إشكالية العلاقة بين السلطة والمعرفة في التاريخ الإسلامي

3636
عدد القراءات

2019-06-16

يحاول مؤلف كتاب "المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية: قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة"، عبدالمجيد الصغير، كما يعرض في المقدمة الإضافية للكتاب، التأسيس لطريقة جديدة في البحث، وإنشاء رؤية تعيد طرح الإشكالية من الأساس، إضافة إلى إعادة النظر في مفاهيم سابقة تخص إشكالية السلطة العملية في الإسلام.

اقرأ أيضاً: فقه الاستبداد: العلاقة الجدلية بين السياسة والأخلاق في التاريخ الإسلامي

ويطرح المؤلف في ذلك سؤالاً إشكالياً: كيف يجوز تقويم العلم في الإسلام دون أن نضع في الاعتبار دور السلطة السياسية كإطار اجتماعي؟ وإذا أمكن لرجل السياسة الاستحواذ على "أجساد المحكومين" فكيف تسلم "عقولهم" وينجو إنتاجهم المعرفي من تأثيره وتوجيهه؟ وفي ذلك يجب الاعتراف بأنّ إشكالية العلاقة بين السلطة والمعرفة أثبتت حضورها القوي في تاريخ الإسلام سيما في الفترات الحرجة المتسمة بـ "الفتنة" و"انحلال السلطة".

غلاف الكتاب

يملك العالم أو الفيلسوف أو المفكّر، بوجه عام، القدرة على النقد والتأثير والتوجيه، وبرغم أنّه لا يملك السلطة فإنّ معرفته سلطة، وبالتالي فهو ينافس رجل السياسة، أو يكون هدفاً له لأجل امتلاك السلطة الشرعية. واعتباراً لهذا التداخل بين المعرفي السياسي وجب عند منظّري السياسة في الإسلام ضرورة الفصل بين مفهوم السياسة ذاته ومفهوم القوة. فـ "السياسة" هي القيام على الشيء بما يصلحه؛ فهي تدبير، يقضي ضرورة القيام على الشيء وإتقانه بهدف ترشيده وإصلاحه قبل كل شيء، كما أنّ من شأن ذلك التعريف أن يوسع مفهوم السياسة بحيث يجعل منها مآلا متداخل الاختصاصات؛ فسواء تعلق الأمر برجل السلطة الفعلية أو بصاحب المعرفة العلمية فكل منهما رجل سياسة يملك سلطة وقدرة على التأثير. يقول الفخر الرازي: السياسة رياسة، وعلم السياسة هو علم الرياسة.

يحاول عبدالمجيد الصغير أن يعالج مصادر أصول الفقه على نحو مختلف عما نهجه المستشرقون والباحثون العرب

أسست نصوص إسلامية عديدة إضافة إلى النص الأصلي (الكتاب) تقليداً فكرياً لدى "العلماء" في الإسلام، جعلهم يفتخرون بكونهم "الموقعين عن رب العالمين" كما جعلهم يقفون غالباً موقف الحذر من السلطة السياسية الفعلية، وتنعدم لديهم الثقة باختياراتها وبنواياها، مما يعني على مستوى آخر مشكلة العلاقة بين رجل السياسة ورجل العلم في الإسلام، وقد عكست إشكالية اتخذت دوماً صيغة التوتر بين منطق الواقع ومنطق الواجب، وبين الكائن والذي ينبغي أن يكون، بين السياسة الفعلية و"السياسة الشرعية"؛ والمشكلة في آخر التحليل مشكلة العلاقة بين من يتخذ سيطرته على الواقع حجة للتمسك بسلطته العليا ومبرراً لإضفاء "الشرعية" عليها، وبين من يرفض الاحتكام إلى القوة ومنطق الواقع ويسوّد الصفحات، ويسهر الليالي في التقويم والاعتبار وتحليل المعاناة اليومية في صلب ذلك الواقع الكائن، ليفكر فيما ينبغي أن يكون.

اقرأ أيضاً: المثقف اللامنتمي: مواجهة الفكر والسلطة في التاريخ الإسلامي

ولا ريب أنّ المشكلة اتخذت صوراً مختلفة عبر حقب وعصور تاريخ الإسلام حتى وقتنا الحاضر، لكنها تظل في سائر الأحوال محتفظة بسمتها الأساسية، سمة الجدال والصراع والحذر! هكذا تتقاطع السلطتان في تاريخ الإسلام: سلطة المعرفة التي تطمح أن تكون "سياسية" وسلطة السياسة التي ترغب في امتلاك المعرفة وتوظيفها.

اقرأ أيضاً: "المهمشون": المعارضة المنسية في التاريخ الإسلامي

يرى المستشرق المجري جولد زيهر (1850 – 1921) في كتابه "العقيدة والشريعة في الإسلام"؛ أن التآخي بين الدين والدولة تراث فارسي اقتبسه العباسيون، وهو ما يفسر لديه تلك المنزلة التي احتلها الفقهاء في بلاط العباسيين والحظوة التي كانت لهم عند خلفائهم، لكن ربما يكون، كما يؤكد زيهر نفسه، أنّ المسألة مرتبطة بتطور الفقه الإسلامي، فقد احتاج المسلمون إلى فترة زمنية لبناء المعرفة والتنظيم السياسي والفقهي، إلى أن جاء الوقت الذي صار رجال القضاء والفقه يحتلون مكانة عظيمة في الدولة والحضارة.

 التأصيل الفقهي للسياسة والتشريع بدأ بالشافعي في كتابه "الرسالة"

ويردّ مستشرقون مثل؛ المستشرق الألماني جوزيف شاخت (1902 – 1969) إلى أنّ التأصيل الفقهي للسياسة والتشريع بدأ بالشافعي في كتابه "الرسالة" والمؤسس لأصول الفقه، وقد سبقه بقليل ابن المقفع في "رسالة الصحابة" لكن شاخت ومستشرقين آخرين مثل؛ برانشفيك ويتابعهما محمد أركون ونصر حامد أبو زيد يعتقدون أنّ الشافعي قد ثبت علم الأصول ما تسبب في عقمه، لكن برأي أركون فإنّ الشاطبي بكتابه "الموافقات" خفف كثيراً من حدة النظرية الصارمة لأصول الفقه.

يملك العالم أو الفيلسوف أو المفكر القدرة على النقد والتأثير والتوجيه وبرغم أنّه لا يملك السلطة فإنّ معرفته سلطة

وفي المقابل فهناك باحثون ومفكرون حاولوا أن ينشئوا رؤية مستقلة لعلم الأصول، مثل حسن حنفي (من النص إلى الواقع) ومحمد خالد مسعود في دراسته للفكر الأصولي عند الشاطبي، وعبدالمجيد التركي في كتابه مناظرات ابن حزم والباجي حول أصول الفقه الإسلامي. وهناك بالطبع ابن رشد والغزالي والجويني وغيرهم من العلماء والفلاسفة الذين طوروا الفكر العربي الإسلامي في الأصول والشريعة والسياسة.

أما عبدالمجيد الصغير، فهو يحاول، حسب قوله، أن يعالج مصادر أصول الفقه على نحو مختلف عما نهجه المستشرقون والباحثون العرب، وذلك بإجراء دراسة شاملة ومقارنة للمصادر لتشمل أطيافاً وأجيالاً ممتدة في الفكر الأصولي، ورصد جدلية العلاقة بين الواقع والإنتاج الفكري لعلماء الأصول، والاهتمام أيضاً بكتب الآداب السلطانية وأدب الكتاب والدواوين والقضاة والوزراء، وكذلك المصادر غير المباشرة مثل كتاب المحن لأبي العرب التميمي في القرن الرابع الهجري والذي يمكن اعتباره، كما يقول عبدالمجيد الصغير، من أقدم النصوص التي تحرص على أن توثق للعلاقة بين رجل العلم ورجل السياسة في الإسلام في شكل محن متلاحقة، وكذلك أعمال ابن خلدون وابن الخطيب والمقري الحفيد والمقريزي وكتب الطبقات والرحلات، هذا بالطبع إلى المصادر الحديثة التي اعتنت بالفكر الأصولي والسياسي الإسلامي.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الاختلاف الديني وصناعة الطائفية: محاولة لرؤية مغايرة

2019-08-15

يتيح كتاب "الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ: تقرير حول الأقليّة"،  للبروفيسورة الراحلة، صبا محمود، تحدّي الاستقطاب الثنائيّ لفهم المشكلة الطائفيّة في الشرق الأوسط، مدجّجة بحسّ جينالوجيّ وتاريخيّ، يَسبر في كوامن الخطابات المصريّة والعالميّة، فلسفيّيها وقانونيّيها وسياسيّيها، حول مسألة الأقليّات، لا سيّما المسيحيين الأقباط الأرثوذكسيين، والبهائيين بصورة جزئيّة في مصر ما بعد الاستعماريّة.

اقرأ أيضاً: هل ساهمت العلمانية في بروز الإسلام السياسي؟

إنّ حجاج الكتاب طريف من نوعه، فلطالما اعتُبر أنّ الشرق الأوسط، في خطابات المحلّلين، مكان تزدحم داخله كلّ هذه الاضطرابات؛ نظراً إلى علمانيّته النّاقصة، ولعدم علمنة قوانين دوله بما يكفي؛ إذ، كما توضّح صبا محمود على مدار كتابها، تُعتبر ما تسميها الكاتبة "العلمانويّة السياسيّة"؛ أمراً نموذجياً تمثّله المجتمعات والدّول الغربيّة أفضلَ تمثيل، بينما تنحرفُ أو تزيغ عنه أو تطبّق "نسخة" منه المجتمعات الشّرق أوسطيّة، وعليه؛ عندما نتعامل مع المجتمعات الشّرق أوسطيّة فإنّما نتعاملُ معها بـ "قياسيّة" على المجتمعات الغربيّة، ونرى كيف تقترب منها أو تحيد عنها.

اقرأ أيضاً: صبا محمود: مايزال العالم قابلاً للنقد والاستجواب

فالحال أنّ المشكلة الدينيّة، سواء تجلّت في مشكلة الأقليّات أو في ظاهرة الإسلام السياسيّ لإثارته مسألة علاقة الدّين بالدّولة، أو في تدابير الدّولة العربيّة ما بعد الاستعماريّة، ومصر على الأخصّ، للمسألة الدينيّة، موضع نقاش وأخذٍ وردّ دائم في الكتابات العربيّة والغربيّة حول الموضوع.

غلاف الكتاب

وتتقاسمُ الكتابةُ العلمانيّة والدينيّة الموضوع نفسه مناصفةً؛ فهو موضوع يَمسّ الشأن العربيّ والإسلاميّ برمّته، بيد أنّ النّقاشات غالباً ما تكون ثنائيّة ومنسّقة إلى متقابلين: هذا في مقابل ذاك، الدينيّ في مواجهة العلمانيّ، والمتعالي في مواجهة المحايث، والقانون في مواجهة الشريعة. هذا الاستقطاب المبنيّ على الثنائيّات ربّما تكمن فيه المشكلة، لا في الموضوع المُناقَش نفسه، بالتالي؛ يمكننا القول: إنّ "المنطق" الذي يحدو النقاشات حول الطائفيّة في العالم العربيّ، ومصر تحديداً، هو منطق القياسيّة: أي الافتراض بأنّ علمانيّتنا مقابل علمانيّة الغرب هي علمانيّة ناقصة.

يعتني الكتاب بإشكاليّة أرّقت الحقول المعرفيّة حول الشرق الأوسط ما بعد الاستعماريّ وهي علاقة السياسات الدينيّة والعلمانيّة وإنتاج الطائفيّة

تضع محمود هذا المنطق موضع تحدّ على مسار كتابها، وتحاجج بفهم آخر للعلمانيّة السياسيّة؛ حيث تضعها فيما وراء مبدأ حياديّة الدّولة تجاه الدّين، أو فصل الدّين عنها، أو غيرها من الفهومات الكلاسيكيّة للعلمانيّة السياسيّة، فتَنظر إليها باعتبارها نسقاً للحوكمة، وإعادة ضبْط للحياة الدينيّة والاجتماعيّة، واعتماداً على الإسهامات الباذخة لطلال أسد، تأخذ محمود العلمانيّة السياسيّة كأمر أبعد من هذه الصيغة الكلاسيكيّة، لترى كيف أنّ الدّولة الليبراليّة تُقاسِم الدّول السلطويّة في علمانيّتها، وأنّ العلمانيّة ليست حصراً على الدّول الليبراليّة؛ فهي أيضاً قائمة في أغلب الدّول السلطويّة.

اقرأ أيضاً: العلمانية كحلّ؟.. الإسلاموية وعلاقة الدولة بالدين
يُصاحب ماركس أيضاً محمود على مدار كتابها، لتثبت -نظرياً وتطبيقياً- أنّ الدّولة الليبراليّة لا تلغي الدّين، إنّما تُخصخصه بالأحرى؛ أي تجعله أمراً خاصاً بالمجال الخصوصيّ، وتعيد تنظيمه، وتتدخّل فيه بموجب سلطتها السياديّة.

يعتني هذا الكتاب المهمّ بإشكاليّة لطالما أرّقت الحقول المعرفيّة حول الشرق الأوسط ما بعد الاستعماريّ، ألا وهي علاقة السياسات الدينيّة والسياسات العلمانيّة وإنتاج مشكلة الطائفيّة في بلدان شرق أوسطيّة تزخرُ بأقليّات تعيش في ثناياها، وفي ظلّ أنظمة ما بعد استعماريّة. لقد كان حلّ مشكلة الطائفيّة دائماً جاهزاً وواضحاً، نحو مزيدٍ من العلمنة، ونحو مزيد من خصخصة الدّين وإبعاد السياسة عنه.

البروفيسورة الراحلة صبا محمود

فهل هذا الحلّ صحيح؟ كما سنرى في هذا الكتاب، فإنّه بالتحديد هو المشكلة ذاتها.

إذ تحاجج صبا محمود بأنّ السياسات العلمانيّة نفسها أنتجت بشكل كبير التفاوت الدينيّ في الدّول القوميّة الحديثة، وتأخذ مصر حالة لدراستها، مع اعتبار للسياق الجيوسياسيّ والعالميّ الذي تحلّل فيه. 

حلّ مشكلة الطائفيّة كان دائماً جاهزاً وواضحاً نحو مزيدٍ من العلمنة ومزيد من خصخصة الدّين وإبعاد السياسة عنه

في سياق دراستها لحالة الأقليّات في مصر؛ بعد تعقّبها لمسألة الأقليّات في الدّولة العثمانيّة قبل وبعد الإصلاحات العثمانيّة، ودور القوى الغربيّة في تفاقم المشكل، واستغلال هذه المسألة آنذاك للتدخّل في الإمبراطوريّة العثمانيّة باسم "تدخّلات أنسنيّة" لـ "إنقاذ" المسيحيين العثمانيين من الحكم العثمانيّ (الفصل الأوّل)، توضّح محمود كيف أنّ مفهوميْ "حقوق الأقليّة" و"الحريّة الدينيّة" كانا دائماً محلّ نزاع وجدال في السياقات الوطنيّة والعالميّة على حدّ سواء.
وتتبّع جينالوجيّاتهما في القانون الدّوليّ، وفي الجدالات القوميّة بمصر منذ مطلع القرن العشرين حول مكانة الأقباط في الدّولة المصريّة، وكيف أنّ هناك انقساماً في تسمية "الأقليّة" وتنزيلها على الأقباط: فبينما ترفض الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة مثلها مثل الدّولة المصريّة وعديد من النّشطاء الأقباط هذه التسمية، متمسّكةً بمصطلح "أهل الكتاب" القرآنيّ، نظراً لما يوفّره لها من استقلاليّة مليّة على قوانين الأسرة القبطيّة وقوانين الأحوال الشخصيّة، ينادي قطاع آخر من الأقباط باعتناق هذه التسمية؛ لأنّها هي التي ستجلبُ المشكل القبطيّ إلى السّاحة العالميّة (الفصل الثاني)، فإذا كان نضال الأقليّات دائماً موضوعاً على هذين المفهومين الإشكاليين، ويعمل تحت عنوانهما، فإنّ هذا الكتاب يوضّح الطبيعة المشوّشة والمخاتلة للمفهومين، وكيف أنّ مصطلح "الأقليّة القوميّة" نفسه يعاني من اضطراب شديد في المدوّنات القانونيّة ومرّ بمسارات تحوّل وتغيير. 

يتطرق الكتاب للحديث عن الأقليات ومنها البهائية

وتجادل محمود، بفهم طريف، بأنّ العلمانويّة السياسيّة ليست هي مبدأ حياديّة الدّولة، وإنّما هي إعادة تنظيم الدّولة للحياة الدينيّة على عكس ما يُشاع عنها، ومن ثمّ، تَنظر كيف تحوّل السياسات العلمانيّة الدينَ، وكيف يتواشج الدينيّ والعلمانيّ معاً بموجب الدّولة الحديثة، وهذا يتجلَّى في نقاشها المثمر للغاية حول قوانين الأسرة الإسلاميّة والقبطيّة (الفصل الثالث)، وكيف يتضافر الدّين والجنسانيّة والجنوسة والعلمانويّة في هذه القوانين التي تنتج إرباكاً شديداً في حالة الأقباط بالأخصّ.

اقرأ أيضاً: عن أي علمانية نتحدث؟

لقد حوججَ كثيراً بأنّ قوانين الأسرة هي ميراث من الإمبراطوريّة الإسلاميّة يعوق عمليّة التحديث والعلمنة؛ بل إنّه أمارة على العلمنة غير المكتملة لهذه البلدان، تنقد محمود هذا الفهم بإظهار أنّ ما يُسمّى "قانون الأسرة" لم يكن موجوداً في فقه الشريعة الكلاسيكيّ، وأنّه نتاجٌ حديثٌ تماماً ظهر مع الإصلاحات العثمانيّة، وأنّ العلمانيّ ليس هو الأساس الذي يبقى بعدما يُنحَّى الدّين، إنّما يتضافرُ العلمانيّ والدينيّ -كمقولتين- في ظلّ الدّولة الليبرالية الحديثة.

اقرأ أيضاً: علاء حميد: العلمانية العربية ردّ فعل على تغوّل الإسلام السياسي

إنّ الكتاب معنيّ بإنتاج "التفاوت المدنيّ والسياسيّ" في الدّولة الحديثة، هذا التفاوت الذي لطالما نُظِرَ إليه على أنّه موجود، شرق-أوسطياً، بسبب هيمنة المفاهيم والممارسات الإسلاميّة في هذه البلدان والمجتمعات. سوى أنّ الكتاب يتحدّى هذا ليثبت أنّ التفاوت والطائفيّة إنتاجهما موكَلٌ، في جزءٍ كبير منه، إلى الدّولة الليبراليّة الحديثة بما هي كذلك؛ لأنّها مُطاردة بازدواجيّة لا فكاكَ منها: ففي حين تدّعي الحياديّة تجاه الدّين، فإنّه تُنظّمه وتديره وتحدّد ما يجب أن يكونه، وبالتالي تُنتج التفاوت بفعل هذا التدبير الدّولتيّ النابع من سلطتها السياديّة.

يوضّح الكتاب كيف أنّ مصطلح "الأقليّة القوميّة" نفسه يعاني من اضطراب شديد في المدوّنات القانونيّة ومرّ بمسارات تحوّل وتغيير

يتّضح هذا أشدّ الاتّضاح في حالة البهائيين (الفصل الرّابع) بمصر؛ حيث تدرس محمود التهديد السياسيّ والقانونيّ الذي شكّلته حالة البهائيين على المحاكم المصريّة باعتبار أنّ المعتقد البهائيّ معتقد غير إبراهيميّ في دولةٍ لا تعترفُ إلّا بالدّيانات الإبراهيميّة الثلاث: الإسلام (دين الدّولة، بموجب القانون)، والمسيحيّة، واليهوديّة. وتسبر محمود الأحكام الصادرة بشأنهم فيما يتعلّق بالاعتراف بمعتقدهم وتسجيله على بطاقات الهويّة (ما يُطلَق عليها في مصر "بطاقات الرّقم القوميّ")، والطريف؛ أنّ صبا توضّح التفاوت المُنتَج من قبل الدّولة باعتباره تفاوتاً تتشاركه كلّ الدّول القوميّة الحديثة، لتظهر أنّ ثمّة جينالوجيا عالميّة تتقاسمها السياسات العلمانيّة؛ إذ تقارن قرارات المحاكم المصريّة بقرارات المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان حول عدّة حالاتٍ فصّلتها بالكتاب في فرنسا وسوسيرا وتركيا بخصوص تمييزات دينيّة تعرّضت لها معلّمات لارتدائهنّ الحجاب، أو في حالة لوتسي التي اعترضت على عرض الصليب في المدرسة الحكوميّة؛ نظراً لأنّه ينتهك حريّة أبنائها الدينيّة والفكريّة، تُظهر هذه المقارنة عن جينالوجيا واحدة للعلمانويّة الحديثة، تُنتَج في المحاكم المصريّة على هيئة دينيّة، وفي المحاكم الأوروبيّة على هيئة علمانيّة دينيّة في جوهرها، أي المسيحيّة وقد عُلمِنَت.

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية

وكما أشارت البروفيسورة كميل روبسيس في مراجعتها لهذا الكتاب؛ فإنّ ماركس الشاب يُصاحب هذا الكتاب، ويتمثّل وجود ماركس هنا، كما نوّهتُ على ذلك في بدء هذه المقالة، في إشارته إلى أنّ الدّولة الليبراليّة لم تلغِ الدينَ، وإنّما خصخصته وعمّقته اجتماعياً على خلاف زعمها المعهود، وبالفعل؛ منذ المقدمة، تشير محمود إلى ماركس بمقالته المعنونة "حول المسألة اليهوديّة" التي يردّ فيها على باور الذي يمثّل قمّة المثاليّة الهيغليّة، ولعلّ من الطريف أنْ يترافق ماركس وطلال أسد في هذا الكتاب: الأوّل يقول باستحكام الدّين في الدّولة الليبراليّة، والثاني يقول إنّ الدينَ نفسه هو مفهوم علمانيّ، لكن وإنْ كان ماركس يقول ذلك ليحدّدَ الدينَ باعتباره "اعتقاداً"؛ فإنّ طلال أسد يقول إنّ مفهمة الدين كـ "اعتقادٍ" هي نفسها تصوّر حداثويّ يَنظر إلى الدين في أبعاده المثاليّة دون استثمار ماديّة الدين الخاصّة؛ لذلك، بحسب أسد، علينا أن ننظر إلى العلمانويّة فيما وراء مبدأ حياديّة الدوّلة تجاه الدّين (أي كمنظِّمة للدين في الحياة الاجتماعيّة للمجتمعات والجماعات البشريّة)، وأن ننظرَ للدّين فيما وراء الاعتقاد (أي كممارسة خطابيّة وماديّة)، وسنجدُ ذلك في أثناء هذا الكتاب في مواطن كثيرة لمحمود.

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك

أمّا الفصل الأخير؛ فيتطرّق إلى أمر نشاز عن الكتاب؛ أي إلى العلمانيّة (secularity) -لا العلمانويّة (secularism)-  وعلاقتها برؤية التاريخ والوحي، وذلك من خلال قراءة نقديّة لرواية "عزازيل"، ليوسف زيدان، والجدالات حولها، مموضعةً إيّاها في سياق القراءة الأنواريّة للدين منذ القرن الثامن عشر.
لقد أثارت هذه الرّواية ضجّة، كما هو معروف، في الوسط المصريّ، نظراً لتعرّضها للنقاش الكريستولوجيّ المتعلّق بطبيعة المسيح.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن وصف نظام الولي الفقيه بالعلمانية؟
تبيّن محمود أنّ الرواية تقوم على تصوّر إنسانويّ للدّين باعتباره خلْقاً بشرياً، وأنّها مدجّجة بنقدٍ أنواريّ للدّين، وتوضّح أنّ الجدال حولها من قبل رجال الدّين المسيحيين -مثل الأنبا بيشوي- يتقاسم علمانيّة زيدان نفسها؛ فكلا الطرحين يَنظران إلى الكتاب المقدّس كمستودع للحقائق التاريخيّة، غير مفرّقين بين التاريخ التقويميّ والتاريخ المقدّس، وكيف انفصلت "الحقيقة" عن "المعنى" في تفسير الكتاب المقدّس تأويلياً وإبستمولوجياً منذ القرن الثامن عشر.
إنّ هذا الفصل بديع؛ لأنّه يوضّح زاوية أخرى للنّقاش حول هذه الرّواية المهمّة والمثيرة للجدل.

 علينا أن ننظر إلى العلمانويّة فيما وراء مبدأ حياديّة الدوّلة تجاه الدّين

ربّما لم تكن الطائفيّة، إذاً، بعد كلّ هذا التطواف، ترتيباً دينياً، بقدر ما هي ترتيب علمانيّ تدفعنا الدّولة الليبراليّة الحديثةُ إليه دفعاً، لإنتاج التفاوت بنيوياً ونسقياً. وسيعلّمنا هذا الكتاب درساً بالغ الأثر؛ فمصطلح الأقليّة نفسه مرّ بترحّلات كثيرة، وهو مصطلح حديث عموماً، ومقاربته عربياً من منظور ما قبل حديث هي خطأ معرفيّ وسياسيّ؛ لأنّنا عندما نتكلّم عن الأقليّات فنحن نتحدّث بالأحرى على أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (كما سيوضح الفصل الأوّل)؛ أي بعد أن استقرّت "الدّولة الحديثة" وتثبّتت، كما أنّ التعامل مع "الطوائف" في الحقبة الإسلاميّة ما قبل الحديثة، لا سيّما العثمانيّ منها، بثنائيّة الأكثريّة-الأقليّة هو ارتكاب للخطأ ذاته، لسببٍ بسيط؛ أنّ التحوّل من الطائفة إلى الأقليّة (وهو عنوان فرعيّ داخل الفصل الأوّل) تحوّل حديث تماماً، وله مستلزمات سياسيّة ومعرفيّة واجتماعيّة هائلة.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يطارد إريتريا.. والنخب تفضّل أنظمة علمانية

إنّ التفاوت الذي يحدث للأقليّات عموماً -أو ما تسمّيه صبا محمود ببراعة "المكانة المتداعية" التي تحتلّها الأقليّات- في الدّول الحديثة، ليس ناجماً بالأساس عن وجود كُتلة تسمّى الأكثريّة؛ بل عن تدخّل الدّولة نفسها في تنظيم الشأن الدينيّ والاجتماعيّ لحيوات الشعوب بتثبيت نظام أكثرويّ معيّن، بالتالي؛ إذا لم يبدأ النّقاش من الدّولة ودورها في إحداث التفاوت فهو الغبنُ والتيه، ولا مناص من ذلك إن لم نقلب التدابير العلمانيّة على رأسها، لنقول إنّ استحكام "العلمانيّ" في العصر الحديث قد أدخلَ الدينَ في سيرورات التعلمُن بموجب الدّولة ذاتها؛ أي كي تتمكّن الدّولة من إعادة تنظيمه وترتيبه كـ "شأن خصوصيّ" من المفترَض أنّها محايدة تجاهه، في حين أنّها تنظمّه في الواقع، ممّا ينتج التفاوت والتداعي للأقليّات عموماً.

ولذلك؛ فهذا الكتاب، في نهاية المطاف، هو مساءلة للدّولة، لحياديّتها، لادّعائها الدائم بالمساواة؛ وهو، من ناحية أخرى، تهديد للخطابات التي تستنجدُ بالدّولة وتستدعيها لحلّ مأزق التفاوت الدينيّ فيها؛ فكيف يُدعى لحلّ المشكلة مَن تسبّب فيها قبلاً، أي الدولة؟

للمشاركة:

هكذا أثرت الحركات الإسلامية على الاستقرار السياسي في العالم العربي

2019-08-03

أعادت أحداث العنف التي شهدها العالم مؤخراً والتي ارتبطت باسم التنظيمات "الجهادية" الظاهرة "الإسلاموية" إلى صدارة الاهتمام من جديد. واستأثرت دراسة الحركات الإسلامية بنصيب وافر من النتاج الفكري في العقود الثلاثة الأخيرة، سواء عبر المبادرات البحثية الفردية، أو من خلال المؤسسات الإعلامية ومراكز الأبحاث العربية والدولية المتخصصة.

إن المشروع الحضاري الذي يستحق اسمه لا يمكن أن يقوم إلا بالمشاركة في العالم الثقافي والسياسي الواقعي

وفي سياق هذا الاهتمام المتزايد يأتي كتاب "الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي" الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية عام 2002. وتأتي أهمية الكتاب من كونه يقدم إحاطة شاملة حول تجربة الحركات الإسلامية سعياً نحو فهم ملابسات نشأتها، وتقييم تجربتها، ورصد أثرها، واستشراف مستقبلها. ومن كونه عملاً جماعياً شارك في إعداده عدد من الأكاديميين المتخصصين في الدراسات الإسلامية؛ حيث ساهم كل باحث منهم بتغطية جانب من تلك التجربة من زاوية تخصصه ورؤيته على مدار 6 فصول متكاملة.

اقرأ أيضاً: "صواب".. موقع تونسي جديد يسعى لتفكيك الحركات الإسلامية

فقدم الباحث عبدالوهاب الأفندي في الفصل الأول "النشأة والمدلول وملابسات الواقع" استعراضاً للظروف والمتغيرات المحلية والعالمية والتحديات الجديدة التي ألقت بظلالها على الواقع الإسلامي، وشكلت الخلفية التاريخية التي ساهمت في ظهور الحركات الإسلامية من واقع أزمة مختلفة نوعياً عن كل الأزمات والانتكاسات السابقة التي مرت بها الأمة.

غلاف كتاب "الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي"

فلم تتزعزع ثقة الأمة بنفسها كما زعزعتها فترة الهيمنة الأوروبية، وصدمة الحداثة الغربية، وتجربة الاستعمار الجديد. وقد ناقش الأفندي عدداً من الآراء والقراءات التي تصدت لتعريف الحركات الإسلامية وأسباب وملابسات ظهورها وفهم الظروف التي مهدت ورافقت نموها وانحرافها عن الدور الذي رسمته لنفسها. وخلص إلى أنّ "الحركات الإسلامية" هي: تلك الحركات التي تؤمن بشمولية الإسلام  لكل نواحي الحياة والتي تصدت لما تراه جهداً لازماً لتأكيد هذه الشمولية في وجه تراخي المجتمع وتقصير القيادات ومكايد الأعداء، وتدعي لنفسها دور القيادة الأخلاقية للمجتمع.

يجب التمييز بين العنف كأسلوب طارئ تقتضيه بعض الظروف وبين كونه جزءاً من منهج الحركة وأيديولوجيتها

ويُفسِر انتشارها في الأرياف وهوامش المدن، والخلفية  الاجتماعية لكوادرها ومؤيديها؛ أنّها نشأت من أزمة مزدوجة: أزمة العلاقة بين "العلمانية الواقعية والإسلامية النظرية" التي تعيشها هذه المجتمعات، والأزمة الاجتماعية الاقتصادية التي أفضى إليها استبداد الدولة وفشل سياساتها التنموية وعجزها عن مواجهة التحديات الخارجية.

وقد أدى تراجع دور قوى "الحداثة العلمانية"، الليبرالية منها والاشتراكية والقومية، إلى ترك فراغ كان لابد أن يُملأ، ووظيفة اجتماعية لابد أن تجد من يتصدى لها. الأمر الذي يؤكد أنّ الحداثة التي رفضتها تلك الحركات قد تركت ميسمها عليها، فهي نشأت في كنف الحداثة وأزمتها، واستجابة لتحدياتها ورد فعل عليها. وأرادت إيجاد مخرج من تلك الأزمة لكنها انتهت إلى أزمة خلقتها هي بوجودها وعجزها عن تحقيق الحسم.

 أدى تراجع دور قوى "الحداثة العلمانية" إلى ترك فراغ كان لابد أن يُملأ

تشكل أطروحة حسن حنفي في الفصل الثاني "الإسلام السياسي بين الفكر والممارسة" استمراراً منطقياً لسابقه بتأكيده على أنّ الدين كان باستمرار وسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي، وحركة اجتماعية تعبر عن المضطهدين والمهمّشين ضد قوى الطغيان، ووسيلة لتحرير الأوطان وتوحيد الثقافات. ويرى حنفي أنّ ثمة ثلاثة جذور للإسلام السياسي: جذر قديم يتمثل في الحركات السياسية والفكرية الإسلامية القديمة، سواء نشأت في كنف الدولة أو في معارضتها، وهي كلها نشأت في أجواء السياسة أو بدوافع وغايات اجتماعية سياسية، وجذر حديث تمثل في حركة الإصلاح الديني التي قامت بدافع سياسي كرد فعل على ضعف الخلافة العثمانية ثم انهيارها وعلى احتلال أراضي الأمة وتجزئتها ورداً على تخلف الأمة عن المدنية الحديثة، وخرج معظم الحركات الوطنية من عباءة الإصلاح الديني لكنها انحدرت إلى السلفية بعد فشل تجاربها، ومن هذا الجو المشبع بالروح السلفية تشرب حسن البنّا أفكاره  وأنشأ جماعة الإخوان المسلمين، الذي خلفه سيد قطب في قيادتها. وجذر معاصر تمثل في فشل دول الاستقلال الوطني "الحديثة" في القيام بمسؤولياتها الدفاعية والسياسية والتنموية وتأرجح وتوتر علاقة تلك الحركات مع حركات الضباط الأحرار، وتبدل مواقعها ما بين المشاركة السياسية في السلطة أو السجون والمعتقلات.

