إثيوبيا.. حكومة نسائية أقل فساداً وأكثر انضباطاً

إثيوبيا

إثيوبيا.. حكومة نسائية أقل فساداً وأكثر انضباطاً

مشاهدة

27/10/2018

رغم اعتراض البعض على فكرة أنّ النساء "أكثر نزاهة" و"أقلّ فساداً" من الرجال فيما يتعلق بالمال العام، إلاّ أنّ هذا الاعتراض لا يصمد كثيراً أمام الحقائق الماثلة والتي تؤيدها دراسات وأبحاث كثيرة في هذا الصدد.

بعض هذه الدراسات خلصت صراحة إلى أنّه: "كلما كانت الحكومات مُشكلة من غالبية نسائية، قلّ فسادها وأصبحت أكثر نزاهة وعدلاً"، ليس لأن المرأة محصّنة ضد نزعات الطمع والجشع، بل لتفوقها في الأداء، كما تقول ميلين فرفير، السفيرة الأمريكية المختصة في قضايا المرأة عالمياً، التي تؤكد:"الحل ليس في إشــراك المزيد من النساء في السياسة، المطلوب تغيير ميزان الجندر، ووفق بحوثنا سيــكون لذلك مــردود صــحي". 

أكد رئيس وزراء إثيوبيا الذي شكل حكومة نصفها من النساء أنّهن أكثر انضباطاً وأقل فساداً

قبل أعوام خلت، أجرى  فريق أكاديمي  بيروفي برئاسة الباحثة سابرينا كريم، دراسات ميدانية معمقة في العاصمة ليما، حول مدى انتشار الفساد بين الرجال والنساء، وخلص إلى أنّ الرشوة التي كانت منتشرة بين شرطة مكافحة المخدرات تراجعت بشدة العام 2012، مقارنة بـ14 عاماً مضت، ويعود السبب الرئيس في ذلك إلى تجنيد 2500 امرأة للقيام بدوريات في الشوارع،كما أظهر مسح منفصل أجراه ذات الفريق  أنّ نسبة الرضا بين الجمهور على أداء النساء كضابطات في أقسام مكافحة المخدرات بلغت 86%، وأنّ 95% ممن شملهم الاستطلاع يعتقدون أنّ وجود المرأة في الشرطة قلّص الفساد، فيما يعتقد 67% أنّ المرأة أقل فساداً بالفعل.

اقرأ أيضاً: مَن يسعى لزعزعة الاستقرار في إثيوبيا والقرن الإفريقي؟

وزيرة التجارة والصناعة

حكومة نصفها من النساء

في حزيران (يونيو) الماضي؛ أعلن رئيس الوزراء الإسباني الجديد الاشتراكي، بيدرو سانشيز، عن تشكيلة فريقه الحكومي الجديد المؤيد للاتحاد الأوروبي، بحيث ضم 11 امرأة و6 رجال، وقال سانشيز حينها: "إنّ النساء أكثر انضباطاً وكفاءة في العمل".

اقرأ أيضاً: لماذا تأخرت المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا عشرين عاماً؟

لكن، ما فجره الشهر الحالي رئيس الوزراء الإثيوبي الإصلاحي آبي أحمد علي، في دولة إفريقية لم يعرف النساء فيها سبيلاً إلى التمثيل في حكوماتها المتعاقبة – إلا ّ بمقدارٍ ديكوري- كان مفاجأة من العيار الثقيل؛ حيث أعلن حكومة جديدة من 20 وزيراً،  نصفها من النساء، وأوكل إليهن حقائب وزارية من الوزن الثقيل؛ مثل وزارة الدفاع، ووزارة السلام، التي تضم الشرطة والمخابرات والأمن؛ كما تولت نساء أخريات وزارات التجارة والصناعة، والمواصلات، والعلوم والتعليم العالي، والمرأة والطفل والشباب، والعمل والشؤون الاجتماعية، والثقافة والسياحة، والإيرادات، والتخطيط والتطوير.

وزيرة التخطيط والتنمية

وقال آبي أحمد، في تصريحات صحفية، عقب إعلانه حكومته: إن "النساء أقل فساداً وأكثر انضابطاً وتسامحاً"؛ متوافقاً مع نظيره الإسباني سانشيز.

خطاب الحب والسلام

وعدَّ مراقبون ومطلعون على الأوضاع في إثيوبيا إعلان آبي أحمد عن حكومة نصفها من النساء، يأتي ضمن سلسلة من الإصلاحات التي ابتدرها منذ توليه منصبه في نيسان (إبريل) الماضي، وبعد أكثر من عامين من الاضطرابات المناهضة للحكومة التي ساهمت في الاستقالة المفاجئة لسلفه هايلي مريام ديسالين.

ألمايو: لا أعتقد أن آبي أحمد أوكل للنساء قيادة الجيش والأجهزة الأمنية خشية طموح الرجال وتحسباً لانقلاب عسكري

وفي هذا السياق يقول المحلل السياسي الأثيوبي، تيدسي ألمايو: لا أعتقد، كما يروج البعض أن آبي أحمد أوكل للنساء قيادة الجيش والأجهزة الأمنية والشرطة خشية من طموح الرجال وتحسباً لانقلاب عسكري قد يحدث؛ فالرجل ذو خلفية عسكرية ويعرف كافة التفاصيل عن الأمن والجيش كونه كان عضواً سابقاً في الاستخبارات، وتولى في وقتٍ سابق وزارة العلوم والتكنولوجيا المسؤولة عن الأمن المعلوماتي، لكنه يعتقد بالفعل أنّ النساء لا تنقصهن الكفاءة ولا الانضباط والحضور لتولي أي منصب كبير، علاوة على أنهن أقل فساداً من الرجال، كما أشار مراراً.

وزيرة الإيرادات

وهنا يذكّر، ألمايو، بأمر آخر وهو أنّ الرجل كان أول رئيس وزراء إثيوبي يشكر أمه وزوجته باسميهما وعلى الملأ في أول خطاب له أمام البرلمان بعيد تسميته رئيساً للوزارة خلفاً لديسالين في نيسان (أبريل) الماضي.

وزيرة شؤون المرأة والطفل والشباب

وكشف ألمايو في حديثه لـ"حفريات" عن أنّ آبي أحمد "يعتمد خطاب الحب والسلام والعدل ومحاربة الفساد، وأنّه لا يعرف الخوف؛ لأنّه مؤمن بالتضحية"، وأشار إلى أنّ الرجل "فيلسوف عميق التفكير"، على حد تعبيره، وأن أرفف مكتبته "مكتظة بكتب الأديان والفلسفة والعلوم الأخرى، وعندما كان وزيراً للعلوم والتكنولوجيا لم يكن لديه سكرتير لأنه أراد أن يكون مكتبه متاحاً". 

اقرأ أيضاً: قمة آبي وأفورقي التاريخية

وزيرة الدفاع

طاقة وكاريزما

من جهته قال يوسف تيروني، الذي عمل مع آبي أحمد في وزارة العلوم والتكنولوجيا، في حديثة لـ"حفريات": "إنّه مستمع جيد ومتواضع  لكنه صارم مع من لا يؤدون أعمالهم على نحو جيد، كما أنّه يمتلك طاقة وكاريزما لا تتوفران بهذا القدر في أي شخص آخر عرفته في حياته"، مضيفاً: عندما استلم الحكومة من سلفه،  كانت تضم 28 وزيراَ، من بينهم 5 سيدات، الآن قلص حجمها إلى 20 وزيراً بينهم 10 سيدات يتوفّرن على مؤهلات وخبرات كبيرة وسمعة طيبة، فما الغريب في أن يكون  كل طاقم الحكومة من السيدات، على الأقل، عندما تتولى النساء أمور الأمن والجيش، فإنّ "الحروب والموت والاعتقالات التعسفية ستتوقف، فقط أن يكنّ مؤهلات لذلك"، وفق تيروني.

وزيرة العلوم والتعليم العالي

إلى ذلك ذهب غيتاشو زقي، صحفي ومحلل سياسي إثيوبي  يعيش في بريطانيا، في حديثه لـ"حفريات" أنّ آبي أحمد ربما ساعدته خلفيته المختلطة المسيحية والتحدث باللغات الرئيسية الثلاث  في البلاد الأمر الذي مكنه من تجسير الانقسامات، ويأتي إعلانه عن (حكومة النساء)، كما يطلق عليها البعض تهكماً ربما، أو سخرية، كحلقة "ضمن سلسلة من الإصلاحات الدرامية التي طبقها منذ توليه منصبه"، بحسب ما قاله زقي لـ"حفريات".

وزيرة السلام

إنجاز وسط مجتمع أبوي

في حكومة آبي أحمد الجديدة أوكلت وزارة الدفاع إلى عائشة محمد موسى، ووزارة السلام التي تضم الشرطة والأمن والمخابرات إلى مفريات كامل رئيسة البرلمان السابقة، وتنتمي السيدتان إلى أقليات عرقية في إثيوبيا، فيما سُميت كل من أدناش أبيبي وزيرة للإيرادات، وفيتليورق قبريزقابهير وزيرة للتجارة والصناعة، وديغماويت موغوس وزيرة للمواصلات، ود.هيروت ولدي ماريام وزيرة للعلوم وللتعليم العالي، ويليم تسيقاي وزيرة لشؤون المرأة والطفل والشباب، ود.إرغوغي وزيرة العمل والشؤون الاجتماعية، ود.هيرون كاساو وزير الثقافة والسياحة، ود.فيتسوم أسفا وزير التخطيط والتنمية.

وزيرة المواصلات

ووصف مراقبون هذا الحضور النسائي الكبير في حكومة آبي أحمد الجديدة بأنّه يمثل، بجانب كل ما ذكر، أمراً مهماً جداً بالنسبة للنساء الإثيوبيات في بلد ظل يرزح تحت تقاليد أبوية راسخة، وليس به أدنى معايير للمساواة بين الجنسين، كما أنّ وجود امرأتين مسلمتين ترتديان الحجاب في مجلس الوزراء أمر لا يمكن إغفاله واعتباره عاديّاً، وإنما ينطوي على إشارات مهمة ينبغي تأملها.

الصفحة الرئيسية