هذا، من أجل تمييز نفسها عن المرحلة السابقة لها، قال حمدان "تم ربط المظاهر الدينية بنظام الثورة، أما بخصوص أنّ المنع والقمع مستمران حتى اليوم بشكل عام، فذلك يعود إلى أنّ النظام لا يريد زعزعة أسسه التي أقامها منذ الثورة بتراجعه عن المنع، ثم إنه متمسك بهذه القيود وهو يعلم أنها خاطئة ومضرة بالنسبة له أيضاً".

وأوضح حمدان "إنّ قام النظام بإلغاء القوانين وإنهاء المنع، فهذا يعد اعترافاً منه بارتكابه الأخطاء طوال الفترة الماضية؛ لذا فإنّ مصلحته تكمن في عدم فتح الملفات القديمة، وهو لا يريد التكفير عن ذنوبه، والتعويض للأدباء والفنانين والمثقفين الذين تضرروا جراء القوانين المجحفة؛ القوانين التي يمكن استغلالها وتعريفها كما يريد النظام أو بعض رموزه، وهذا ينطبق على الحجاب والسفور أيضاً".

فنانون بين السجن و المنفى

قام نظام الملالي في إيران من خلال رموزه، بربط الموسيقى بمفهوم "العفة الاجتماعية"، معتبراً إياها تقود إلى الرذيلة، والسفور، والإغواء. ولا مثال أفضل من آية الله الخميني، رمز الثورة الإيرانية الأكبر، الذي قال خلال مقابلة أجرتها معه الصحفية الإيطالية أوريانا فالاتشي، وتم نشرها في صحيفة النيويورك تايمز بتاريخ 9 تشرين الأول (أكتوبر) 1979 "الموسيقى تتلف الروح وتضعفها، خصوصاً أنّها تسبب الإثارة والنشوة، وهي بذلك، تشبه المخدرات".

وحين سألته فالاتشي عن الموسيقى الكلاسيكية، وعن مؤلفين مثل باخ وبيتهوفن، أجاب الخميني بأنه لا يعرف من هؤلاء الذين تتحدث عنهم الصحفية.

حمدان: الثورة ليست للمنع بل لإرساء العدالة والحرية إلى أن سرقها رجال الدين

أفكار الخميني هذه، وأفكار من خلفوه في الحكم جعلت من قمع الموسيقى نهجاً، مما أدى إلى جعل بيع الموسيقى وتبادل أسطواناتها ممنوعاً قانونياً في إيران، أمّا من يُطلق عليهم فنانو "ما بعد الثورة"، فتعرض عديد منهم للقمع أو السجن، وهاجر آخرون، بينما آثر الباقون التزام الصمت.

المغنية الشهيرة "غوغوش"، واحدة من هؤلاء، بدأت مسيرتها الغنائية منذ طفولتها، وتم اعتبار غوغوش المولودة العام 1950، رمزاً للحداثة والعصرية مطلع السبعينيات، إلا أنّ المغنية التي اشتهرت بأغاني مثل "آمده أم" و "نيمياد"، ومثلت في 25 فيلماً سينمائياً، ووصلت شهرتها الدول العربية وأوروبا، حيث غنت بالفرنسية والإيطالية أيضاً، تم سجنها لمدة قصيرةٍ بعد الثورة، فور عودتها من رحلةٍ في أمريكا آنذاك، ثم عوقبت بملازمة منزلها منذ قيام الجمهورية الإسلامية في 1979، وحتى العام 2000، حيث سمح لها النظام بمغادرة البلاد.

اغنية غوغوش: 

 

 

أما بعد الثورة بسنوات، فيمكن أخذ الفنان والمغني "شاهين نجفي" كمثال آخر، بدأ مسيرته الفنية نهاية التسعينيات، عازفاً للموسيقى الكلاسيكية وموسيقى الفلامنكو. ثم اضطر العام 2005 للهرب من إيران، بعد اقتحام السلطات حفلاً له العام 2004، ورفع دعوى ضده. حيث تمكّن من الوصول إلى ألمانيا، وإطلاق أول ألبوم غنائي له من هناك العام 2008.

حمدان: إن ألغى النظام القوانين القمعية فهذا يعد اعترافاً منه بارتكابه الأخطاء طوال الفترة الماضية

ويقول حمدان بهذا الخصوص "وضع القيود يجعل البيئة الثقافية مقفرة، ويقتل الإبداع، ويضع المبدعين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الهجرة أو الاعتزال والصمت".

وتابع حمدان "نحن نتعامل عموماً مع مسؤولين همهم السلطة فقط، وهؤلاء موجودون في إيران وبعض البلاد العربية أيضاً، وهم ينتمون إلى سلطةٍ تريد مبدعين منتمين لها، تريد أدباء وفنانين يروجون لها ويمدحونها فقط لا غير؛ ولا يهمهم أن يكون هناك إبداع حقيقي أم لا، يريدون المظاهر التي تخدمهم فقط".

الفنان والمغني الإيراني "شاهين نجفي"

مطربون وعازفون أمثال؛ غوغوش ونجفي، ليسوا سوى مثالين، على القمع والتهجير الذي تعرضت له الموسيقى والموسيقيون منذ الثورة الإيرانية، كما أنّ مظاهر المنع تطال كما قال حمدان "الفنون والأدب والترجمة وبعض العلوم أيضاً، والحفلات الموسيقية وحقوق المرأة"، وهي تهدم قيم "الثورة" بمفاهيمها الإنسانية والاجتماعية، فالثورة الحقيقية، لا بد أن تكون ثقافيةً أيضاً، ولا بد للمجتمع حتى يتقدم، أن يظهر الأفكار والآراء والطموحات الشعبية، كما أنه لا بدّ من السماح للفنانين والمبدعين والأفراد بالتعبير، من خلال موسيقاهم وأغانيهم وإبداعاتهم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: