إشكالية العلاقة بين السلطة والمعرفة في التاريخ الإسلامي

يحاول مؤلف كتاب "المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية: قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة"، عبدالمجيد الصغير، كما يعرض في المقدمة الإضافية للكتاب، التأسيس لطريقة جديدة في البحث، وإنشاء رؤية تعيد طرح الإشكالية من الأساس، إضافة إلى إعادة النظر في مفاهيم سابقة تخص إشكالية السلطة العملية في الإسلام.

اقرأ أيضاً: فقه الاستبداد: العلاقة الجدلية بين السياسة والأخلاق في التاريخ الإسلامي

ويطرح المؤلف في ذلك سؤالاً إشكالياً: كيف يجوز تقويم العلم في الإسلام دون أن نضع في الاعتبار دور السلطة السياسية كإطار اجتماعي؟ وإذا أمكن لرجل السياسة الاستحواذ على "أجساد المحكومين" فكيف تسلم "عقولهم" وينجو إنتاجهم المعرفي من تأثيره وتوجيهه؟ وفي ذلك يجب الاعتراف بأنّ إشكالية العلاقة بين السلطة والمعرفة أثبتت حضورها القوي في تاريخ الإسلام سيما في الفترات الحرجة المتسمة بـ "الفتنة" و"انحلال السلطة".

غلاف الكتاب

يملك العالم أو الفيلسوف أو المفكّر، بوجه عام، القدرة على النقد والتأثير والتوجيه، وبرغم أنّه لا يملك السلطة فإنّ معرفته سلطة، وبالتالي فهو ينافس رجل السياسة، أو يكون هدفاً له لأجل امتلاك السلطة الشرعية. واعتباراً لهذا التداخل بين المعرفي السياسي وجب عند منظّري السياسة في الإسلام ضرورة الفصل بين مفهوم السياسة ذاته ومفهوم القوة. فـ "السياسة" هي القيام على الشيء بما يصلحه؛ فهي تدبير، يقضي ضرورة القيام على الشيء وإتقانه بهدف ترشيده وإصلاحه قبل كل شيء، كما أنّ من شأن ذلك التعريف أن يوسع مفهوم السياسة بحيث يجعل منها مآلا متداخل الاختصاصات؛ فسواء تعلق الأمر برجل السلطة الفعلية أو بصاحب المعرفة العلمية فكل منهما رجل سياسة يملك سلطة وقدرة على التأثير. يقول الفخر الرازي: السياسة رياسة، وعلم السياسة هو علم الرياسة.

يحاول عبدالمجيد الصغير أن يعالج مصادر أصول الفقه على نحو مختلف عما نهجه المستشرقون والباحثون العرب

أسست نصوص إسلامية عديدة إضافة إلى النص الأصلي (الكتاب) تقليداً فكرياً لدى "العلماء" في الإسلام، جعلهم يفتخرون بكونهم "الموقعين عن رب العالمين" كما جعلهم يقفون غالباً موقف الحذر من السلطة السياسية الفعلية، وتنعدم لديهم الثقة باختياراتها وبنواياها، مما يعني على مستوى آخر مشكلة العلاقة بين رجل السياسة ورجل العلم في الإسلام، وقد عكست إشكالية اتخذت دوماً صيغة التوتر بين منطق الواقع ومنطق الواجب، وبين الكائن والذي ينبغي أن يكون، بين السياسة الفعلية و"السياسة الشرعية"؛ والمشكلة في آخر التحليل مشكلة العلاقة بين من يتخذ سيطرته على الواقع حجة للتمسك بسلطته العليا ومبرراً لإضفاء "الشرعية" عليها، وبين من يرفض الاحتكام إلى القوة ومنطق الواقع ويسوّد الصفحات، ويسهر الليالي في التقويم والاعتبار وتحليل المعاناة اليومية في صلب ذلك الواقع الكائن، ليفكر فيما ينبغي أن يكون.

اقرأ أيضاً: المثقف اللامنتمي: مواجهة الفكر والسلطة في التاريخ الإسلامي

ولا ريب أنّ المشكلة اتخذت صوراً مختلفة عبر حقب وعصور تاريخ الإسلام حتى وقتنا الحاضر، لكنها تظل في سائر الأحوال محتفظة بسمتها الأساسية، سمة الجدال والصراع والحذر! هكذا تتقاطع السلطتان في تاريخ الإسلام: سلطة المعرفة التي تطمح أن تكون "سياسية" وسلطة السياسة التي ترغب في امتلاك المعرفة وتوظيفها.

اقرأ أيضاً: "المهمشون": المعارضة المنسية في التاريخ الإسلامي

يرى المستشرق المجري جولد زيهر (1850 – 1921) في كتابه "العقيدة والشريعة في الإسلام"؛ أن التآخي بين الدين والدولة تراث فارسي اقتبسه العباسيون، وهو ما يفسر لديه تلك المنزلة التي احتلها الفقهاء في بلاط العباسيين والحظوة التي كانت لهم عند خلفائهم، لكن ربما يكون، كما يؤكد زيهر نفسه، أنّ المسألة مرتبطة بتطور الفقه الإسلامي، فقد احتاج المسلمون إلى فترة زمنية لبناء المعرفة والتنظيم السياسي والفقهي، إلى أن جاء الوقت الذي صار رجال القضاء والفقه يحتلون مكانة عظيمة في الدولة والحضارة.

 التأصيل الفقهي للسياسة والتشريع بدأ بالشافعي في كتابه "الرسالة"

ويردّ مستشرقون مثل؛ المستشرق الألماني جوزيف شاخت (1902 – 1969) إلى أنّ التأصيل الفقهي للسياسة والتشريع بدأ بالشافعي في كتابه "الرسالة" والمؤسس لأصول الفقه، وقد سبقه بقليل ابن المقفع في "رسالة الصحابة" لكن شاخت ومستشرقين آخرين مثل؛ برانشفيك ويتابعهما محمد أركون ونصر حامد أبو زيد يعتقدون أنّ الشافعي قد ثبت علم الأصول ما تسبب في عقمه، لكن برأي أركون فإنّ الشاطبي بكتابه "الموافقات" خفف كثيراً من حدة النظرية الصارمة لأصول الفقه.

يملك العالم أو الفيلسوف أو المفكر القدرة على النقد والتأثير والتوجيه وبرغم أنّه لا يملك السلطة فإنّ معرفته سلطة

وفي المقابل فهناك باحثون ومفكرون حاولوا أن ينشئوا رؤية مستقلة لعلم الأصول، مثل حسن حنفي (من النص إلى الواقع) ومحمد خالد مسعود في دراسته للفكر الأصولي عند الشاطبي، وعبدالمجيد التركي في كتابه مناظرات ابن حزم والباجي حول أصول الفقه الإسلامي. وهناك بالطبع ابن رشد والغزالي والجويني وغيرهم من العلماء والفلاسفة الذين طوروا الفكر العربي الإسلامي في الأصول والشريعة والسياسة.

أما عبدالمجيد الصغير، فهو يحاول، حسب قوله، أن يعالج مصادر أصول الفقه على نحو مختلف عما نهجه المستشرقون والباحثون العرب، وذلك بإجراء دراسة شاملة ومقارنة للمصادر لتشمل أطيافاً وأجيالاً ممتدة في الفكر الأصولي، ورصد جدلية العلاقة بين الواقع والإنتاج الفكري لعلماء الأصول، والاهتمام أيضاً بكتب الآداب السلطانية وأدب الكتاب والدواوين والقضاة والوزراء، وكذلك المصادر غير المباشرة مثل كتاب المحن لأبي العرب التميمي في القرن الرابع الهجري والذي يمكن اعتباره، كما يقول عبدالمجيد الصغير، من أقدم النصوص التي تحرص على أن توثق للعلاقة بين رجل العلم ورجل السياسة في الإسلام في شكل محن متلاحقة، وكذلك أعمال ابن خلدون وابن الخطيب والمقري الحفيد والمقريزي وكتب الطبقات والرحلات، هذا بالطبع إلى المصادر الحديثة التي اعتنت بالفكر الأصولي والسياسي الإسلامي.

الأقسام: