تحالف النهضة وقلب تونس: حين يتآخى الإرهاب مع الفساد

تحالف النهضة وقلب تونس: حين يتآخى الإرهاب مع الفساد

مشاهدة

30/08/2020

ضباب كثيف يخيّم على المشهد السياسي التونسي، الذي باتت تحرّكه تحالفات سياسية تحت الطلب، تشكّلها أطياف سياسية مختلفة، كانت خصوماً متناحرة بالأمس، بنت حملاتها الانتخابية على تبادل الاتّهامات، وإظهار العداوة فيما بينها، هدفها تبادل المصالح الضيّقة، والتغطية على ملفات الإرهاب والفساد.

اقرأ أيضاً: هل تخرج حكومة التكنوقراط تونس من أزمتها السياسية؟ وما خيارات النهضة؟

مثال هذه التحالفات ترجمها التقارب الأخير الغريب بين حركة النهضة الإسلامية، التي تواجه تهماً خطيرة بتمويل الإرهاب، والتورّط في ملف الاغتيالات السياسية التي عاشتها تونس، عام 2013، فضلاً عن تكوين جهاديين وتسفير الشباب إلى بؤر التوتر، وحزب قلب تونس الليبرالي، الذي يواجه رئيسه قطب الإعلام، نبيل القروي، تهماً ثقيلة بالفساد وتبييض الأموال، في محاولةٍ للسيطرة على الحكم، والتغطية على هذه الملفات.

تحالف هجين

هذا التحالف، الذي جمع أضداد السياسة، وقرّب وجهات نظر خصومها، وصفه متابعون بـ "التحالف الهجين" الذي تحرّكه هواجس مشتركة من فتح ملفات الطرفين التي قد تنهي مسيرتهما السياسية؛ إذ يبحث الغنّوشي عن شريكٍ يحمّله مسؤولية فشل حركته، مثل ما اعتاد منذ عام 2011، ويغطي به ملفات الإرهاب والاغتيالات الملتصقة بها.

تبادلا الاتهامات بالإرهاب والفساد.. النهضة وقلب تونس يتحالفان

فيما يسعى القروي للتواجد ضمن الفريق الحكومي، ليضمن من خلاله حصانةً سياسية ضدّ إمكانيات الملاحقة القانونية من جديد، بحثاً عن الحماية القضائية والاستفادة من نفوذ راشد الغنوشي داخل بعض الدوائر القضائية.

ويصف الصحفي والمحلل السياسي، جمال العرفاوي، في تصريحه لـ "حفريات"، هذا التقارب بـ "تحالف الضرورة"، أو "التحالف المصلحي"، القائم على أهداف محدّدة قد ينتهي بانتهائها، مشيراً إلى أنّ النّهضة اختارت أن تناور في مسألة تشكيل الحكومة بقلب تونس.

لم يستغرب التونسيون تراجع "النهضة" عن وعودها الانتخابية تجاه ناخبيها وقواعدها، خاصّةً أنّ الحركة لم تتّعظ من تجاربها الماضية، رغم أنّها خسرت حوالي ثلثي قواعدها

ولفت العرفاوي إلى أنّ حزب قلب تونس لم يجد أمامه غير حركة النهضة للتحالف معها، لأنّ باقي الأحزاب رفضت جميعها التعامل معه، فيما تُعرف حركة النهضة بتوجهها البراغماتي، وهو ما حتّم عليها التحالف مع قلب تونس، رغم التباعد الإيديولوجي والسياسي بينهما، ورغم تأكيدهما سابقاً على أنّهما لن يتحالفا.

من جانبه، رأى المفكر السياسي اليساري، محمد الكيلاني، في تصريحه لـ "حفريات"، أنّ التحالف القائم بين قلب تونس وحركة النهضة لا يستند إلى برامج أو تصورات سياسية، بقدر ما هو التقاء ظرفي فرضته مجموعة من التطورات السياسية.

وأشار الكيلاني إلى أنّ حركة النهضة اعتادت أن تبحث لها دائماً عن حليفٍ تحتمي به للتغطية على القضايا والشبهات التي باتت شبحاً يلاحقها، خاصة المتعلقة منها بملفات الإرهاب والاغتيال والجهاز السرّي.

اقرأ أيضاً: الغنوشي يدفع باتجاه محكمة دستورية على مقاس النهضة

الكيلاني شدّد أيضاً على أنّ نبيل القروي يعي جيداً أنّ "لا أحد تحالف مع النهضة وخرج سالماً، لكنّ طموحه بالوصول عبرها إلى السلطة، للاستفادة من دوائر الحكم، أكبر من خوفه".

للسياسة إكراهات

ومنذ بداية المدة النيابية الحالية، بعد انتخابات تشرين الأوّل (نوفمبر) 2019، تفاجأ التونسيون بتقارب حزبي النهضة وقلب تونس، رغم "الحروب" السابقة بينهما، لإيصال راشد الغنوشي إلى رئاسة البرلمان؛ حيث اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي في تونس موجة من الاستغراب ممزوجة بسخرية من الموقف الجديد للحزبين.

سياسيون يتهمون حركة النهضة بالانتهازية

وبرّر زعيم الحركة آنذاك، راشد الغنّوشي، تغيّر موقفه بالقول؛ إنّ "الأغبياء هم الذين لا يتغيرون"، وإنّ الحركة "تعاملت مع كل الأحزاب إلا من أبى"، كما أنّه "لا يمكن أن تقع مقاطعة أيّ حزب اختاره الشعب، بما في ذلك قلب تونس".

هذا التحالف توقّف في البداية عند هذا الحدّ، لكن مؤخراً، وعندما لم تجد حركة النّهضة في التيار الديمقراطي (وسطي)، وحركة الشعب (قومية)، الطاعة التي وجدتها في حلفائها السابقين، خلال حكومة الترويكا (2011-2013)، وتجربة التوافق مع حزب نداء تونس، انقلبت عليهما، وأطاحت بحكومة إلياس الفخفاخ التي شاركتهما فيها، وتمسكت بضمّ قلب تونس إلى التحالف الحكومي.

اقرأ أيضاً: تحركات في تونس لإنهاء سيطرة النهضة على القضاء

وأمام إصرار الحزبين على عدم إشراك قلب تونس في الحكم، بسبب قضايا الفساد التي تلاحق رئيسه، وجدت النّهضة نفسها مضطرّة إلى البحث عن حلفاء جددٍ لها، لكنّها لم تجد غير ائتلاف الكرامة، صاحب التوجّه الإسلامي، والقريب منها أيديولوجياً، وقلب تونس خصم أمسها.

ويرى محمد عمار، الناطق باسم التيار الديمقراطي، الذي يدعو إلى إخراج النّهضة من الحكم، أنّ الحركة غير قادرة على العمل داخل دولة القانون والمؤسسات، دون الحصول على مكاسب وغنائم تستفيد منها، مؤكداً أنّها ترى في الحكم غنيمةً.

اقرأ أيضاً: تونس تفكر بانتخابات برلمانية.. وحزبيون يؤكدون: "النهضة" حليف لا يُستأمن

ورأى عمار، في تصريحه لـ "حفريات"، أنّ حزبه لم يكن له معها أيّة خلافات أيديولوجية، لكنّه لا يقبل أن تسير الدولة وفق منطق الترضيات وتقسيم الغنائم، وهو ما جعلها تبتز رئيس الحكومة المستقيل، إلياس الفخفاخ، وتسارع لتقوية تحالفها مع قلب تونس، ضماناً لمصالحها الضيّقة ومصالح قواعدها وقياداتها.

أعداء الأمس أصدقاء اليوم

يأتي ذلك بعد أن تعهّد الحزبان بتجنب التقارب بينهما خلال مرحلة الحملة الانتخابية، التي تأسست في جزء منها على رفض كلّ حزب من الحزبين التعامل مع الآخر، ومن خلال هذا الطرح تَعمَّق الاصطفاف الشعبي والإعلامي مع هذا الطرف وذلك.

تحالفات هجينة تجمع النهضة الإسلامية وقلب تونس الليبيرالي

وكانت قيادات حركة النهضة تردّد بوضوح، أياماً قليلة قبل عقد جلسة انتخاب الغنوشي رئيساً للبرلمان، تصريحاتٍ حول استحالة التفاوض، أو التحالف، مع حزب "قلب تونس"، بسبب ما يحوم حوله ورئيسه، نبيل القروي، من شبهات فساد، وصرّح راشد الغنّوشي نفسه في لقاء تلفزيوني "لن نتحالف مع حزب تحوم  حوله شبهات فساد، مثل قلب تونس، سنتحالف مع الناس النّظاف".

