القمع المستند إلى الدين: جدل الإيمان والسلطة

1954
عدد القراءات

2019-05-14

ترجمة: محمد الدخاخني


عندما دمّرت قيادة الحزب الشّيوعيّ الصّينيّ معابد ومساجد في التبت وشينجيانغ وأمرت بتفجير الكنائس في كافّة أنحاء البلاد، كنّا شهداء على أمثلة مخيفة وجديدة للطّريقة الّتي تتعرّض بها هويّات النّاس للهجوم و في النّهاية، السّحق. وأولئك الّذين يحرقون المعابد والمساجد، أو بالأحرى المعالم الثّقافيّة، من غير المرجّح أن يخجلوا من إحراق هؤلاء الّذين يصلّون بداخلها.

أماكن العبادة عبارة عن رموز ثقافيّة

لا يتعلّق هذا العنف في المقام الأوّل بالحيلولة دون ممارسة الدّين، ولكنّه بالأحرى يتعلّق بقمع الهويّات المرتبطة بالثّقافات الدّينيّة. والحجّة أنّه إذا جرى طمس هذه البصمات الثّقافيّة، فإنّ أولئك الّذين تعرّضوا للتّركيع سيتعلّمون العيش ضمن ثقافة أخرى، يفترض أنّها متفوّقة. وفي الصّين تُعدّ ثقافة الهان الصّينية مهيمنةً ويروِّج لها الرّئيس شي جين بينغ. ويقع الظّلم الهائل على هذه الجماعات المحرومة من حقوقها. ولا يعود التّأثير فقط على أفرادها، ولكنّها تتأثّر بشكل جماعيّ أيضاً. فهذا الخراب يضرب في قلب الفرد، والمجموعة ككلّ.

يجب أن تترجم حرّيّة الدّين اليومإلى حرّيّة الهوّيّة فهي تدور حول طريقة حياة لا ترتبط مباشرةً بالممارسة الدّينيّة

وقد تمكّنّا من عيش هذا في ظلّ ظروف مختلفة خلال الأسبوع السّابق لعيد الفصح، عندما اشتعلت النّيران في كاتدرائيّة نوتردام في باريس. وبالرّغم من أنّ السّبب هنا كان مختلفاً، فإنّ التّأثير هو نفسه. فأولئك الّذين رأوا النّيران المشتعلة تأكل البناء الخشبيّ للكنيسة القديمة كانوا مستعدّين للأسوأ: أن ينفلق الحجر تحت وطأة الحرارة وتنهار الكنيسة بأكملها. ويالها من خسارة لو كان ذلك قد حدث! وبالرّغم من أنّ البنية الأساسيّة للمبنى نجت سليمةً في معظمها، فإنّ بعض المعلّقين أقرّوا بالفعل بأنّ انهيار الكنيسة كان بمثابة نذير بانحدار الثّقافة الغربيّة المسيحيّة.

 الرّئيس شي جين بينغ

منحدر زلق يمكن التّنبّؤ به

إنّ تدمير المعالم الثّقافيّة، كما هو الحال في الصّين، تسبقه خطوات معيّنة. وتتمثّل الخطوة الأولى في جعل هؤلاء المختلفين، غير مرئيّين. وعندما يتمّ بناء كنيسة في العالم العربي، من الأفضل في كثير من الأحيان لو لم يتمّ التّعرّف عليها ككنيسة من الخارج. وبهذا، يريد القادة السّلطويّون في هذه الدّول الإسلاميّة الحفاظ على انطباعٍ بأنّ المجتمعات الّتي يحكمونها عبارة عن كتل متجانسة تفصل بوضوح بين الـ"نحن" والـ"هم".

اقرأ أيضاً: تقرير: الصين تسعى لطمس هوية الإيغور
وباستخدام الخوف من وجود عدوّ خارجيّ، وفي معظم الأحيان غربيّ ومن ثمّ مسيحيّ، يحرّض هؤلاء الحكّام الأوتقراطيّون على الخوف بين السّكان، وهو أمر له تأثير مدمّر على تعايش الهويّات المختلفة داخل البلاد. وكان كلّ من القاعدة وداعش الأكثر خبثاً، عبر هدم تماثيل بوذا في باميان (أفغانستان) وتدمير مدينة تدمر القديمة، وهو ما كان بمثابة شهادات حزينة على هذا الوهم الأيديولوجيّ المدّعي للتّفوّق.

أكثر من مجرّد ممارسة دينيّة

يجب أن تترجم حرّيّة الدّين اليوم، في الواقع، إلى حرّيّة الهوّيّة. فهي تدور حول طريقة حياة لا ترتبط مباشرةً بالممارسة الدّينيّة. والأرقام في أوروبا تعكس هذا. ففي العام الماضي، أصدر معهد بيو، ومقرّه واشنطن، دراسةً جاء فيها أنّ 90 في المائة من الأوروبيّين الّذين شملهم الاستطلاع قد تعمّدوا [التّعميد هو الطّقس الّذي بموجبه يدخل الإنسان الحياة المسيحيّة]، و70 في المائة منهم يعيشون حياتهم وفقاً للقِيَم المسيحيّة، ولكن أقلّ من 20 في المائة منهم يحضرون بانتظام إلى الكنيسة. ومن هذا يمكنك أن تستنتج بشكل صحيح أنّ الانتماء الدّينيّ يعني، قبل كلّ شيء، الانتماء الثّقافيّ والهويّة ولا يمكن أن يرتبط فقط بالممارسة الدّينيّة.

سنغافورة ليست بلداً ديمقراطيّاً، لكنّها تسمح بحرّيّة الدّين. وهذا يعني أنّ هويّتك وثقافتك ولغتك في هذه الدّولة الصّغيرة موضع ترحيب

وفي هذا السّياق، يبدو أنّ سنغافورة هي النّسخة الأكثر تسامحاً من الصّين، لو جاز التّعبير. وسنغافورة ليست بلداً ديمقراطيّاً، لكنّها تسمح بحرّيّة الدّين. وهذا يعني أنّ هويّتك وثقافتك ولغتك، في هذه الدّولة الصّغيرة، موضع ترحيب، أي كلّ ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدّين عندما تذهب إلى الخارج وتعيش وتعمل هناك.
ومع ذلك، يتعيّن على الكثير من النّاس اليوم أن يعيشوا في دول تستثمر في خطاب الأغلبيّة ضدّ الأقلّيّات وتروّجه. والنّتائج المترتبة تتمثّل في قتل المسيحيّين في أحد الفصح في سريلانكا، أو تعرّض المسلمين للاضطّهاد في الهند. وعندما يتمّ فرض سياسة تُملي نظاماً واحداً فقط من المعتقدات المقبولة، يتغذّى على تركيع الآخرين وحرمانهم من حرّيّاتهم، فإنّ العنف والقتل ليسا بعيدي الوقوع. وليس في الصّين فقط يمكنك أن ترى إلى أين يقود هذا التّعصّب.


المصدر: Opinion: Suppressing religion is about power, not faith
 

اقرأ المزيد...

الوسوم: