برناردو برتلوتشي: الأفلام طريقتي لقتل الأب

990
عدد القراءات

2019-01-08

ترجمة: محمد الدخاخني


ذات ليلة باريسيّة ممطرة، عام 1970، كان برناردو برتولوتشي يقف خارج صيدلية سان جرمان، وذلك قبل حلول منتصف الليل بربع ساعة، كان في انتظار وصول مرشده، مخرج "الموجة الجديدة"، العظيم جان لوك غودار، من العرض الفرنسيّ الأوّل للفيلم الجديد للإيطالي، "المذعن"/ "The Conformist".

اقرأ أيضاً: "بلاش تبوسني": "توبة" الفنانين بعيون فيلم ساخر
"لم أتحدثّ عن ذلك منذ عشرات السّنين"، يقول برتلوتشي (1)، "لكن غودار كان معلّمي الروحي الحقيقي، تفهمني؟ اعتدت التفكير بأنّه كان ثمة سينما قبل غودار وسينما بعده، نحو قبل وبعد المسيح؛ لذلك عنى رأيه في الفيلم الكثير بالنسبة إلي".
إنّ "المُذعِن" عبارة عن تكييف لرواية ألبرتو مورافيا، التي تدور حول إيطالي يدعى مارشللو كليريتشي، يبلغ من العمر ثلاثين عاماً (يلعب دوره جان لوي ترنتينيان)، وهو مثقف مكبوت ينتمي إلى الطبقة العليا، يقوم الفاشيّون، خلال فترة حكم موسوليني، باستخدامه للذهاب إلى باريس، وقتل منشقّ سياسي كان معلمه السابق للفلسفة.

"المذعن"/ "The Conformist"
إنّه ليس مجرّد فيلم متورّط سياسياً، لكنّه أيضاً فيلم إثارة عصري، يشتمل على مطاردات بالسيارات، وجرائم قتل، وجنس، اعتقد برتولوتشي أنّها قد تروق للرجل الفرنسي، ومع حلول منتصف الليل، وصل غودار للموعد المحدّد.
يتذكّر برتولوتشي، بعد 37 عاماً من الحدث، ما حصل بالضبط بعد ذلك: "لم يخبرني بأيّ شيء، فقط منحني رسالة قصيرة ثمّ غادر، أخذت الرّسالة وكان مطبوعاً عليها صورة للرئيس ماو صحبة بضع كلمات لجان لوك، الذي نعرف خطّ يده من أفلامه. تقول الرسالة: "عليك أن تحارب الفردانية والرأسمالية"، كان ذلك ردّ فعله على فيلمي، كنت غاضباً جداً لدرجة أنّني قمت بكرمشتها ورميها تحت قدمي، آسف جدّاً أنني فعلت ذلك، فالآن أودّ لو كنت قد أبقيت عليها، كي أحتفظ بها كبقية من أثر".

اقرأ أيضاً: الفيلم الإيراني "اختفاء": الأجيال الجديدة في مواجهة الحرس القديم
لقد أثبت "المُذعِن"، رغم احتقار غودار له، أنّه واحد من أكثر أفلام فترة ما بعد الحرب تأثيراً؛ فمن خلاله، نظَر برتولوتشي مرّة أخرى في الماضي الفاشي لإيطاليا، ووجد اختلالاً وظيفياً (جنس-نفسيّ) في قلبها، وهو فيلم، برؤيته القاتمة للحافز البشري، صُنِع بوضوح في أعقاب الأحلام اليوتوبية الفاشلة لعام 1968، وكان مع ذلك فيلماً جريئاً، بصرياً ومعقداً، بنيوياً بقوّة، وبدونه ما كان لروائع فنية مثل: "العرّاب" (The Godfather)، و"القيامة الآن" (Apocalypse Now)، أن تُتَخيّل.

أثبت المُذعِن رغم احتقار غودار له، أنّه واحد من أكثر أفلام فترة ما بعد الحرب تأثيراً

لماذا تعتقد أنّ غودار لم يعجب بالمذعِن؟ سألتُ برتولوتشي، لقد كان الفيلم، رغم كلّ شيء، بشكل جزئي تشخيصاً لاذعاً لعقليّةٍ فاشيّة، "لقد تجاوزتُ الفترة التي كان يعتبر فيها التّواصل خطيئة مميتة، لكنّه لم يتجاوزها".
لكن قد يكون هناك سبب آخر وراء عدم إعجاب غودار بالفيلم؛ خلال الفيلم، يطلب كليريتشي رقم هاتف معلمه، المحكوم عليه بالموت، وعنوانه، "الرّقم كان لجان لوك، والعنوان كان له أيضاً، في شارع القديس جاك، وهكذا يمكنك أن ترى أنّني كنت المُذعِن الذي يريد قتل الراديكالي".
في الواقع؛ تعمّ الفرحة برتولوتشي من حقيقة أنّ جيلاً صاعداً من صانعي الأفلام قد رأى في صورته السينمائية مصدر إلهام، رغم كلّ الاحتقار الماويّ الذي كنّه غودار للمُذعِن، "ما جعلني دائماً أشعر بالفخر، حيث كاد وجهي يحمرّ خجلاً باعتزاز؛ أنّ فرانسيس كوبولا، ومارتن سكورسيزي، وستيفن سبيلبرغ، أخبروني أنّ المُذعِن هو مصدر الإلهام الحديث الأوّل بالنسبة إليهم".
ما الذي وجدوه ملهماً في الفيلم؟ إنّ بنيته الارتجاعية (flashback) المركّبة، والفوتوغرافيا الرمزية، المشفّرة بالألوان، لمدير التصوير الفوتوغرافي لبرتولوتشي، فيتوريو ستورارو، الذي سيستدرجه كوبولا في وقت لاحق إلى الفلبين ليحمل مواهبه بغية التّأثير في عمليّة تصوير القيامة الآن، والعديد من مشاهِده النموذجية، الفريدة والفائقة، تجد أصداء لها في كثير من الأفلام اللاحقة.

اقرأ أيضاً: "البرج".. فيلم كرتون نرويجي يجسد النكبة الفلسطينية
لكنّ "المُذعِن" يستحق التقدير، ليس من أجل تمهيده لروائع سينمائية مستقبلية، لكن من أجل نفسه، الكاميرا المشوشة المحمولة باليد، في المشهد الذي يجسّد قيام القاتل الفاشي بمطاردة عشيقة الشخصية المركزيّة عبر الغابة، التأطير البارد للمباني الفاشية المشهورة، مثل: الـ "إي يو آر" في روما، و"بالي دو طوكيو" في باريس، والزوايا التعبيرية في مشاهد زيارة المُذعِن لأمّه، غريبة الأطوار، وربّما أفضل ذلك كلّه؛ سلسلة اللقطات الحاذقة في مقهى باريسي؛ حيث يقود تردّد كليريتشي في المشاركة في رقصة فلورنسية حيوية إلى أن تحيط به دوّامة من الراقصين، تضيق عليه أكثر فأكثر، والمشهد كلّه مصوّر بطريقة مبتكرة من أعلى، إنّه نادراً ما كانت السينما شعرية جداً، وكذلك جريئة أو مشحونة بقوّة على هذا النحو، وسياساته الجنسيّة (التي ستكثر لاحقاً) لا تتحمّل الكثير من التدقيق، لكن بخلاف ذلك؛ سيكون هذا الفيلم بمثابة مصدر إلهام لسينمائيين، لا يعرفون برتولوتشي إلا من أفلامه المتأخرة، المحشوّة نسبيّاً، مثل: "الإمبراطور الأخير" (The Last Emperor)، أو "استراق الجمال" (Stealing Beauty)، أو "السماء الملجأ" (The Sheltering Sky).

ملصق إعلان "الإمبراطور الأخير"
إذاً، ما الذي يقع في قلب المُذعِن؟ مارشللو رجل ضعيف الإرادة يسعى للاندماج في الحشد، يختار أن يصبح قاتلاً فاشياً، وأن يتزوج امرأة برجوازية صغيرة ومادية، يصفها بأنّها "جيّدة في الفراش، جيّدة في المطبخ"، ولا ينبع ذلك من التزام سياسي، أو شهوة؛ بل لأنّ لديه (ظاهرياً) سرّ مخجل، إنّ رغبته في الإذعان، التي يكتشفها في آخر لقطة في الفيلم، تعود إلى حادث وقع في مراهقته؛ عندما حاول سائقه المثليّ إغواءه، فقام (كما اعتقدَ) بقتله بالرصاص.