أمين عام حركة الشعب زهير المغزاوي: لـ"حفريات": "النهضة" لا ترى أنّ السياسة تخضع لمبادئ وأخلاق؛ فهي كوّنت تحالفاً حزبياً داخل الحكم، وصنعت تحالفاً برلمانياً مع معارضيه

وفي الدّور الثاني من الانتخابات الرئاسية في تونس، التي جرت في 13 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، دعت الحركة في بيان، قواعدها إلى انتخاب قيس سعيّد، المرشّح المنافس لنبيل القروي، معتبرةً أنّ "التصويت لقيس سعيّد هو الانحياز للثورة ومبادئها، وضمان لتحقيق أهدافها، وهذه فرصة لتحقيق طموحات الشعب والشباب".

من جانبها، أكّدت جميع قيادات قلب تونس؛ أنّه لا مجال للتحالف مع حركة النهضة؛ حيث توجه القروي برسالةٍ إلى راشد الغنّوشي، من داخل السجن، خلال الحملة الانتخابية، شدّد فيها على "أنّه لن يتحالف مع الغنوشي ولا مع حزبه".

وكانت الصورة متقاربة إلى حدّ كبير مع مناخات انتخابات 2014، التي كان عنوانها الأبرز التناقض بين حزب نداء تونس، الذي أسسه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، وحركة النهضة، وقد أظهرا تبايناً على مستوى البرامج والرؤى والأفكار، وحمي الوطيس بينهما في التصريحات، لكنّها سرعان ما اختارا التوافق بعد اللقاء المشهور بين الشيخين.

اقرأ أيضاً: تونس في مواجهة الإرهاب... هل تنفذ النهضة تهديداتها؟

في المقابل؛ لم يستغرب التونسيون تراجع "النهضة" عن وعودها الانتخابية تجاه ناخبيها وقواعدها، خاصّةً أنّ الحركة لم تتّعظ من تجاربها الماضية، رغم أنّها خسرت حوالي ثلثي قواعدها، منذ عام 2011، من تجربة التوافق مع "نداء تونس".

ويؤكد في هذا السياق، رئيس كتلة حركة النّهضة نور الدين البحيري في تصريحه لـ"حفريات"، أنّ قلب تونس من بين الأحزاب التي فازت بثقة التونسيين، وهو جزء من تحالف برلماني سياسي غايته استكمال الانتقال الديمقراطي وحماية تونس من مخاطر الانزلاق نحو المجهول وتوفير الحاجيات الأساسية للتونسيين من تعليم ونقل ومسكن وعلاج وتشغيل.

وأضاف البحيري؛ أنّ التحالف بين حركة النهضة وحزب قلب تونس هو تحالف من أجل تونس، ومن أجل السعي لحلّ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تمرّ بها البلاد.

في المقابل؛ يرى زهير المغزاوي، أمين عام حركة الشعب (شريكة سابقة لحركة النهضة في الحكم)، أنّ النّهضة حركة انتهازية انقلبت على جميع تعهداتها التي قطعتها لناخبيها، في مقدّمتها شعار مقاومة الفساد، وعدم التحالف مع قلب تونس، مهما كانت الظروف، مشيراً إلى أنّ ذلك ليس جديداً عليها؛ فهي من ساندت رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، في مواجهة منافسه نبيل القروي خلال الحملة الانتخابية، ثم انقلبت عليه لاحقاً، وتحالفت مع القروي لتكوين وفاق معارضٍ له، ولتشويهه عبر صفحات التواصل الاجتماعي.

المغزاوي لفت أيضاً، في تصريحه لـ "حفريات"، إلى أنّ الحركة لا ترى أنّ السياسة تخضع لمبادئ وأخلاق؛ فهي تسعى وراء مصالحها فقط، خصوصاً أنّها كوّنت تحالفاً حزبياً داخل الحكم، وبالتوازي صنعت تحالفاً برلمانياً مع معارضيه، يتكوّن من قلب تونس وائتلاف الكرامة، القريب من توجهاتها.

الصفحة الرئيسية