يبني حسن حنفي أطروحته بتأكيده أنّ الدين كان وسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي

ومن تضافر هذه الجذور الثلاث، تشكلت شعارات الإسلام السياسي حسب واقع الحركة في كل حال، وهي شعارات سلبية أكثر منها إيجابية وتدل على قدر كبير من الغضب والرفض، والهروب إلى البديل، والبحث عن المنقذ. وتجلت تلك الشعارات في "الحاكمية" و"الإسلام هو البديل" و"الإسلام هو الحل" و"تطبيق الشريعة الإسلامية"، وهي شعارات تعبر عن تأزم الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وتذبذب نشاط تلك الحركات وشعاراتها ما بين المشاركة السياسية والعنف من خلال جدل الشرعية واللاشرعية التي حددت علاقاتها مع النظم السياسية القائمة، نظراً لحداثة المجتمعات الإسلامية بالتجربة الديمقراطية.

 

 

ومن هذا الجدل يستشرف حنفي صورة مستقبل الحركات الإسلامية ما بين مزيد من العنف الهدام وبين برنامج يبني ولا يهدم، يحاور ولا يستبعد، ويقوم على توسيع المشاركة السياسية المشروطة بالديمقراطية.

اقرأ أيضاً: السودان.. أي مستقبل ينتظر الحركات الإسلامية بعد الإطاحة بالبشير؟

تحت عنوان "التطرف والاعتدال لدى الحركات الإسلامية" يناقش عماد الدين شاهين الأسباب والدوافع التي حدت ببعض الحركات الإسلامية لتبني العنف وسيلة ومنهجاً لتحقيق أهدافها، والجهاد طريقاً  لمناهضة ما تسميه الدول الكافرة ومجتمعات الجاهلية. في حين سارت شقيقاتها على نهج الوسطية والاعتدال وتحولت إلى العمل السياسي أو العمل الاجتماعي الإصلاحي وقبلت المشاركة السياسية على أسس الديمقراطية وصناديق الاقتراع.

اقرأ أيضاً: مفارقة المآزق الأخلاقية عند الحركات الإسلامية

ويشير شاهين  إلى أنّ "التطرف ليس الدين، ولا يقتصر على الحركات الإسلامية وحدها، فثمة تطرف علماني وتطرف حكومي كذلك". كما أنه لا بد من التمييز بين التطرف الفكري الذي يعتبر من طبيعة الحركات التغيرية وثقتها بصحة أفكارها، وبين العنف والعمل المسلح من أجل فرض فكر ما على الآخرين بالقوة العارية. كما يجب التمييز بين العنف كأسلوب طارئ تقتضيه بعض الظروف وبين كونه جزءاً من منهج الحركة وأيديولوجيتها المنظمة.

يرى جرجس أنّ السلطات الاستبدادية قد سدت منافذ الحياة السياسية أمام المعارضة الإسلامية وغيرها

ويخلص شاهين إلى أنّ جذور التطرف لدى الحركات الإسلامية المعاصرة تكمن في فكر سيد قطب؛ الذي نشأ من عذابات السجون والقهر، وتلقفته فئة من الشباب المهمّش؛ كتعبير عن نقمتها ووسيلة لتغير واقعها المرير في الدول الناشئة بعد الاستقلال، والتي تبنت النموذج "الكمالي" التركي مع تفاوت في تطبيقه بين بلد وآخر؛ حيث يتناقض هذا النموذج  الذي فُرض بالقوة والعنف في علمانيته وتسلطه مع النظام الإسلامي. وقد وجد قطب أنّ المهادنة مع هذا النموذج والسكوت عليه سيمنح الدولة الشرعية التي تحتاجها ويرسخ دعائمها، لذا فقد دعا إلى إزالتها بسائر أنواع القوة وإقامة النظام الإسلامي. وهذه القطبية الحادة بين عنف الدولة وعنف المعارضة لن تفضي إلا إلى مزيد من العنف.

شاهين: جذور التطرف لدى الحركات الإسلامية المعاصرة تكمن في فكر سيد قطب

يناقش أحمد الموصللي في الفصل الرابع "رؤية الحركات الإسلامية لمفاهيم الديمقراطية والتعددية السياسية في العالم العربي"، ومدى ملاءمة الفكر الإسلامي المعاصر للديمقراطية والتعددية من خلال استعراض الخطابات الإسلامية المعاصرة حول هذا الموضوع من جهة، وما تروجه وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الغربية حوله من جهة ثانية. ويخلص إلى أنه ورغم المرجعية النصية المشتركة والشعارات المتماثلة في خطاب الحركات الإسلامية، إلا أنه كان هناك دائماً في فكر الحركات الإسلامية خطابان متزامنان: خطاب استئصالي استبعادي وهو لا يقتصر على تلك الحركات وحدها فقط، بل تمارسه أغلبية الأنظمة "العلمانية" في العالم الإسلامي، وخطاب استيعابي ينفتح على مفاهيم التعددية والديمقراطية وقبول الآخر، ويدعو إلى توسيع المشاركة وتوسيع دائرة الحريات السياسية.

السيد: القول بتطبيق الشريعة شعار احتجاجي لا يصلح برنامجاً للوصول إلى السلطة

إلا أنّ بروز الحركات "الجهادية ذات الخطاب الاستئصالي الاستبعادي على الساحة السياسة ودور النظم السائدة ووسائل إعلام مراكز القرار الغربي في إظهاره واستثماره لصالحها قد غيّب الخطاب الآخر ودفعه إلى الظل. ولا بد من البحث دائماً في الظروف التي تفضي بالخطاب الأصولي إلى التشدد والاستبعاد أو المرونة والاعتدال.
ينطلق فواز جرجس في الفصل الخامس في معالجة "دور الحركات الإسلامية في الاستقرار السياسي في العالم العربي" من العلاقة السببية ما بين طبيعة النظام القائم ودور قوى المعارضة وسلوكها. فالمعارضة امتداد طبيعي للثقافة والسلوك السياسي السائد في بلد معين وتعبر خير تعبير عن نوعية العلاقة وطبيعتها بين الدولة والمجتمع.

اقرأ أيضاً: تأثير حزب العدالة والتنمية التركي على الحركات الإسلامية

ويرى جرجس أنّ السلطات الاستبدادية قد سدت منافذ الحياة السياسية أمام المعارضة الإسلامية وغيرها، وبادرتها العنف ودفعتها نحو العمل السري والانقلابي والتآمري، مما زاد في غطرسة قيادات الحركات الإسلامية بعد شعورها بالتمكن والقوة فازداد خطابها عنفاً وتصعيداً وتحولت من رد الفعل إلى المبادرة والفعل، مستفيدة من ضعف شرعية النظم وفشل مشروعات التنمية في معظم الدول العربية.

 

 

وقد تغلبت إرادة القوة والسيطرة على منطق التعايش السلمي في تعاطيها وتعاملها مع النظم القائمة، بل ذهبت إلى تهديدهم وتكفيرهم وتحدي المنظومة العالمية بشكل انتحاري ودون حساب أي عواقب. وهذا الإقصاء المتبادل هو ما يفضي إلى عدم الاستقرار السياسي، واستمرار دوامة العنف، ومنع أي عملية تحول ديمقراطي ما لم تنجح الحركات الإسلامية بفك ارتباطها مع التيارات "الجهادية"، وتعلن صراحة رفضها للآليات والوسائل الدموية التي تستخدمها، وتجعل من الاهتمام بهموم المواطن الحياتية وبناء مجتمعات أكثر صلابة وثقافة وقدرة على مواجهة الاستبداد السياسي عملاً أهم من انتهاز نتائج المواجهة بين"الجهاديين"والنظم القائمة للوصول إلى السلطة، وأن تعيد النظر في أفكارها ومناهجها وتستفيد من تجارب غيرها وتكف عن تكرار التجارب الفاشلة.

تجذرت الحركات الإسلامية في الواقع العربي والإسلامي إلى حد لا يمكن معه تصور اختفائها أو تراجعها

يقدم رضوان السيد في الفصل الأخير استخلاصاً حول "مستقبل حركات الإسلام السياسي في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية" انطلاقاً من مراجعة وجهات النظر التي تنبأت بقرب نهاية الحركات الإسلامية، بحكم فشلها في الوصول إلى السلطة بالقوة في أي بلد بعد التجربة الإيرانية وتكرار تجاربها المأساوية الفاشلة، وبحكم أنّ القول بتطبيق الشريعة شعار احتجاجي لا يصلح برنامجاً للوصول إلى السلطة، وبالتالي لا يمكن الحديث عن مستقبل سياسي للحركات الإسلامية.

ويسعى السيد لتوسيع دائرة الحكم من خلال مراجعة الأصول الفكرية والثقافية لتلك الحركات باعتبارها ليست حركات سياسية فحسب، بل هي حركات إحيائية ذات صبغة دينية قبل أن تصبح السياسة من أولوياتها. وقد تأرجح فكرها وممارساتها ما بين الرفض المطلق إلى المهادنة فالتكيف والقبول مع المتغيرات العالمية الكبرى وكرد فعل عليها أو استجابة لها في كل مرة، وأنّ الحركات الإسلامية قد تجذّرت في الواقع العربي والإسلامي إلى حد لا يمكن معه تصور اختفائها أو تراجعها في المدى المنظور.

اقرأ أيضاً: ما بعد الإسلام السياسي: هل انتهى الشكل التقليدي للحركات الإسلامية؟

لكن ذلك رهن بقدرة الفكر الإحيائي الذي تحمله تلك الحركات على التحول من فكر هوية إلى فكر انتماء، وعلى التحرك من الهوية العقدية سريعة التأزم والانكماش إلى الانتماء الحافظ للمشروع عن طريق المشاركة بالعالم. فلم يعد من الممكن اليوم الاستمرار بالحديث عن الغزو الثقافي أو عن المشروع الحضاري العربي أو الإسلامي؛ فالمشروع الحضاري الذي يستحق اسمه لا يمكن أن يقوم إلا بالمشاركة في العالم الثقافي والسياسي الواقعي، وبالإسهام في تغيير العالم وتقدمه، ولم يعد من الممكن تصور وجود جزر معزولة في عصر العولمة.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك حركات الإسلام السياسي في الأصل مشروعاً نهضوياً يحمل في طياته عناصر تغيير حقيقي؟

للمشاركة:

الإسلام وأصول الحكم: كيف نظر علي عبد الرازق إلى الخلافة؟ ‎

2019-07-30

عام 1925؛ نشر العالم الأزهري والقاضي، علي عبد الرازق، كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، مع عنوان فرعي، هو: "بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام"، وهو مشروع نقد موجّه لوجود نظرية، أو تشريع، أو نظام خاص بالدولة في الإسلام.

أثار الكتاب الجدل والمحاكمات ولم يزل صداه يتردّد إلى اليوم دون قراءته من قبل كثير من المؤيدين أو المعارضين

أثار الكتاب الجدل والنقاشات، بل والمحاكمات، ولم يزل صداه يتردّد إلى اليوم، ولأنّ ذلك النمط من الكتب كثيراً ما يتم ذكره دون قراءته، سواء من قبل المؤيدين أو المعارضين، وهو ما يستدعي إعادة الاشتباك مع المضمون.
إنّ الخطوط العريضة لعمل عبد الرازق تتمثل في إنكاره للخلافة، ورفضه إضفاء القدسية عليها، باعتبارها مكوناً من مكونات عقيدة الإسلام، محاولاً البرهنة على كونها نتاجاً/ اختراعاً تاريخياً ودنيوياً خالصاً، وأنّ لا شأن لها بصحيح الدين، فلم تكن يوماً فرضاً إلهياً، ولا واجباً شرعياً. مقارِناً بين قيادة الرسول، صلى الله عليه وسلّم، وزعامة الملوك، ناقداً أدلة الفقهاء على الخلافة، وعلى وجود بناء واضح ومعتمد للدولة في الإسلام، فانتهى إلى التمييز بين الشريعة والسياسة، مُحدِداً وظيفة الأولى برعاية مصالح البشر الدينية، والثانية بجلب وحماية الأغراض والمصالح الدنيوية التي "جعل الله الناس أحراراً في تدبيرها"(1) ودفع المضار.
غلاف كتاب "الإسلام وأصول الحكم"

رسالة لا حكم
يجادل عبد الرازق بأنّه لا يوجد دليل واحد صريح، في الكتاب أو السنّة، يُقرّ بالخلافة، وأنّ مُشرّعيها اتخذوا سبيل القياس، فاستحدثوا مصدرين لسلطة الخليفة هما: سلطان الله تعالى؛ حيث الخليفة حامل الكافة/الناس على مقتضى النظر الشرعي. وسلطان الأمة؛ حيث يضمن منصبه "إظهار الشعائر الدينية، وصلاح الرعية"، وبالتالي اختلفوا حول ما إذا كان وجوب الخلافة عقلياً أم شرعياً؟ واختلفوا ومالوا أكثر إلى أحد دليلي الوجوب وهما:
1- إجماع الصحابة، رضي الله عنهم، والتابعين على تعيين خلفاء بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلّم، ومبادرتهم لبيعة أبي بكر، رضي الله عنه، وأنه قد تمّ في كلّ عصر "تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، على امتناع خلو الوقت من إمام"(2).

اقرأ أيضاً: لماذا يُتهم علي عبدالرازق بتمهيد الطريق للإخوان المسلمين؟
2- من دون خليفة، فإنّه لا يمكن القيام بفرضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإظهار الشرائع الدينية؛ فالخليفة يحفظ الكليات الستّ: الدين والنفس والنسب والعقل والمال والعرض.
يرفض عبد الرازق الدليل الأول، وذلك بحجة استحالة حدوث الإجماع بتلك الصورة النموذجية التي اطمئن لها المُقرّون بحدوثه، فيقول: إنّه "لم يحدث في أيّ عصر أنّ الأمة بجملتها وتفصيلها اشتركت بالفعل في بيعة الإمام واعترفت بها".

يجادل عبد الرازق بأنّه لا يوجد دليل صريح في الكتاب أو السنّة يُقرّ بالخلافة وأنّ مُشرّعيها اتخذوا سبيل القياس

إنه يُسلِّم من حيث المبدأ بإمكان وجود خلافة على أساس البيعة الاختيارية من أهل الحلّ والعقد من المسلمين، والقائمة على رضاهم، لكنّ التاريخ في رأيه يثبت العكس، وهو أنّ "الخلافة في الإسلام لم ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة، وأنّ تلك القوة كانت، إلا في النادر، قوة مادية مسلحة"(3)، حتى وإن لم تكن ظاهرة الوجود بالشكل الكافي في حقبة ما، وذلك لانتفاء الحاجة لاستعمالها، فإنّ المُلك عامة يقوم على القوة، وذلك لأنه يعني السلطة المطلقة، والتي تبلغ المنافسة عليها دوماً الحدّ الذي لا يمكن معه حسمها إلا لصالح الفئة الغالبة غلبة عسكرية، القادرة على إخضاع الآخرين بالقوة، ولا فرق هنا بين أن يكون الواقع التي سَتقرّه وتشكله تلك الفئة  "جارياً على نواميس العقل أم لا، وموافقاً لأحكام الدين أم لا"، فالعامل المشترك إذاً هو الغلب والقهر، وما "الملك إلا التغلب والحكم بالقهر" كما يقول ابن خلدون(4)، ويوافقه عبد الرازق في ذلك.
وإذا كانت الخلافة تعني لدى مُقريّها وراثة النبي، صلّى الله عليه وسلّم، في رياسته الدينية والدنيوية، أي في حكمه بين المسلمين؛ فإنّ حكم النبي، صلى الله عليه وسلّم، لم يكن تغلباً أو قهراً، ولا مُلكاً، أو زعامة سياسية، وإنما هو زعامة النبوة، التي يميزها عبد الرازق عن زعامة المُلْك، فعلى الرغم من أنّ كليهما يتضمنان القوة ونفاذ الرأي والطاعة، إلا أنّ الأولى تمتاز بكونها "تقتضي لصاحبها حقّ الاتصال بكلّ نفس اتصال رعاية وتدبير"، في مقابل زعامة الملك التي هي تصريف مختص بالشؤون الدنيوية، وتصريف الأحوال العامة، ولا شأن لها ببواطن النفس؛ إنه حكم، يُقرّ عبد الرازق بذلك، لكنّه ليس حكم سلطان، ولكنّ حكم نبي مصطفى من الله بتلك القوة، وذلك الكمال الحسي والروحاني والنفسي الذي يؤهله-وحده- لزعامة، وسيادة، وهيبة تملأ القلوب والأنفس، وبالتالي تضمن "حقّ التصريف لكلّ قلب تصريفاً غير محدود"(5) .

اقرأ أيضاً: محاكمة الأزهر للشيخ علي عبدالرازق.. كيف تمّت؟
من العبث إذاً الحديث عن نبيّ دون الحد الأدنى من الزعامة في قومه، أو بين أتباعه؛ لأنّه لا نبوة من دون أتباع، ولا دين من دون طاعة، لكن لا ينبغي مطابقتها بزعامة المَلِك، إنّ ولاية النبي، عليه السلام، على قومه ولاية روحية، ومنبعها إيمان قلب الفرد، على عكس ولاية الحاكم أو الملك المادية، التي تعتمد القوة و"إخضاع الجسم" في المقام الأول وسيلة لها، إنّ ولاية النبي، عليه السلام، هي "إرشاد إلى الله"، بينما ولاية الحاكم "تدبير لمصالح الحياة وعمارة الأرض" (6)، الأولى لله تعالى، والثانية للناس -على اختلافاتهم.

الخطوط العريضة لعمل عبد الرازق تتمثل في إنكاره للخلافة ورفضه إضفاء القدسية عليها
لقد كان القرآن الكريم صريحاً في أنّ حقّ النبي، عليه السلام، على أمته لم يكن "غير حقّ الرسالة"، إنّه يفصل بين مهام الأخيرة، ومهام الحكم؛ لأنّه يمنع النبي من حقّ إكراه الناس على الإيمان بصفته مُوكَلاً بضمان ذلك، أو مسؤولاً "حفيظاً" عنه؛ فهو ليس بحامل الناس على أن يتبعوا دعوته بالقوة، وبالطريقة التي يحمل بها الملوك دعواتهم على الناس، كعبيد عندهم أو ممتلكاً من ممتلكاتهم، فيما لم يستعبد النبي، صلى الله عليه وسلّم، أو يمتلك رقاب الناس، وذلك بنصّ القرآن الكريم نفسه، وبالتالي؛ فإنّ "من لم يكن حفيظاً ولا مُسيطِراً ليس بملك، لأنّ من لوازم الملك السيطرة العامة والجبروت، وسلطاناً غير محدود"(7).
من ثمّ، فإنّ ادعاء سلطة سياسية للخليفة مستمدة من الرسول، عليه السلام، وظيفتها حفظ الكليات الستّ؛ هو ادعاء باطل، حتى ولو ثبت عن الرسول، عليه السلام، ممارسة أمور الحكم والسياسة، فإنّه قد مارسها لتوفير القاعدة الثابتة من الحرية والمساحة الملائمة لنشر الدعوة، فإذا ما توافرت تلك الشروط بشكل مُسبَق، لم تعد به حاجة إلى الحكم. إنّ كلّ عمل حكومي أو مظهر للملك والدولة في سيرة الرسول "لم يكن سوى وسيلة من الوسائل التي كان عليه أن يلجأ إليها لتثبيت الدين وتأييد الدعوة" في بداياتها، وفق تقاليد ذلك العصر الذي ظهر فيه الإسلام، وذلك لضمان ألا يزول.
ذلك ما كان للنبي، عليه السلام، من زعامة، وحكم مشروط بصفته نبياً ورسولاً، وهي وظيفة لا شريك له فيها من الناس تتمثل في "رعاية الظاهر والباطن، وتدبير أمور الجسم والروح"(8)، ويرتبط بخصوصية تلك الوظيفة ما أقرّه الإسلام من "عقائد ومعاملات وآداب وعقوبات" كان على النبي إقرارها في قومه، والتي تظلّ "شرعاً دينياً خالصاً لله تعالى ولمصلحة البشر الدينية لا غير، وسيان بعد ذلك أن تتضح لنا تلك المصالح الدينية أم تخفى علينا، وسيان أن يكون منها للبشر مصلحة مدنية أم لا، فذلك مما لا ينظر الشرع السماوي إليه"(9).
إنّ الحكم والقضاء ومراكز الدولة هي "خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها، ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى إحكام العقل، وتجارب الأمم"(10).
هكذا نقد عبد الرازق الدليل الثاني، فقد ترك الله للبشر إدارة شؤونهم الدنيوية والاجتماعية، وفق ما توصلوا إليه عبر التجربة، وما اكتسبوه من خبرة وحكمة أخلاقية تحفظ مقاصد الشريعة، دون أن تؤول من وسائلها القديمة ما يُعطّل المقاصد ذاتها.
أما إذا كانت إقامة شعائر الإسلام، وحفظ عقيدته، في حاجة إلى مؤسسة سياسية تحميهما، فإنّ التاريخ يبرهن على العكس، فعند ابن خلدون مثلاً؛ الخلافة المثالية التي يتحدث عنها الفقهاء، وكما يقدّرها ويبجلها ابن خلدون نفسه، قد انتهت منذ عصر هارون الرشيد وبعض أولاده، لتتحول بعد ذلك إلى مُلك بحت، كما هو في ملوك العجم بالمشرق، ليس فيه من حكم النبي شيء، وقد حدث ذلك دون أن يهز من دعائم الإسلام، وأنه لما كانت الخلافة تتداعى في بغداد، وأراضي المسلمين مقسمة إلى دول شبه مستقلة، أو مستقلة بالكامل عنها، فقد استمرت شعائر وأركان الدين رغم ذلك، فإن كان الدين نفسه ليس في حاجة إلى "تلك الأصنام" التي يدعونها خلفاء(11)، كما أنّ الله تعالى "لا يريد لعباده المسلمين أن يكون صلاحهم وفسادهم رهن الخلافة، ولا تحت رحمة الخلفاء"، وإنما نابع من أنفسهم(12)، فكيف للشؤون الدنيوية التي هي محلّ تدبير وتنظيم عملي وواقعي، أن تكون في حاجة إلى الخلافة؟
لقد اكتمل الدين في حياة النبي، عليه السلام، فإذا كان قد أنشأ دولة سياسية بالفعل، فما كان يمنعه من بيان أمرها بوضوح تحقيقاً لذلك الكمال، من دون أن يترك أمرها غامضاً ومبهماً، تاركاً أصحابه وأتباعه في حيرة، وتناحر، حتى قبل أن يتم دفنه؛ فيصلون لاحقاً إلى حدّ الصراع المسلح، وإذا حدث العكس، أي أنّ النبي، عليه السلام، قد أقر نظاماً سياسياً واضح المعالم بالفعل، وذا حصانة مقدسة بقداسة الرسالة نفسها، فلماذا اختلف أوائل أصحابه وأتباعه في ذلك النظام الجلي الواضح؟