اقرأ أيضاً: غاسبا نوي مخرج فيلم Climax: الجمهور لا يشغلني وفيلمي لا مكان له في أمريكا
يشرح برتولوتشي هذه الثيمة: "يفهم المُذعِن أنّ سبب بحثه المستميت عن الإذعان يعود إلى إدراكه أنّه مختلف، وأنّه لم يتقبّل اختلافه أبداً، في هذا المشهد الأخير، يفهم لماذا أصبح فاشيّاً، بل أسوأ الفاشيين جميعاً؛ لأنّه أراد أن يخفي وينسى ما يشعر به من اختلافات في وعيه العميق جدّاً، إنّ الأمر أشبه بإدراك أنّه حتى الفاشيين يمتلكون لاوعياً".
من الجدير بالذكر؛ أنّه خلال صناعة "المُذعِن"؛ ذهب برتولوتشي بعمق في التحليل الفرويدي؛ فحتى تلك الّلحظة، كانت أفلامه السابقة، مثل: "قبل الثورة" (Before the Revolution)، و"مكيدة العنكبوت" (The Spider's Stratagem)، وحتى "قابض الأرواح" (The Grim Reaper)، مصنوعة تحت تأثير غودار.
"مكيدة العنكبوت" (The Spider's Stratagem)

هل تشعر أنّك نضجت بصناعة "المُذعِن"؟
"كليّاً؛ ففي لحظة معيّنة كان عليّ أن أكون حذراً من أن أكون محاكياً، من أن أكون مزوّراً، من أن أقوم بأعمال تقلّد غودار، أعتقد أنّها لم تكن تجربتي وحدي، لكن تجربة كثيرين من أبناء جيلي".
كانت إحدى النتائج المبكرة للخوض في التحليل النفسي؛ أنّ برتولوتشي كان مدفوعاً إلى تدمير مرشديه البارزين رمزياً، ليس فقط غودار، لكن أيضاً والده، الشاعر الإيطالي العظيم، أتيليو برتولوتشي، "مع التّحليل الفرويدي؛ أدركت أنّ صنع الأفلام هو طريقتي لقتل أبي، بطريقة ما، أصنع أفلاماً، كيف يمكنني أن أقول، لمتعة الذنب، لقد تقبّلت الأمر في لحظة معينة، وكان على أبي أيضاً أن يتقبّل أنّه قُتِل مع كلّ فيلم، العبارة المضحكة التي قالها لي ذات مرّة: "إنّك ذكي للغاية، فقد قتلتني عدّة مرات دون أن تذهب إلى السجن".
كيف رأى أبوك فيلم "المُذعِن"؟

تعمّ الفرحة برتولوتشي من حقيقة أنّ جيلاً صاعداً من صانعي الأفلام قد رأى في صورته السينمائية مصدر إلهام

"لقد أحبّ أفلامي كلّها، لسبب بسيط؛ كان يشعر كما لو أنّه هو من قام بها، لقد أحبّ دميته، التي هي أنا، لأنّني كنت جيداً للغاية في صنع أفلامه، لقد اعتقد أنّه علّمني كلّ شيء، وهذا صحيح"، يا له من أنويّ رهيب، أقول.
إذًا، بمعنى ما؛ مهما فعلت، لن تستطيع قتله، أو محو تأثيره من عملك بشكل كامل؟
"هذا صحيح؛ فأفلامي دائماً في المجال نفسه الذي فيه أبي، إنّها تتحرك داخل نوع محدّد من المنطقة الثقافية، مثلما هو الحال في بارما"، إنّه من هذه المدينة الإيطالية الصغيرة رحّبت عائلة برتولوتشي، وبشكل كبير، بفيلم برناردو، عام 1967، قبل الثورة، وهو تكييف مرن لرواية ستيندال، المعنونة "دير بارما" (The Charterhouse of Parma).
لم يكن أتيليو مجرّد شاعر؛ بل كان أيضاً ناقداً سينمائياً، صديقاً لبيير باولو بازوليني (في الواقع، كانت أوّل وظيفة لبرناردو في صناعة الأفلام هي مساعد في فيلم المخرج الكبير، "المتشرّد" (Accattone). كان الأب مهووساً بالمحيط السينمائي، ولذلك حرص على أن يشاركه كلا ابنيه، برناردو وجوسيبي، محبّته هذه، فأخذهما إلى دور العرض وابتاع لهما كاميرا، كلاهما أصبح مخرجاً سينمائياً، وأصبح برناردو واحداً من أشهر مشاهير إيطاليا، وفائزاً بجائزة الأوسكار.

اقرأ أيضاً: حول منع فيلمي "جنغل" و"ذا بوست"
إحدى قصائد أتيليو تسمّى "التّلفريك" (The Cableway)، بإهداء "إلى ب. مع كاميرة سينما بثمانية ملليمترات"، وهي تتضمّن هذه الذكرى الحنونة لابنه المراهق، المدمن على السّينما، الذي يصوّر عائلة برتولوتشي أثناء سيرهم في جبال الأبينيني:
"لكنّ مراهقتك تزيَّن، تَنضج/ في الصّبر الحاذق للحرَفي/ الذي تقوم من خلاله بتصوير، من تحت/ ومن خلف، السّياج المثقّب، وهكذا تنسج/ زمنه الحقيقي من التوت والشوك والأوراق/ في القصّة بخفق الخطوات الماكرة للأطفال".
من الصّعب ألّا تقرأ في هذا بهجة أتيليو بتدريب ابنه البالغ من العمر 14 عاماً على الإخراج.
بعد خمسة عشر عاماً، كان برناردو ما يزال مهووساً بلقطاته، لقد صُوِّر مشهد الاغتيال في "المُذعِن" بشكل رائع، في تلال بيدمونت المُثلِجة، ("لم نقم بأفلام حركة من قبل، ولذلك عندما صوّرنا المشهد الذي قمنا فيه بطعن الرّجل، قلنا: "يا إلهي! ماذا فعلنا؟")، أعاد برتلوتشي كتابة الرواية؛ حيث يكون كليريتشي متفرّجاً على جريمة القتل، في الرّواية؛ لا يشهد كليريتشي حتّى القتل، فهو في روما في ذلك الوقت.
"أخبرت مورافيا قبل البدء: "حتّى أكون مخلصاً لكتابك، يجب أن أخونه"، فقال: "أتفق معك تماماً"، وبعد أن شاهد الفيلم، أثنى عليّ مورافيا ثناءً عظيماً، قائلاً إنّه لم يعجب إلّا بعمليَّتي تكييف لكتبه، إحداهما كانت "المُذعِن" (ومن باب تسجيل الحقائق، كانت العمليّة الأخرى هي فيلم غودار البارع، عام 1962، "احتقار" (Contempt)، مع جاك بالانس وبريجيت باردو).

اقرأ أيضاً: ضياء خان تفضح النازيين الجدد في فيلمها "اليمين الأبيض: لقاء العدو"
لقد أحدث برتولوتشي تغييراً آخر، وأكثر جرأة، في قصّة مورافيا، يأتي في النّهاية، "في الرّواية"، يقول برتولوتشي، "بعد سقوط موسوليني، يهرب المُذعِن من روما مع عائلته، ثمّ تحطّ طائرة، وينطلق منها الرصاص على المُذعِن وعائلته، وتلك هي النّهاية، وكان رأيي أنّها أخلاقيّة للغاية؛ حيث تظهر يد الله لتعاقب المذنب"، أمّا نهاية برتولوتشي فأكثر إرباكاً، في إحدى الليالي يتجول كليريتشي في الكولوسيوم [المدرج البيشاوي في قلب روما]، وهناك يجد سائق السيارة المسنّ، الذي ظنّ أنّه قتله عندما كان مراهقاً، يحاول السّائق إغواء صبي صغير جميل، يندّد كليريتشي بصوت عال بالسّائق، صارخاً بأنّه فاشي، لكن هذه ليست النّهاية: تُظهر اللقطة الأخيرة كليريتشي وحده مع الصبي، تتحرّك الكاميرا من الأرداف العارية للصّبي إلى كليريتشي، الذي ينظر إلى الكاميرا، ما الذي يفترض بنا أن نفهمه من ذلك، أسأل برتولوتشي، أنّهما قد مارسا الجنس للتوّ؟ "ممكن جدّاً، الصّبي عار، ويتحرّك ببطء كشخص مارس الحبّ للتوّ بطريقة ما، لذلك أنت على حقّ"، لكن تلك فكرة مقلقة، تشير إلى أنّ الفاشيّة يمكن أن ترتبط بالرّغبة المثليّة المكبوتة، خاصّة عندما يضيف برتولوتشي أنّه في هذه اللحظة فقط يفهم كليريتشي، حقيقةً، من هو ولماذا كان فاشياً.
إذا كان هذا هو الحال، رغم ذلك يرفض برتولوتشي تحمّل اللّوم على هذا الحلّ الرّهاب مثليّ، "فيما يخصّ كلّ أفلامي القديمة أشعر بأنّني لم أعد مسؤولاً نحوها، أقرأ: مذنباً بسببها، فالشّخص الذي صنع هذه الأفلام بعيد جداً عنّي"، لا تشعر بالمسؤولية حتى عن الفيلم الذي قمت مباشرة بصنعه بعد "المُذعِن"، ألا وهو "التّانغو الأخير في باريس" (Last Tango in Paris)، بمشاهده الجنسية سيئة السّمعة؟ "أقلّهم ذلك الفيلم"، ومع ذلك، يشعر برتولوتشي بأنّه مرتبط كفاية بـ "التّانغو الأخير"، للدّفاع عن أحد نجومه، مارلون براندو، "عندما أردت براندو لهذا الفيلم، قال لي رئيس شركة "باراماونت": "ليس ذلك .."، ومع ذلك كان براندو أعظم شيء في ذلك الفيلم".

"The Dreamers"
آخر أفلامه كان "الحالمون" (The Dreamers)؛ وهو تكييف لرواية غيلبرت أدير، التي تدور داخل أعمال الشغب الطلابية في باريس، عام 1968، وقد أنتج قبل خمسة أعوام، لماذا لم تُخرِج أيّ شيء منذ ذلك الحين، في النّهاية أنت فقط في السادسة والستين؟ "ظهري، أجريت عملية جراحية منذ ثلاثة أعوام وفشلت، وهكذا عوقبت بشدّة، منذ ثلاثة أعوام، بالألم، ولا أستطيع المشي بشكل جيّد، أو العمل". كان عليه أن يضع جانباً خطّتين: مشروع طويل الأمد لإخراج فيلم عن حياة جيسوالدو دا فينوزا، الملحّن النابوليتي من القرن السادس عشر، الذي قام بقتل زوجته ماريا دافالوس بوحشية، بعد أن وجدها متلبسة بالجرم المشهود، وتكييف لرواية آن باتشيت، المعنونة "بيل كانتو"، التي تدور حول مجموعة من الإرهابيّين، ورهائنهم الذين يعيشون في منزل واحد معاً، "يجب أن أجد حلاً لظهري"، يقول المخرج البالغ من العمر 66 عاماً، "وحينها سأُخرِج مجدّداً".

اقرأ أيضاً: مخرج مصري شاب يجابه التيارات التكفيرية بسلاح المسرح
هل صحيح أنّك لا ترى أفلامك القديمة أم أنها مجرّد قصة مضلّلة للصحفيين؟ "لا أستطيع رؤيتها، أشعر بالحرج"، أوه، برناردو، بالتأكيد لا! "هذا صحيح! فأنا أرى فيها ما أعتقد اليوم أنّها أشياء خاطئة، وغلط، ومثيرة للشفقة، وهي أشياء ربّما لا أحد يراها، لكنّني أراها". وهكذا لن تُمتعك بشكل واضح رؤية "المُذعِن" بعد كلّ هذا الوقت، "لا! ولكن ربّما عندما يكون الفيلم بعيداً جداً، يمكنني أن أغفر له". هنا، يبدو برتولوتشي وكأنّه كاهن يغفر خطايا نفسه السابقة.
ونتيجة لهذه اللامسؤولية؛ فإنّه من الغريب التحدث إلى برتولوتشي عن أعماله المبكرة، الرّجل الذي شعر بالغضب الشديد من رسالة غودار الغامضة، لم يعد له وجود، "أشعر بشيء نحو هذا الفيلم القديم، وأناي القديمة هذه، لكنّني لا أشعر بالثقل والمسؤولية، بالنسبة إلى الفنان، هذه راحة".


المصدر:
ستيوارت جيفريز، حوار أعادت الغارديان نشره في 22 شباط (فبراير) 2008 بعيد وفاة برتولوتشي في تشرين الثاني الماضي

اقرأ المزيد...

الوسوم: