الجمود الفكري لنموذج الإسلام السياسي الشيعي في العراق

الجمود الفكري لنموذج الإسلام السياسي الشيعي في العراق

مشاهدة

02/05/2020

إياد العنبر

تنتمي طروحات الإسلام السياسي الشيعي في العراق إلى تيار الإحيائية الإسلامية، التي تركز على مسألة الهوية الإسلامية والدَّعوة إلى أسلمة الدولة والمجتمع. وقد يكون نوعا من المبالغة اللفظية، وصف نتاجات القيادات السياسية الشيعية في العراق بأنها تحتوي فكرا سياسيا يُنظر فيه لنموذجِ "دولة". إذ لا يعدو أن يكون في عداد الأدب السياسي الحَرَكي، وكما يصفه عبد الإله بلقزيز بأنه "خطاب دَعَوي يتغيا التحريض والتجييش والتحشيد للأتباع والأنصار، ويتوسل في ذلك بالخطابة اللفظانية التي تخاطب الغرائز والوجدان، ومشاعر الغبن والحرمان". ومن حيث العموم هو نتاج مرحلة تاريخية مختلفة عن واقع العراق المعاصر بعد 2003.

وتدّعي أغلب الأحزاب السياسية الشيعية التقليدية بأنها تنتمي إلى المدرسة الفكرية للسيد محمد باقر الصدر، والذي كان يدعو فيها إلى إقامة "دولة إسلامية عقائدية"، ويؤكّد على أنها ضرورة شرعية لإقامة حكم الله على الأرض، ولتجسيد دور الإنسان في خلافة الله، وهي، أيضا، ضرورة حضارية لأنها المنهج الوحيد الذي يمكنه تفجير طاقات الإنسان في العالم الإسلامي.

ولذلك يقوم الأساس رقم 5 من أسس حزب الدعوة الإسلامي، والتي ينسب كتابتها إلى الشهيد محمد باقر الصدر، على اعتبار الدولة الإسلامية بأنها "دولة فكرية"؛ لأنها تحمل رسالة الإسلام الفكرية.

بيد أن هذه الرؤية والأسس الفكرية، لم تعد حاضرة في الخطاب السياسي لحزب الدعوة الإسلامي بعد 2003، ولذلك نجده قد تخلّى عمّا جاء في الفصل الأول من النظام الداخلي لحزب الدعوة الإسلامية، والذي حدد هدفه في "تغيير واقع المجتمع البشري إلى واقعٍ إسلامي، بتغيير المفاهيم والسلوك والأعراف والعلاقات على كل المستويات، على أساس من العقيدة والرابطة الأخلاقية الإسلامية وإحلال الشريعة الإسلامية محل القوانين الوضعية، تحقيقا لإرادة الله سبحانه في عباده وابتغاء مرضاته جل شأنه". لأنها لم تعد تتلاءم مع قبوله المشاركة في تأسيس النظام الديمقراطي في العراق.

أما المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، فإن التغيرات الأبرز بعد 2003 شمل العنوان فقط، إذ حُذِفَت "الثورة"، التي لم تتحقق أصلا، وفيما بعد جرى التضحية بالحرس القديم بإعلان الانشقاق وتأسيس "تيار الحكمة" بزعامة السيد عمار الحكيم، عدا ذلك لم يحدث تجديد في الأفكار والرؤى للدولة.

فطروحات مؤسس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في ثمانينيات القرن الماضي السيد محمد باقر الحكيم (اغتيل 2003)، التي تُنظر لدور الأمة في اختيار الولي الفقيه "من خلال التدقيق في وجود المواصفات التي وضعها الشارع المقدس كشروط أساسية في الولي الفقيه، ... وتقديم المشاورة الصالحة للحاكم الإسلامي". يبدو أنها قد تحولت إلى نصوص تراثية مكانها في أرشيف ومكتبات المجلس الأعلى وتيار الحكمة، واستبدلت بشعارات سياسية منها "الشراكة الوطنية" و"الدولة العصريّة العادلة" كما يرددها دائما السيد عمار الحكيم في مهرجانات خطابية ومواسم الانتخابات.

المفارقة، أن لا "الشراكة الوطنية" أنتجت استقرارا سياسيا، ولا شعار "الدولة العصرية العادلة" تحقق لينافس نظرية العدالة التي قدَّمها جون راولز وأمارتيا سن.

والتيار الصدري، الذي يعود بعنوانه إلى السيد محمد محمد صادق الصدر (اغتيل 1999) على الرغم من كونه لم يشارك في تأسيس بنية النظام السياسي بعد 2003، فإنه لم يتمسك بطروحات السيد محمد الصدر التي تتبنى ولاية الفقيه العامة والمطلقة، كما ناقشها في كتابه "ما وراء الفقه"/ الجزء التاسع، ورفضه الواضح للنظام الديمقراطي في كتابِه "نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان". إذ تبنّى السيد مقتدى الصدر خيار التوجّه نحو "دعم الديمقراطية لإيصال المخلصين إلى سدة الحكم".

إذن، مشكلة أيديولوجيات الإسلام السياسي الشيعي في العراق، بقيت مجرد يوتوبيا تدعو إلى إقامة نظام حكم إسلامي، ولم تكن قادرة على التعاطي مع واقع التغيير السياسي بعد 2003، وأثبتت عجزها عن التصالح مع واقع الدولة بما تحمله من مصاديق واقعية كمفهوم مجرَّد وكمجموعة من الممارسات. إذ يبدو أن الغلبة أصبحت لواقعية العمل السُّلطوي، وما تفرضه من براغماتية، وباتت ضرورة تفرضها الرغبة بالوصول أو البقاء في الحكم، حتى وإن كان على حساب التخلي عن الأفكار والطروحات التي تأسسَت عليها تيارات الإسلام السياسي الشيعي في العراق، والتي كانت تروّج لها طوال فترة المعارضة.

حتى الآن، لم تحدث مراجعة فكرية عند أحزاب الإسلام السياسي الشيعي في العراق، ما يعني وجود أزمة تجديد بالفكر. إذ لا توجد طروحات يمكن أن تقدّم أي نموذج للحُكم، يقوم على أسس ومباني فكرية تتلاءم مع ما تسوقه في خطاباتها السياسية التي تتحدث فيها عن الديمقراطية والاحتكام إلى الدستور، ويبدو أن تلك المشكلة مُركبة.

ففي فترة التأسيس لم تستطع، هذه الأحزاب، أن تخرج من دائرة الأدبيات السياسية التي أنتجتها تيارات "الإحيائية الإسلامية" بشأن الدولة ونظام الحُكم الإسلامي، وبعد 2003 لم تستطع أن تقدم أي نموذجٍ من نماذج الحُكم التي كان يطرحها قادتها في أيام المعارضة؛ ومن ثم كانت مواقفها في التعاطي مع الواقع السياسي العراقي بعد 2003 قائمة على أساس تعامل براغماتي. وبالتالي من يقرأ أدبياتها في فترة المعارضة ويقارنها مع سلوكها ومواقفها في العمل السياسي، يمكن أن يصل إلى نتيجة تفترض أنها ـ أي أدبياتهم السياسية ـ كان تُنظّر لدولة طوباويّة.

ومشكلة الأفكار الطوباويّة هي دورها في تشييد جدران الجمود الفكري، وعرقلة أيَّ مشروع للنقدِ والتجديد، وتحت ظلال هذه الجدران يُغيَّب الواقع ويُمسي مغمورا. وكما يقول "بول ريكور" تبدو الطوباويّة كأنها تُقدّم نوعا من الحُكم الاجتماعي دون أن تكترث للخطوات الواقعية الضرورية الأولى للتحرّك نحو مُجتمع جديد. وغالبا ما تُعامل الرؤية اليوتوبية كنوع من الموقف الفُصامي تجاه المجتمع، فهي في الوقت ذاته طريقة للهرب من منطق الفعل عبر تشكيلة خارج التاريخ.

واستحضر هنا مقارنة مهمة، فبعد مرور عشر سنوات على تجربة حكم الإسلام السياسي في إيران، بدأت تتمخض ولادة تيار فكري إصلاحي لتقييم التجربة وتقديم طروحات تتراوح بين النقد والإصلاح. لكنها بصورة عامة تجاوزت حالة الانغلاق الفكري الذي حاول دعاة ولاية الفقيه العامة تنميط الفكر السياسي الشيعي بنموذجه. لذلك، برزت أسماء وعناوين وطروحات فكرية أمثال محمّد خاتمي، وعبد الكريم سروش، ومحسن كَديوَر، ومحمّد مجتهد شبستري.

أما في العراق وبعد تجربة سبعة عشر عاما لا نزال ننتظر مفكرين يستثمرون مواقف التصالح مع الواقع السياسي ويساهمون ببناء نظرية سياسية تعالج الأزمات السياسية في العراق.

عن "الحرة"

الصفحة الرئيسية