الخلافة المثالية التي يتحدث عنها الفقهاء بنظر ابن خلدون انتهت منذ عصر هارون الرشيد وبعض أولاده

يُبرِز عبد الرازق ذلك الغموض والإبهام المتعلق بالدولة في حياة النبي، عليه السلام، عبر حجتين تاريخيتين:
أولًا: الأخبار الواردة عن تولية النبي قضاة (عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، رضي الله عنهم)، أو عمالاً على الأموال، أو حرّاساً على الأراضي، تلك الأخبار ليست بالقوة أو الاطراد الذي يُرجّح كفة نزعة ذات طابع سياسي متماسك ومتعمد، من أجل التنظيم السياسي لدولة، وأنّه لم يكن في تلك التعيينات "شيء مطرد، وإنما كان يحصل لوقت محدود"، وأنّ ذلك النوع من "أعمال الحكومات ووظائفها الأساسية لم يكن في أيام الرسالة موجوداً على وجه واضح لا لبس فيه"(13)، كما يطول ذلك اللبس ما هو مثبت من تعيين النبي للقضاة، فقد اختلف الرواة مثلاً في تعيين علي، رضي الله عنه، على اليمن، فقال بعضهم إنّه عُيّن للقضاء، وقال آخرون إنّه عُيّن لقبض الزكاة، أما معاذ بن جبل، رضي الله عنه، فقد قيل إنّه عُيّن على اليمن "قاضياً في رأي، وغازياً في رأي، ومعلماً في رأي"(14).
ثانياً: إنّ ترجمات المؤلفين عن الخلفاء كانت متماسكة ومتكاملة فيما يخصّ بيان وحصر عمالهم، وولاتهم، وقضاتهم، وغير ذلك من المسؤولين السياسيين والعسكريين عن الأقطار المختلفة، أما فيما يخصّ النبي، صلّى الله عليه وسلّم، يظلّ ذلك المبحث ضعيفاً، و"مبعثراً غير متسق" لدى المؤلفين أنفسهم، وأن نسقهم فيه لا يتفق مع طريقة بحثهم في بقية العصور(15).
كما يستدل عبد الرازق على ذلك الإبهام، من كلام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عقب حادثة السقيفة، حين خطب اعتذاراً من إنكاره خبر وفاة النبي، عليه السلام، في حينه، وقال: "لكنّني كنت أرى رسول الله سيدبّر أمرنا حتى يكون آخرنا"، إذًا؛ فقد كانت وفاة النبي، عليه السلام، وعدم بقائه حتى يتم تدبير أمور المسلمين، أحد مكونات صدمة عمر، رضي الله عنه، الذي كان مطمئناً لبقاء النبي، عليه السلام، فلم ينتظر وصية بخصوص الحكم، لم يضعها النبي بدوره. 

ترك الله الناس أحراراً في تدبير أحوالهم الدنيوية

إعادة اختراع المساوئ
أما عن الأحاديث التي يستند لها مؤيدو الخلافة، والتي تظهر دعوة النبي، عليه السلام، لحفظ البيعة وطاعة الإمام، فإنه بعيداً عن الخوض في صحّتها من عدمها، يصفها عبد الرازق بأنّها وليدة زمانها وبيئتها؛ حيث المجتمع القبلي ما يزال حاضراً بقوة، وبالتالي فإنها دعوة لاحترام السنن والتقاليد السياسية للقبائل العربية (ما عدا تلك التي تخالف الإسلام)، وبأنها تشبه دعوة المسيح لاحترام السلطة السياسية القائمة في زمانه، وأنّ دعوة النبي، عليه السلام، تلك لا توجب بأيّ حال اختراع الشرط نفسه الذي تُحيل إليه، ممثلًا في البيعة والإمام، بالطريقة نفسها التي لا يُوجِب فيها أمره بإكرام السائلين والفقراء اختراع فقراء ومساكين، بدلاً من استئصال شروط الفقر، وقد تحدث الرسول، صلّى الله عليه وسلّم، في شؤون الرقّ، فهل قصد بحديثه ذلك الإقرار به والرغبة فيه؟ كما أنّ القرآن الكريم يضبط ما يخصّ الطلاق والاستدانة والبيع والرهن وغيرها من الأحكام، لكن ذلك ليس دليلاً على وجوب شيء منها في الدين، أو أنّ لها عند الله شأناً خاصاً(16).
إنّ من المعقول عند عبد الرازق أن يدين العالم أو جزء منه بدين واحد، لكن ليس بحكومة واحدة، إنّ ذلك ليس من الطبيعة البشرية، ولم يقرّه القرآن الكريم كذلك؛ فقد "ترك الله الناس أحراراً في تدبير أحوالهم الدنيوية، على ما تهديه إليه مصالحهم، وأهواؤهم، ونزعاتهم، حكمة لله في ذلك بالغة ليبقي الناس مختلفين"، وليتحقق التدافع بين الأمم، الذي من شأنه إتمام العمران(17)، والخلافة هي التي صادرت ذلك الحقّ من الناس؛ حيث كانت سبباً في انحدار علوم السياسة لدى المسلمين، حتى في ظلّ النهضة المعرفية الضخمة في فروع العلوم الأخرى، وذلك بسبب عدائها للبحث في السياسة، وذلك لخطورة ذلك البحث؛ لأنّه يكشف خصائص وأنواع الحكم، فيجعلها موضوعاً للدراسة والنقد، وكذلك للقبول والرفض، على أسس واقعية.

دين لا دولة، ودولة لا دين

لقد بنى العرب دولتهم، بلا شكّ، على أساس وحدتهم الدينية، لكن الجدالات والصراعات التي أنجبت تلك الدولة، كانت بالأساس سياسية، كما أنّها احتكمت، في المقام الأول، إلى القوة والسيف، كما كانت تفعل حكومات كلّ الأمم في ذلك الوقت.
لا ينكر عبد الرازق دور تلك الدولة في "تحول الإسلام وتطوره"(18)، لكنّها ظلت في رأيه "دولة عربية، أيدت سلطان العرب، وروّجت مصالح العرب" كأمة ناهضة فاتحة، وقد أدرك رجال السقيفة تلك المصالح بوضوح، وقد دار جدالهم على من هو الأقدر على ضمانها، لقد كان جدالاً حول "حكومة مدنية دنيوية"(19)، ونزاعاً في "ملوكية ملك، لا في قواعد دين، ولا في أصول إيمان"(20)، وبالتالي تواجدت المعارضة منذ اليوم الأول، وهو الدليل على أنّ المسلمين في تعاملهم مع الخلافة استحلوا "الخلاف لها، وهم يعلمون أنّهم إنما يختلفون في أمر من أمور الدنيا، لا من أمور الدين، وأنهم إنما يتنازعون في شأن سياسي، لا يمسّ دينهم، ولا يزعزع إيمانهم"(21).
لم تكن القوة وحدها عامل الحسم في حالة أبي بكر، رضي الله عنه، بقدر ما كانت مكانته السامية كأقرب صحابة الرسول، عليه السلام، وسابقته في الإسلام، ما خلق حوله نوعاً من التوافق، غير التام، بل المُهدّد بالزوال في بعض الأحيان، حيث لم يُمتنع وجود تململ، ومعارضة عبرت عنها صراحة "الردة"، ففي رأي عبد الرازق: "نشأ لقب مرتدين لمرتدين حقيقيين عن الإسلام، ثم بقي لقباً لكلّ من حاربهم أبو بكر بعد ذلك، سواء كانوا خصوماً دينيين ومرتدين حقيقيين، أم كانوا خصوماً سياسيين غير مرتدين"(22).

بنى العرب دولتهم على أساس وحدتهم الدينية لكن الجدالات والصراعات التي أنجبت تلك الدولة كانت بالأساس سياسية

بالتالي؛ فقد تمّ ردعهم بالقوة، وقد "كان فيهم من بقي على إسلامه، لكنه رفض أن ينضم إلى وحدة أبي بكر، لسبب ما، من غير أن يرى في ذلك حرجاً عليه، ولا غضاضة في دينه، وما كان هؤلاء، بلا شكّ، مرتدين، وما كانت محاربتهم لتكون باسم الدين، فإن كان لا بدّ من حربهم فإنما هي السياسة، والدفاع عن وحدة العرب، والذود عن دولتهم".
لقد كان تسليم قبائل الجزيرة العربية القيادة لأبي بكر، رضي الله عنه، حدثاً ذا طابع سياسي، بما تضمنه من معارضة، تمثلت في رفض أداء الزكاة، والذي لا يُعد بالضرورة رفضاً للدين، وإنما كان بالنسبة لمعارضي أبي بكر "بديهياً أن يمنعوا الزكاة عنه؛ لأنّهم لا يعترفون به، ولا يخضعون لسلطانه وحكومته"(23)، لاعتبارات قبلية، أو سياسية بشكل عام، رغم ذلك فقد أقرت جماعة من المسلمين لأبي بكر مقاماً دينياً، وانقادوا إلى سياسته على هذا الأساس، ذلك المقام ما كان ينبغي لأحد حيازته دون الرسول، والذي كان نابعاً من "سلطانه الواسع على القلوب والعقول"، ولأنّ القبائل اتبعت الرسول بصفتهم مؤمنين يتبعون نبيهم، وليس كرعية تتبع حاكمها، وبالتالي؛ فإنّ التبعية السياسية القائمة على الإيمان لا تجوز لغير الرسول، صلى الله عليه وسلّم؛ لأنّه تميّز لا شريك له فيها من الناس، وهي "رعاية الظاهر والباطن، وتدبير أمور الجسم والروح"(24).
اتصفت صراعات وحروب ما بعد النبي بالغلاف الديني رغم طبيعتها الدنيوية/السياسية، إضافة إلى استحداث لقب الخليفة، فكانت تلك أسباب الخطأ "الذي تسرب إلى عامة المسلمين، فخيل إليهم أنّ الخلافة مركز ديني، وأنّ من وُلِّي أمر المسلمين، فقد حلّ منهم في المقام الذي كان يحله رسول الله، صلى الله عليه وسلم"(25)، فكانت حجة للملوك والسلاطين، ليستذلوا رقاب الناس، ويلصقوا مكانتهم بمكانة لا تجوز لهم، ولا يدنون منها بشيء، وادّعى منهم لنفسه أنّه ظلّ الله على الأرض، فجعلوا الخلافة جزءاً من العقيدة، وصنماً ينفي عن السياسة صفاتها من التحديث والتجريب، فإنّ شعائر الله تعالى ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك النوع من الحكومة، يسميه الفقهاء خلافة، ولا على أولئك الذين يلقبهم الناس خلفاء، والواقع أيضاً؛ أنّ صلاح المسلمين في دنياهم لا يتوقف على شيء من ذلك، فليس بنا حاجة إلى تلك الخلافة لأمور دنيانا" .


هوامش:

1- الإسلام وأصول الحكم، ص 125.
2  - كتاب المواقف.
3  - الإسلام وأصول الحكم، ص 35.
4  - مقدمة ابن خلدون، ص 132.
5  - المصدر السابق، ص 80.
6  - الإسلام وأصول الحكم، ص 82.
7  - المصدر السابق، ص 85.
8  - من مذكرة عبد الرازق التي ردّ فيها على ملاحظات هيئة كبار العلماء بالأزهر.
9- المصدر السابق.
10  - الإسلام وأصول الحكم، ص 121.
11  - المصدر السابق، ص 47.
12  - المصدر السابق، ص 48.
13  - المصدر السابق، ص 57.
14  - المصدر السابق، ص 56.
15  - المصدر السابق، ص 58.
16  - الإسلام وأصول الحكم، ص 28.
17  - المصدر السابق، ص 91.
18  - المصدر السابق، ص 109.
19  - المصدر السابق، ص 110.
20  - المصدر السابق، ص 116.
21  - المصدر السابق، ص 111.
22  - المصدر السابق، ص 118.
23  - المصدر السابق، ص 115.
24  - من مذكرة عبد الرازق التي ردّ فيها على ملاحظات هيئة كبار العلماء بالأزهر.
25  - الإسلام وأُصول الحكم، ص 119.

للمشاركة:



دولة الاحتلال الإسرائيلي تسعى لتهجير سكان غزة.. بهذه الطريقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

 كشف الكيان الصهيوني، على لسان بعض مسؤوليه؛ أنّه يعمد إلى التضييق على قطاع غزة حتى يهاجر أهلها إلى دول أخرى دون رجعة.

الكيان المحتل مستعد للسماح لأهل غزة بالطيران من مطاراته إذا وجدوا دولاً تستقبلهم

وقال مسؤول في الكيان، في تصريح نقلته وكالة الأنباء الألمانية: إنّ "إسرائيل مستعدة للسماح لأهل غزة بالطيران من مطاراتها، إذا وجدوا دولاً تستقبلهم، وتحدثت مع دول بهذا الشأن، غير أنّ السفر سيكون بلا عودة، وهو ما وصفه نائب بالكنيست بـ "عملية ترحيل طوعية".

ونقلت هيئة البثّ الإسرائيلي، اليوم، عن مصدر سياسي؛ أنّ إسرائيل اقترحت على عدة دول استيعاب فلسطينيين يرغبون في الهجرة من قطاع غزة "دون رجعة"، ووصفت الهيئة المصدر بـ "الكبير في حاشية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو".

وأضاف المصدر؛ أنّ إسرائيل مستعدة لتمويل هذه الرحلات على أن تنطلق من مطارات سلاح الجو في جنوب البلاد.

إسرائيل اقترحت على عدة دول استيعاب فلسطينيين يرغبون في الهجرة من قطاع غزة دون رجعة

إلا أنّ المصدر كشف أنّ "أياً من الدول التي تمّ الاتصال بها بما فيها دول شرق أوسطية لم ترد على هذا الاقتراح إيجابياً".

ووصف النائب بالكنيست الإسرائيلي، أحمد الطيبي، ما يتردد عن تشجيع الهجرة طوعاً من قطاع غزة بأنّها "عملية ترحيل طوعية"، مضيفاً (باللغة العبرية) على صفحته في موقع تويتر: "غاندي حصل عليها في السابق وفي 48 كانت تسمى تطهيراً عرقياً".

 

للمشاركة:

الإمارات على طريق "الأخوة الإنسانية"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

أعلنت الإمارات، أمس، عن تشكيل لجنة عليا لتحقيق أهداف وثيقة "الأخوة الإنسانية" التي وقّعها كلّ من قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، وفضيلة الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف في أبوظبي، خلال شهر شباط (فبراير) الماضي.

تضمّ اللجنة كلاً من أمين سرّ المجلس البابوي للحوار بين الأديان، المطران ميغيل أنجيل أيوسو غيكسوت، ورئيس جامعة الأزهر، الدكتور محمد المحرصاوي، والأب الدكتور يوأنس لحظي جيد، والسكرتير الشخصي للبابا فرنسيس، والقاضي محمد محمود عبد السلام، المستشار السابق لشيخ الأزهر، ومحمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، والأمين العام لمجلس حكماء المسلمين، الدكتور سلطان فيصل الرميثي، والكاتب والإعلامي الإماراتي ياسر حارب المهيري، وفق "وام".

الإمارات تعلن عن تشكيل لجنة لتحقيق أهداف وثيقة "الأخوة الإنسانية" التي وقّعها البابا فرنسيس وأحمد الطيب

وبهذه المناسبة، قال ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان: إنّ إعلان تشكيل اللجنة يؤكد الحرص على تنفيذ رؤى مشتركة لبلورة المبادرات والأفكار الداعية إلى التسامح والتعاون والعيش المشترك، ووضعها موضع التنفيذ، مؤكّداً دعم دولة الإمارات العربية المتحدة الجهود والمساعي كافة الهادفة إلى تعزيز السلام ونشر مبادئ التعايش السلمي على مستوى العالم.

وتتولى اللجنة مهام وضع إطار عمل للمرحلة المقبلة، لضمان تحقيق أهداف الإعلان العالمي للأخوة الإنسانية، والعمل على إعداد الخطط والبرامج والمبادرات اللازمة لتفعيل بنود الوثيقة ومتابعة تنفيذها على المستويات الإقليمية والدولية كافة، وعقد اللقاءات الدولية مع القادة والزعماء الدينيين ورؤساء المنظمات العالمية والشخصيات المعنية لرعاية ودعم ونشر الفكرة التي ولدت من أجلها هذه الوثيقة التاريخية، من أجل السلام العالمي والعيش المشترك، وكذلك حثّ السلطات التشريعية على الاهتمام ببنود الوثيقة في التشريعات الوطنية من أجل أن تترسخ لدى الأجيال القادمة قيم الاحترام المتبادل والتعايش كأخوة في الإنسانية، إلى جانب الإشراف على بيت العائلة الإبراهيمية، ويمكن للجنة إضافة أعضاء جدد بالاتفاق بين أعضائها، وفق ما يحقق أهداف تشكيلها وغايات الوثيقة.

وكان كلّ من فضيلة الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وقداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، قد قاما بزيارة تاريخية مشتركة إلى دولة الإمارات، في الفترة من 3 إلى 5 شباط (فبراير) 2019، ووقّعا معاً وثيقة "الأخوة الإنسانية ـــ إعلان أبوظبي" وأعلناها للعالم من العاصمة الإماراتية أبوظبي.

 

للمشاركة:

دولة جديدة تصنّف حزب الله منظمة إرهابية مثل داعش والقاعدة.. ما هي؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

أعلنت السلطات في الباراغواي إدراج منظمة حزب الله اللبنانية على لائحة المنظمات الإرهابية، جنباً إلى جنب مع تنظيمَي داعش والقاعدة.

وأوضح وزير داخلية الباراغواي، خوان إرنيستو فيلامايور؛ أنّ "قرار إدراج هذه التنظيمات الإرهابية جاء بأمر من الرئيس، ماريو عبدو بنيتيز"، وفق ما أفادت وكالة أنباء الباراغواي الرسمية.

الباراغواي أعلنت إدراج ‎حزب الله اللبناني على لائحة المنظمات الإرهابية جنباً إلى جنب مع داعش والقاعدة

وأشار بيان صادر عن رئاسة الباراغواي؛ إلى أنّها تتعاون بشكل حاسم في الحرب العالمية ضدّ الإرهاب، من خلال التصديق على العديد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية، إضافةً إلى دعمها القوي لدور الأمم المتحدة ومنظمة الدول الأمريكية في مكافحة الإرهاب العالمي والدولي.

ووفق ما أوردته صحيفة "إيه بي سي كولور" المحلية؛ فإنّ لدى استخبارات الباراغواي معلومات عن روابط قوية بين حزب الله وجماعة إرهابية في البرازيل، تعمل في المدن الحدودية للبلاد، بتهريب المخدرات، وسرقة الملكية الفكرية، وغسيل الأموال، لصالح ميليشيات حزب الله.

وذكرت الصحيفة أيضاً؛ أنّ البرازيل في صدد الانضمام إلى هذه المبادرة؛ حيث تدرس إدراج حزب الله كمنظمة إرهابية في محاولة من البرازيل والرئيس البرازيلي الحالي لكسب رضا الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حسبما قالت الوكالة "بلومبرغ"، أمس.

وتجادل "بلومبرغ" حول أنّ خطوة الاعتراف بحزب الله مجموعة إرهابية، من الممكن أن تعكر صفو علاقات البرازيل مع إيران، المروج الرئيس للمنظمة المتطرفة التي تستورد المنتجات البرازيلية مقابل 2.5 مليار دولار سنوياً، إضافة إلى مخاوف من أن تصبح البلاد هدفاً للإرهاب.

وبعد هذه الخطوة، وبدعم من الولايات المتحدة، تبدأ دول أمريكا اللاتينية في اتخاذ إجراءات أقوى لمكافحة الإرهاب المتزايد في المنطقة؛ حيث تقدَّر عائدات حزب الله من أنشطته في أمريكا اللاتينية بحوالي 30 مليون دولار سنوياً.

البرازيل تدرس إدراج حزب الله كمنظمة إرهابية في خطوة يمكن أن تعكر صفو علاقاتها مع إيران

وبحسب إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية "DEA"؛ فقد أنشأ حزب الله شبكة لنقل الكوكايين إلى الولايات المتحدة وأوروبا انطلاقاً من المنطقة.

ولهذه الشبكة أيضاً علاقات تجارية بعصابات المخدرات في أمريكا اللاتينية، خاصة في المكسيك، وكولومبيا، وفنزويلا.

وكانت الأرجنتين آخر دولة صنفت حزب الله بأنّه منظمة إرهابية، بعد أن أعلنت تجميد أصوله.

للمشاركة:



العراق في ظل الأحزاب الميليشياوية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

محمد واني

الدولة تقام وتبنى بالقوانين والدستور والنظام وبناء المؤسسات الوطنية ورعاية حقوق المواطنين والدفاع عن مصالحهم، ولا تبنى بترديد الشعارات الطائفية وتصدير التفاهات الفكرية العقيمة الى الاخرين وتجيش الجيوش ضد المعارضين والدعوة الى الثأر والانتقام واثارة عواطف البسطاء واشغالهم بالحوادث التاريخية الغابرة الاليمة واقامة مواكب العزاء والزيارات للقبور واضرحة الاولياء والائمة والبكاء واللطم وشق الجيوب واعداد الولائم والاطعمة في المناسبات الدينية المكلفة على حساب الدولة واستنفار الوزارات الخدمية والامنية طوال فترة تلك المناسبات الكثيرة التي تستمر طوال السنة، كما اعتادت الحكومات الشيعية التي تعاقبت على الحكم بعد 2003 القيام به، وكأن العراق تحول الى ملك خالص للطائفة بمجرد ان تولوا الحكم. نفس الفكر الخاطئ الذي اعتقده وعمل به النظام البعثي السابق الذي اعتبر ان العراق "موطن العرب والعروبة" والبوابة الشرقية للوطن العربي دون ان يحسب اي حساب للقوميات والاثنيات الاخرى التي يشكل منها العراق.

مازال زعماء الشيعة يتصرفون وكأنهم يمتلكون العراق ارضا وشعبا فعلا ويصدرون القرارات وفق هواهم المذهبي ويصرفون الاموال من خزينة الدولة على الاصدقاء والاشقاء الطائفيين في العالم والمنطقة كنظام بشار الاسد وغيره، وكذلك من اجل تشكيل الميليشيات والمجاميع المسلحة الشيعية لمواجهة اعداء الطائفة، والويل لمن غضب منه هؤلاء الزعماء الفاسدون الاشرار، ومس جانبا من قداستهم المزيفة، فهم يقطعون عنه الميزانية ويفرضون عليه الحصار ويحاربونه اعلاميا وسياسيا كالشعب الكردي!

رغم ان الدستور يقضي بالشراكة السياسية وادارة الحكومة بشكل جماعي، فانهم يحتكرون كافة المناصب المهمة لانفسهم بحجة ان الشيعة هم الاكثرية السكانية في البلاد، دون الاستناد الى بيانات احصائية دقيقة تدعم زعمهم هذا، لعدم القيام باجراء احصاء سكاني منذ 2003 ولغاية اليوم. وكل ما يقال حول الاكثرية والاقلية مجرد ظن ليس الا والظن لايغني من الحق شيئا.

اذن، الدولة الجديدة بنيت على اساس ومنطلق طائفي رغما عن انوف العراقيين وارادتهم، عليهم تقبله برحابة صدر والا فليشربوا من البحر او يضربوا رؤوسهم بالحائط بحسب ما قالته النائبة السابقة حنان الفتلاوي صاحبة نظرية "سبعة مقابل سبعة" المشهورة (تقول "من ينقتلون 7 شيعة، اريد ان ينقتلون مقابلهم 7 سنة") عندما تحدت السُنة بصراحة متناهية وقالت "انا شيعية وافتخر ونرفع رايات ’يا حسين‘ فوق المباني الحكومية رغمأ عن انوفكم وان لم تعجبكم اضربوا رؤسكم بالحائط؟!" هذا بالضبط ما يسعى اليه النظام القائم ويحاول تكريسه وترسيخه في العراق؛ فرض الارادة المذهبية بالقوة!

ومن اجل الوصول الى هذا الهدف وفرض الامر الواقع على العراقيين، قام اقطاب النظام فور تسنهم مقاليد السلطة بالعمل على الهيمنة المطلقة على المؤسسات القضائية والمالية والنفط والتفرد التام في اتخاذ القرارات الاستراتيجية وتشكيل الميليشيات العقائدية لدعم ومساندة نفوذهم السياسي.

الحقيقة التي مازلنا نؤكد عليها في كل مرة هي ان هؤلاء لم يأتوا ليبنوا البلد أو يعمروه او يرفعوا من مستواه العلمي والاقتصادي والثقافي او ينشروا بين ربوعه الاستقرار والمحبة والفضيلة والعدالة باعتبارهم مسلمين يقودون احزابا اسلامية، بدليل ان العراق في ظل حكمهم اللا "اسلامي!" الفاشل، وصل الى الدرك الاسفل في كل المجالات وانعدم فيه الامن والاستقرار تماما وانتشر فيه الفساد حتى وصل الى اسفل قائمة اكثر دول العالم فسادا وخطورة على حياة الانسان بحسب تصنيفات منظمة الشفافية الدولية. هؤلاء لم يأتوا من اجل العراقيين، بل جاؤوا من اجل اثارة الفتنة بينهم باسم الطائفة والمذهب وينهبوا ثرواتهم! وهذا يحدث الان في العراق بالضبط.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

صحيفة بريطانية: جماعة الإخوان تروج للفكر المتطرف داخل أوروبا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

حسين البدوي

كشفت صحيفة "ذا إنفستيجيتيف جورنال - تي آي جيه" الاستقصائية البريطانية، في تقرير موثق لها عن نشاط الجماعات المتطرفة في فرنسا، أن جماعة الإخوان المسلمين المدعومة من قطر والتي تم إدراجها جماعةً إرهابية من قبل مصر، والمملكة العربية السعودية، والبحرين، وروسيا، والإمارات العربية المتحدة؛ تمتلك صلات مالية وثيقة بالمجتمعات والجماعات الإسلامية الوطنية والإقليمية في فرنسا.

وتروج جماعة الإخوان المسلمين لتيار شديد الخطورة من الفكر المتطرف داخل أوروبا، حيث اخترقت كيانات غير هادفة للربح عن طريق تقديمهم الدعم النقدي، وأيضاً من خلال زرع قادة الجماعة داخل تلك المنظمات.

وإحدى هذه المنظمات المجلس الفرنسي للإيمان الإسلامي - (سي أف سي أم) والذي يعتبر منظمة قوية تخدم كمستشار رسمي للحكومة الفرنسية في إدارتها للإسلام داخل فرنسا، وطبقاً لأحد الخبراء، فإن الرئيس السابق للمجلس أنور كبيبيش كان له صلات وثيقة بالإخوان المسلمين قبل أن يتبوأ منصبه في الهيئة الإسلامية الفرنسية التي عملت بشكل قريب جداً من الحكومة الفرنسية بقيادة نيكولا ساركوزي وقتها.

وعبرت زينب الرحزاوي - مستشارة الرئيس الفرنسي ماكرون، والناجية من هجمة شارلي إبدو الإرهابية في يناير 2015 - عن إيمانها بأن تكتيك الإخوان المسلمين باستخدام المنظمات غير الحكومية كحصان طروادة للتأثير على الثقافة الفرنسية لا بد أن يتم التعامل معه بحزم. وقالت الرحزاوي: إن المنظمات الإسلامية العاملة في فرنسا تحتاج لرقابة خاصة فيما يتعلق بمصادرها المالية، ولكنهم حالياً يعملون كمنظمات غير حكومية، ويفلتون من أي رقابة عمّا يجري داخل هذه المنظمات.

عن "الرياض" السعودية

للمشاركة:

مضيق هرمز والنفوذ الإيراني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

سالم سالمين النعيمي

يبدو أن إثارة النزاعات، وزعزعة الأمن في المنطقة، وأسلوب القرصنة المؤسسية، وخلق عدو إعلامي دائم، هو سلاح إيران لشراء المزيد من الوقت لتنفيذ أجندة داخلية تخفي الكثير من التفكك الداخلي، وتحاول أيضاً إخفاء أسرار التصنيع العسكري والملف النووي، وهندسة الصواريخ الباليستية وبرنامج الفضاء الإيراني وبرنامج الغواصات الإيراني الطموح للغاية، وهو ما يشكل تحدياً حقيقياً للأمن البحري في المنطقة، والمثال على ذلك خصائص غواصة «فاتح» التي تُعد أول غواصة نصف ثقيلة من إنتاج الصناعات البحرية الدفاعية الإيرانية، وقدرتها على العمل بشكل منفرد، واستطاعتها العمل إلى جانب عدد من الغواصات الأخرى أو الوحدات العائمة والمعدات الساحليّة.
وغواصة «فاتح» لديها القدرة على مواجهة الألغام البحرية والهجوم البرمائي والوصول إلى ما وراء خطوط الآليات البحرية المهاجمة في عمق البحر مثل المدمرات أو القوارب الناقلة للجنود، وتستطيع جمع معلومات استخباراتية والتجسس على عمليات الأطراف المهاجمة في البحر والتنقل بين مختلف موانئ الساحل، وتنفيذ عمليات عسكرية خاصة حيث زُودت الغواصة «فاتح» بتقنية الاختفاء عن رادارات الاكتشاف، ناهيك عن دراسات إيرانية في مجال «استشعار السونار» في مياه الخليج، والتقدّم في نظام التكيّف الخامل للرادار (السونار)، والذي لا يصدر طاقة أشعة الراديو (التي يمكن استشعارها وتعقّبها)، وبالإمكان تمويه مصدرها بفعالية، كما أنها لا تصدر أية إشارات لأجهزة الإنذار للرادارات الصديقة.
ومن جانب آخر، لا يمثل مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن بديلاً آمناً عن مضيق هرمز، علاوةً على ذلك فإن المنطقة الممتدة من القرن الأفريقي إلى غرب المحيط الهندي، هي الآن مركز التنافسات التجارية والعسكرية المتعددة مع انعكاسات استراتيجية على منطقة البحر المتوسط وأوروبا، ويشكل التهديد بإغلاق أو تعطيل النقل البحري عبر هرمز جزءًا من الخطاب المعتاد الذي تستخدمه إيران ما بعد الثورة كأداة رئيسية للردع، ومنذ انسحاب الحكومة الأميركية من الصفقة النووية الإيرانية، أصبحت السلطات في إيران تناور من خلال ميليشياتها النظامية، وتعمل جاهدةً على غرس وتأكيد الشعور بعدم الاستقرار في المنطقة وتهديد الملاحة كفزّاعة للدول الكبرى في آسيا وأوروبا، بينما لديها بدائل لتخفيف الضغوطات كميناء «تشابهار» في مقاطعة سيستان وبلوشستان شرقيّ المضيق، وبتمويل من الهند التي تخشى النفوذ الصيني من خلال ميناء جوادر الباكستاني.
وهناك مخاوف لدى العراق من ركود الاقتصاد، لأن الخليج هو المنفَذ البحري الوحيد لبلاد الرافدين، وسيكون لذلك تأثير مباشر على الاستقرار الاجتماعي في جنوب العراق، والسكان الشيعة الذين يعتمدون على صادرات النفط، ويشهدون الآن تواجدًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا متزايدًا للميليشيات العراقية الموالية لإيران، ولذلك تعدّ أية أزمة كبرى في هرمز ضرراً كبيراً لإيران حيث ستعرّض عمقها الاستراتيجي إلى شرق البحر المتوسط للخطر، وهو العمق المكتسب من خلال الوكلاء، دون أن ننسى مشروعاً بين إيران والهند وروسيا لإطلاق ممر للنقل الدولي والتجاري، طريق النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC)، الذي يمتد لمسافة 7200 كيلومتر، والذي سيكون بديلاً أرخص وأقصر من الطريق التقليدي عبر قناة السويس، وسلاح التحايل على الجغرافيا الطبيعة بمشاريع عملاقة كرهان قادم يعيد رسم الأهمية الجغرافية لبعض ممرات العالم الحيوية.
فإيران تحاول من خلال كماشة الممرات خنق دول الخليج بصورة تهدّد مصالح هذه الدول، وفي الوقت نفسه، تسعى طهران لفرض نفوذها في باب المندب، ولذلك تعدّ حرية الملاحة والأمن البحري على طول باب المندب من الأولويات الوطنية للرياض وعمقاً استراتيجياً حتمياً للإمارات، بينما تجد دولة خليجية مثل الكويت نفسها في عنق الزجاجة المزدوج بسبب حاجتها إلى المرور عبر مضيق هرمز، مما يؤثر على سياستها الخارجية ودبلوماسية الحياد والوساطة كاحتواء استراتيجي. وأمّا بالنسبة لسلطنة عُمان وبسبب موقعها الجغرافي، فهي تتمتّع بأفضل موقع جغرافي من حيث حرية الملاحة من خلال سواحلها المطلّة على المحيط الهندي، ومدى تأثير ذلك على علاقاتها الإقليمية وكونها المركز اللوجستي الأبرز لرسم صورة مشتركة لجميع الأطراف. وأمّا البحرين فخيارها الأفضل للتعامل مع ملف هرمز هو التحالف مع الإمارات والسعودية لضمان حرية الملاحة في المضيق.
والتحدي الذي يواجه جميع دول المنطقة هو حقيقة البيئة الدولية التي لا يحكمها إلا منطق التنافس والصراع، والذي يتحول بدوره إلى سياسات وسياسات مضادة، فإن حماية حدودها ومكتسباتها المعطاة فضلاً عن تحقيق مصالحها واستراتيجياتها المبتغاة، إنما هو رهن بامتلاك القوة والسعي الدائم إلى زيادتها وتعظيمها إلى أبعد مدى ممكن، والتي من دونها لا يمكن حتى تحقيق التوافق.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية