برناردو برتلوتشي: الأفلام طريقتي لقتل الأب

1850
عدد القراءات

2019-01-08

ترجمة: محمد الدخاخني


ذات ليلة باريسيّة ممطرة، عام 1970، كان برناردو برتولوتشي يقف خارج صيدلية سان جرمان، وذلك قبل حلول منتصف الليل بربع ساعة، كان في انتظار وصول مرشده، مخرج "الموجة الجديدة"، العظيم جان لوك غودار، من العرض الفرنسيّ الأوّل للفيلم الجديد للإيطالي، "المذعن"/ "The Conformist".

اقرأ أيضاً: "بلاش تبوسني": "توبة" الفنانين بعيون فيلم ساخر
"لم أتحدثّ عن ذلك منذ عشرات السّنين"، يقول برتلوتشي (1)، "لكن غودار كان معلّمي الروحي الحقيقي، تفهمني؟ اعتدت التفكير بأنّه كان ثمة سينما قبل غودار وسينما بعده، نحو قبل وبعد المسيح؛ لذلك عنى رأيه في الفيلم الكثير بالنسبة إلي".
إنّ "المُذعِن" عبارة عن تكييف لرواية ألبرتو مورافيا، التي تدور حول إيطالي يدعى مارشللو كليريتشي، يبلغ من العمر ثلاثين عاماً (يلعب دوره جان لوي ترنتينيان)، وهو مثقف مكبوت ينتمي إلى الطبقة العليا، يقوم الفاشيّون، خلال فترة حكم موسوليني، باستخدامه للذهاب إلى باريس، وقتل منشقّ سياسي كان معلمه السابق للفلسفة.

"المذعن"/ "The Conformist"
إنّه ليس مجرّد فيلم متورّط سياسياً، لكنّه أيضاً فيلم إثارة عصري، يشتمل على مطاردات بالسيارات، وجرائم قتل، وجنس، اعتقد برتولوتشي أنّها قد تروق للرجل الفرنسي، ومع حلول منتصف الليل، وصل غودار للموعد المحدّد.
يتذكّر برتولوتشي، بعد 37 عاماً من الحدث، ما حصل بالضبط بعد ذلك: "لم يخبرني بأيّ شيء، فقط منحني رسالة قصيرة ثمّ غادر، أخذت الرّسالة وكان مطبوعاً عليها صورة للرئيس ماو صحبة بضع كلمات لجان لوك، الذي نعرف خطّ يده من أفلامه. تقول الرسالة: "عليك أن تحارب الفردانية والرأسمالية"، كان ذلك ردّ فعله على فيلمي، كنت غاضباً جداً لدرجة أنّني قمت بكرمشتها ورميها تحت قدمي، آسف جدّاً أنني فعلت ذلك، فالآن أودّ لو كنت قد أبقيت عليها، كي أحتفظ بها كبقية من أثر".

اقرأ أيضاً: الفيلم الإيراني "اختفاء": الأجيال الجديدة في مواجهة الحرس القديم
لقد أثبت "المُذعِن"، رغم احتقار غودار له، أنّه واحد من أكثر أفلام فترة ما بعد الحرب تأثيراً؛ فمن خلاله، نظَر برتولوتشي مرّة أخرى في الماضي الفاشي لإيطاليا، ووجد اختلالاً وظيفياً (جنس-نفسيّ) في قلبها، وهو فيلم، برؤيته القاتمة للحافز البشري، صُنِع بوضوح في أعقاب الأحلام اليوتوبية الفاشلة لعام 1968، وكان مع ذلك فيلماً جريئاً، بصرياً ومعقداً، بنيوياً بقوّة، وبدونه ما كان لروائع فنية مثل: "العرّاب" (The Godfather)، و"القيامة الآن" (Apocalypse Now)، أن تُتَخيّل.

أثبت المُذعِن رغم احتقار غودار له، أنّه واحد من أكثر أفلام فترة ما بعد الحرب تأثيراً

لماذا تعتقد أنّ غودار لم يعجب بالمذعِن؟ سألتُ برتولوتشي، لقد كان الفيلم، رغم كلّ شيء، بشكل جزئي تشخيصاً لاذعاً لعقليّةٍ فاشيّة، "لقد تجاوزتُ الفترة التي كان يعتبر فيها التّواصل خطيئة مميتة، لكنّه لم يتجاوزها".
لكن قد يكون هناك سبب آخر وراء عدم إعجاب غودار بالفيلم؛ خلال الفيلم، يطلب كليريتشي رقم هاتف معلمه، المحكوم عليه بالموت، وعنوانه، "الرّقم كان لجان لوك، والعنوان كان له أيضاً، في شارع القديس جاك، وهكذا يمكنك أن ترى أنّني كنت المُذعِن الذي يريد قتل الراديكالي".
في الواقع؛ تعمّ الفرحة برتولوتشي من حقيقة أنّ جيلاً صاعداً من صانعي الأفلام قد رأى في صورته السينمائية مصدر إلهام، رغم كلّ الاحتقار الماويّ الذي كنّه غودار للمُذعِن، "ما جعلني دائماً أشعر بالفخر، حيث كاد وجهي يحمرّ خجلاً باعتزاز؛ أنّ فرانسيس كوبولا، ومارتن سكورسيزي، وستيفن سبيلبرغ، أخبروني أنّ المُذعِن هو مصدر الإلهام الحديث الأوّل بالنسبة إليهم".
ما الذي وجدوه ملهماً في الفيلم؟ إنّ بنيته الارتجاعية (flashback) المركّبة، والفوتوغرافيا الرمزية، المشفّرة بالألوان، لمدير التصوير الفوتوغرافي لبرتولوتشي، فيتوريو ستورارو، الذي سيستدرجه كوبولا في وقت لاحق إلى الفلبين ليحمل مواهبه بغية التّأثير في عمليّة تصوير القيامة الآن، والعديد من مشاهِده النموذجية، الفريدة والفائقة، تجد أصداء لها في كثير من الأفلام اللاحقة.

اقرأ أيضاً: "البرج".. فيلم كرتون نرويجي يجسد النكبة الفلسطينية
لكنّ "المُذعِن" يستحق التقدير، ليس من أجل تمهيده لروائع سينمائية مستقبلية، لكن من أجل نفسه، الكاميرا المشوشة المحمولة باليد، في المشهد الذي يجسّد قيام القاتل الفاشي بمطاردة عشيقة الشخصية المركزيّة عبر الغابة، التأطير البارد للمباني الفاشية المشهورة، مثل: الـ "إي يو آر" في روما، و"بالي دو طوكيو" في باريس، والزوايا التعبيرية في مشاهد زيارة المُذعِن لأمّه، غريبة الأطوار، وربّما أفضل ذلك كلّه؛ سلسلة اللقطات الحاذقة في مقهى باريسي؛ حيث يقود تردّد كليريتشي في المشاركة في رقصة فلورنسية حيوية إلى أن تحيط به دوّامة من الراقصين، تضيق عليه أكثر فأكثر، والمشهد كلّه مصوّر بطريقة مبتكرة من أعلى، إنّه نادراً ما كانت السينما شعرية جداً، وكذلك جريئة أو مشحونة بقوّة على هذا النحو، وسياساته الجنسيّة (التي ستكثر لاحقاً) لا تتحمّل الكثير من التدقيق، لكن بخلاف ذلك؛ سيكون هذا الفيلم بمثابة مصدر إلهام لسينمائيين، لا يعرفون برتولوتشي إلا من أفلامه المتأخرة، المحشوّة نسبيّاً، مثل: "الإمبراطور الأخير" (The Last Emperor)، أو "استراق الجمال" (Stealing Beauty)، أو "السماء الملجأ" (The Sheltering Sky).

ملصق إعلان "الإمبراطور الأخير"
إذاً، ما الذي يقع في قلب المُذعِن؟ مارشللو رجل ضعيف الإرادة يسعى للاندماج في الحشد، يختار أن يصبح قاتلاً فاشياً، وأن يتزوج امرأة برجوازية صغيرة ومادية، يصفها بأنّها "جيّدة في الفراش، جيّدة في المطبخ"، ولا ينبع ذلك من التزام سياسي، أو شهوة؛ بل لأنّ لديه (ظاهرياً) سرّ مخجل، إنّ رغبته في الإذعان، التي يكتشفها في آخر لقطة في الفيلم، تعود إلى حادث وقع في مراهقته؛ عندما حاول سائقه المثليّ إغواءه، فقام (كما اعتقدَ) بقتله بالرصاص.

اقرأ أيضاً: غاسبا نوي مخرج فيلم Climax: الجمهور لا يشغلني وفيلمي لا مكان له في أمريكا
يشرح برتولوتشي هذه الثيمة: "يفهم المُذعِن أنّ سبب بحثه المستميت عن الإذعان يعود إلى إدراكه أنّه مختلف، وأنّه لم يتقبّل اختلافه أبداً، في هذا المشهد الأخير، يفهم لماذا أصبح فاشيّاً، بل أسوأ الفاشيين جميعاً؛ لأنّه أراد أن يخفي وينسى ما يشعر به من اختلافات في وعيه العميق جدّاً، إنّ الأمر أشبه بإدراك أنّه حتى الفاشيين يمتلكون لاوعياً".
من الجدير بالذكر؛ أنّه خلال صناعة "المُذعِن"؛ ذهب برتولوتشي بعمق في التحليل الفرويدي؛ فحتى تلك الّلحظة، كانت أفلامه السابقة، مثل: "قبل الثورة" (Before the Revolution)، و"مكيدة العنكبوت" (The Spider's Stratagem)، وحتى "قابض الأرواح" (The Grim Reaper)، مصنوعة تحت تأثير غودار.
"مكيدة العنكبوت" (The Spider's Stratagem)

هل تشعر أنّك نضجت بصناعة "المُذعِن"؟
"كليّاً؛ ففي لحظة معيّنة كان عليّ أن أكون حذراً من أن أكون محاكياً، من أن أكون مزوّراً، من أن أقوم بأعمال تقلّد غودار، أعتقد أنّها لم تكن تجربتي وحدي، لكن تجربة كثيرين من أبناء جيلي".
كانت إحدى النتائج المبكرة للخوض في التحليل النفسي؛ أنّ برتولوتشي كان مدفوعاً إلى تدمير مرشديه البارزين رمزياً، ليس فقط غودار، لكن أيضاً والده، الشاعر الإيطالي العظيم، أتيليو برتولوتشي، "مع التّحليل الفرويدي؛ أدركت أنّ صنع الأفلام هو طريقتي لقتل أبي، بطريقة ما، أصنع أفلاماً، كيف يمكنني أن أقول، لمتعة الذنب، لقد تقبّلت الأمر في لحظة معينة، وكان على أبي أيضاً أن يتقبّل أنّه قُتِل مع كلّ فيلم، العبارة المضحكة التي قالها لي ذات مرّة: "إنّك ذكي للغاية، فقد قتلتني عدّة مرات دون أن تذهب إلى السجن".
كيف رأى أبوك فيلم "المُذعِن"؟

تعمّ الفرحة برتولوتشي من حقيقة أنّ جيلاً صاعداً من صانعي الأفلام قد رأى في صورته السينمائية مصدر إلهام

"لقد أحبّ أفلامي كلّها، لسبب بسيط؛ كان يشعر كما لو أنّه هو من قام بها، لقد أحبّ دميته، التي هي أنا، لأنّني كنت جيداً للغاية في صنع أفلامه، لقد اعتقد أنّه علّمني كلّ شيء، وهذا صحيح"، يا له من أنويّ رهيب، أقول.
إذًا، بمعنى ما؛ مهما فعلت، لن تستطيع قتله، أو محو تأثيره من عملك بشكل كامل؟
"هذا صحيح؛ فأفلامي دائماً في المجال نفسه الذي فيه أبي، إنّها تتحرك داخل نوع محدّد من المنطقة الثقافية، مثلما هو الحال في بارما"، إنّه من هذه المدينة الإيطالية الصغيرة رحّبت عائلة برتولوتشي، وبشكل كبير، بفيلم برناردو، عام 1967، قبل الثورة، وهو تكييف مرن لرواية ستيندال، المعنونة "دير بارما" (The Charterhouse of Parma).
لم يكن أتيليو مجرّد شاعر؛ بل كان أيضاً ناقداً سينمائياً، صديقاً لبيير باولو بازوليني (في الواقع، كانت أوّل وظيفة لبرناردو في صناعة الأفلام هي مساعد في فيلم المخرج الكبير، "المتشرّد" (Accattone). كان الأب مهووساً بالمحيط السينمائي، ولذلك حرص على أن يشاركه كلا ابنيه، برناردو وجوسيبي، محبّته هذه، فأخذهما إلى دور العرض وابتاع لهما كاميرا، كلاهما أصبح مخرجاً سينمائياً، وأصبح برناردو واحداً من أشهر مشاهير إيطاليا، وفائزاً بجائزة الأوسكار.

اقرأ أيضاً: حول منع فيلمي "جنغل" و"ذا بوست"
إحدى قصائد أتيليو تسمّى "التّلفريك" (The Cableway)، بإهداء "إلى ب. مع كاميرة سينما بثمانية ملليمترات"، وهي تتضمّن هذه الذكرى الحنونة لابنه المراهق، المدمن على السّينما، الذي يصوّر عائلة برتولوتشي أثناء سيرهم في جبال الأبينيني:
"لكنّ مراهقتك تزيَّن، تَنضج/ في الصّبر الحاذق للحرَفي/ الذي تقوم من خلاله بتصوير، من تحت/ ومن خلف، السّياج المثقّب، وهكذا تنسج/ زمنه الحقيقي من التوت والشوك والأوراق/ في القصّة بخفق الخطوات الماكرة للأطفال".
من الصّعب ألّا تقرأ في هذا بهجة أتيليو بتدريب ابنه البالغ من العمر 14 عاماً على الإخراج.
بعد خمسة عشر عاماً، كان برناردو ما يزال مهووساً بلقطاته، لقد صُوِّر مشهد الاغتيال في "المُذعِن" بشكل رائع، في تلال بيدمونت المُثلِجة، ("لم نقم بأفلام حركة من قبل، ولذلك عندما صوّرنا المشهد الذي قمنا فيه بطعن الرّجل، قلنا: "يا إلهي! ماذا فعلنا؟")، أعاد برتلوتشي كتابة الرواية؛ حيث يكون كليريتشي متفرّجاً على جريمة القتل، في الرّواية؛ لا يشهد كليريتشي حتّى القتل، فهو في روما في ذلك الوقت.
"أخبرت مورافيا قبل البدء: "حتّى أكون مخلصاً لكتابك، يجب أن أخونه"، فقال: "أتفق معك تماماً"، وبعد أن شاهد الفيلم، أثنى عليّ مورافيا ثناءً عظيماً، قائلاً إنّه لم يعجب إلّا بعمليَّتي تكييف لكتبه، إحداهما كانت "المُذعِن" (ومن باب تسجيل الحقائق، كانت العمليّة الأخرى هي فيلم غودار البارع، عام 1962، "احتقار" (Contempt)، مع جاك بالانس وبريجيت باردو).

اقرأ أيضاً: ضياء خان تفضح النازيين الجدد في فيلمها "اليمين الأبيض: لقاء العدو"
لقد أحدث برتولوتشي تغييراً آخر، وأكثر جرأة، في قصّة مورافيا، يأتي في النّهاية، "في الرّواية"، يقول برتولوتشي، "بعد سقوط موسوليني، يهرب المُذعِن من روما مع عائلته، ثمّ تحطّ طائرة، وينطلق منها الرصاص على المُذعِن وعائلته، وتلك هي النّهاية، وكان رأيي أنّها أخلاقيّة للغاية؛ حيث تظهر يد الله لتعاقب المذنب"، أمّا نهاية برتولوتشي فأكثر إرباكاً، في إحدى الليالي يتجول كليريتشي في الكولوسيوم [المدرج البيشاوي في قلب روما]، وهناك يجد سائق السيارة المسنّ، الذي ظنّ أنّه قتله عندما كان مراهقاً، يحاول السّائق إغواء صبي صغير جميل، يندّد كليريتشي بصوت عال بالسّائق، صارخاً بأنّه فاشي، لكن هذه ليست النّهاية: تُظهر اللقطة الأخيرة كليريتشي وحده مع الصبي، تتحرّك الكاميرا من الأرداف العارية للصّبي إلى كليريتشي، الذي ينظر إلى الكاميرا، ما الذي يفترض بنا أن نفهمه من ذلك، أسأل برتولوتشي، أنّهما قد مارسا الجنس للتوّ؟ "ممكن جدّاً، الصّبي عار، ويتحرّك ببطء كشخص مارس الحبّ للتوّ بطريقة ما، لذلك أنت على حقّ"، لكن تلك فكرة مقلقة، تشير إلى أنّ الفاشيّة يمكن أن ترتبط بالرّغبة المثليّة المكبوتة، خاصّة عندما يضيف برتولوتشي أنّه في هذه اللحظة فقط يفهم كليريتشي، حقيقةً، من هو ولماذا كان فاشياً.
إذا كان هذا هو الحال، رغم ذلك يرفض برتولوتشي تحمّل اللّوم على هذا الحلّ الرّهاب مثليّ، "فيما يخصّ كلّ أفلامي القديمة أشعر بأنّني لم أعد مسؤولاً نحوها، أقرأ: مذنباً بسببها، فالشّخص الذي صنع هذه الأفلام بعيد جداً عنّي"، لا تشعر بالمسؤولية حتى عن الفيلم الذي قمت مباشرة بصنعه بعد "المُذعِن"، ألا وهو "التّانغو الأخير في باريس" (Last Tango in Paris)، بمشاهده الجنسية سيئة السّمعة؟ "أقلّهم ذلك الفيلم"، ومع ذلك، يشعر برتولوتشي بأنّه مرتبط كفاية بـ "التّانغو الأخير"، للدّفاع عن أحد نجومه، مارلون براندو، "عندما أردت براندو لهذا الفيلم، قال لي رئيس شركة "باراماونت": "ليس ذلك .."، ومع ذلك كان براندو أعظم شيء في ذلك الفيلم".

"The Dreamers"
آخر أفلامه كان "الحالمون" (The Dreamers)؛ وهو تكييف لرواية غيلبرت أدير، التي تدور داخل أعمال الشغب الطلابية في باريس، عام 1968، وقد أنتج قبل خمسة أعوام، لماذا لم تُخرِج أيّ شيء منذ ذلك الحين، في النّهاية أنت فقط في السادسة والستين؟ "ظهري، أجريت عملية جراحية منذ ثلاثة أعوام وفشلت، وهكذا عوقبت بشدّة، منذ ثلاثة أعوام، بالألم، ولا أستطيع المشي بشكل جيّد، أو العمل". كان عليه أن يضع جانباً خطّتين: مشروع طويل الأمد لإخراج فيلم عن حياة جيسوالدو دا فينوزا، الملحّن النابوليتي من القرن السادس عشر، الذي قام بقتل زوجته ماريا دافالوس بوحشية، بعد أن وجدها متلبسة بالجرم المشهود، وتكييف لرواية آن باتشيت، المعنونة "بيل كانتو"، التي تدور حول مجموعة من الإرهابيّين، ورهائنهم الذين يعيشون في منزل واحد معاً، "يجب أن أجد حلاً لظهري"، يقول المخرج البالغ من العمر 66 عاماً، "وحينها سأُخرِج مجدّداً".

اقرأ أيضاً: مخرج مصري شاب يجابه التيارات التكفيرية بسلاح المسرح
هل صحيح أنّك لا ترى أفلامك القديمة أم أنها مجرّد قصة مضلّلة للصحفيين؟ "لا أستطيع رؤيتها، أشعر بالحرج"، أوه، برناردو، بالتأكيد لا! "هذا صحيح! فأنا أرى فيها ما أعتقد اليوم أنّها أشياء خاطئة، وغلط، ومثيرة للشفقة، وهي أشياء ربّما لا أحد يراها، لكنّني أراها". وهكذا لن تُمتعك بشكل واضح رؤية "المُذعِن" بعد كلّ هذا الوقت، "لا! ولكن ربّما عندما يكون الفيلم بعيداً جداً، يمكنني أن أغفر له". هنا، يبدو برتولوتشي وكأنّه كاهن يغفر خطايا نفسه السابقة.
ونتيجة لهذه اللامسؤولية؛ فإنّه من الغريب التحدث إلى برتولوتشي عن أعماله المبكرة، الرّجل الذي شعر بالغضب الشديد من رسالة غودار الغامضة، لم يعد له وجود، "أشعر بشيء نحو هذا الفيلم القديم، وأناي القديمة هذه، لكنّني لا أشعر بالثقل والمسؤولية، بالنسبة إلى الفنان، هذه راحة".


المصدر:
ستيوارت جيفريز، حوار أعادت الغارديان نشره في 22 شباط (فبراير) 2008 بعيد وفاة برتولوتشي في تشرين الثاني الماضي

اقرأ المزيد...
الوسوم:



استطلاع: معظم الأمريكيين يخافون من كل ما هو "عربي"

121
عدد القراءات

2019-06-25

ترجمة: محمد الدخاخني


هل يجب أن يتعلّم الأمريكيّون، ضمن مناهجهم المدرسية، الأرقام العربية؟

الرئيس التنفيذي لشركة الاستطلاعات وصف النّتيجة بأنّها أتعس وأطرف شهادة على التعصب الأمريكي نراها في بياناتنا

طرحت سيفيك ساينس، وهي شركة أبحاث مقرها بيتسبيرغ، هذا السؤال مؤخراً على نحو 3,200 أمريكي ضمن استطلاع يدور، على ما يبدو، حول الرياضيات، لكن النتيجة كانت مقياساً لمواقف الطلاب تجاه العالم العربي. وقد قال حوالي 56 بالمائة من المُستطلَعين "لا". ولم يصرح 15 بالمائة منهم بأي رأي.

هذه النتائج، الّتي أثارت بسرعة أكثر من 24,000 تغريدة، ربّما كانت لتختلف بشكل حادّ لو أوضح المستطلِعون ماهيّة "الأرقام العربيّة".
هناك 10 منها، هي: 0، 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8 ، 9.
تلك الحقيقة دفعت جون ديك، الرّئيس التّنفيذيّ لشركة الاستطلاعات، إلى وصف النّتيجة بأنّها "أتعس وأطرف شهادة على التّعصّب الأمريكيّ نراها في بياناتنا".

اليوم تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة
يُفترَض أنّ الأمريكيين الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة (وكانت نسبة الجمهوريّين بينهم أكبر من الديمقراطيين) يفتقرون إلى المعرفة الأساسيّة بماهيّة هذه الأرقام، ولديهم أيضاً بعض النّفور من أيّ شيء قد يُوصف بأنّه "عربيّ".
إنّه أمر محزن ومضحك بالفعل - وأيضاً سبب للتّوقّف وطرح سؤال بسيط: لماذا يُدعى النّظام العدديّ الأكثر كفاءة في العالم، والأكثر معياريّة في الحضارة الغربيّة، بـ"الأرقام العربيّة"؟

اقرأ أيضاً: الإسلام في أوروبا: اختراق "القارة العجوز" وصعود الإسلاموفوبيا
يأخذنا الجواب على ذلك إلى الهند في القرن السّابع؛ حيث طوِّر النّظام العدديّ، الّذي تضمّن الصّياغة الثّوريّة للصّفر. وبعد حوالي قرنين من الزّمان، انتقل إلى العالم الإسلاميّ، الّذي كانت عاصمته الرّائعة، بغداد، آنذاك أفضل مدينة في العالم يتابع فيها المرء حياته الثّقافيّة. وهناك، طوَّر عالم مسلم فارسيّ، يُدعى محمّد بن موسى الخوارزميّ، تخصّصاً رياضيّاً يسمّى الجبر، ويعني حرفيّاً "لم شمل الأجزاء المكسورة".
وفي أوائل القرن الثّالث عشر، اكتشف عالم رياضيات إيطاليّ، يُدعى فيبوناتشي، درس الحساب على يد مُعلِّم عربيّ في إحدى دول شمال إفريقيا المسلمة، أنّ هذا النّظام العدديّ وطبيعته العشريّة أكثر عمليّة بكثير من النّظام الرّومانيّ، وسرعان ما نشره في أوروبا؛ حيث أصبحت الأرقام معروفة باسم "الأرقام العربيّة".

اقرأ أيضاً: كيف انتشرت ظاهرة الإسلاموفوبيا ومن غذّاها؟
وفي الوقت نفسه، صار عِلم الجبر يُعرف بـ"algebra"، وتطوَّر اسم الخوارزميّ إلى "algorithm".
اليوم، تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة؛ وقد تشتمل قائمة مختصرة على كلمات مثل: أميرال admiral، الكيمياء alchemy، الكُوَّة alcove، الإنبيق alembic [أداة تقطير]، القلويّ alkali، ملاط lute، ماسِك أو قِناع mask، موصلين muslin [نوع من الأقمشة]، نظير nadir، سُكر Sugar، شراب syrup، تعريفة tariff، ذروة zenith. ويعتقد بعض العلماء أنّه حتّى كلمة "check"، أي الورقة الّتي يتحصّل عليها المرء من أحد البنوك، تأتي من الكلمة العربية "صكّ"، والّتي تعني "وثيقة مكتوبة". (وتستخدم صيغة الجمع، "صكوك"، في الصّيرفة الإسلاميّة للإشارة إلى السّندات).

محمّد بن موسى الخوارزميّ
هناك سبب يرجع إليه امتلاك هذه المصطلحات الغربيّة لجذور عربيّة: بين القرنين الثّامن والثّاني عشر، كان العالم الإسلاميّ، عبر لغته المشتركة، العربيّة، أكثر إبداعاً من أوروبا المسيحيّة، الّتي كانت آنذاك تعيش أواخر عصورها الوسطى. كان المسلمون من الرّواد في الرّياضيّات والهندسة والفيزياء والفلك والأحياء والطّب والعِمارة والتّجارة، والأهم من ذلك، الفلسفة. ولا شكّ أنّ المسلمين قد ورثوا هذه العلوم من ثقافات أخرى، مثل؛ اليونانيّين القدماء والمسيحيّين الشّرقيّين واليهود والهندوس. ومع ذلك، فقد طوّروا هذه التّخصّصات من خلال ابتكاراتهم الخاصّة ونقلوها إلى أوروبا.

الأمريكيون الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة ونسبة الجمهوريّين بينهم كبيرة لديهم بعض نفور من أيّ شيء يُوصف بأنّه عربي

لماذا الخوض في هذا التّاريخ المنسيّ؟ لأنّ دروساً يمكن أن تستقى من ذلك، لكلّ من المسلمين وغير المسلمين.
ومن بين الأخيرين يأتي المحافظون الغربيّون، الّذين لديهم شغف بحماية تراث الحضارة الغربيّة، والّتي غالباً ما يعرّفونها على أنّها حضارة "يهوديّة-مسيحيّة" فقط. بالطّبع، الحضارة الغربيّة لديها إنجاز عظيم يستحقّ الحفاظ عليه: التّنوير، الّذي منحنا حرّيّة الفكر وحرّيّة الدّين وإلغاء العبوديّة والمساواة أمام القانون والدّيمقراطيّة.
ولا ينبغي التّضحية بتلك القِيَم لصالح القَبَليّة ما بعد الحداثيّة المسمّاة "سياسة الهويّة". لكنّ المحافظين الغربيين يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة. إنّ ثالث الدّيانات الإبراهيميّة العظيمة، الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث، وتكريم ذلك الإرث قد يساعد على إقامة حوار بنّاء مع المسلمين.

الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث
بالطّبع، أمامنا، نحن المسلمين، سؤال كبير يجب علينا الإجابة عنه: لماذا كانت حضارتنا ذات يوم خلّاقة، ولماذا فقدنا ذلك العصر الذّهبيّ؟
يجد بعض المسلمين إجابة بسيطة في التّقوى والافتقار إليها، معتقدين أنّ هذا التّراجع جاء عندما أصبح المسلمون "آثمين". ويفترض آخرون أنّ العظمة المبكّرة يمكن إرجاعها إلى القادة الأقوياء، الّذين يأملون في أن تتجسّد نماذج مماثلة لهم. ويجد البعض العزاء في نظريّات المؤامرة الّتي تُلقي بالّلوم على الأعداء في الخارج و"الخونة" في الدّاخل.
إليكم تفسير أكثر واقعيّة: كانت الحضارة الإسلاميّة المبكّرة مبدعة لأنّها كانت منفتحة. على الأقلّ، امتلك بعض المسلمين الرّغبة في التّعلُّم من الحضارات الأخرى. كان هناك مجال لحرّيّة التّعبير، وهو ما كان أمراً استثنائيّاً في ذلك الوقت. وقد سمح ذلك بترجمة ومناقشة أعمال فلاسفة يونانيّين كثيرين، مثل أرسطو، كما سمح لعلماء لاهوت من مختلف الأطياف بالتّعبير عن آرائهم، وأتاح للباحثين بيئة عمل مستقلّة. على كلّ حال، منذ القرن الثّاني عشر وما بعده، فرض خلفاء وسلاطين لهم طبيعة استبداديّة شكلاً أقلّ عقلانيّة وأقلّ قبولاً بالتّنوّع للإسلام. وهكذا تحوّل الفكر الإسلاميّ نحو العزلة والتّكرار والّلامبالاة.

وبحلول القرن السّابع عشر، في الهند المسلمة، كان أحمد السّرهنديّ، وهو عالم بارز عُرِف أيضاً باسم الإمام ربّانيّ، يمثّل منعطفاً دوغمائيّاً عندما أدان جميع "الفلاسفة" وتخصّصاتهم "الغبيّة". وكما كتب: "تأتي الهندسة بين علومهم المدوّنة والمنظّمة، وهي عديمة الفائدة تماماً. مجموع ثلاث زوايا في مثلث عبارة عن مجموع زاويتين قائمتين - ما الفائدة الّتي يمكن أن يعود علينا بها مثل هذا الكلام"؟

المحافظون الغربيون يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة

بالضّبط، لماذا حدث هذا الإغلاق المأساويّ للعقل الإسلاميّ، وكيف يمكن الانقلاب عليه، هو السّؤال الأكبر الّذي يواجه المسلمين اليوم. ويجب ألّا نفقد المزيد من الوقت من خلال ألعاب الإنكار والّلوم.
ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، يجب ألّا يخطئ الآخرون في الحكم على الحضارة الإسلاميّة من خلال النّظر إلى أسوأ منتجاتها، الّتي يشيع الكثير منها الآن. إنّها حضارة عظيمة قدّمت إسهامات كبيرة للبشريّة، لا سيّما الغرب.
ولهذا السّبب، حين تتّصل عبر هاتفك، تقوم باستخدام "الأرقام العربيّة". وهذا مجرّد غيض من فيض من الأفكار والقِيَم المشتركة بين الإسلام والغرب.


المصدر: مصطفى أكيول، النيويورك تايمز

منشق عن الجماعة يفك أسرار صلات اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا والإخوان

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
606
عدد القراءات

2019-06-24

ترجمة: مدني قصري


في كتابه الأخير "لماذا غادرت الإخوان المسلمين"، الصادر عن دار ميشالون، يفكّ المهندس محمد لويزي، رئيس سابق للطلاب المسلمين في فرنسا "مدينة ليل"، أسرار الصلات بين اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا والإخوان المسلمين.

اقرأ أيضاً: منشقون يكشفون ارتباط "إخوان" موريتانيا بداعش

وفي حوار أجرته معه صحيفة "لوفيغارو فوكس"، يقول لويزي في البداية: حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، عرّف إسلامه المعولم، وأيديولوجيته السياسية، كما يلي: "منظمة كاملة تضم جميع جوانب الحياة، إنّها دولة وأمة في آنٍ، أو حكومة ومجتمع. إنّها أيضاً أخلاق وقوة، أو مغفرة وعدالة، كما أنّها ثقافة وسلطة وتشريع، أو علم وقضاء، إنّها مادة ومورد، أو مكسب وثروة، وقتال في سبيل الله ونداء، أو جيش وفكر، وهي في النهاية إيمان صادق وعبادة سليمة، الإسلام هو كلّ هذا بالطريقة نفسها".

الإخوان الذين يقودون الجماعة حالياً على المستوى الدولي كما في فرنسا هم جزء من تيار سيد قطب

عام 1924؛ سقطت الخلافة العثمانية "الرجل المريض"، سقط في النهاية، في ذهن حسن البنا، يمثل هذا الأخير، الرمز السياسي لوحدة المسلمين ضدّ الغربيين. عام 1928، قرّر إنشاء حركته الإسلامية، أولاً؛ لتحرير مصر من الاستعمار البريطاني، والقتال بكل الوسائل ضدّ الوجود اليهودي وقيام إسرائيل على الأرض المقدسة للديانات التوحيدية الثلاث، وثانياً، لإنشاء خلافة، دولة إسلامية، عالمية جديدة، والوصول إلى "التمكين" العالمي، وهو ما يعني تفوق "الإسلام الإخواني" على جميع أشكال الإسلام الأخرى وجميع الديانات الأخرى، وتطبيق قواعده القانونية وقوانينه الجنائية لإدارة العلاقات داخل المجتمع ومع خارج هذه الخلافة.

عام 1928، قرّر حسن البنا إنشاء حركته الإسلامية

ثمّ، ومن الفرد، لا بدّ من تشكيل البيت المسلم، ثم الشعب المسلم، ثم الوصول إلى الحكومة الإسلامية، ثم إقامة الخلافة، ثم إعادة احتلال الغرب، ثم الوصول إلى التمكين الكوكبي (الأرضي).

من الناحية النظرية، في كتاباته، يندرج هذا الحلم في سياق إستراتيجي، ينطلق أوّلاً وبشكل أساسي من تعليم الفرد، ومن هنا تأتي الأولوية التي يوليها الإخوان "للمسلمين الشباب"، ثم من الفرد، من الضروري تشكيل البيت المسلم، ثم الشعب المسلم، ثم الوصول إلى الحكومة الإسلامية، ثم إقامة الخلافة، ثمّ إعادة احتلال الغرب، ثم الوصول إلى التمكين الكوكبي؛ يبدو الأمر جنوناً، كمشروع عقائدي ومشروع سياسي، لكن من الواضح أنّه، منذ عام 1928، ظلت هذه الرؤية المعولمة فاعلة وحاضرة، ليس فقط في مصر، ولكن في كلّ مكان آخر، بما في ذلك فرنسا.

هذا التعريف الذي ذكرته أعلاه، مستخلص من كتاب "20 مبدأ لفهم الإسلام"، على نحو ما صاغها حسن البنا، والتي شرحها يوسف القرضاوي، وترجمها إلى اللغة الفرنسية منصف زناتي، وهو عضو في المكتب الوطني لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا "UOIF"، المكلَّف بتدريس وتعريف الإسلام.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني أن تكون منشقاً عن جماعة الإخوان المسلمين؟

والأمر الأخطر أنّ هذا الكتاب الأيديولوجي يتم تدريسه للشباب منذ أعوام قليلة في "معهد القدس"، الذي أنشأته كوادر من الإخوان المسلمين في الاتحاد الفرنسي للمنظمات الإسلامية، في المركز الإسلامي لمدينة فيلنوف (CIV)، وفي مسجد ليل- سود؛ حيث يُدرِّس عمار الأصفر، الشخص المسؤول عن تقديم "المبادئ الأيديولوجية العشرين" إلى الشباب كل أسبوع، أستاذ، يتقاضى أتعابه من أموال الدولة، في ثانوية ابن رشد.

جماعة الإخوان المسلمين تُعدّ منظمة إرهابية في بعض البلدان، ومع ذلك، عندما كان وزيراً للداخلية، جعل ساركوزي من اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا "UOIF" أحد محاوريه الرئيسيين ووصف هذه الحركة بـ "الأرثوذكسية"، ما هي الحقيقة؟

بالفعل، تمّ تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية من قبل العديد من البلدان، على سبيل المثال؛ فعلت المملكة العربية السعودية ذلك، في آذار (مارس) 2014، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه؛ جاء دور الإمارات العربية المتحدة لتصنيف الحركة وتداعياتها الدولية، بما في ذلك اتحاد المنظمات الإسلامية "UOIF"، على قائمتها، وكانت "UOIF" في بيان لها، صدر في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014، قد قالت: إنّها "تدرس جميع الطرق وتحتفظ بالحقّ في الردّ للحصول على تعويض عن الضرر"، وهو ما لم تفعله قط.

اقرأ أيضاً: "من الدعوة إلى التنظيم السري".. تجربة المليجي وأطوار الإخواني المنشق

على الجانب الآخر من بحر المانش؛ حذّر رئيس الوزراء البريطاني السابق، ديفيد كاميرون، في أعقاب تحقيق مفصل للغاية، في رسالة بعث بها إلى النواب، من أنّ أيّة صلة بالإخوان المسلمين يمكن اعتبارها "علامة تطرّف محتمل"، وقد كتب ما يلي: "بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين لها علاقة غامضة بالتطرف العنيف"، وذهب إلى أبعد من ذلك، بالقول: إنّه "يجب أن يُنظر إلى أيّ عضو في جماعة الإخوان المسلمين، أو ينتسب إليها، أو يتأثر بها، كإشارة للتطرف". منذ ذلك الحين، يبدو أنّ الإخوان في بريطانيا العظمى يخضعون للمراقبة.

جماعة الإخوان المسلمين تدّعي أنها تنشط ضمن القانون وأنّها ضدّ العنف

هذا غير صحيح. حسبنا قراءة مجمل "رسالة الجهاد"، التي كتبها حسن البنا، والتي ترجمتها في مقالتي عن سيرتي الذاتية: "لماذا تركت الإخوان المسلمين"، والتي يتم تداولها دائماً في الدوائر المغلقة للاتحاد الفرنسي للمنظمات الإسلامية "UOIF" في فرنسا؛ لا يختلف محتواها مع السجل الأيديولوجي الجهادي لجميع المنظمات الإرهابية: تنظيم القاعدة، النصرة، داعش، ...إلخ. نجد فيها نفس النصوص العنيفة، ونفس الخطاب الجهادي ونفس التوصيات باللجوء، عن طريق الإلزام الديني، إلى استخدام السلاح.

اقرأ أيضاً: 10 منشقين عن الإخوان يكشفون أسرار المعبد

الفرق بين الإخوان والآخرين هو اختلاف في الدرجة وليس في الطبيعة؛ هناك أولئك الذين، مثل الجماعات التي تستخدم العنف الآن وهنا. الإخوان المسلمون، يدعمونهم بشكل مباشر أو غير مباشر، ويمكنهم اللجوء إلى العنف في الوقت المناسب، أذكر أنّ الدعوة إلى الجهاد في سوريا أطلِقت من القاهرة، في 13 حزيران (يونيو) 2013، من قبل تحالف الإخوان المسلمين والسلفيين وكان رئيس مصر في ذلك الوقت هو محمد مرسي.

اقرأ أيضاً: القيادي المنشقّ البشبيشي: أفكار الإخوان خبيثة وفاسدة

إنّ الإخوان الذين يقودون الجماعة حالياً على المستوى الدولي، كما هو الحال في فرنسا، هم جزء من تيار سيد قطب، مرجع كلّ الجهاديين المعاصرين، سواء كانوا إخواناً أم لا.

البعض يمارس خطاباً مزدوجاً، هل ثبت ذلك؟

عندما اندلع الخلاف بين مدرسة ابن رشد الثانوية وأستاذ الفلسفة، في شباط (فبراير) 2015، أعلن عمار لصفر، رئيس "UOIF"، أمام كاميرا التلفزيون الفرنسي؛ أنّ الاتحاد لا علاقة له بالإخوان المسلمين. وبعد مرور عام تقريباً، صرّح محمد كارات، أحد الملازمين المخلصين لعمار لصفر، وهو أيضاً رئيس مسجد فيلنوف داسك، المسؤول عن الرابطة الإسلامية الشمالية والأستاذ في مدرسة ابن رشد الثانوية، في خطاب قصير، بالفرنسية، أمام المصلين، يوم الجمعة 5 شباط (فبراير): بأنّ "الاتحاد الفرنسي للمنظمات الإسلامية "UOIF" متهم بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، وهذا لا أحد يخبئه، نحن لا نخفي هويتنا، نحن فخورون بذلك ... ".فهكذا، يقول أحدهم إنه لا توجد أيّة صلة بين اتحاد المنظمات الإسلامية "UOIF" وبين الإخوان المسلمين، ويسمح لنفسه بمقاضاة خصومه بتهمة التشهير، بعد مرور عام، يؤكد الاتحاد الفرنسي للمنظمات الإسلامية "UOIF" هُويته الأخوية علانية، هنا مثال ساطع على هذا الحديث المزدوج المألوف، أنا أرى أنّه وراء الخطاب المزدوج، هناك خطاب "باللغة العربية" وآخر "بالفرنسية".

هل يمكن أن نتحدث عن إستراتيجية أسلمة عالمية في فرنسا وأوروبا؟

في جميع البلدان التي يوجد فيها إخوان مسلمون، في الشرق، كما في الغرب، يظلّ المشروع الإسلامي هو نفسه منذ إنشاء الحركة من قبل حسن البنا، عام 1928، إنّها مسألة إعادة الخلافة الإسلامية إلى الحدود التاريخية، بما في ذلك المكان الذي كان فيه للإسلام وجود في أوروبا، هذا المشروع له اسم: مشروع تمكين، في العالم العربي والإسلامي، تمر تجارب هذه الحركة بالأعلى والأسفل، ينجحون فترة من الوقت، ثمّ يقعون بعد ذلك في ورطة، لكنّهم لا يختفون، يصفون تأثيرهم على أنّهم سلسلة من المراحل والدورات: الولادة، ثم الصعود، ثم الذروة، ثم الهبوط، ثم الكمون، ثم الصعود مرة أخرى، وهكذا دواليك.

وفق سيد قطب فإنّ إنشاء دولة إسلامية في أيّ إقليم له شرط أساسي تعليمي وأيديولوجي وعضوي كبير

هنا، في أوروبا وفي الغرب، الأمور مختلفة؛ لأنه إذا كان العالم العربي الإسلامي يعدّ بالفعل "أرضاً" مكتسبة؛ ففي الغرب، ليس هذا هو الحال، تعمل جماعة الإخوان المسلمين منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، على القارة العجوز لاكتساب "أقاليم" خاصة مختلفة لتسجل، مع مرور الوقت، سردها الإسلامي كجزء من الرواية الوطنية لكلّ بلد في أوروبا، وتسمى هذه العملية "توطين" "Tawtine"، ويتم ذلك عن طريق بناء مساجد وممتلكات عقارية متنوعة وبناء المدارس الخاصة، ...إلخ.

لأنّه؛ من دون "توطين"، لا يمكن تنفيذ مشروع تمكين بشكل فعال، إذا كان التوطين هو الهدف الإقليمي لمرحلة ما، فإنّ تمكين هي الهدف النهائي لشريعة الله، كما يفهمه أيديولوجيو وعلماء الإخوان المسلمين، للسيطرة على أوروبا وإلحاقها بالدولة الإسلامية التي طالما حلم بها الكثير من الإخوان.

قال شكيب بن مخلوف، الرئيس السابق لاتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا "FOIE"، في مقابلة مع صحيفة "الشرق الأوسط" العربية في لندن، في 20 أيار (مايو) 2008: "في الاتحاد لدينا خطة عمل تمتد لمدة 20 عاماً؛ على المدى القصير، المتوسط والطويل، بعض الأحداث، للأسف، التي تحدث من وقت لآخر، لها تأثير سلبي على تقدم عملنا، لقد شعر بعض المسلمين بسرعة بانجذابهم إلى القتال الهامشي، وهذا يعطل خطة عملنا الشاملة".

أنت تتهم "UOIF" بأنّها "قاعدة احتياطيين"؟

عندما نقرأ ونحلل كتاب حسن البنا "رسالة الجهاد" وكتابات سيد قطب، في "معالم على الطريق"، نستنتج ثابتاً أيديولوجياً بين الإخوان: أنّ الإخواني، بحكم تعريفه، لا يمكن أن يكون إلا جهادياً، في العملية الميدانية، أو احتياطياً يدافع عن حلم الجهاد المسلح في يوم من الأيام، عندما يكون في مرحلة الاحتياط، يجب عليه أن يدعم بكلّ الوسائل أولئك الذين يذهبون إلى الجهاد: من خلال الدعم المالي، والدعم الإعلامي، والوعظ، والدعوات، ...إلخ. حسن البنا بنى هذه الفكرة الأساسية على بعض النصوص الدينية المنسوبة إلى النبي محمد، صلى الله عليه وسلّم: "من مات دون قتال ودون رغبة أبداً، يموت على فرع من النفاق"! إنّ حسن البنا بالأحرى هو الذي يعتبر الإخوان، بشكل عام، و"UOIF" على وجه الخصوص، كقاعدة للاحتياط.

ما الفرق بين الإخوان المسلمين والسلفيين؟ هل الإخواني سلفي بالضرورة؟ وهل السلفي إرهابي لا محالة؟

ما يمكنني تأكيده؛ أنّ السجل الأيديولوجي السلفي والجهادي هو نفسه عند الإخوان وعند السلفيين على السواء، وهذا، رغم التفاوتات والفروقات في اللغات التي نلاحظها هنا أو هناك. والحالة هذه، فالإخواني لا يمكن إلا أن يكون جهادياً أو احتياطياً، الاحتياطي قد لا يحمل السلاح، وقد يدرك الخداع فيغادر، لا توجد تلقائية في المرور من مرحلة إلى أخرى، الإنسان لا يمكن التنبؤ به، يمكن أن يكون أكثر هدوءاً، ثم ينتقل إلى أكثر الجهاديين قسوةً، يمكن أن يكون جهادياً ويتوب، لكن هناك شيء واحد مؤكّد؛ لكسر كلّ هذا نحتاج إلى معالجة جذور العنف، دينية كانت أم لا، من مصدرها.

في البلدان التي يوجد فيها إخوان مسلمون ظلّ المشروع الإسلامي هو نفسه منذ إنشاء الحركة من قبل حسن البنا

أيديولوجية الإخوان المسلمين لا ينبغي استبعادها من هذا الكفاح ضدّ التطرف والعوامل الأيديولوجية الكامنة وراءه.

يحتاج مشروع تمكين، إضافة إلى الأرض، إلى "قاعدة" بشرية صلبة، وأشير إلى أنّ كلمة "القاعدة"، (base) بالفرنسية، تعني باللغة العربية كلمة "قاعدة".

القاعدة مفهوم أيديولوجي يستخدم غالباً في كتابات سيد قطب، ويُستخدَم المصطلح نفسه من قبل تنظيم القاعدة للإشارة إلى منظمتها الإرهابية الدولية، ووفق سيد قطب؛ فإنّ إنشاء دولة إسلامية في أيّ إقليم له شرط أساسي تعليمي وأيديولوجي وعضوي كبير؛ وهو أنّ تشكل، قاعدة بشرية صلبة، قبل أي شيء آخر، قاعدة تتألف من أشخاص وإخوة وأخوات، تعلموا تعليماً عالياً، واقتنعوا بفكرة وضرورة هذا الكيان، مع الجاهزية، في أيّة لحظة، للتضحية بكل شيء، بما في ذلك حياتهم، لتكريسه والدفاع عنه ضدّ كلّ الصعاب.

اقرأ أيضاً: القياديّ الإخواني المنشقّ أبو السعد: هكذا يتعامل التنظيم مع من يخرج منه

ويستشهد سيد قطب بمثال النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، ونجاحه في بناء مكة "كقاعدة" إنسانية، من أصحاب مقنعين صادقين، قبل الهجرة والاستقرار في المدينة المنورة، أرضه الجديدة لتأسيس أوّل دولة إسلامية منتصرة، وفق التفسير السياسي لهذه الأيديولوجيا الإخوانية.

أتت نفسك كنت "إخوانياً" نشطاً بين الإخوان المسلمين، ما هي طرق توظيفهم وتأطيرهم للشباب؟

الثنائي المفترس/ الفريسة يضمن توازن الأهرامات الغذائية للنظام البيئي، يختار المفترِس فريستَه وفق المعايير التي تمليها الطبيعة، هرم الإخوان المسلمين، الذي يصف مراحل التمكين، له أيضاً "مفترسون" يختارون فرائسهم وفق معايير تمليها الأيديولوجية والاحتياجات من الموارد البشرية لمشروع تمكين العالمي، في جماعة الإخوان المسلمين، لا يختار العضو الجمعية؛ فهي، على غرار أيّة طائفة غامضة، التي تختاره، وأعضاؤها السابقون هم الذين يختارونه في نهاية رحلة تلقينية إعدادية خاصة للغاية.

يعمل الإخوان على استهداف مُجنَّدين لبناء هذه "القاعدة" القوية والصلبة في كلّ بلد؛ فعند نهاية تلقينٍ أيديولوجي، يتم خلاله شرح أركان الولاء العشرة، وهي: "الفهم، والإخلاص، والعمل، والجهاد (المسلح)، والتضحية، والطاعة الكاملة، والثبات والإخلاص للالتزام، والإخاء والثقة الكاملة نحو القيادة، يلبي فيها المرشح (أو المرشحة) المعايير الأيديولوجية، وينتقل إلى مرحلة يمين الولاء؛ حيث يتعهّد صراحة بتكرار العبارة الآتية: "ألتزم أمام الله العظيم، بمراعاة أحكام الإسلام بدقة، وبأن أجاهد للدفاع عن قضيته، أتعهّد أمام الله باحترام شروط ولائي لجماعة الإخوان المسلمين والوفاء بواجباتي تجاه الجماعة، أتعهّد أمام الله بإطاعة قادتها في اليسر وفي العسر، ما استطعت لذلك سبيلاً، طالما أنّ الأوامر الصادرة لا تجبرني على ارتكاب الخطيئة، أشهد على ذلك، ويشهد الله على ذلك"، عندئذ يتمّ تكليف المجنّد الجديد بالعمل لصالح مشروع تمكين، مستنيراً في ذلك بالشعار الأسطوري للحركة: "الله هو هدفنا النهائي، والرسول قدوتنا ودليلنا، والقرآن دستورنا، والجهاد طريقنا، والموت في سبيل الله أعظم أملنا!"

ما الذي دفعك إلى القطيعة؟

عندما فهمت أنّ طريق الإخوان طريقُ سَيْفَيْنِ اثنين لفرض القرآن، انسحبت في هدوء، واخترت الطريق اللاسياسي وغير العنيف، طريق جدي من ناحية الأم وطريق أبي الروحي، جودت سعيد، غاندي العالم العربي.


المصدر: lefigaro.fr/vox

بين المسرح والشاشة: حوار مع المخرج الإيراني أصغر فرهادي

491
عدد القراءات

2019-06-23

ترجمة: كريم محمد


هل يمكنك البدء بإخبارك إيّانا عن تجربتك السينمائيّة المبكرة؟

كنتُ صغيراً جداً عندما ذهبت إلى السينما للمرة الأولى، وكان المسرح بعيداً للغاية عن منزلنا، ولأنّها كانت في مدينةٍ أخرى، فلم يكن آباؤنا يسمحون لأبناء عمّي أو لي بالذهاب، لذا كنّا نتسلّل خفيةً، كنّا نذهب إلى هناك متأخرين، ولا نشاهد سوى الدقائق العشرين الأخيرة من الفيلم.
هناك، أعتقد أنّ تجربة الإنتاج السينمائيّ ابتدأت بالنسبة إليّ؛ فعندما كنت أعود إلى البيت، كنتُ أتساءل عمّا كان الجزء الأوّل من الفيلم، أحاول أن أتخيّله وأصنعه في رأسي، لعبَ ذلك دوراً هائلاً في أن أغدو مخرجاً سينمائيّاً.

هل تتذكّر الفيلم الأوّل الذي أثّر فيك حقّاً؟

حينما كنّا صغاراً، شاهدنا الأفلام على تلفاز الأبيض والأسود على الأغلب، كلّ يوم جمعة، كنّا نشاهد أفلام تشارلي شابلن وباستر كيتون، أو أفلام هارولد لويد، كانوا مشهورين جداً في إيران، وفي الوقت نفسه، ونظراً لأنّنا كنّا في أتون الحرب، فكان هناك بعض أفلام الحرب الفرنسيّة والألمانيّة على التلفاز، الفيلم الأوّل الذي أثارني حقّاً كان فيلم "الساموراي السبعة"، الشيء الوحيد الذي عرفته أنّه لم يكن يشبه الأفلام الأخرى بتاتاً، لقد كان شيئاً جديداً.

أصغر فرهادي: حينما كنتُ مراهقاً، كان للسينما الإيرانيّة أكبر الأثر عليّ

مع نموّك، ماذا كانت علاقتك مع السينما الإيرانيّة؟

حينما كنتُ مراهقاً، كان للسينما الإيرانيّة أكبر الأثر عليّ، لقد كنتُ في السابعة من عمري عندما وقعت الثورة في إيران، وفي هذا التوقيت، كانت الهواية الوحيدة التي بحوزتنا هي السينما، السينما ولا شيء غيرها، ورغم أنّ إيران كانت في حربٍ مع العراق، إلّا أنّه كانت هناك أفلام جيّدة جداً أُنتِجت في هذا الوقت، فلدينا مخرجٌ يُدعى بهرام بيزاي، والذي يعيشُ الآن في الولايات المتحدة الأمريكيّة؛ حيث أثّرت أفلامه بي. وما داريوش مهرجوئي سوى مخرجٍ آخر أخرجَ أعمالاً عظيمة وألقى بتأثيره عليّ أيضاً، في عملي"The salesman"  الفيلم الذي يقوم المدرّس بعرضه في الحصّة، هو فيلم "البقرة" لمهرجوئي، وأعتقدُ أنّه واحدٌ من الأفلام العظيمة في تاريخ السينما الإيرانيّة.

خلال دراستك، كتبت أطروحتك حول هارولد بنتر، وهو أمرٌ مثير للتفكير في سياق كتابتك، بماذا أوحى لك عمله؟

عندما كنتُ أعملُ على أطروحتي، بدأتُ بدراسة اللغة في أعمال بنتر، والشيء الذي أثارني في أعماله هو الصّمت في مسرحياته، تتحدثُ الشخصيات كثيراً، لكنّ المسرحيات تُبدي أنّهم يتحدثون لإخفاء شيءٍ ما، كلّ شيء كامن أسفل هذا الصمت.

كيف وجّهتك علاقتك بالمسرح في أعمالك كمخرج أفلام؟

قبل أن أدخلَ إلى السينما، كنت طالبَ مسرحٍ وعملت في المسرح، وقد شُكِّلت شخصيتي المهنيّة خلال تلك الأعوام السّبع، هنالكَ فهمت ما أحبّه في السينما، وما لا أحبّ، كانت فترةً بدأتُ فيها أقرأ المسرحيات الأجنبيّة، وقد فتحت لي عالماً جديداً بالكامل.

هل تجدُ أنّ لديك أسلوباً مختلفاً أو ممارسة مغايرة عندما تعمل كمخرجٍ في أوساط وبيئات مختلفة؟

أشعرُ في كلّ وسطٍ أنّني الشخص نفسه، تغيّر الوسط والتقانات تختلفُ، بيد أنّني لا أتغيّر، فعندما كنتُ أعمل في التلفاز، على سبيل المثال، كانت قصصي منصبّة حول المجتمع والصّلات بين الناس، يبدو أنّ هذه قضيتي الداخليّة التي أرجعُ إليها طوال الوقت.

اقرأ أيضاً: المخرج الإيراني عباس كيارستمي: الحياة ولا شيء سواها

لكلّ شخصٍ أسئلة حول حياته الخاصّة، وبوصفي أعمل في السينما، فعندي الفرصة لتقاسم تلك الأسئلة مع الناس الآخرين، أحد الأسئلة التي عندي طوال الوقت هو سؤال كيف نبرّر قيام شخص ما بعملٍ هو أخلاقيّ أو غير أخلاقيّ، في فيلمٍ تلو فيلمٍ، بدأتُ في طرح هذا السؤال بطرقٍ مخلتفة؛ فعندما خرج الجمهور من فيلمي "The salesman"، كان لديهم السؤال الذي لديّ نفسه: أيّة شخصيّة كانت تقوم بالشيء الصحيح؟

من أين نشأت لديك فكرة فيلم "The salesman"؟

عادةً ما تبدأ قصصي بصورة، لا أعرف من أين أتت، غير أنّ الفكرة كانت عالقةً في ذهني لمدّة، بالنسبة إلى هذا الفيلم، فقد كان لديّ صورة لخشبة المسرح، وهناك رجل الإضاءة الذي يقوم بإشعال الأضواء وإطفائها في أجزاء مختلفة من خشبة المسرح، وفي النهاية، يشعلها جميعها، ويمكنك أن ترى خشبة المسرح كلّها.

أثّرت فيّ أفلام عبّاس كيارستمي كنت أحترمه وكانت لدينا صداقةٌ طيّبة إنّه المعلم

أعتقدُ أنّ هذه الصورة تشبه أفلامي: فأنت دائماً ما ترى أجزاءً من الروابط الأسريّة، ثمّ في النهاية عندما يتّضح كلّ شيء، تشعر وكأنّك شاهدتَ الأسرة بأكملها، لقد وضعتُ هذا المشهد في بداية الفيلم، لكنّني لم أكن أعرف ما هي القصّة، في الفيلم؛ يبدأ الفاصل بين الحياة الحقيقيّة والمسرح يتلاشى، ويصبح هذا المنزل، في نهاية المطاف، بمثابة خشبة مسرح.

هل أحببت عمل آرثر ميلر دوماً؟

نعم، أنا أحبه لأنّه يتحدث عن العلاقات بين الأفراد داخل الأسرة، ومسرحياته متعددة الزوايا، إذا كنت سياسيّاً، فسترى الجزءَ السياسيّ منها؛ وإذا كنتَ تهتمّ بالعلاقات، فسترى العلاقات؛ وإذا كنت معنيّاً بالمجتمع، فسترى المجتمع، وهذا ما أحبّه.

الطريقة التي مسرحتَ بها موت البائع في الفيلم حميميّة وجذّابة، أردتُ التوقف عندها ومشاهدة الأمر كلّه، هل ما تزال تريد الاتجاه نحو المسرح؟

بالفعل أثناء التصوير، أخبرني الطاقمُ بأنّني عندما ينتهي الفيلم يجب أن أمضي وأقوم بعمل مسرحيّة، غدا الأمر جديّاً بالنسبة إليّ، وعلى الرغم من عدم توفّر وقت، إلّا أنني أفكر بأنّه ربما يتوجّب عليّ أن أقوم بذلك.

بوصفكَ فنّاناً، ما الذي تجنيه مختلفاً من إخراج فيلم عن إخراج مسرحيّة؟

أعتقدُ أنّ المسرحَ مختلفٌ جداً عن السينما، لا سيّما عندما أعملُ مع شخصٍ ما في كتابة أخرى، المسرح فيما أعتقدُ هو محض صرف، أقرب للموسيقى؛ لا يوجد فيه شيءٌ زائد عن الحدّ.

 آرثر ميلر

أنت دائماً تنتزعُ أداءاتٍ قويّة ونزيهة من ممثّليك، بماذا يشبه نهجك معهم؟

يتوقّف الأمر على الممثل، بيد أنّني أقوم بكثيرٍ من البروفات قبل التصوير، يتأتّى ذلك الأمر من خلفيتي المسرحيّة، إنّني أتعاطى مع بعض الممثلين بطريقةٍ عاطفيّة، وأحاول أن أضعهم في مواقف عاطفيّة، ومع البعض الآخر، يكون عليّ عادةً أن أوضّح لهم كيما يفهموا.

ما هو جزء السيرورة الإخراجيّة الذي ما تزال ميالاً له؟

الجزء الأجمل والأصعب من الصنعة السينمائيّة بالنسبة إليّ هو الكتابة؛ فعندما أكتب، أستمتع بالكتابة، وأشعر أنني لستُ في هذا العالم، وكلّ مرّة أقوم فيها بالكتابة، أقول دائماً بأنّها المرّة الأخيرة، إنّها نوعٌ من التعذيب الممتع.

مَن هم بعض المخرجين المحدثين الذين تحبّهم؟

إنّهم كثرٌ، مايكل هانيك، نوري بيلج سيلان، ألكساندر باين، ألفونسو كوارون، أليخاندرو غونزاليس إيناريتو.

ما هو آخر عمل شاهدته وأثّر فيك؟

المرة الأخيرة التي تأثرت فيها كانت قبل الأسابيع الثلاثة من موت عبّاس كيارستمي؛ حيث شاهدنا أفلامه القصيرة الأخيرة التي أخرجها في بيته، وقد أثّرت فيّ، حقّاً احترمت عبّاس، وكانت لدينا صداقةٌ طيّبة، إنّه المعلم.


المصدر: A Conversation with Asghar Farhadi




البرازيل.. محطة الإمارات الجديدة في رسالة التسامح والأخوة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
84
عدد القراءات

2019-06-25

تواصل دولة الإمارات العربية إشاعة التسامح والأخوة في كافة أنحاء العالم، في إطار مبادرات عام التسامح، الذي أطلقته دولة الإمارات، برعاية رئيس الدولة.

واختارت هذه المرة دولة البرازيل، لتكون موطن وثيقة "الأخوّة الإنسانية"؛ حيث نظّمت قنصلية الإمارات في ولاية ساو باولو البرازيلية، فعالية التسامح والأخوة لجميع الأديان في البرازيل، للالتفاف حول مائدة حوار مشتركة حضرها عدد كبير من كلّ الأطياف والأديان الموجودة في البرازيل وفق وكالة "وام".  

   دولة الإمارات العربية تنظّم فعالية التسامح والأخوة بين الأديان في عاصمة البرازيل

ووقَّع خلال الفعالية، الإمام الشيخ محمد البقاعي، والكردنيال دون أوديلو شيرير، رئيس أساقفة ولاية ساو باولو، ممثلاً عن الطائفة الإسلامية، على وثيقة "الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك"، وسط حضور من رجال الدين والسلطات البرازيلية، وبعض من نواب مجلس الشعب، وعدد من القناصل والأكاديميين والصحفيين، الذين أكّدوا أهمية المبادرة، خاصّة لشعب كبير ومتعدّد الأديان والثقافات مثل شعب البرازيل.

وقال قنصل عام دولة الإمارات، إبراهيم سالم العلوي، في ولاية ساو باولو: إنّ "هذه المبادرة ماهي إلا سلسلة متواصلة من مبادرات دولة الإمارات، تأكيداً منها على إرساء قواعد الإخاء والمشاركة، ومحاربة التطرف ونبذ العنف واحترام جميع الأديان، موجهاً الشكر للقيادة الرشيدة في الدولة، التي أعطتهم الفرصة لنشر تلك الثقافة في جميع أنحاء العالم، متقدماً بالشكر للحضور من جميع الطوائف والأديان الذين لبّوا الدعوة.

بدورهم، وجه الحضور الشكر لقيادة دولة الإمارات على ما تقوم به من مبادرات، من شأنها نشر التسامح والمحبة والسلام بين الجميع.

 

 

 

المغرب في مواجهة الإرهاب.. آخر عملياته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
89
عدد القراءات

2019-06-25

أعلنت السلطات المغربية، اليوم، تفكيك خلية إرهابية تابعة لتنظيم داعش الإرهابي، في مراكش، كانت تخطط لتنفيذ هجمات ضدّ أهداف عسكرية ومدنية.

وأكدت أجهزة الأمن المغربية؛ أنّ "الخلية التي قُبض على أفرادها في منطقة الحواز، تتكون من 4 إرهابيين، أعمارهم بين 25 و40 عاماً، موالين لتنظيم داعش".

ضُبطت بحوزة الإرهابيين بقايا مواد كيميائية وسوائل مشبوهة ومعدات تمّ استعمالها لتحضير مواد متفجرة

وضبطت الأجهزة الأمنية بقايا مواد كيميائية وسوائل مشبوهة ومعدات تم استعمالها لتحضير مواد متفجرة، بحوزة أحد أفراد هذه الخلية، وفق ما أوردت موقع "هسبريس" المغربي.

وشملت قائمة المضبوطات أيضاً: معدات إلكترونية، وأسلحة بيضاء، ومنظاراً، ومبالغ مالية، ودراجة نارية.

وكشفت التحقيقات الأولية؛ أنّ "زعيم هذه الخلية الإرهابية، استقطب باقي أفراد المجموعة، وأدار علاقات مشبوهة مع عناصر تنشط بالخارج بهدف التخطيط والإعداد لتنفيذ عمليات إرهابية خطيرة في المغرب باستعمال عبوات ناسفة".

وشدّدت الأجهزة الأمنية على أنّه "سيتم تقديم المشتبه فيهم إلى العدالة، فور انتهاء التحقيقات التي تجرى معهم حالياً تحت إشراف النيابة العامة المختصة".

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تفكيك خلية داعشية، خلال حزيران (يونيو) الجاري؛ إذ نجحت السلطات المغربية، مطلع الشهر الجاري، في تفكيك خلية داعشية في الرشيدية وتنغير، كانت بصدد الإعداد لتنفيذ اعتداءات إرهابية.

ونجحت السلطات أيضاً، في 18 حزيران (يونيو)، في تفكيك خلية إرهابية بمدينة تطوان كانت تخطط لتنفيذ عمليات إرهابية.

ومنذ قتل سائحتين أوروبيتين بالمغرب، أواخر العام 2018، تشنّ السلطات المغربية ملاحقات أمنية واسعة ضدّ الخلايا التابعة لتنظيم داعش الإرهابي.

 

داعش على الحدود الأمريكية!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
60
عدد القراءات

2019-06-25

حذّرت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، أمس، من احتمال وجود عناصر لتنظيم داعش الإرهابي في أراضي المكسيك، جارة الولايات المتحدة.

وأكّدت الشرطة المكسيكية؛ أنّها تلقت بلاغاً من أمريكا يؤكد أنّه تمّ رصد المواطنَيْن المصريَّيْن: إبراهيم محمد، ومحمد عيسى، والمواطن العراقي أحمد غانم محمد الجبوري، الذين يشتبه بانتمائهم لـتنظيم داعش الإرهابي، في بنما، في 12 أيار (مايو) الماضي، ثم في كوستاريكا، في 9 حزيران (يونيو) الجاري"، حسبما نقلت شبكة "روسيا اليوم" عن موقع "إكسيلسير" المكسيكي.

أمريكا تحذّر السلطات المكسيكية من احتمال وجود عناصر لتنظيم داعش الإرهابي في المكسيك

وأشار البلاغ إلى أنّ الإرهابيَّيْن المصريَّيْن غير معروف، ولا يستبعد احتمال وصولهما إلى أراضي المكسيك، بينما تمّ توقيف العراقي في كوستاريكا.

وترجّح السلطات الأمريكية أن تكون وجهة المصريين الولايات المتحدة.

وكان قد كشف الجنرال الروسي، فلاديمير شامانوف، في تصريح لوكالة "نوفستي"؛ أنّ "الإرهابيين المهزومين في سوريا والعراق يحاولون الانتقال إلى أمريكا الجنوبية، والجزء الشمالي من أفغانستان".

وقال الجنرال شامانوف، الذي يترأس لجنة الدفاع في مجلس النواب الروسي (الدوما): "هناك معلومات استخباراتية محددة، تؤكّد أنّ الإرهابيين يتوجهون نحو أمريكا الجنوبية، ليكونوا قريبين من الولايات المتحدة".

يذكر أنّ الحدود الأمريكية من جهة المكسيك تتعرض للكثير من الخروقات يومياً، من قبل مهرّبي البشر، مما دفع الرئيس الأمريكي إلى طلب بناء جدار على طول حدود بلاده مع المكسيك، للحدّ من موجات النزوح وتهريب البشر.

 




طارق أبو هشيمة: الفتوى أخطر أسلحة التنظيمات الإرهابية

82
عدد القراءات

2019-06-25

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال مدير المؤشر العالمي للفتوى، طارق أبو هشيمة، إنّ هذا المؤشر التابع لدار الإفتاء المصرية فكرة فريدة ليس لها سابقة من قبل في دُور الفتوى في العالم، مضيفاً، في حواره مع "حفريات" أنّ هذه الآلية البحثية التابعة لدار الإفتاء المصرية، تعتمد أحدث آليات التحليل الإستراتيجي والإحصائي، من خلال مجموعة كبيرة من الباحثين والمترجمين.

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) الأول من نوعه في قياس حالة الفتاوى بكافة أرجاء العالم

وأوضح، رئيس وحدة الدراسات الإستراتيجية في دار الإفتاء المصرية، أنّه رغم قلة نسبة الفتاوى غير المنضبطة إلا أنّها تشكّل خطراً بـ "اتخاذها ذريعة لخطابات الجماعات المتطرفة، ورافداً من روافد الإلحاد من ناحية أخرى".
وأكد أبو هشيمة أنّ المؤشر كشف التناقض الفكري لفتاوى الإخوان المسلمين قبل وبعد وجودهم بالسلطة في مصر، مشدداً على الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية، ومجابهة الإرهاب الإلكتروني؛ وأنّ "العقل المتطرف شديد التعقيد وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة".

وهنا نص الحوار:
دور المؤشر العالمي للفتوى

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) هو آلية بحثية تابعة لدار الإفتاء المصرية
بدايةً، هلاّ عرّفتنا ما هو المؤشر العالمي للفتوى وآلية عمله وأهميته؟

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) هو آلية بحثية تابعة لدار الإفتاء المصرية، يرصد ويحلل الحقل الإفتائي العالمي، وفق أحدث آليات التحليل الإستراتيجي والإحصائي، وهو الأول من نوعه في قياس حالة الفتاوى بكافة أرجاء العالم، وهي فكرة فريدة ليس لها سابقة من قبل في دور الفتوى في العالم.

اقرأ أيضاً: "الاحتطاب" في تونس: الجماعات الإرهابيّة تسطو وتسرق بفتاوى شرعية
أما عن آلية عمل المؤشر لدينا؛ فكما هو موضح من خلال الاسم، لدينا مجموعة كبيرة من الباحثين والمترجمين يقومون برصد وتحليل الفتاوى تحليلاً دقيقاً، من خلال التحليل الكيفي والكمّي، وتكمن أهمية ذلك في إيجاد مؤشر يكون بمنزلة "الترموميتر" لقياس حالة الفتوى على نحو دقيق مبني على أسس علمية وإحصائية دقيقة.

كيف تواجهون فتاوى المتطرفين والتنظيمات الإرهابية استناداً إلى مؤشر الفتوى؟
تستحوذ فتاوى التنظيمات المتطرفة على نصيب الأسد في مؤشر الفتوى، لما تمثله من خطورة وما يترتب عليها من أحداث، وبما أنّ مجابهة فتاوى التنظيمات المتطرفة هي من أولويات دار الإفتاء المصرية، فإنّ المؤشر يفرد لها مساحة لرصد فتاوى (تنظيم داعش والإخوان وجبهة النصرة وأنصار بيت المقدس والقاعدة وحزب التحرير وغيرها)، وذلك من منصاتهم الإعلامية ومجلاتهم الدورية وإصداراتهم المرئية والمسموعة؛ وذلك للوقوف على الداء العضال الذي أصاب كثيراً من فتاواهم، والتي يطوّعها قاداتهم لتنفيذ أجنداتهم وأهدافهم المسمومة.

اقرأ أيضاً: "مؤشر الفتوى"... هل يضبط فوضى الفتاوى عالمياً؟!
فلك أن تتخيل مثلاً؛ أنّ "فتاوى النكاح" تصدّرت فتاوى المرأة عند تنظيم داعش الإرهابي، بنسبة (61%)، معظمها دار حول ظاهرة زواج القاصرات، وأن (90%) من أحكام فتاوى التنظيمات المتطرفة تؤيد الظاهرة ذاتها، وهذه النسب والإحصائيات هي ما توصل إليها المؤشر العالمي للفتوى مؤخراً.

العقل المتطرف شديد التعقيد وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة

ما ردكم على اتهامات "تسييس" الفتاوى الرسمية؟
أي عمل لا بدّ من أن يدعم الدولة والوطن، حتى لو كان فكريّاً، ولا شكّ في أنّ لكلّ عمل هادف ومؤسسة إفتائية ناجحة مغرضين يرون أنّ أيّة فتوى تخدم الوطن هي عمل موجه سياسيّاً، وهذا دأبهم، فهم لا يعملون للأوطان، إنما يخدمون تنظيماتهم وجماعاتهم، ولا بدّ لأي مؤسسة من أن تهدف للحفاظ على الإنسان والبنيان؛ فالانتماء للوطن لا ينفي الانتماء للأمة الإسلامية، ومصالح الأوطان ليست بمعزل ومنأى عن مصالح الأديان؛ لأنّها دوائر متداخلة، وكما قال عالم الاجتماع الفرنسي، إميل دوركهايم، فإنّ المؤسسة الدينية هي القادرة وحدها على أن توحّد البشر في مستوى مشاعرهم وتصرفاتهم.

تستحوذ فتاوى التنظيمات المتطرفة على نصيب الأسد في مؤشر الفتوى لما تمثله من خطورة

أما عن أبرز الفتاوى التي رصدها مؤشر الفتوى، وكانت بحسب الحاجة والمصلحة، كانت فتاوى جماعة الإخوان حول مناسبة عيد الأم، فقد أفتوا بعدم جواز الاحتفال قبل وجودهم بالسلطة بمصر، لكنهم أثناء وجودهم في السلطة، أفتوا بجواز الاحتفال به؛ بل وحثّوا الناس عليه، حتى وصل بهم الأمر إلى توزيع البطاقات الملونة على المصلين داخل المساجد أثناء خطبة الجمعة.
الفتوى سلاح مهم جدّاً في يد التنظيمات الإرهابية، فهي بمثابة "سيف المعز وذهبه"، فهي سيف يُشهر في وجه المخالف، وذهب ينثر على رأس المؤيد والموافق، فهي مكمن السلطة داخل هذه التنظيمات.
ما أبرز النتائج التي توصلتم إليها خلال العام الماضي حول الفتاوى؟
أطلق المؤشر العالمي للفتوى نتائجه في مؤتمر دار الإفتاء العالمي، تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مجموعة من النتائج، أهمها؛ أنّ نسبة الفتاوى المنضبطة في العالم، خلال العام 2018، كانت (87%)، ونسبة الفتاوى غير المنضبطة (13%) (سواء كانت متساهلة أو متشددة).
ورغم أنّ الفتاوى غير المنضبطة تُمثل نسبة ضئيلة، غير أنّها تشكّل خطراً من ناحيتين: الأولى أنّها تعدّ سبباً وذريعة لخطابات الجماعات المتطرفة، والثانية: أنّها تُمثّل رافداً من روافد الإلحاد، وتفتح باباً له في عقول الشباب، كما أنّ الفتوى المصرية شكّلت (40%) من إجمالي الفتاوى المرصودة في العالم خلال العام ذاته.

اقرأ أيضاً: فتاوى آثمة وضالة ومتكررة
أما عالميّاً؛ فكانت أهم النتائج؛ أنّ (35%) من الفتاوى الأوروبية تنمّي ظاهرتي "الإسلاموفوبيا" والتطرف، وأنّ الفتاوى الأوروبية تمثل (4%) من جملة الفتاوى في العالم.
مواجهة العقل المتطرف

الإخوان أفتوا بتحريم الاحتفال بعيد الأم لكنهم أجازوه أثناء وجودهم في السلطة
بالإضافة إلى الرصد والدراسات الوصفية ما الذي قمتم به لمواجهة الفكر المتطرف؟

العقل المتطرف عقل شديد التعقيد، ليس لما يحمله من أفكار، إنما لما يحمله من متناقضات، وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة متشابكة الأسلاك، هو يحمل الشيء ونقيضه في آن واحد، وطريقة التعامل مع هذا العقل، تتطلب عمليتين "الإزاحة والإحلال"، إزاحة الأفكار القديمة وإحلال أخرى جديدة.

تنظيم داعش الأكثر استخداماً لتطبيقات الهواتف المحمولة، بنسبة (50%)، تلاه حزب التحرير بنسبة (35%)، ثم القاعدة بنسبة (15%)

وعليه؛ فإننا نستدرج المتطرفين فكريّاً لملعبنا، كما نخاطب الناس العاديين المتعاطفين مع أفكار التنظيمات الإرهابية للحيلولة دون حملهم السلاح أو تأثرهم فكريّاً، ومن ثم نمنع حامل الفكر من أن يدخل في دائرة حمل السلاح، وممارسة العنف، وهو هدف لو تعلمون عظيم نرجو أن يستمر، فما أنفع لك حين تمنع شخصاً من أن يكون مفسداً في الأرض.
المؤشر العالمي تصدى بشكل كبير لإصدارات التنظيمات المتطرفة في الفتاوى، وفنّدها، وردّ على الأباطيل التي تروجها تلك التنظيمات، فنحن نتابع بشكل مستمر مقالات وردوداً، بعددٍ من اللغات، للردّ عليها، وهو أمر، لا شكّ في أنّه يؤكد أهمية العمل ذاته.
كما أنّنا عن طريق تفكيك الخطاب الإفتائي بشكل عام، والوقوف على نقاط القوة والضعف فيه، نساهم في تجديد الفتوى ومن ثم تجديد الخطاب الديني لإنتاج خطاب إفتائي رشيد، بعيد عن الفوضى والعشوائية.

لم يعد خافياً أنّ الفتاوى سلاح داعش في معركة البقاء، كيف تشخّصون خط الفتوى للتنظيم؟

الفتوى أهم سلاح للتنظيمات المتطرفة في كافة معاركها بين الحشد والهزيمة؛ فتمويل التنظيمات يكون بفتوى، والقتل والتفخيخ والتفجير بفتوى، واستباحة الأنفس والأعراض والأموال بفتوى، فتنظيم داعش الإرهابي يستغل سلاح الفتاوى في تحريك وصناعة الأحداث؛ لذا نجده يطوِّع الفتوى لتحقيق أهدافه التي تخدم أجندته بنسبة تصل إلى (90%)، وقد تتبع المؤشر العالمي للفتوى خطًّاً زمنيّاً لفتاوى التنظيم منذ نشأته وتكوينه، حتى بوادر هزيمته الأخيرة، وأظهر أنّ أبرز فتاوى الحشد تمثّلت في: "طاعة القائد والخليفة، واستغلال النساء والأطفال، وسرقة ونهب ممتلكات وآثار الدول، واللجوء لإباحة العملات الرقمية المشفرة لمزيد من البقاء وتمويل عناصر التنظيم، ونسف الهوية الوطنية".

اقرأ أيضاً: من يحمي ضحايا فوضى الفتاوى في المغرب؟
في حين كانت أبرز فتاوى بوادر هزيمة التنظيم، في أكثر من مكان على الأرض: "الثبات، والصبر، والتبرع بالأموال، والانقلاب على القائد، والتذكير بالشهادة، ودخول الجنة، والحور العين".

إلى أي مدى يمكن أن يمضي داعش في معركة البقاء فكرياً ومادياً؟

إنّ إعلان هزيمة تنظيم داعش بصورة نهائية لا تعني موت التنظيم موتاً تامّاً، فقط ما تمّ هو إزاحته من جميع المناطق التي كان يسيطر عليها منذ العام 2014، أما أفكاره، فلم يتمّ اجتثاثها بصورة كبيرة، وأرى أنّ الأفكار هي ما تشكل الأخطر والأهم في معركة البقاء مع هذه التنظيمات الإرهابية.

حلّل مؤشر الفتوى الرسوم الكاريكاتيرية التي احتوى مضمونها على قضايا دينية

تنظيم داعش فعلًا لم تكتب شهادة وفاته بعد، فقد انتقل إلى مناطق رخوة في بعض الدول، فهو بمثابة خلية سرطانية في الجسد، عندما تحاربها تنتقل من منطقة الهجوم إلى منطقة أكثر أماناً، أو ما تعارف عليه بـ"إستراتيجية سمكة الصحراء أو سمكة الرمال"؛ حيث تقوم هذه الإستراتيجية على انسحاب التنظيم من أماكن يتعرض فيها لضربات عنيفة، وهجمات متتالية، إلى أماكن جديدة غير متوقعة من قِبل خصومه؛ ليُشكّل بذلك منطقة نفوذ جديدة، يضمن فيها مزيداً من الأتباع، ومزيداً من الموارد المادية التي تساعده على استكمال أهدافه، وعلى الدول التكاتف والاتحاد واتخاذ الخطوات اللازمة لمجابهته قبل إعادة ترتيب أوراقه من جديد.
من الأمور الإيجابية لهزيمة داعش مؤخراً؛ خسارته لكثير من الموارد المالية التي كان يحصلها جراء سيطرته على البترول وتحصيل الأموال، من أهل المنطقة، التي وصلت إلى 88 ألف كيلومتر مربع، والتي كانت تعدّ بالمليارات، وهذه الخسارة ستفقد التنظيم الكثير من وجوده على أرض الواقع، إلى جانب أنها ستصيبه بالإنهاك، وتفقده القدرة على مواصلة الحروب ضدّ الدول التي يخوض معها معارك طويلة.

اقرأ أيضاً: حوار مع أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية حول فوضى الفتاوى وتجديد الخطاب الديني
بوجود مجموعة خطوات احترازية لمواجهة التنظيم الذي انتقل الآن من خانة العدو الظاهر إلى خانة العدو الخفي، وعودته ورجوعه لمنطقة الحشد من جديد، وهذا الحشد متمثل في السيطرة على عقول الشباب، من خلال بثّ مفاهيم خاطئة في عقولهم، منوهاً إلى أنّه لتجنّب عودة التنظيم من جديد لا بدّ من سيطرة الدول على المناطق الهشّة، والتي تبعد عنها السيطرة الأمنية بصورة كبيرة؛ حيث تُعدّ هذه المناطق بيئة خصبة لعودة هذه التنظيمات إلى الساحة من جديد.
وكذلك ضرورة وجود آلية للردّ على كلّ الشائعات التي تروج على مدار الساعة؛ لأنّ هذه التنظيمات تستغل هذه الشائعات في استقطاب الشباب، والتي تربطها بالقضايا التي يعيشها المواطن على مدار اليوم؛ حيث تأخذ هذه التنظيمات تلك الشائعات وتنسج عليها حالة من الضجر واليأس والإحباط لدى شرائح الشباب.

اقرأ أيضاً: آخر فتاوى الداعية الجزائري المثير للجدل شميسو
لا بدّ من الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية، ومجابهة الإرهاب الإلكتروني؛ لأنّ وسائل التواصل تعدّ الملاذ الأخير لهذه التنظيمات لنشر أفكارهم الهدّامة، فالتنظيمات الإرهابية تؤمن بأنّ بقاءها على وسائل التواصل سيضمن لها الدعم ليس في دولة واحدة؛ بل في دول عديدة، وبالتالي لا بدّ من رقابة على المحتوى الإلكتروني، إلى جانب السعي لتنقيتها من الأفكار المتطرفة والشاذة، حتى لا نترك باباً لهؤلاء المتطرفين يصلون من خلاله إلى عقول الشباب.
مسايرة التطور

لا بدّ من الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية ومجابهة الإرهاب الإلكتروني
ما أحدث تقاريركم الإستراتيجية؟ وكيف تسايرون الجديد على الساحة الدينية والإفتائية؟

لقد قدمنا عملاً جديداً من نوعه، لاقى إشادات داخلية وخارجية، فقد حلّل مؤشر الفتوى الرسوم الكاريكاتيرية التي احتوى مضمونها على قضايا دينية بشكل عام، وفتاوى على وجه الخصوص، على مدار عام، وتوصل إلى أنّ (15%) من رسوم الكاريكاتير المتداولة في المواقع الإلكترونية والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، وإصدارات التنظيمات الإرهابية ركزت على قضايا الشأن الديني بشكل عام، وأنّ (70%) منها ألقت الضوء بشكل مباشر على الفتاوى في كافة أرجاء العالم.

اقرأ أيضاً: الفتاوى بين التوظيف السياسي وفخ التناقضات

وعالميّاً؛ تضمن آخر تقاريرنا أسباب حذف موقع البحث الشهير "جوجل" لتطبيق "الدليل الفقهي للمسلم الأوروبي"، أو ما يسمى بـ"يورو فتوى"، التابع للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وكشفنا أنّ تنظيم داعش هو الأكثر استخداماً لتطبيقات الهواتف المحمولة، بنسبة (50%)، تلاه حزب التحرير بنسبة (35%)، ثم القاعدة بنسبة (15%)، وبرهنا بالدليل على أن تلك التنظيمات تستخدم هذه التطبيقات كآلية قوية لنشر أفكارها، وتحقيق خططها وأهدافها.

خطط مستقبلية

تجنيد الأطفال
لم يعد خافياً استراتيجية التنظيمات الإرهابية بتجنيد الأطفال، كيف نحصّن الأجيال الصغيرة من التطرف؟

لقد وضعت هذه التنظيمات الإرهابية إستراتيجية بعيدة المدى من خلالها تستبدل بمشاعر البراءة مشاعر الكراهية والحقد والثأر في نفوس النشء ضدّ العالم خارج التنظيم، وقد اتبعت في ذلك مجموعة من الآليات لتنفيذ هذه الإستراتيجية، كان – وما يزال – أهمها؛ سلاح الفتاوى، الذي يحوّل الطفل البريء إلى قاتل صغير.

ثمة مغرضون يرون أنّ أيّة فتوى تخدم الوطن هي عمل موجه سياسيّاً

أما عن روافد تلك التنظيمات في الحصول على الأطفال المقاتلين في صفوفها؛ فإنّها تكون من خلال روافد ثلاثة، الأول (بنسبة 66%)؛ وهو الأطفال من أبناء مقاتلي التنظيمات، والثاني (بنسبة 24%)؛ وهو الاختطاف والأَسر، والثالث (بنسبة 10%)؛ وذلك عبر الخداع والاستقطاب.
ونحن نرى أنّ روشتة تحصين النشء من التطرف تكمن في تنظيم دورات تدريبية لهم حول المفاهيم الصحيحة للدين الإسلامي بغرض عدم التأثر بأية مؤثرات خارجية قد تحمل تطرفاً أو عنفاً، وإعداد دورات لتأهيل الأطفال المتضررين من العمل الإرهابي.
وقبل ذلك كلّه؛ ضرورة إصدار فتاوى استباقية للتحذير من ظواهر سلبية خاصة بالطفل، مثل: التنمر واختطاف الأطفال وبيع أعضائهم، إضافة إلى المراقبة الأسرية لألعاب الأطفال الإلكترونية، لما ثبت من أضرار هذه الألعاب على الأطفال الصغار.

هل هناك خطوات لدار الإفتاء في المرحلة المقبلة تجاه الحوادث الإرهابية الواقعة في حقّ المسلمين بالخارج؟
لا شكّ في أنّ الحوادث الإرهابية التي تقع بحقّ المسلمين تكون، في جزء كبير منها، نتاج معلومات مغلوطة بشأن الإسلام والمسلمين، وصورة مشوهة لشخص المسلم المسالم غير المتبني للعنف، وعلى الدول الغربية، مراعاة ذلك بمجموعة من الإجراءات.

المؤشر العالمي للفتوى توصل إلى أنّ نسبة الفتاوى المنضبطة خلال 2018 كانت 87%

لذا؛ فقد حثّ المؤشر العالمي للفتوى الدول الغربية، بالتعاون مع الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، لتبني مناهج تعليمية ومقررات دراسية ونشرات دعوية تنشر الإسلام الصحيح، هذا إلى جانب عزم دار الإفتاء على نشر مبادئ الدين الإسلامي الصحيح عبر صفحاتها المترجمة للغات غير العربية، في مواقع التواصل الاجتماعي، بصورة مستمرة، لتعريف العالم بالإسلام الصحيح البعيد عن أيّ تشويه، وغير المرتبط بتنظيمات أو جماعات أو أفكار فردية، إلى جانب إيفاد الخطباء والدعاة المعتدلين لمسلمي الغرب، وهو الدور الذي تقوم به الدار فعلياً، فهؤلاء المسلمون هم من يمثلون الإسلام في هذه البلاد البعيدة، وهم رسل الدين، فبسماحتهم يتعلم الغرب المعنى الصحيح للدين، ويتم القضاء على صورة المسلم المشوّهة في ذهن غير المسلم.

هل من جديد عن المؤتمر العالمي للإفتاء الذي تعقده دار الإفتاء كلّ عام؟

من المقرر، إن شاء الله، أن تعقد دار الإفتاء المصرية، تحت مظلة الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، مؤتمرها العالمي السنوي، في منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2019، ويعقد هذا العام تحت عنوان "الإدارة الحضارية للخلاف الفقهي"، وسيتناول العديد من القضايا الفقهية المهمّة.

الإمارات صوت لسلام المنطقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
37
عدد القراءات

2019-06-25

منى بوسمرة

سياسات الإمارات الخارجية، ارتكزت تاريخياً، على مبدأ الحلول السياسية، في مواجهة الأزمات، والتوترات، وهذا أهم مبدأ تثبته مواقف الدولة، في كل موقع.

كنا هكذا في ملف اليمن، وفي بقية الملفات، بما في ذلك ملف التوترات في الخليج العربي، والذي يعود إلى مواقف الدولة في المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية والعربية، إضافة إلى تصريحات كبار المسؤولين، والدبلوماسية الإماراتية، يجد بكل وضوح أن الإمارات، لا تؤمن بالحلول العسكرية للنزاعات، وتحض على تجنب الصراعات، وتدعو دوماً إلى إطفاء محاولات التصعيد، من أجل تحقيق الاستقرار.

هذا هو موقف الإمارات، وهو موقف لم يأتِ تعبيراً عن ضعف، بل تعبيراً عن قوة ومكانة واقتدار، وإيماناً بكون التوترات تضر الازدهار، وتمس استقرار الشعوب.

ملف توترات الخليج العربي، شهد مواقف إماراتية بارزة، ونحن كنا دوماً، نعبر عن أهمية الحلول السياسية، وفي الوقت ذاته، لا نقبل أن يتم مس أمن المنطقة، ولا استقرارها، إذ إن الدعوات للحوار والحلول السياسية، لا تعني في أي حال من الأحوال السكوت عن محاولات زعزعة أمن المنطقة، والإضرار بمقدرات شعوبها، وهذا يعني أن دعوات الدولة للحلول السياسية، تتوازى معها، الدعوة لردع الإرهاب، والحزم لاجتثاث خطره، وخصوصاً، حين لا تتوقف الأطراف الداعمة لهذا الإرهاب عن ممارساتها.

أمام هذا الصوت الداعي لسلام المنطقة، والسياسة الإماراتية العقلانية، التي تتطابق أيضاً مع سياسات لدول عربية وعواصم دولية وازنة، رأينا كيف لا تتوقف إيران، عن استفزاز المنطقة، وتهديد العالم، إذ يغيب فيها ما يمكن وصفه الصوت العاقل، ولا تظهر أي دعوات متزنة في مراكز القرار فيها، وتجنح نحو التوتير المستمر، وتجر شعبها البريء، نحو صراعات مكلفة، يدفع فيها أبرياء الإيرانيين الثمن، نتيجة للخفة التي تتسم بها هذه السياسات.

لقد عبرت الإمارات، مراراً، عن موقفها لوقف التصعيد في الخليج العربي، وهو تصعيد يمس أمن العالم كله، فهذه المنطقة هي قلب العالم، وشريانه، ونبضه، وما كتبه معالي الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، في تغريدته الأخيرة، يعبر بوضوح عن هذه السياسات، وخصوصاً، حين تتجدد الدعوة لوقف التصعيد، وإيجاد حلول سياسية، لازمات المنطقة، بدلاً من التوترات التي تهدد المنطقة بأسرها.

لقد آن الأوان لأن تمتثل إيران لدعوات العالم إلى الحوار والمفاوضات، مثلما جاء في تغريدة الدكتور قرقاش، وهذه الدعوات التي تؤيدها القوى المعتدلة والمؤثرة في العالم، بنيت على أساس واضح، من الإدراك العميق بكون التوتير والتصعيد، لن يؤديا إلا لمزيد من الخسائر الكبيرة، والحروب التي لا يريدها أحد.

لقد تعبت المنطقة العربية والإسلامية، من عشرات الحروب الصغيرة والكبيرة، التي ابتليت بها بسبب الصراعات الكبرى، أو النزاعات الدينية والمذهبية والطائفية، أو الصراعات على السلطة، ولم تكسب المنطقة، أي شيء، من حروب المائة عام الأخيرة، وبين أيدينا أرقام مذهلة حول خسائر المنطقة، على صعيد الإنسان وثرواته ومستقبله، فوق الخسائر التي لا يمكن حسبانها بالأرقام، ولا تقديرها بالمال، فهي خسائر تحفر عميقاً في شخصية أبناء المنطقة ووجدانهم وأحلامهم.

لا حل لهذه الأزمات، سوى الحل السياسي، ولا بد من تحرك جماعي، من أجل إطفاء نيران هذه الأزمات، وأن تتوقف إيران عن إشعال أزمات جديدة، وأن يجلس العالم، إلى مائدة التفاوض والحوار، من أجل حل ينشد السلام والاستقرار.

عن "البيان" الإماراتية

استطلاع: معظم الأمريكيين يخافون من كل ما هو "عربي"

102
عدد القراءات

2019-06-25

ترجمة: محمد الدخاخني


هل يجب أن يتعلّم الأمريكيّون، ضمن مناهجهم المدرسية، الأرقام العربية؟

الرئيس التنفيذي لشركة الاستطلاعات وصف النّتيجة بأنّها أتعس وأطرف شهادة على التعصب الأمريكي نراها في بياناتنا

طرحت سيفيك ساينس، وهي شركة أبحاث مقرها بيتسبيرغ، هذا السؤال مؤخراً على نحو 3,200 أمريكي ضمن استطلاع يدور، على ما يبدو، حول الرياضيات، لكن النتيجة كانت مقياساً لمواقف الطلاب تجاه العالم العربي. وقد قال حوالي 56 بالمائة من المُستطلَعين "لا". ولم يصرح 15 بالمائة منهم بأي رأي.

هذه النتائج، الّتي أثارت بسرعة أكثر من 24,000 تغريدة، ربّما كانت لتختلف بشكل حادّ لو أوضح المستطلِعون ماهيّة "الأرقام العربيّة".
هناك 10 منها، هي: 0، 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8 ، 9.
تلك الحقيقة دفعت جون ديك، الرّئيس التّنفيذيّ لشركة الاستطلاعات، إلى وصف النّتيجة بأنّها "أتعس وأطرف شهادة على التّعصّب الأمريكيّ نراها في بياناتنا".

اليوم تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة
يُفترَض أنّ الأمريكيين الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة (وكانت نسبة الجمهوريّين بينهم أكبر من الديمقراطيين) يفتقرون إلى المعرفة الأساسيّة بماهيّة هذه الأرقام، ولديهم أيضاً بعض النّفور من أيّ شيء قد يُوصف بأنّه "عربيّ".
إنّه أمر محزن ومضحك بالفعل - وأيضاً سبب للتّوقّف وطرح سؤال بسيط: لماذا يُدعى النّظام العدديّ الأكثر كفاءة في العالم، والأكثر معياريّة في الحضارة الغربيّة، بـ"الأرقام العربيّة"؟

اقرأ أيضاً: الإسلام في أوروبا: اختراق "القارة العجوز" وصعود الإسلاموفوبيا
يأخذنا الجواب على ذلك إلى الهند في القرن السّابع؛ حيث طوِّر النّظام العدديّ، الّذي تضمّن الصّياغة الثّوريّة للصّفر. وبعد حوالي قرنين من الزّمان، انتقل إلى العالم الإسلاميّ، الّذي كانت عاصمته الرّائعة، بغداد، آنذاك أفضل مدينة في العالم يتابع فيها المرء حياته الثّقافيّة. وهناك، طوَّر عالم مسلم فارسيّ، يُدعى محمّد بن موسى الخوارزميّ، تخصّصاً رياضيّاً يسمّى الجبر، ويعني حرفيّاً "لم شمل الأجزاء المكسورة".
وفي أوائل القرن الثّالث عشر، اكتشف عالم رياضيات إيطاليّ، يُدعى فيبوناتشي، درس الحساب على يد مُعلِّم عربيّ في إحدى دول شمال إفريقيا المسلمة، أنّ هذا النّظام العدديّ وطبيعته العشريّة أكثر عمليّة بكثير من النّظام الرّومانيّ، وسرعان ما نشره في أوروبا؛ حيث أصبحت الأرقام معروفة باسم "الأرقام العربيّة".

اقرأ أيضاً: كيف انتشرت ظاهرة الإسلاموفوبيا ومن غذّاها؟
وفي الوقت نفسه، صار عِلم الجبر يُعرف بـ"algebra"، وتطوَّر اسم الخوارزميّ إلى "algorithm".
اليوم، تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة؛ وقد تشتمل قائمة مختصرة على كلمات مثل: أميرال admiral، الكيمياء alchemy، الكُوَّة alcove، الإنبيق alembic [أداة تقطير]، القلويّ alkali، ملاط lute، ماسِك أو قِناع mask، موصلين muslin [نوع من الأقمشة]، نظير nadir، سُكر Sugar، شراب syrup، تعريفة tariff، ذروة zenith. ويعتقد بعض العلماء أنّه حتّى كلمة "check"، أي الورقة الّتي يتحصّل عليها المرء من أحد البنوك، تأتي من الكلمة العربية "صكّ"، والّتي تعني "وثيقة مكتوبة". (وتستخدم صيغة الجمع، "صكوك"، في الصّيرفة الإسلاميّة للإشارة إلى السّندات).

محمّد بن موسى الخوارزميّ
هناك سبب يرجع إليه امتلاك هذه المصطلحات الغربيّة لجذور عربيّة: بين القرنين الثّامن والثّاني عشر، كان العالم الإسلاميّ، عبر لغته المشتركة، العربيّة، أكثر إبداعاً من أوروبا المسيحيّة، الّتي كانت آنذاك تعيش أواخر عصورها الوسطى. كان المسلمون من الرّواد في الرّياضيّات والهندسة والفيزياء والفلك والأحياء والطّب والعِمارة والتّجارة، والأهم من ذلك، الفلسفة. ولا شكّ أنّ المسلمين قد ورثوا هذه العلوم من ثقافات أخرى، مثل؛ اليونانيّين القدماء والمسيحيّين الشّرقيّين واليهود والهندوس. ومع ذلك، فقد طوّروا هذه التّخصّصات من خلال ابتكاراتهم الخاصّة ونقلوها إلى أوروبا.

الأمريكيون الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة ونسبة الجمهوريّين بينهم كبيرة لديهم بعض نفور من أيّ شيء يُوصف بأنّه عربي

لماذا الخوض في هذا التّاريخ المنسيّ؟ لأنّ دروساً يمكن أن تستقى من ذلك، لكلّ من المسلمين وغير المسلمين.
ومن بين الأخيرين يأتي المحافظون الغربيّون، الّذين لديهم شغف بحماية تراث الحضارة الغربيّة، والّتي غالباً ما يعرّفونها على أنّها حضارة "يهوديّة-مسيحيّة" فقط. بالطّبع، الحضارة الغربيّة لديها إنجاز عظيم يستحقّ الحفاظ عليه: التّنوير، الّذي منحنا حرّيّة الفكر وحرّيّة الدّين وإلغاء العبوديّة والمساواة أمام القانون والدّيمقراطيّة.
ولا ينبغي التّضحية بتلك القِيَم لصالح القَبَليّة ما بعد الحداثيّة المسمّاة "سياسة الهويّة". لكنّ المحافظين الغربيين يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة. إنّ ثالث الدّيانات الإبراهيميّة العظيمة، الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث، وتكريم ذلك الإرث قد يساعد على إقامة حوار بنّاء مع المسلمين.

الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث
بالطّبع، أمامنا، نحن المسلمين، سؤال كبير يجب علينا الإجابة عنه: لماذا كانت حضارتنا ذات يوم خلّاقة، ولماذا فقدنا ذلك العصر الذّهبيّ؟
يجد بعض المسلمين إجابة بسيطة في التّقوى والافتقار إليها، معتقدين أنّ هذا التّراجع جاء عندما أصبح المسلمون "آثمين". ويفترض آخرون أنّ العظمة المبكّرة يمكن إرجاعها إلى القادة الأقوياء، الّذين يأملون في أن تتجسّد نماذج مماثلة لهم. ويجد البعض العزاء في نظريّات المؤامرة الّتي تُلقي بالّلوم على الأعداء في الخارج و"الخونة" في الدّاخل.
إليكم تفسير أكثر واقعيّة: كانت الحضارة الإسلاميّة المبكّرة مبدعة لأنّها كانت منفتحة. على الأقلّ، امتلك بعض المسلمين الرّغبة في التّعلُّم من الحضارات الأخرى. كان هناك مجال لحرّيّة التّعبير، وهو ما كان أمراً استثنائيّاً في ذلك الوقت. وقد سمح ذلك بترجمة ومناقشة أعمال فلاسفة يونانيّين كثيرين، مثل أرسطو، كما سمح لعلماء لاهوت من مختلف الأطياف بالتّعبير عن آرائهم، وأتاح للباحثين بيئة عمل مستقلّة. على كلّ حال، منذ القرن الثّاني عشر وما بعده، فرض خلفاء وسلاطين لهم طبيعة استبداديّة شكلاً أقلّ عقلانيّة وأقلّ قبولاً بالتّنوّع للإسلام. وهكذا تحوّل الفكر الإسلاميّ نحو العزلة والتّكرار والّلامبالاة.

وبحلول القرن السّابع عشر، في الهند المسلمة، كان أحمد السّرهنديّ، وهو عالم بارز عُرِف أيضاً باسم الإمام ربّانيّ، يمثّل منعطفاً دوغمائيّاً عندما أدان جميع "الفلاسفة" وتخصّصاتهم "الغبيّة". وكما كتب: "تأتي الهندسة بين علومهم المدوّنة والمنظّمة، وهي عديمة الفائدة تماماً. مجموع ثلاث زوايا في مثلث عبارة عن مجموع زاويتين قائمتين - ما الفائدة الّتي يمكن أن يعود علينا بها مثل هذا الكلام"؟

المحافظون الغربيون يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة

بالضّبط، لماذا حدث هذا الإغلاق المأساويّ للعقل الإسلاميّ، وكيف يمكن الانقلاب عليه، هو السّؤال الأكبر الّذي يواجه المسلمين اليوم. ويجب ألّا نفقد المزيد من الوقت من خلال ألعاب الإنكار والّلوم.
ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، يجب ألّا يخطئ الآخرون في الحكم على الحضارة الإسلاميّة من خلال النّظر إلى أسوأ منتجاتها، الّتي يشيع الكثير منها الآن. إنّها حضارة عظيمة قدّمت إسهامات كبيرة للبشريّة، لا سيّما الغرب.
ولهذا السّبب، حين تتّصل عبر هاتفك، تقوم باستخدام "الأرقام العربيّة". وهذا مجرّد غيض من فيض من الأفكار والقِيَم المشتركة بين الإسلام والغرب.


المصدر: مصطفى أكيول، النيويورك تايمز

الصفحة الرئيسية