"حفريات" في كنف أحد الرقاة الشرعيين في المغرب: هكذا تتم استباحة أجساد النساء

22480
عدد القراءات

2018-12-17

شمال شرق المغرب تقع مدينة بركان. في هذه المدينة الهادئة (رغم اسمها)، استيقظ السكان الأسبوع الماضي على فضيحة بطلها راقٍ شرعي، استغل طيبة الناس، ليجعل من الرقية الشرعية وسيلة لاستغلال النساء جنسياً وابتزازهن، لاسيما وأنهنّ ينحدرن من ثقافة محافظة وذهبن إليه بحثاً عن علاج فوجدن أنفسهن جواري في خدمة الراقي ورغباته الجنسية.

اقرأ أيضاً: أطفال يقايضون...الجنس مقابل اللجوء!
يحكي "محمد" شاب في الثلاثينيات من عمره ينحدر من مدينة بركان: "لم نكن نتصور أن يحدث كل هذا لفتيات مدينتا، إنّه ليس براقٍ إنه وحش".
ترفض النساء الحديث في موضوع الراقي خوفاً من الفضيحة، ولاسيما أنّ الراقي كان يقوم بتصوير ضحاياه ويهددهن.
استياء وخوف من ظهور المزيد من الأشرطة الإباحية لراقٍ وضحاياه

ضحايا الراقي
استياء وخوف من ظهور المزيد من الأشرطة الإباحية لراقٍ وضحاياه. يضيف "محمد" في تصريحه  لـ"حفريات": "إنّ هذه الفضيحة جعلت البعض يشك في أن تكون زوجته أو شقيقته أو إحدى قريباته من بين ضحايا الراقي".
ويرجع سبب اكتشاف السلطات لجرائم الراقي في مدينة بركان، إلى أن شابة في العشرينيات من عمرها تنحدر من مدينة وجدة، كانت مصابة بمرض الاكتئاب، وتوجهت إلى راقٍ لأجل العلاج.

مراسلة "حفريات" زارت أحد الرقاة الشرعيين لمعرفة كيف يستغل ضحاياه من النساء، ويوهمهن بأنه قادر على علاجهن

وظهرت الشابة في مقطع فيديو نشرته على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب المغاربة بمساندتها والتوقف عن التشهير بها، مؤكدة أنّها ضحية مثلها مثل عشرات الفتيات والنساء المتزوجات اللواتي تعرضن لنفس الاستغلال الجنسي، وقالت: "إنّ الراقي كان يطلب منا  في أول الجلسة شرب كوب ماء فيه مادة مخدرة، لنفقد بعدها الشعور بما نفعل"، وهو ما اعترف به المتهم أمام المحققين حسب أقوالها.
تضيف الشابة: "عندما استيقظت، شعرت بأن أمراً غريباً حدث لي، لأدرك بعد استعادة وعيي، أنه استغلني جنسياً، فصرخت وحاولت فضحه، فواجهني بمقطع فيديو يوثق ممارسته الجنس معي، قبل أن يخيرني بين زيارته مرة أخرى، أو نشر هذا المقطع".
ابتزاز الراقي لضحاياه
تقول الفتاة إنه كان يهددها ويبتزها، لتدرك أنها وقعت في شباك الابتزاز، وظلت مترددة في فضح الأمر بسبب خشيتها من عائلتها المحافظة، إلى أن فوجئت به يتصل بها عبر الهاتف ويطالبها مجدداً بالقدوم إلى بركان، لتختار في النهاية فضح الراقي .
بنبرة حزينة تطلب الشابة المغربية الضحية، من المغاربة، التوقف عن مشاركة الفيديو الإباحي لها وللراقي، مشيرة إلى أنه استغل حاجتها للعلاج النفسي لاسيما وأنها مصابة بالاكتئاب.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة الاستعباد الجنسي لعاملات عربيات في مزارع الفراولة بإسبانيا؟
بعد فضيحة بركان انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تدوينات تنتقد الرقاة الشرعيين بالمغرب، وتربط بين الرقية الشرعية والاستغلال الجنسي. وقال الباحث في الشأن الديني، ومدير مركز "الميزان"، محمد عبد الوهاب رفيقي أبو حفص: "لا يمكن المبالغة في هذا الأمر واعتبار أنّ هؤلاء الذين يلجأون لممارسة الرقية ليس لهم دافع إلا الدافع الجنسي"، مشيراً من ناحية أخرى إلى أنه لا يمكن إنكار هذا الأمر جملة وتفصيلاً، نظراً إلى "الأجواء المكبوتة التي تعيشها الكثير من الأوساط المتدينة بسبب العلاقة المتوترة والمضطربة مع المرأة. "
وأضاف أبو حفص أنّ كثرة فتاوى التحريم في كل ما يتعلق بالمرأة هو الذي يدفع الكثير من المتدينين للبحث عن منافذ لتلبية رغباتهم ومكبوتاتهم، معتبراً أنّ هذا لا نجده فقط عند الرقاة، بل عند الكثير ممن لهم علاقة بهذا المجال، أو ممن يظهرون التدين، أو يعيشون في بيئات متدينة، مضيفاً: "لا شك في أنهم يستغلون مثل هذه المنافذ للتنفيس عن الكبت"، مشدداً على أنه ليس من الإنصاف أيضاً تعميم الأمر وجعله السبب الوحيد.

الرقية بالعنف
مريم ضحية أخرى لراقٍ شرعي بمدينة الدار البيضاء، تقول لـ"حفريات" بنبرة حزينة وبملامح أنهكها التفكير تقول في مقابلتها: "تواصلت مع راقٍ مشهور في البداية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومن بعد ذهبت إلى محله فأخبرني بأنني "مسحورة، ويسكنني جن يمنعني من الزواج، وكان يقوم بتعنيفي. وآخر مرة حاول اغتصابي لكن رفضت الخضوع إلى رغباته وغادرت محله نهائياً، لكن لا يمكنني متابعته قضائياً لأن المجتمع سيلومني أنا."

اقرأ أيضاً: اعتداء جنسي على طفلتين في المغرب يعيد"البيدوفيليا" إلى الواجهة
وفي أحياء المدن المغربية توجد محلات و"عيادات" خاصة بالرقية الشرعية، وعشرات الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لرقاة أصبحوا نجوماً، لكل منه وسيلته الخاصة في جذب أكبر عدد من الزبائن، إذ يتنافس هؤلاء في من سيضع فيديوهات تظهر مريضات يصرخن بقوة،  وهناك آلاف المشاركات، والتعليقات على الفيديوهات.
"حفريات" في عيادة الراقي 
"حفريات" حاولت رسم صورة أقرب لكيفية عمل الرقاة الشرعيين في المغرب، وكيف يستغلون ضحاياهم، ويوهمونهم بأنهم قادرون على علاجهم.
اخترتُ أحد أكثر الرقاة شهرة على صفحات التواصل الاجتماعي، وهو شاب في الثلاثينيات من العمر يزعم بأنه يطرد الجن ويبطل السحر، وغيرها من القدرات الخرافية التي تشدّ بعض المرضى الذين يعتقدون بأنّ الراقي لديه القدرة على علاج علتهم.

اقرأ أيضاً: الصين: معاقبة 1900 شخص بسبب المواقع الإباحية
اتصلت بالراقي على أنني مريضة تبحث عن العلاج، فردت على اتصالي سكرتيرته الخاصة تطلب مني أن أعاود الاتصال بهم الأسبوع القادم، لعلني أتمكن من أخذ موعد مع الراقي.
بعد مرور أسبوع عاودت الاتصال بمكتب الراقي لتخبرني سكرتيرته بأنه يمكنني أخذ موعد مع الراقي، ولكن قبل ذلك سألتني هل أريد لقاءً فردياً أو رقية جماعية، وأن لكل نوع سعره الخاص، وتتراوح تسعيرة الحصة ما بين 200 درهم إلى غاية 300 درهم (الدولار يساوي 9.60 درهم مغربي( كما أنّ طبيعة المرض ستحدد التسعيرة التي يمكن أن ترتفع مستقبلاً حسب السكرتيرة.

زبائن الراقي من مختلف الطبقات الاجتماعية
انتقلت إلى عيادة الرقية الشرعية في حي سيدي عثمان بمدينة الدار البيضاء، استقبلتني السكرتيرة، واشترطت قبل دخولي إلى الراقي، أن اختار بين رقية فردية أو جماعية، طلبت منها رقية جماعية مشتركة مع خمس نساء.

بنبرة حزينة تطلب شابة مغربية التوقف عن مشاركة الفيديو الإباحي لها وللراقي مشيرة إلى أنه استغل حاجتها للعلاج النفسي

انتظرت ثلاث ساعات حتى حان موعد دخولي أنا والنساء إلى الراقي، بمجرد دخولنا بدأ في وضع يده على رأس كل واحدة منا، كان يشخص وضع النساء بسرعة، من بينهن من تنهار بالبكاء وتؤكد صحة ما جاء على لسانه، حان دوري ليخبرني بأني ممسوسة بالجن، بدأ يقرأ علي القرآن الكريم، كانت النساء يبكين إلى أن يسقطن أرضاً وتبدأ أجسادهن في تمدد ويهذين ويرددن عبارات يصعب فهمها، جلست أراقب المشهد وأنظر إليه وهو يزيد من قوة قراءته وسرعتها، أمسكتني إحداهن من يدي وبدأت تبكي وتضرب نفسها، لم يبال لحالهن بعد توقفه عن قراءة القرآن الكريم، استدعى كل واحدة منا ليخبرها بنوعية العلاج والحصص التي تحتاج.

اقرأ أيضاً: الاغتصاب في إيران ظاهرة تكشفها قصص واقعية
أخبرني بأن عدم استجابتي للقرآن الكريم توحي بأنني أحتاج إلى حصص أكثر من باقي النساء، وأن كل حصة تتراوح بين 500 درهم إلى 1000درهم، وأنّ وضعي معقد لأني ممسوسة بالجن.
كانت النساء اللواتي برفقتي يصدقن كلامه، سألتُ إحداهن وهي شابة لا يتراوح عمرها 24 عاماً، هل ستداومين على الحصص؟ فأجابت بنبرة حزينة: "ماذا سأفعل أنا مريضة جداً، والرقية هي الحل الوحيد لأخرج من هذا الوضع"، معتقدة أن مشاكلها النفسية سببها السحر، وأنّ الرقية هي الحل الوحيد. 
مصابون بالاكتئاب انتحروا بسبب الرقية
زبائن الراقي من مختلف الطبقات الاجتماعية، ومن بينهم نساء ورجال متعلمون، كان من بين الزبائن شابة يبدو من ملامحها أنها مريضة جداً، وتحتاج إلى العلاج. أخبرتني والدتها أنّ الأطباء لا يمكن أن يعالجوها، وهو ما فنّده الدكتور والمحلل النفسي عبد الله زيو زيو، الذي أبلغ "حفريات" أنّ "الرقية الشرعية جزء من الشعوذة والاتجار بآلام الناس"، معتبراً أنها "خطيرة جداً على صحة المرضى الذين يعتقدون أنّ العلاج بالرقية أفضل من توجههم إلى الطبيب"، مشيراً إلى أنّ هناك مرضى مصابين بالاكتئاب انتحروا بسبب الرقية الشرعية وعدم وعيهم بأهمية العلاج النفسي".

اقرأ أيضاً: حادثة اغتصاب جماعي جديدة تهزّ المجتمع المغربي
وأعرب المحلل النفسي عن استيائه "من وجود أناس غير متكوّنين أكاديمياً يزعمون أنّهم رقاة وقادرون على علاج جميع الأمراض فقط بالقرآن، مثل السرطان وداء السكري وغيرها من الأمراض، وللأسف قد يودون بحياة مرضاهم؛ لأن المرضى بحاجة إلى العلاج على يد متخصص وتناول الدواء". ويؤكد الطبيب المختص أنّ "البعض بعد فترة من الرقية الشرعية يجدون أن وضعهم الصحي تدهور. "
وحمّل المحلل النفسي الدولة المغربية ما يحصل بسبب إهمالها للمجال الصحي بالمغرب وترك الباب مفتوحاً أمام المشعوذين، متسائلاً "كيف يسمح لهؤلاء الرقاة أن يفتحوا محلات أمام أعين السلطات ويتاجرون بخوف الناس من المرض؟ "
الرقية الشرعية لجني الأموال
ودعا عبد الله زيو زيو إلى ضرورة "مراقبة البرامج الإذاعية التي تشجع بعضها على الرقية الشرعية، مثل اتصال مواطن يشتكي من أعراض الهذيان، ليشخص الشيخ في الإذاعة مرضه بسرعة، ويخبره بأنه ممسوس بالجن، وهنا لا بد من تدخل هيئة الاتصال السمعي البصري الهاكا لوقف مثل هذه الأنواع من البرامج".

اقرأ أيضاً: تزايد حالات الاغتصاب في جنوب السودان
ويقول الباحث في علم الاجتماع فؤاد بلمير، لـ"حفريات" إنّ "الرقية الشرعية هي وسيلة لجني الأموال الطائلة. "
وأضاف أنّ "المجتمع المغربي يعيش تحولات اجتماعية وتغييراً في نمط الحياة، ومن الطبيعي أن تظهر معه مشاكل نفسية، والمرضى سيبحثون عن علاج، مما يجعلهم يلجأون لراقٍ، خاصة أنّ المجتمع المغربي لديه قابلية الاستجابة بسرعة لمثل هذه الخرافات".
الباحث في علم الاجتماع فؤاد بلمير

تقنين الرقية
الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية مصطفى الخلفي، أكد أنّ المعالجة القانونية لوضعية الرقاة الشرعيين تحتاج إلى "الاشتغال من طرف مجموعة من الوزارات على رأسها الأوقاف و الداخلية والصحة. " 
وأضاف الخلفي، خلال رده على سؤال طرح عليه حول تقنين الرقية الشرعية في ندوة صحفية أعقبت المجلس الحكومي، الخميس الماضي، أنه ليس لديه ما يضيف في الموضوع؛ لأنّ وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، سبق أن صرح بأن تقنين الرقية الشرعية يحتاج إلى عمل مشترك بين وزارة الأوقاف وقطاعات حكومية أخرى من بينها الداخلية والصحة.
يشار إلى أنّه قد تمت متابعة راقي مدينة بركان بعد اعتقاله بتهم عديدة منها، الاستغلال الجنسي، والتحرش الجنسي، والاغتصاب بالعنف، وإقامة علاقة غير شرعية، واستدراج عدة أشخاص تحت الإكراه والتدليس، بالإضافة الى تهم أخرى تتعلق بالتصوير والتسجيل.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ماذا تعرف عن الصابئة المندائيين؟

14
عدد القراءات

2019-06-26

توصف الأراضي الواقعة في مساحة الوطن العربي اليوم؛ بأنّها منابع معظم ديانات البشر عبر التاريخ، منذ أول مخلوق عبد الله، وحتى الإسلام، آخر الديانات السماوية. والقرآن الكريم ذكر العديد من هذه الديانات، ومنها الصابئية، نسبةً إلى الصابئة، التي لم يعترف علماء المسلمين المبكرين بها كديانةٍ يتبع أتباعها أهل الذمة، وقد اختلفت صفاتهم وأوصافهم وأوضاعهم عبر التاريخ الإسلامي، ولا يعرف منهم، اليوم، سوى من يُسمّون بالصابئة المندائيين، فمن هم وما تاريخهم؟
أصلٌ بلا أثر
ورد ذكر الصابئة في القرآن الكريم، بدايةً في سورة البقرة، الآية 62: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم ولاخوفٌ عليهم ولا هم يحزنون"، وكذلك في الآية 69 من سورة المائدة؛ حيث يرد ذكرهم ضمن المعنى نفسه، لكن الكاتب والباحث في التاريخ الإسلامي، أحمد العدوي، يقول: إنّ فقهاء المسلمين والباحثين وبعض المستشرقين، يرون أنّ الصابئة المذكورين في القرآن "غير معروفين تماماً؛ من هم وأين هم وأين وجدوا، وإن كانوا من عبدة النجوم والكواكب، فهم إذاً، بحسب فقهاء المسلمين، يعدون مشركين".
ولذا؛ يرى العدوي أنّ الصابئة المقصودين في القرآن الكريم، ربما يكونون الصابئة المندائيين (تواجدوا في العراق وحران)؛ لأنهم أقرب، بحسب الكاتب، إلى الديانات السماوية، ويؤكد العدوي، في كتابه "الصابئة منذ ظهور الإسلام إلى سقوط الخلافة"، الصادر عن دار "رؤية"، في 2013؛ أنّ "مشركي قريش سمّوا النبي محمداً، صلى الله عليه وسلم، وأتباعه في بداية الإسلام؛ صابئين، وذلك عودةً إلى اللغة، وفعل صبأ، الذي يعني أن يقوم المرء باتباع دينٍ غير دينه الأول المعروف".

اقرأ أيضاً: 10 معلومات عن الديانة اليارسانية التي يعتنقها بعض الأكراد
لكنّ اللغة لا تكفي لتوضيح من هم الصابئة، أو على الأقل، ما هي أصولهم، فالكلمة بحد ذاتها تحتمل أكثر من معنى، وتشير كذلك إلى أصلٍ عبري "صبئوت"، وتعني الجمع أو الحشد، ووفق العدوي؛ "حشد الملائكة"، وتعود أصولهم إلى حران في سوريا، بينما تأتي الرواية الثانية بأنّ هنالك صابئة مندائيين، يعودون في أصولهم إلى "البطائح في العراق، والمندائية تعني المغتسلة؛ ممن يعبدون المياه الجارية ويقيمون طقوسهم حولها، وهؤلاء إضافةً إلى صابئة حران، احتفظوا بلقب الصابئة أيام الخليفة العباسي المأمون، من أجل أن تتم معاملتهم معاملة أهل الذمة؛ لأنّ الصابئة ذكروا في القرآن الكريم على أنّهم ذميون".

كتاب الصابئة المندائيين الديني ويمثل شرائعهم وطقوسهم

ورغم ذكرهم في القرآن أولاً، ووجود دراساتٍ عديدة حول أصولهم الجغرافية، من قبل المستشرقين، بعضها يجزم بأصلهم اليوناني، وغيرهم يؤكد أنّ المندائيين ديانة متوسطة بين اليهودية والمسيحية، وربما تقترب إلى عقيدة التوحيد الدرزية، إلا أنّه لا أثر يمنح الصابئة أبعاداً تاريخية تُمكن من دراستهم، فقد اختفت آثارهم من حران، منذ أن دمر جيش هولاكو حرّانَ في العام 1258، وسواها بالأرض، فيما تم تدمير البطائح في شمال البصرة بالعراق مراتٍ عديدة منذ الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، ولم تبقَ سوى آثار لنقوش دينية في معظمها، لا تكشف أيّ تاريخ حقيقي للصابئة، وربما تبدو هنا نظرية مثيرة للجدل، مفادها؛ أنّ الصابئة أرادوا البقاء بالتأكيد، لكن دون تدوين تاريخهم بالفعل!
أسرار عبادة بقيت
رغم عدم دقة الوثائق والدراسات حول الصابئة، المندائيين منهم بالذات، ذلك أنّ خصوماً دينيين وسياسيين دونوا بعض تاريخهم، وهم السريان، بحسب الدراسات، إلا أنه توجد معلوماتٌ عديدة، يمكن الاستناد إليها؛ حيث يعدّ الصابئة، وفق تلك الدراسات؛ "من أصحاب أقدم الديانات التوحيدية على الأرض"، وهم وفق دراسةٍ على موقع "المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية"؛ وجدوا مع النبي إبراهيم، عليه السلام، العام 1850 قبل الميلاد، وسكنوا (أور) في العراق، وأصولهم منها، وبقوا فيها رغم التقلبات السياسية والطبيعية لقرون، إلى أن جاء الإسلام، واستمر في امتداده حتى زمن الخليفة العباسي المأمون؛ حيث يذكر الموقع في دراسته أنّ المأمون:

باحثون يرون أنّ الصابئة المقصودين في القرآن الكريم هم المندائيون لأنّهم الأقرب إلى الديانات السماوية

"كان في طريقه لشن حملةٍ عسكريةٍ ضد البيزنطيين، فخرج أهل حران كي يلتقوه ويتمنوا له التوفيق في سوريا، وحين رأى مناظرهم الغريبة، سألهم إن كانوا ينتمون لأيّ من الديانات السماوية، فأجابوا بالنفي، وقالوا إنّهم حرانيون فقط. واحتاروا إلى أي دينٍ ينتمون! مما جعل المأمون يصفهم بالوثنية، ويخيّرهم بين الإسلام، أو أيّة ديانة سماوية أخرى، حتى لا يُقتلوا".
وتكمل الرواية، غير المتماسكة، فتقول إنّ بعضهم اعتنق المسيحية، وأسلم آخرون، وغيرهم بقوا على حالهم، ومن الغريب أن يكونوا يدفعون الجزية، كأهل الذمة، وفجأة يكتشف الخليفة العباسي ودولته، أنّهم غير ذميين، أو لا ينتمون لأية ديانة سماوية!

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن الديانة اليزيدية؟
وهنا يأتي الموقع بتحليلٍ تأريخي، يجيب عن السؤال المتعلق بمن بقوا على حالهم ولم يدخلوا المسيحية أو الإسلام، "فقد ادعوا أنّهم صابئة، وأنّ هؤلاء ذكروا في القرآن الكريم مع النصارى على أنّهم ذميون، وبقوا يمارسون طقوسهم بسبب تسامح الإسلام معهم آنذاك"، مما ضمن بقاء عاداتهم وعباداتهم، ولاحقاً سوف يقوم الصابئة، إن صحّت هذه الرواية التأريخية، بنفي تهمة الوثنية مراتٍ عديدة، وسيبررون أنّهم ينتمون إلى النبي إبراهيم، عليه السلام، ومن قبله سام بن نوح، عليه السلام، ومن قبلهم آدم أبو الأنبياء.

يحتفلون دينياً قرب المياه التي يقدسونها ويتعمدون بها

ولا يعد الصابئة المندائيون تبشيريين، ولا يتزوجون عموماً من خارج ديانتهم أو معتقدهم، الذي تقول الروايات السريانية إنّه كان يعتمد على عبادة "آلهةٍ يمثل كلّ منها كوكباً مقدساً"، وبحسب تقرير حديث عن الصابئة المندائيين في العراق، نشرته "الحرة"، في 2017؛ فإنهم يحافظون على طقوس دينية؛ "كالصوم، والصلاة، والتعميد في المياه، وهو أبرز طقوسهم؛ إذ يعدون الماء الجاري مقدساً ونعمةً، يزيل عن المرء الشرور والدنس، كما أنّ لديهم كتاباً مقدساً، هو "كنز ربا"؛ الذي يضم مجموعة تعاليم أخلاقية وطقوسية توحيدية، وهم يحتفلون، بداية كلّ عام، بما يسمى "رأس السنة المندائية"؛ التي تشير إلى قدوم المعرفة الأولى إلى الأرض، وبداية عبادة الله فيها، فيقومون بالتطهر والاغتسال بالمياه وتناول أطعمة من الفاكهة والخضراوات".

ثمة نظرية مثيرة للجدل مفادها أنّ الصابئة أرادوا البقاء دون تدوين تاريخهم بالفعل

ولأنهم منغلقون اليوم كطائفة، لا تقبل أن تبشر بمعتقداتها؛ فإنّ الصابئة المندائيين يتمتعون بمجالس خاصةٍ بهم تمثلهم، منذ ثمانينيات القرن الماضي، إذ توجد لديهم، وفق تحقيقٍ أعده موقع "رصيف 22" العام 2016، "ثلاثة مجالس خاصة؛ الأول روحاني يهتم بالشؤون الدينية، ويرأسه لليوم؛ الشيخ ستار جبار حلو، ومجلس عموم، يمثل عائلاتهم، ومجلس شؤونٍ عامة لإدارة حياتهم اليومية، ويقومون بانتخابه انتخاباً حراً فيما بينهم"، واليوم؛ لهم مواقع تنسيقية لمتابعة أوضاعهم في العالم؛ كاتحاد جمعيات المندائيين في المهجر، وله موقعٌ رسميٌ على الإنترنت.
وبأعدادٍ لا تزيد عن بضعة آلاف، يعيش المندائيون تحديداً في منطقة (ميسان) بالعراق، وفي البصرة، وفي دولٍ أخرى عديدة من العالم، وهم يوصفون اليوم، وفق دراسات وتقارير، بأنّهم أتباع ديانة إبراهيمية، صمدت في وجه الإمبراطوريات والحروب والتقلبات السياسية والدينية عبر التاريخ، واتهموا أحياناً بعبادة الكواكب، وأنهم وثنيون، وأن لهم أسراراً دينية، رفضوا بسببها تدوين تاريخهم بوضوح، إضافةً إلى تناولهم الفلسفة والمعرفة في بعض تعاليم ديانتهم، مما جعل اتهامهم من قبل السريان، والمسيحيين بعدهم، بالتجديف.

اقرأ أيضاً: ما لا تعرفه عن ديانة الزن
مؤخراً تعرض المندائيون للعنف منذ احتلال العراق تحديداً، مثلهم مثل الطوائف الدينية الأخرى، غير أنّهم لم يكونوا ليبقوا غالباً، لولا تسامح الإسلام معهم لقرون عديدة.

جدل الأمازيغية في الجزائر... نزاع رايات أم إرادات؟

13
عدد القراءات

2019-06-26

منذ اندلاع موجة الحراك الشعبي في الجزائر، في الثاني والعشرين من شباط (فبراير) الماضي، والمتظاهرون يحملون، إلى جانب مطالبهم وشعاراتهم، علمَين:  العلم الجزائري، والعلم الذي يرمز للثقافة الأمازيغية، بشكل مترافق، دون أن يمثل ذلك أيّ تعارض بين الانتماء الوطني والاعتزاز بالبعد الثقافي الأمازيغي، وهو البُعد الذي نصّت عليه الدساتير الجزائرية منذ دستور  1996،  الذي عدّ "الأمازيغية مكوناً للهوية الوطنية إلى جانب العروبة والإسلام"، وصولاً إلى دستور 2016، الذي عدّ اللغة الأمازيغية لغة وطنية، في أعقاب  تبنّي البرلمان الجزائري بغالبية ساحقة مراجعة دستورية تنصّ على اعتبار الأمازيغية لغة وطنية ورسمية في البلاد .

اقرأ أيضاً: بعد أن أصبحت الأمازيغية لغة رسمية في المغرب، ماذا تعرف عن الأمازيغ؟
بيْد أنّ التجاذبات الأخيرة ما بعد اندلاع الحراك، والاستقطابات السياسية الحادة بين منتسبي الحراك، والتيارات المحافظة والمحسوبة على النظام، جعل من رفع الراية الأمازيغية موضعاً للّغط والجدل ذي الخلفيات السياسية والأيديولوجية، سيما بعد تصريحات نارية من إحدى النائبات في البرلمان.

هناك جماعة تريد أن تُبرِز اختلافها وتعبِّر عنه وتطالب بالاعتراف به، ونزاع الرايات في الجزائر حالياً أحد مظاهر ذلك

وبدا الأمر مفهوماً، قبل أن يدخل على الخط قائد الجيش الجزائري، الجنرال القايد صالح، الذي ضاعف حدّة التجاذب؛ عبر بيان أكد فيه "إصدار أوامر صارمة لقوات الأمن للتصدي لأيّ شخص يرفع علماً آخر غير علم الجزائر خلال المظاهرات"، دون أن يحدّد بالاسم العلم المقصود. ونصّ البيان أيضاً على أنّ "رفع أعلام أخرى يعدّ مساساً بمشاعر الجزائريين في هذا المجال الحسّاس"، وفي بيان لاحق؛ أصرّ القايد على أنّ هناك "محاولة لاختراق المسيرات برفع رايات أخرى غير الراية الوطنية من قبل أقلية قليلة جداً"، وهو الوصف الذي أثار موجة من الغضب لدى الناشطين الأمازيغ، ولدى رفاقهم من غير الأمازيغ، المؤيدين للحراك، مما ضاعف عدد الحاملين للأعلام الأمازيغية، في الجمعة التالية في 21 شباط (فبراير) أكثر من المعهود!

نزاع الرايات كمظهر لإبراز الاختلاف  
ويرى الدكتور إبراهيم صحراوي، أستاذ الأدب في جامعة الجزائر؛ أنّ "الراية تمثل أحد الرموز التي تتخذها الجماعات البشرية عامّة، والأقليات منها بشكل خاص، للتميُّز، وهي وسيلة (أو أداة) ضمن وسائل أخرى للتوحُّد (سياسياً: علم الدولة وعلم الحزب أو الجماعة السياسية العسكرية وحتى الميليشياوية؛ اجتماعياً، ووظيفياً، وجماعاتياً، ودينياً، وطائفياً، أعلام الهيئات والأسلاك والجماعات المختلفة، والتعبير عن الاختلاف والمطالبة بالاعتراف".

الدكتور إبراهيم صحراوي أستاذ الأدب بجامعة الجزائر
ويسقط صحراوي هذا التعريف على الحالة الراهنة في الجزائر، بالقول: "من الواضح في الحراك الجزائري؛ أنّ هناك جماعة/ جهة، تريد أن تُبرِز اختلافها وتعبِّر عنه وتطالب بالاعتراف به، ونزاع الرايات في الجزائر حالياً هو أحد مظاهر هذا البحث عن الاعتراف، وأثر من آثاره، ممّا قد تكون له تداعيات سلبية".

اقرأ أيضاً: أكاديمية جزائرية للغة الأمازيغية: حضر السياسي وغاب اللغوي
وفي ردّه على سؤال "حفريات"، حول تداعيات القرارات الأخيرة لقائد الجيش، وما إذا كانت تلك الإجراءات قد ساهمت في توسيع الفجوة، يقول صحراوي: "لا أعتقد ذلك؛ فالقايد لم يفعل سوى التذكير بأنّ للجزائر راية رسمية دستورية واحدة، وحمل ما سواها، فضلاً عن دلالاته السياسية، سبب في وقوع النزاع، من خلال ظهور الراية الضِّرار موضوع النزاع، ودواعيه وخلفياته وأهدافه، يسيء إلى مشاعر غالبية الجزائريين ويولِّد في النفوس نوازع صراع تتحول مع الأيام إلى نزاع يبدأ ثقافياً (بالمفهوم الواسع للكلمة؛ أي جدلاً وتنابذاً)، وفكرياً، لينتهي سياسياً عسكرياً/ حربياً، ومنه".
وفي اعتقاد صحراوي، فإنّ دعوة القايد هي "سدٌّ لذرائع الفتنة"، بحسب قوله.

اقرأ أيضاً: المغرب واحة للتعايش وربيع للثقافة الأمازيغية
ويضيف: "لكنّ الفتنة، للأسف الشديد، أخذت مكانها في الحراك منذ مدّة، حتى وإن بدت للبعض خفية، بينما هي جلية وواضحة؛ من خلال ما نراه ونسمعه ونقرأه، ولكلّ ذلك انعكاسات واضحة في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة (الندوات واللقاءات والحوارات والتحليلات)، والمقروءة (مقالات وتحليلات)، ومواقع التواصل، التي هي بارومتر حقيقي لقياس حرارة الرأي العام تجاه قضية ما، مع ما لكلِّ هذه الانعكاسات من دور في شحن النفوس وتجييشها عن قصد أو عن غير قصد".
ويرفض صحراوي وصف النزاع القائم، بأنّه "مفبرك" ويهدف لتحقيق مكاسب سياسية، مؤكداً "هو نزاع حقيقي حتى وإن بدا مُفبركاً، أو رآه البعض كذلك؛ ذلك أنّ المسكوت عنه أكثر من غيره في الثقافة، هو جانبها السياسي، فالثقافة سياسة لأنّها غالباً ما تكون مطالِبية ذات أهداف محدّدة".
العلمان الجزائري والأمازيغي في الحراك

الخلاف سياسي حتى لو كان بحامل ثقافي
ويعتقد صحراوي أنّ الخلاف في الأساس سياسي وذو بعد تاريخي قديم، ولا يمكن اختزاله في المطالب الثقافية، مؤكداً انّ "كلّ الطرق التي تسلكها هذه المطالب الثقافية تنتهي بها دائماً إلى السياسة والعمل السياسي، فحَمْلُها، شئنا ذلك أم أبينا، نضال سياسي (قد ينتهي إلى نضال عسكري ممّا يُسمّى في الأدبيات النضالية بالثورة المُسلَّحة)"!

ليس من مهام قائد الأركان أن يحدد الأعلام التي ينبغي رفعها، أو حظرها، وليس من مهامه تحديد سياسة البلاد

ويرى صحراوي أنّ "المطالب الثقافية عادة ما تبدأ أقلياتية لتكتسب مع الأعوام مواقع جديدة"، مذكّراً أنّ "أحدَ أكبر الحزبين السياسيين المؤطِّرين عملياً لمنطقة القبائل (الأمازيغ)، المؤسَّس في الجزائر، عقب إنهاء عقيدة الحزب الواحد ودسترة التعدُّدية السياسية، في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حملَ اسم "التجمُّع من أجل الثقافة والديمقراطية"، وهنا حضور مفردة (الثقافة) في هذه التسمية ليس اعتباطياً"، مؤكداً أنّ "المسألة سياسية بالأساس حتى لو بدت حواملها ثقافية".
وفي العودة إلى تأثير الإجراءات الأخيرة التي تحظر حمل العلم الأمازيغي، وما إذا كانت ستساهم في تقسيم الشارع، يقول صحراوي: " أمّا عن تقسيم الشارع، فالانقسام حاصل أصلاً، رغم ما يبدو من وحدته، وزادته قضية الراية إياها انقساماً، لكن، وكي نكون مُنصفين، نقول: إنّ الشارع كان دائماً وأبداً منقسماً سياسياً ثقافياً دينياً (وحتى طائفياً مذهبياً مؤخّراً)، ولغوياً، واجتماعياً، واقتصادياً"، مؤكداً أنّ "ما يقسم الشارع أكثر هو تعدّد الرايات".

 

 

"نُخب السلطة" وعقدة الثقافة الأمازيغية 
من جهته، يطرح الصحفي إيدير دحماني، في حديثه مع "حفريات"، رؤية مغايرة لقراءة صحراوي، مؤكداً أنّ هناك "حساسية قديمة، تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، من الراية الأمازيغية، مصدر هذه الحساسية، وربما العقدة، تأتي مما يسمى بالنخبة التي هي غالباً تابعة للسلطة، وتعيد إنتاج خطابها، وتغالي فيه أحياناً"، خاصة فيما يتعلق بالمطالب الثقافية للأمازيغ. ويضيف دحماني "هذه النخبة نفسها لها حساسية من اللغة الأمازيغية ودسترتها وكتابتها، وحساسية من كلّ عناصر الهوية الأمازيغية وعناصر ثقافتها".
ويعتقد دحماني بأنّه "مع إرهاصات عصر ثورة المعلومات، وزمن السوشيال ميديا، وبصفة خاصة الفيسبوك، اتّسعت نوعاً ما، رقعة الحساسية من عناصر الهوية الأمازيغية" لتشمل عدداً أكبر من المغردين.

اقرأ أيضاً: هولندية تتخلى عن حياتها لتساعد أمازيغ مصر
وفي حين يتفهّم دحماني تلك الحساسية من قبل بعض نشطاء السوشال ميديا، لكنه يستغرب موقف بعض ممن يسميهم بـ "الشخصيات الوطنية"، معرباً عن استغرابه من أنّ هذا الموقف المعادي للثقافة الأمازيغية، لغة وتراثاً، وربّما العنصري، "تغذيه شخصيات وطنية وأحزاب سياسبة، ورجال ثقافة بخلفية أيديولوجية عفا عنها الزمن، والأغرب؛ أن يحدث ذلك في وقت تعتبر عناصر الهوية الأمازيغية محمية من قبل الدستور"؛ حيث يصنف الدستور الساري الثقافة الأمازيغية كأحد مكونات الهوية الجزائرية، بجانب الإسلام واللغة العربية".

ويتساءل دحماني عن دوافع الإجراءات الجديدة التي تحظر الأعلام، مشيراً إلى أنّ "الحراك، ومنذ يومه الأول، في الثاني والعشرين من شباط (فبراير)، ظلّ يرفع علم الثقافة الأمازيغية إلى جانب العلم الوطني، دون أن يشكّل ذلك أيّة فتنة مفترضة".
الحراك جسّد ردّاً عكسياً للإجراءات
وفي إجابته عن سؤال "حفريات" حول دواعي وتأثير الإجراءات الجديدة، يقول دحماني: "في الظروف المزرية سياسياً، وفي غياب رئيس الدولة غير المقبول شعبياً، وغياب شبه كلّي لرئيس الحكومة، أصبح لخطاب قائد الأركان وزن كبير، وكفيل بتصعيد الأمور، وهذا الأمر غير عادي البتة، ويعدّ خرقاً صارخاً لأعراف تسيير الدولة"، بحسب تصوره. ويضيف: "ليس من مهام قائد أركان الجيش أن يحدّد للمتظاهرين السلميين الأعلام التي ينبغي رفعها، أو حظرها، كما أنّ ليس من مهامه الدستورية تحديد السياسة الداخلية للبلاد".
ويتصوّر دحماني أنّه "ليس من المغالاة الإقرار بأنّ الوضع الحالي، قريب من جنون الدولة، علاوة على أنّه أمر خطير؛ فخطاب قائد الأركان صعّد موقف من يريد خنق الحراك في الكواليس والمواقع، لكن في الواقع كان الردّ رائعاً من قبل كلّ الجزائريين بسلمية ورقي وتحضّر، عندما تحدى المتظاهرون تلك الإجراءات، وحملوا الرايات بشكل مضاعف، مجسدين بذلك ردّاً عكسياً لإجراءات القايد صالح".
الأمازيغ يشكرون القايد صالح!
ويقرأ دحماني خطاب قائد الأركان والإجراءات المتمخضة عنه، بأنّها سعت إلى "تشتيت الحراك باللعب على وتر الجهوية"، من خلال حظر الأعلام، بما فيها العلم الأمازيغي، لكنّه يستدرك بالقول: لسوء حظّ النظام، فإنّ النتيجة أتت مدوية من الصحراء إلى وهران إلى الشرق إلى الوسط، الجمعة الماضية؛ حيث صدح الجميع بـ "نحن شعب واحد، و لن نفترق على حجة الراية أو غيرها".
يقول دحماني: "على سبيل السخرية، يمكننا  شكر القايد صالح الذي وحّد من حيث لا يدري الشعارات والهتافات، وأعطى نَفَساً جديداً للحراك الشعبي، ولمطلب الثقافة الأمازيغية، كمكوّن أساسي من مكونات الهوية الوطنية الجزائرية".
فبحسب رأي دحماني: "خطاب السلطة الأخير وحّد الحراك من حيث أراد تشتيته؛ حيث حُملت رايات الأمازيغ في كلّ بقاع الجزائر الممتدة".
الصحفية الجزائرية فايزة مصطفى

الأمازيغية محسومة... وما يدور صراع دونكشوتي
من جهتها، لا ترى الصحفية الجزائرية المقيمة بباريس، فايزة مصطفى، "وجود نزاع ثقافي أو عرقي حقيقي في الجزائر، بقدر ما هو تجاذب سياسي ببعد أيديولوجي، يتم تسويقه تحت مسميات ثقافية"، مؤكدة أنّ "المسألة الأمازيغية تمّ حسمها دستورياً منذ الاعتراف بها وتضمينها في الدساتير كأحد مكونات الهوية الجزائرية". وترى مصطفى أنّه "ليس هناك أيّ مبرر لهذا النزاع الوهمي الذي يدور الآن"، ولا تمكن قراءته، بحسبها، "إلا باعتباره نزاعاً دونكشوتياً يحاول إخراج الحراك من سكاته، وإفراغه من المضامين المتعارف عليها".

الراية الأمازيغية لا تمثل مساساً بالشعور الوطني وليست بديلاً عن الراية الوطنية، بل رمز للفضاء الثقافي الممتد

وأعربت الصحفية الجزائرية لـ "حفريات" عن اعتقادها بأنّ "الراية الأمازيغية ترمز إلى الامتداد الثقافي لمنطقة شمال إفريقيا، ولا تمثل أيّ مساس بالشعور الوطني، فهي ليست بديلاً عن الراية الوطنية، بل رمز للفضاء الثقافي، الممتد من واحة سيوة المصرية وحتى جزر الكناري". ولا ترى أنّ "ثمة تناقضاً بين حمل الرمز الأمازيغي والانتماء الوطني"، وتضرب مثالاً لذلك بشعوب دول الاتحاد الأوروبي "التي لا ترى غضاضة في أن ترفرف إعلامها الوطنية مع علم الاتحاد الأوروبي، جنباً إلى جنب، في كلّ الإدارات المحلية والمرافق الرسمية"؛ ذلك أنّ كلا العلمين يرمزان إلى خاصية بعينها: الأول يمثل السيادة الوطنية، والثاني يرمز إلى الفضاء الجغرافي والثقافي الأكبر".
  
وتقدّر أنّ "الحراك، ومنذ انطلاقه في شهر شباط (فبراير) الماضي، يحقق مكاسب كبيرة، وبشكل تدريجي هادئ، لذلك ربما ينشط البعض إلى تعطيله، بإغراقه في جدل لا عائد منه، يتعلق بالصراع الهوياتي الذي تجاوزته الجزائر، منذ فترة ليست بقريبة، بعد نضالات طويلة ومريرة".

ورشة البحرين: الفلسطينيون يرفضون الرفاهية الاقتصادية تحت الاحتلال

16
عدد القراءات

2019-06-26

الإضراب الشامل الذي عمّ، أمس، الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة؛ رفضاً لورشة "السلام من أجل الازدهار" في البحرين، كان رسالة واضحة لرفض الفلسطينيين الرفاهية الاقتصادية تحت الاحتلال الصهيوني، وكذلك رفض اللقاء ومخرجاته التي جرى تداولها في وسائل الإعلام، فيما يعرف بـ"صفقة القرن".

عباس زكي: أمريكا وكل المجتمعين في العاصمة البحرينية المنامة لا يستطيعون بيع أو شراء شبر واحد من فلسطين

وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية، بناء على هذه الصفقة، إلى رصد 50 مليار دولار تستثمرها طوال 10 أعوام في البنية التحتية والصناعات وفرص العمل والتجارة الإقليمية، بهدف تطوير كيان فلسطيني يتمتع بخصائص الاقتصاد المزدهر.
فبعدما استخدم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، سياسة تمثلت في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وقطع مخصصات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وإغلاق ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، اتجه نحو الازدهار الاقتصادي في المنطقة من خلال ورشة العمل الاقتصادية في المنامة، كجزء من خطة السلام الأمريكية لحل الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وينقسم الجانب الاقتصادي من "صفقة القرن" إلى ثلاثة أجزاء رئيسية؛ هي تمكين الشعب الفلسطيني، ودعم اقتصاده، ودعم السلطة الفلسطينية بهدف مضاعفة الناتج المحلي، والحد من الفقر، وخلق مليون فرصة عمل، كما أفادت وسائل إعلام.

لا يستطيعون بيع أو شراء شبر واحد من فلسطين

هل تنجح ورشة البحرين؟
فهل تنجح الورشة الاقتصادية في التمهيد لحلٍّ سياسي ينهي الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ وهل الدعم الأمريكي الاقتصادي هو الدافع للدخول في مفاوضات جديدة؟ وما هو الموقف الفلسطيني من الورشة الاقتصادية؟ وما تأثير مخرجات الورشة على الفلسطينيين؟ وهل يستطيع أصحاب القرار تحدي مخرجات تلك الورشة؟

طلال عوكل: الرفض الفلسطيني والإدانات الشعبية والفصائلية لصفقة القرن ومؤتمر البحرين ليست كافية فالرفض لا يفشل شيئاً

في سياق الرد على هذه التساؤلات، يقول عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عباس زكي لـ "حفريات"، إنّ "أمريكا وكل المجتمعين في العاصمة البحرينية المنامة، لا يستطيعون بيع أو شراء شبر واحد من فلسطين، وذلك لسبب واحد هو هذا الصراع معقد، ولم يمكن حله بهذه الطريقة، فقضية فلسطين لا يمكن أن تعالج بالمشاريع الاقتصادية، والطريقة الوحيدة التي لنهاية ذلك الصراع هي إعادة الحقوق إلى أصحابها".
ويضيف "نحن نرفض خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاقتصادية للسلام في الشرق الأوسط، فهذه الخطة هدفها مقايضة الحقوق السياسية الفلسطينية بالأموال، والقضاء على حق عودة اللاجئين وتوزيعهم في الدول المجاورة، والاستيلاء على الضفة الغربية كما تم الاستيلاء على الجولان السوري، فهذه لم تكن ورشة للازدهار، بل إنها ورشة لسلب حقوق الفلسطينيين".

اقرأ أيضاً: الرفض الفلسطيني لصفقة القرن هل يدفع واشنطن للبحث عن قيادة بديلة؟
ويشدد زكي: "لن نقبل بأي حل دون إحقاق الحقوق السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني، وتقرير مصير حق اللاجئين الفلسطينيين، وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، ولا يمكن أن تمر ورشة البحرين الاقتصادية، فهذه الورشة هي التفاف على حقوق الفلسطينيين من خلال خطة اقتصادية هدفها إنهاء قضية شعبنا، واستبدالها بتحسين سبل المعيشة".

إضراب شامل

صفقة عقارية
ويلفت عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، إلى أنّ الرئيس الأمريكي وصهره جاريد كوشنر، "يتعاملان مع القضية الفلسطينية وكأنها صفقة عقارية يريدان إتمامها بأقصى سرعة، مستغلين بذلك الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الفلسطينيون"، مشيراً إلى أنّ الفلسطينيين "لا يبحثون عن الرفاهية الاقتصادية تحت الاحتلال".

اقرأ أيضاً: غزة.. بيضة قبان "صفقة القرن" وموقف حماس الصعب
وفي سياق متصل، قال عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ونائب مسؤولها في غزة طلال أبو ظريفة لـ "حفريات": "نحن نرفض (السلام الاقتصادي) الذي سيتم طرحه خلال ورشة الازدهار من أجل السلام في المنامة، لأنها فكرة إسرائيلية طرحها نتنياهو في دعايته الانتخابية، والهدف منها تصفية القضية الفلسطينية، وهي أول إعلانات بدء (صفقة القرن) الأمريكية، ولن نتخلى عن حق فلسطين مقابل الازدهار الاقتصادي".
ويضيف "لا بد أن يكون لنا موقف واضح وموحد أمام كافة المؤامرات التي تنفذ ضد القضية الفلسطينية، ولا يمكن لنا مواجهة تلك المخططات إلا بالوحدة الوطنية، وأن تكون كلمتنا واحدة، فيجب إنهاء الخلافات القائمة بين حركتي فتح وحماس، وأن يكون لنا خطاب فلسطيني موحد، للحفاظ على الهوية والفلسطينية ومواجهة الخطر المحدق الذي يواجهنا".

الحلول الاقتصادية لم ولن تنجح في حل الصراع

أرشيف اتفاقيات السلام
ويردف أبو ظريفة: "أرشيف عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين شهد عدة اتفاقيات اقتصادية وأهمها، اتفاقية وادي عربة وكامب ديفيد، وغيرهما من الاتفاقيات، فالحلول الاقتصادية لم ولن تنجح في حل الصراع، فكان من الأجدى لكوشنر وزمرته أن يراجعوا الاتفاقيات قبل تنظيم تلك الورشة".

أبو جياب: في حال تم تطبيق صفقة القرن سيكون لها أثر كبير على المستوى الاقتصادي في الضفة والقطاع

ويوضح أنّ مؤتمر الازدهار من أجل السلام سيكون مصيره الفشل، مثل باقي المؤتمرات السابقة التي تبنى الاحتلال من خلالها خططاً للازدهار الاقتصادي، ولكنها لم تنجح، مشدداً على أنه "إن لم يكن هناك عدل في الحق السياسي، وضمان حق الفلسطينيين، لم يكن عدل في الحق الاقتصادي".
وفيما خصّ الجانب الاقتصادي في مؤتمر البحرين، يقول المحلل والخبير الاقتصادي محمد أبو جياب لـ "حفريات"، إنّ المواضيع الأساسية التي سيتم طرحها خلال الورشة الاقتصادية في المنامة، تتحدث عن المشاريع الاقتصادية، "مثل بنى تحتية استراتيجية، ومياه وكهرباء وسكك حديد وخطوط ربط تجاري ما بين مصر وغزة والضفة ولبنان والأردن والسعودية"، وكثير من المشاريع. و"في حال تم تطبيق تلك الخطة، فإنه سوف يكون لها أثر كبير على المستوى الاقتصادي في قطاع غزة والضفة الغربية".

في حال تم تطبيق تلك الخطة، فإنه سوف يكون لها أثر كبير على المستوى الاقتصادي

من سيرفض وصول الكهرباء إلى المواطن الفلسطيني؟
ويضيف "إذا تم الاتفاق على بدء المشاريع الاقتصادية المتفق عليها في هذه الورشة، فأنا لا أجد أياً من الأطراف الفلسطينية سواءً حركة حماس أو السلطة الفلسطينية، يمكنه أن يعترض على مخرجات الورشة الاقتصادية، فمن سيرفض وصول الكهرباء إلى المواطن الفلسطيني 24 ساعة بدلاً من 8 ساعات، أو وصول مياه عذبة صالحة للشرب، وبناء الطرق، وإتاحة فرص العمل والقضاء على البطالة؟".

اقرأ أيضاً: الانقسام وصفقة القرن ليسا قدراً على الشعب الفلسطيني
ويتابع" نحن أمام حالة من الاستثمار المشترك على المستوى الفلسطيني الإقليمي الإسرائيلي، وإذا تحقق ذلك سيكون من الصعب الحديث عن رفض إسرائيل من قبل العرب أو الفلسطينيين، وستكون المصالح الكبرى على مستوى الخدمات الإنسانية والاقتصادية والخدماتية للمواطنين الفلسطينيين والعرب الإسرائيليين مشتركة، وبالتالي النتيجة التلقائية هي التوافق السياسي". 

إذا تحقق ذلك سيكون من الصعب الحديث عن رفض إسرائيل من قبل العرب أو الفلسطينيين

القبول بوجود إسرائيل
وشدد أبو جياب "حتى الآن لا يوجد أية أثمان سياسية مقابل تطبيق مخرجات الورشة؛ لكن الثمن لا بد أن يكون في مرحلة من المراحل مطروحاً على الطاولة، وهو الأمن والاستقرار والقبول بوجود إسرائيل، وعدم الوصول إلى مرحلة النزاع المسلح، أو ما يعرف دولياً بـ (الإرهاب)، والتخلص من الأسلحة والتوافق على صيغة للتعايش على المستوى الجغرافي، في الضفة الغربية وقطاع غزة".
ونوه إلى أنّ "السياسات الدولية والعربية على مدار السنوات الماضية أسست عبر مراحل متطورة لإطلاق تلك الصفقة، والواقع الجماهيري والاجتماعي في الأراضي الفلسطينية أصبح مهيأ لقبول كل هذه المشاريع، والاعتراض السياسي سيبقى في إطار الاعتراض الإعلامي فقط".
الرفض ليس كافياً
ويعتبر الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل في حديث لـ"حفريات" أنّ "الرفض الفلسطيني والإدانات الشعبية والفصائلية لصفقة القرن ومؤتمر البحرين ليست كافية، فالرفض لا يفشل شيئاً، ويجب وضع إستراتيجيات حقيقية لمواجهة كافة الصفقات، وأن يتوحد الفلسطينيون في السياسة، ويجب أن يكون الصراع مفتوحاً على كل الأرض الفلسطينية، وليس على أراضي حدود عام 1967، وإنهاء الانقسام بين حركتي فتح وحماس وتوحيد الصف الفلسطيني".

اقرأ أيضاً: هل ستكون حماس الطرف الفلسطيني الذي سيمرر "صفقة القرن"؟
ومن الخطوات المهمة التي يجب اتباعها لمواجهة مخرجات مؤتمر البحرين، بحسب عوكل، "إعادة تشكيل وتفعيل وبناء منظمة التحرير الفلسطينية من جديد، من أجل استعادة أدواتها الفاعلة مثل الاتحادات الشعبية، ومنظمات التضامن الدولية، واستعادة العلاقة مع حركات التحرر والأحزاب العربية والدولية، وإعادة الاعتبار لدور الشتات الفلسطيني، وإعادة بناء الشراكة الفلسطينية الفلسطينية على أسس جديدة تضمن أن الكل الفلسطيني متوافق على ألية إدارة الصراع مع إسرائيل".




هجوم سيبراني أمريكي على إيران.. وترامب يهدّدها بـ "الإبادة"!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
27
عدد القراءات

2019-06-26

شنّت الولايات المتحدة الأمريكية هجوماً سيبرانياً كبيراً على كتائب حزب الله، في العراق وسوريا وفي الداخل الإيراني، عقب إسقاط إيران الطائرة الأمريكية المسيَّرة.

الولايات المتحدة تشنّ هجوماً سيبرانياً كبيراً على كتائب حزب الله في العراق وسوريا وإيران

وذكر موقع "سي إن إن" الإخباري الأمريكي، نقلاً عن مسؤولَيْن أمريكيَّيْن مطّلعَيْن على العملية؛ أنّ "الغاية من الهجوم كانت شلّ قدرات ميليشيا كتائب حزب الله المدعومة من إيران"، ولفت إلى أنّ "الهدف المحدد كان شبكات الاتصالات التابعة للحزب"، ولم يدلي المسؤولان بمعلومات حول نجاح العملية من فشلها، بحسب "سي إن إن".

ورفضت وزارة الدفاع الأمريكية التعليق رسمياً على هذه القضية؛ إذ قال المتحدث باسمها، الكابتن وليام أوربن: "ترفض القيادة المركزية الأمريكية التعليق على أيّ هجوم سيبراني محتمل".

وتمتلك وزارة الدفاع الأمريكية قائمة بالأهداف التي من المحتمل استهدافها، لكن القرار النهائي في مثل هذا الهجوم يعود دائماً للرئيس.

هذا وقد ردّ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على الخطاب الإيراني، الذي وصفه بـ "المهين والجاهل"، إشارة إلى أنّ "النظام الإيراني لا يفهم لغة اللطف والتعاطف"، مهدداً طهران بـ "الإبادة".

دونالد ترامب يصف الخطاب الإيراني بـ "المهين والجاهل" ويهدّد طهران بـ "الإبادة" وبردّ أمريكي ساحق

وقال ترامب في سلسلة تغريدات عبر صفحته الرسمية على تويتر: "القيادة الإيرانية لا تفهم كلمتي اللطف والتعاطف، ولم تفعل ذلك من قبل، من المحزن أنهم يفهمون فقط لغة القوة والعنف، والولايات المتحدة الأمريكية تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم، بفارق كبير عن الآخرين، علماً بأنّه تمّ استثمار 1.5 تريليون دولار في هذا المجال في آخر عامين فقط".

وتشهد المنطقة توتراً متصاعداً بين الولايات المتحدة ودول خليجية من جهة، وإيران من جهة أخرى، منذ أن خفضت طهران بعض التزاماتها بموجب الاتفاق النووي متعدد الأطراف، المبرم في 2015.

وتفاقم هذا التوتر عقب إسقاط إيران، الخميس، طائرة أمريكية مسيَّرة، قالت إنّها اخترقت الأجواء الإيرانية، فيما قال الجيش الأمريكي إنها كانت تحلّق في المجال الجوّي الدولي.

 

ماذا تفعل إيران في معسكرات العراق؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
31
عدد القراءات

2019-06-26

استغلّ الحرس الثوري الإيراني، وبمساعدة ميليشيات عراقية تابعة للحشد الشعبي، معسكرات تابعة للجيش العراقي السابق، في محافظة ديالى، مثل: معسكرات سعد وسط بعقوبة، وقاعدة عباس بن فرناس، ومعسكر خان بني سعد، كمعسكرات خاصّة بها، للتحرك منها وضرب المصالح الأمريكية في العراق.

الحرس الثوري وبمساعدة ميليشيات عراقية يستغل معسكرات تابعة للجيش العراقي السابق في محافظة ديالى

وبحسب التسريبات، التي نقلتها "العربية" عن المصادر العراقية المطلعة؛ فإنّ "الفوج الهندسي التابع لمنظمة بدر، مع الجهد الهندسي لفيلق القدس، أعادوا ترميم وتأهيل معسكر ومطار منصورية الجبل، وهي منطقة تقع شمال شرق محافظة ديالى، وأيضاً معسكر ومطار قضاء خان بني سعد في جنوب ديالى، وهو قريب من الحدود العراقية الإيرانية، ومعسكر ومطار عباس بن فرناس 8 كم شرق مدينة بعقوبة مركز المحافظة؛ حيث من المقرر أن يتم نقل طائرات من نوع" توم كارت تو F 14" من إيران إلى العراق، في قصة مشابهة لما حدث عام 2003؛ عندما أودع العراق طائراته "سي خوي" لدى إيران، خشية قصفها من قبل قوات التحالف آنذاك".

وبحسب المصادر الخاصة؛ فقد بدأ الإيرانيون بالاستعداد لنقل هذه الطائرات لمطار عباس بن فرناس، قرب بعقوبة، لإخفائها خشية تعرضها لضربة جوية أمريكية.

وأكّدت التسريبات؛ أنّ الأمريكيين لديهم معلومات كبيرة عن نية قيام الإيرانيين بنقل طائراتهم وتأهيل هذه المطارات لإخفاء الطائرات، تحسّباً لأيّة ضربة أمريكية محتملة لإيران.

إيران تخفي طائراتها في القواعد العسكرية العراقية، تحسباً لأيّة ضربة أمريكية محتملة لها

هذا وستحصل هيئة الحشد الشعبي من الإيرانيين على 200 دبابة، لتوزيعها على فصائل بالحشد الشعبي؛ 50 دبابة لكلّ من: ميليشيا بدر، وكتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، وكتائب النجباء الموالية لإيران والمرتبطة بالمرشد علي خامنئي.

ونوّهت المصادر إلى وصول حصة ميليشيا بدر إلى منطقة الخالص في بعقوبة، بانتظار وصول حصص النجباء، والتي ستكون في مناطق حزام بغداد، إضافة إلى العصائب التي ستكون في قضاء بلد جنوب محافظة صلاح الدين، وحصة كتائب حزب الله، التي ستكون في مناطق النخيب بين الأنبار وكربلاء وجرف الصخر في بابل.

 

 

القبض على أمير داعش في اليمن.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
29
عدد القراءات

2019-06-26

أسرت القوات السعودية الخاصة أمير فرع تنظيم داعش الإرهابي في اليمن، الملقَّب بـ "أبو أسامة المهاجر".

القوات السعودية تأسر أمير فرع تنظيم داعش الإرهابي في اليمن الملقب بـ "أبو أسامة المهاجر"

وأعلن التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، أمس؛ أنّه "جرى اعتقال الأمير الملقب بـ "أبو أسامة المهاجر"، والمسؤول المالي للتنظيم وعدد من أعضاء التنظيم المرافقين له، وذلك في 3حزيران (يونيو) الجاري"، وفق ما أوردت وكالة الأنباء السعودية "واس".

وأضافت؛ "العملية أسفرت كذلك عن "مصادرة عدد من الأسلحة والذخيرة، وأجهزة كمبيوتر محمولة، وحواسب، ومبالغ مالية بمختلف العملات، وأجهزة إلكترونية، وأجهزة تتبّع "جي بي إس"، وأجهزة اتصال، وغيرها من المقبوضات".

وقال المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، العقيد تركي المالكي: إنّ "المراقبة المستمرة لأحد المنازل أثبتت وجود أمير التنظيم وأعضاء من تنظيم داعش الإرهابي، وكذلك وجود 3 نساء و3 أطفال".

وأوضح المالكي؛ أنّ "التحالف اتّخذ كافة الإجراءات الوقائية والاحترازية لحماية المدنيين أثناء تنفيذ العملية، التي استمرت لمدة 10 دقائق".

وبيّن المالكي؛ أنّ ""هذه العملية تأتي امتداداً للتعاون الوثيق بين المملكة العربية السعودية والحكومة اليمنية في محاربة الإرهاب وتفكيك التنظيمات الإرهابية، كما أنها تُعدّ ضربة موجعة لتنظيم داعش الإرهابي، وبالأخص في اليمن، وتأتي استكمالاً لجهود المملكة في مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله".

في سياق آخر؛ أعلن التحالف لدعم الشرعية، أمس، اعتراض طائرة حوثية مسيَّرة "درون" أطلقتها ميليشيا الحوثي نحو منطقة سكنية في خميس مشيط، بحسب "واس".

وأوضح العقيد المالكي؛ أنّ "الأداة الإجرامية الإرهابية الحوثية تتعمّد استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، ولم يتم تحقيق أيّ من أهدافهم وتم تدمير الطائرة وإسقاطها".

هذا وقد أكّد مجلس الوزراء السعودي، في جلسته أمس، الحقّ المشروع لقيادة قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن بالردّ على الأعمال الإرهابية التي تقوم بها المليشيات الحوثية باستخدام صواريخ وطائرات مسيَّرة إيرانية الصنع.

مجلس الوزراء السعودي يؤكّد الحقّ المشروع لتحالف دعم الشرعية باليمن في الردّ على الأعمال الحوثي الإرهابية

وقال وزير الإعلام السعودي، تركي بن عبد الله الشبانة، عقب الجلسة التي ترأسها الملك سلمان بن عبد العزيز: إنّ "استمرار الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران بارتكاب الأعمال العدائية والعمليات الإرهابية؛ بإطلاق الصواريخ البالستية، والطائرات بدون طيار، لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية في المملكة، ومخالفة القانون الدولي الإنساني باتخاذ السكان المدنيين في المناطق السكنية دروعاً بشرية، وكذلك إطلاق القوارب المفخخة والمسيَّرة عن بعد، يمثل جرائم حرب، وتهديداً حقيقياً للأمن الإقليمي والدولي."

وأوضح الشبانة؛ أنّ المجلس رحّب "ببيان اللجنة الرباعية التي ضمت السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، وما عبّر عنه من قلق بشأن التوتر المتصاعد في المنطقة والخطر الذي يشكّله النشاط الإيراني المزعزع للسلام والأمن في اليمن والمنطقة بأسرها".

 

 




طارق أبو هشيمة: الفتوى أخطر أسلحة التنظيمات الإرهابية

1,256
عدد القراءات

2019-06-25

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال مدير المؤشر العالمي للفتوى، طارق أبو هشيمة، إنّ هذا المؤشر التابع لدار الإفتاء المصرية فكرة فريدة ليس لها سابقة من قبل في دُور الفتوى في العالم، مضيفاً، في حواره مع "حفريات" أنّ هذه الآلية البحثية التابعة لدار الإفتاء المصرية، تعتمد أحدث آليات التحليل الإستراتيجي والإحصائي، من خلال مجموعة كبيرة من الباحثين والمترجمين.

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) الأول من نوعه في قياس حالة الفتاوى بكافة أرجاء العالم

وأوضح، رئيس وحدة الدراسات الإستراتيجية في دار الإفتاء المصرية، أنّه رغم قلة نسبة الفتاوى غير المنضبطة إلا أنّها تشكّل خطراً بـ "اتخاذها ذريعة لخطابات الجماعات المتطرفة، ورافداً من روافد الإلحاد من ناحية أخرى".
وأكد أبو هشيمة أنّ المؤشر كشف التناقض الفكري لفتاوى الإخوان المسلمين قبل وبعد وجودهم بالسلطة في مصر، مشدداً على الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية، ومجابهة الإرهاب الإلكتروني؛ وأنّ "العقل المتطرف شديد التعقيد وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة".

وهنا نص الحوار:
دور المؤشر العالمي للفتوى

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) هو آلية بحثية تابعة لدار الإفتاء المصرية
بدايةً، هلاّ عرّفتنا ما هو المؤشر العالمي للفتوى وآلية عمله وأهميته؟

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) هو آلية بحثية تابعة لدار الإفتاء المصرية، يرصد ويحلل الحقل الإفتائي العالمي، وفق أحدث آليات التحليل الإستراتيجي والإحصائي، وهو الأول من نوعه في قياس حالة الفتاوى بكافة أرجاء العالم، وهي فكرة فريدة ليس لها سابقة من قبل في دور الفتوى في العالم.

اقرأ أيضاً: "الاحتطاب" في تونس: الجماعات الإرهابيّة تسطو وتسرق بفتاوى شرعية
أما عن آلية عمل المؤشر لدينا؛ فكما هو موضح من خلال الاسم، لدينا مجموعة كبيرة من الباحثين والمترجمين يقومون برصد وتحليل الفتاوى تحليلاً دقيقاً، من خلال التحليل الكيفي والكمّي، وتكمن أهمية ذلك في إيجاد مؤشر يكون بمنزلة "الترموميتر" لقياس حالة الفتوى على نحو دقيق مبني على أسس علمية وإحصائية دقيقة.

كيف تواجهون فتاوى المتطرفين والتنظيمات الإرهابية استناداً إلى مؤشر الفتوى؟
تستحوذ فتاوى التنظيمات المتطرفة على نصيب الأسد في مؤشر الفتوى، لما تمثله من خطورة وما يترتب عليها من أحداث، وبما أنّ مجابهة فتاوى التنظيمات المتطرفة هي من أولويات دار الإفتاء المصرية، فإنّ المؤشر يفرد لها مساحة لرصد فتاوى (تنظيم داعش والإخوان وجبهة النصرة وأنصار بيت المقدس والقاعدة وحزب التحرير وغيرها)، وذلك من منصاتهم الإعلامية ومجلاتهم الدورية وإصداراتهم المرئية والمسموعة؛ وذلك للوقوف على الداء العضال الذي أصاب كثيراً من فتاواهم، والتي يطوّعها قاداتهم لتنفيذ أجنداتهم وأهدافهم المسمومة.

اقرأ أيضاً: "مؤشر الفتوى"... هل يضبط فوضى الفتاوى عالمياً؟!
فلك أن تتخيل مثلاً؛ أنّ "فتاوى النكاح" تصدّرت فتاوى المرأة عند تنظيم داعش الإرهابي، بنسبة (61%)، معظمها دار حول ظاهرة زواج القاصرات، وأن (90%) من أحكام فتاوى التنظيمات المتطرفة تؤيد الظاهرة ذاتها، وهذه النسب والإحصائيات هي ما توصل إليها المؤشر العالمي للفتوى مؤخراً.

العقل المتطرف شديد التعقيد وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة

ما ردكم على اتهامات "تسييس" الفتاوى الرسمية؟
أي عمل لا بدّ من أن يدعم الدولة والوطن، حتى لو كان فكريّاً، ولا شكّ في أنّ لكلّ عمل هادف ومؤسسة إفتائية ناجحة مغرضين يرون أنّ أيّة فتوى تخدم الوطن هي عمل موجه سياسيّاً، وهذا دأبهم، فهم لا يعملون للأوطان، إنما يخدمون تنظيماتهم وجماعاتهم، ولا بدّ لأي مؤسسة من أن تهدف للحفاظ على الإنسان والبنيان؛ فالانتماء للوطن لا ينفي الانتماء للأمة الإسلامية، ومصالح الأوطان ليست بمعزل ومنأى عن مصالح الأديان؛ لأنّها دوائر متداخلة، وكما قال عالم الاجتماع الفرنسي، إميل دوركهايم، فإنّ المؤسسة الدينية هي القادرة وحدها على أن توحّد البشر في مستوى مشاعرهم وتصرفاتهم.

تستحوذ فتاوى التنظيمات المتطرفة على نصيب الأسد في مؤشر الفتوى لما تمثله من خطورة

أما عن أبرز الفتاوى التي رصدها مؤشر الفتوى، وكانت بحسب الحاجة والمصلحة، كانت فتاوى جماعة الإخوان حول مناسبة عيد الأم، فقد أفتوا بعدم جواز الاحتفال قبل وجودهم بالسلطة بمصر، لكنهم أثناء وجودهم في السلطة، أفتوا بجواز الاحتفال به؛ بل وحثّوا الناس عليه، حتى وصل بهم الأمر إلى توزيع البطاقات الملونة على المصلين داخل المساجد أثناء خطبة الجمعة.
الفتوى سلاح مهم جدّاً في يد التنظيمات الإرهابية، فهي بمثابة "سيف المعز وذهبه"، فهي سيف يُشهر في وجه المخالف، وذهب ينثر على رأس المؤيد والموافق، فهي مكمن السلطة داخل هذه التنظيمات.
ما أبرز النتائج التي توصلتم إليها خلال العام الماضي حول الفتاوى؟
أطلق المؤشر العالمي للفتوى نتائجه في مؤتمر دار الإفتاء العالمي، تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مجموعة من النتائج، أهمها؛ أنّ نسبة الفتاوى المنضبطة في العالم، خلال العام 2018، كانت (87%)، ونسبة الفتاوى غير المنضبطة (13%) (سواء كانت متساهلة أو متشددة).
ورغم أنّ الفتاوى غير المنضبطة تُمثل نسبة ضئيلة، غير أنّها تشكّل خطراً من ناحيتين: الأولى أنّها تعدّ سبباً وذريعة لخطابات الجماعات المتطرفة، والثانية: أنّها تُمثّل رافداً من روافد الإلحاد، وتفتح باباً له في عقول الشباب، كما أنّ الفتوى المصرية شكّلت (40%) من إجمالي الفتاوى المرصودة في العالم خلال العام ذاته.

اقرأ أيضاً: فتاوى آثمة وضالة ومتكررة
أما عالميّاً؛ فكانت أهم النتائج؛ أنّ (35%) من الفتاوى الأوروبية تنمّي ظاهرتي "الإسلاموفوبيا" والتطرف، وأنّ الفتاوى الأوروبية تمثل (4%) من جملة الفتاوى في العالم.
مواجهة العقل المتطرف

الإخوان أفتوا بتحريم الاحتفال بعيد الأم لكنهم أجازوه أثناء وجودهم في السلطة
بالإضافة إلى الرصد والدراسات الوصفية ما الذي قمتم به لمواجهة الفكر المتطرف؟

العقل المتطرف عقل شديد التعقيد، ليس لما يحمله من أفكار، إنما لما يحمله من متناقضات، وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة متشابكة الأسلاك، هو يحمل الشيء ونقيضه في آن واحد، وطريقة التعامل مع هذا العقل، تتطلب عمليتين "الإزاحة والإحلال"، إزاحة الأفكار القديمة وإحلال أخرى جديدة.

تنظيم داعش الأكثر استخداماً لتطبيقات الهواتف المحمولة، بنسبة (50%)، تلاه حزب التحرير بنسبة (35%)، ثم القاعدة بنسبة (15%)

وعليه؛ فإننا نستدرج المتطرفين فكريّاً لملعبنا، كما نخاطب الناس العاديين المتعاطفين مع أفكار التنظيمات الإرهابية للحيلولة دون حملهم السلاح أو تأثرهم فكريّاً، ومن ثم نمنع حامل الفكر من أن يدخل في دائرة حمل السلاح، وممارسة العنف، وهو هدف لو تعلمون عظيم نرجو أن يستمر، فما أنفع لك حين تمنع شخصاً من أن يكون مفسداً في الأرض.
المؤشر العالمي تصدى بشكل كبير لإصدارات التنظيمات المتطرفة في الفتاوى، وفنّدها، وردّ على الأباطيل التي تروجها تلك التنظيمات، فنحن نتابع بشكل مستمر مقالات وردوداً، بعددٍ من اللغات، للردّ عليها، وهو أمر، لا شكّ في أنّه يؤكد أهمية العمل ذاته.
كما أنّنا عن طريق تفكيك الخطاب الإفتائي بشكل عام، والوقوف على نقاط القوة والضعف فيه، نساهم في تجديد الفتوى ومن ثم تجديد الخطاب الديني لإنتاج خطاب إفتائي رشيد، بعيد عن الفوضى والعشوائية.

لم يعد خافياً أنّ الفتاوى سلاح داعش في معركة البقاء، كيف تشخّصون خط الفتوى للتنظيم؟

الفتوى أهم سلاح للتنظيمات المتطرفة في كافة معاركها بين الحشد والهزيمة؛ فتمويل التنظيمات يكون بفتوى، والقتل والتفخيخ والتفجير بفتوى، واستباحة الأنفس والأعراض والأموال بفتوى، فتنظيم داعش الإرهابي يستغل سلاح الفتاوى في تحريك وصناعة الأحداث؛ لذا نجده يطوِّع الفتوى لتحقيق أهدافه التي تخدم أجندته بنسبة تصل إلى (90%)، وقد تتبع المؤشر العالمي للفتوى خطًّاً زمنيّاً لفتاوى التنظيم منذ نشأته وتكوينه، حتى بوادر هزيمته الأخيرة، وأظهر أنّ أبرز فتاوى الحشد تمثّلت في: "طاعة القائد والخليفة، واستغلال النساء والأطفال، وسرقة ونهب ممتلكات وآثار الدول، واللجوء لإباحة العملات الرقمية المشفرة لمزيد من البقاء وتمويل عناصر التنظيم، ونسف الهوية الوطنية".

اقرأ أيضاً: من يحمي ضحايا فوضى الفتاوى في المغرب؟
في حين كانت أبرز فتاوى بوادر هزيمة التنظيم، في أكثر من مكان على الأرض: "الثبات، والصبر، والتبرع بالأموال، والانقلاب على القائد، والتذكير بالشهادة، ودخول الجنة، والحور العين".

إلى أي مدى يمكن أن يمضي داعش في معركة البقاء فكرياً ومادياً؟

إنّ إعلان هزيمة تنظيم داعش بصورة نهائية لا تعني موت التنظيم موتاً تامّاً، فقط ما تمّ هو إزاحته من جميع المناطق التي كان يسيطر عليها منذ العام 2014، أما أفكاره، فلم يتمّ اجتثاثها بصورة كبيرة، وأرى أنّ الأفكار هي ما تشكل الأخطر والأهم في معركة البقاء مع هذه التنظيمات الإرهابية.

حلّل مؤشر الفتوى الرسوم الكاريكاتيرية التي احتوى مضمونها على قضايا دينية

تنظيم داعش فعلًا لم تكتب شهادة وفاته بعد، فقد انتقل إلى مناطق رخوة في بعض الدول، فهو بمثابة خلية سرطانية في الجسد، عندما تحاربها تنتقل من منطقة الهجوم إلى منطقة أكثر أماناً، أو ما تعارف عليه بـ"إستراتيجية سمكة الصحراء أو سمكة الرمال"؛ حيث تقوم هذه الإستراتيجية على انسحاب التنظيم من أماكن يتعرض فيها لضربات عنيفة، وهجمات متتالية، إلى أماكن جديدة غير متوقعة من قِبل خصومه؛ ليُشكّل بذلك منطقة نفوذ جديدة، يضمن فيها مزيداً من الأتباع، ومزيداً من الموارد المادية التي تساعده على استكمال أهدافه، وعلى الدول التكاتف والاتحاد واتخاذ الخطوات اللازمة لمجابهته قبل إعادة ترتيب أوراقه من جديد.
من الأمور الإيجابية لهزيمة داعش مؤخراً؛ خسارته لكثير من الموارد المالية التي كان يحصلها جراء سيطرته على البترول وتحصيل الأموال، من أهل المنطقة، التي وصلت إلى 88 ألف كيلومتر مربع، والتي كانت تعدّ بالمليارات، وهذه الخسارة ستفقد التنظيم الكثير من وجوده على أرض الواقع، إلى جانب أنها ستصيبه بالإنهاك، وتفقده القدرة على مواصلة الحروب ضدّ الدول التي يخوض معها معارك طويلة.

اقرأ أيضاً: حوار مع أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية حول فوضى الفتاوى وتجديد الخطاب الديني
بوجود مجموعة خطوات احترازية لمواجهة التنظيم الذي انتقل الآن من خانة العدو الظاهر إلى خانة العدو الخفي، وعودته ورجوعه لمنطقة الحشد من جديد، وهذا الحشد متمثل في السيطرة على عقول الشباب، من خلال بثّ مفاهيم خاطئة في عقولهم، منوهاً إلى أنّه لتجنّب عودة التنظيم من جديد لا بدّ من سيطرة الدول على المناطق الهشّة، والتي تبعد عنها السيطرة الأمنية بصورة كبيرة؛ حيث تُعدّ هذه المناطق بيئة خصبة لعودة هذه التنظيمات إلى الساحة من جديد.
وكذلك ضرورة وجود آلية للردّ على كلّ الشائعات التي تروج على مدار الساعة؛ لأنّ هذه التنظيمات تستغل هذه الشائعات في استقطاب الشباب، والتي تربطها بالقضايا التي يعيشها المواطن على مدار اليوم؛ حيث تأخذ هذه التنظيمات تلك الشائعات وتنسج عليها حالة من الضجر واليأس والإحباط لدى شرائح الشباب.

اقرأ أيضاً: آخر فتاوى الداعية الجزائري المثير للجدل شميسو
لا بدّ من الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية، ومجابهة الإرهاب الإلكتروني؛ لأنّ وسائل التواصل تعدّ الملاذ الأخير لهذه التنظيمات لنشر أفكارهم الهدّامة، فالتنظيمات الإرهابية تؤمن بأنّ بقاءها على وسائل التواصل سيضمن لها الدعم ليس في دولة واحدة؛ بل في دول عديدة، وبالتالي لا بدّ من رقابة على المحتوى الإلكتروني، إلى جانب السعي لتنقيتها من الأفكار المتطرفة والشاذة، حتى لا نترك باباً لهؤلاء المتطرفين يصلون من خلاله إلى عقول الشباب.
مسايرة التطور

لا بدّ من الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية ومجابهة الإرهاب الإلكتروني
ما أحدث تقاريركم الإستراتيجية؟ وكيف تسايرون الجديد على الساحة الدينية والإفتائية؟

لقد قدمنا عملاً جديداً من نوعه، لاقى إشادات داخلية وخارجية، فقد حلّل مؤشر الفتوى الرسوم الكاريكاتيرية التي احتوى مضمونها على قضايا دينية بشكل عام، وفتاوى على وجه الخصوص، على مدار عام، وتوصل إلى أنّ (15%) من رسوم الكاريكاتير المتداولة في المواقع الإلكترونية والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، وإصدارات التنظيمات الإرهابية ركزت على قضايا الشأن الديني بشكل عام، وأنّ (70%) منها ألقت الضوء بشكل مباشر على الفتاوى في كافة أرجاء العالم.

اقرأ أيضاً: الفتاوى بين التوظيف السياسي وفخ التناقضات

وعالميّاً؛ تضمن آخر تقاريرنا أسباب حذف موقع البحث الشهير "جوجل" لتطبيق "الدليل الفقهي للمسلم الأوروبي"، أو ما يسمى بـ"يورو فتوى"، التابع للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وكشفنا أنّ تنظيم داعش هو الأكثر استخداماً لتطبيقات الهواتف المحمولة، بنسبة (50%)، تلاه حزب التحرير بنسبة (35%)، ثم القاعدة بنسبة (15%)، وبرهنا بالدليل على أن تلك التنظيمات تستخدم هذه التطبيقات كآلية قوية لنشر أفكارها، وتحقيق خططها وأهدافها.

خطط مستقبلية

تجنيد الأطفال
لم يعد خافياً استراتيجية التنظيمات الإرهابية بتجنيد الأطفال، كيف نحصّن الأجيال الصغيرة من التطرف؟

لقد وضعت هذه التنظيمات الإرهابية إستراتيجية بعيدة المدى من خلالها تستبدل بمشاعر البراءة مشاعر الكراهية والحقد والثأر في نفوس النشء ضدّ العالم خارج التنظيم، وقد اتبعت في ذلك مجموعة من الآليات لتنفيذ هذه الإستراتيجية، كان – وما يزال – أهمها؛ سلاح الفتاوى، الذي يحوّل الطفل البريء إلى قاتل صغير.

ثمة مغرضون يرون أنّ أيّة فتوى تخدم الوطن هي عمل موجه سياسيّاً

أما عن روافد تلك التنظيمات في الحصول على الأطفال المقاتلين في صفوفها؛ فإنّها تكون من خلال روافد ثلاثة، الأول (بنسبة 66%)؛ وهو الأطفال من أبناء مقاتلي التنظيمات، والثاني (بنسبة 24%)؛ وهو الاختطاف والأَسر، والثالث (بنسبة 10%)؛ وذلك عبر الخداع والاستقطاب.
ونحن نرى أنّ روشتة تحصين النشء من التطرف تكمن في تنظيم دورات تدريبية لهم حول المفاهيم الصحيحة للدين الإسلامي بغرض عدم التأثر بأية مؤثرات خارجية قد تحمل تطرفاً أو عنفاً، وإعداد دورات لتأهيل الأطفال المتضررين من العمل الإرهابي.
وقبل ذلك كلّه؛ ضرورة إصدار فتاوى استباقية للتحذير من ظواهر سلبية خاصة بالطفل، مثل: التنمر واختطاف الأطفال وبيع أعضائهم، إضافة إلى المراقبة الأسرية لألعاب الأطفال الإلكترونية، لما ثبت من أضرار هذه الألعاب على الأطفال الصغار.

هل هناك خطوات لدار الإفتاء في المرحلة المقبلة تجاه الحوادث الإرهابية الواقعة في حقّ المسلمين بالخارج؟
لا شكّ في أنّ الحوادث الإرهابية التي تقع بحقّ المسلمين تكون، في جزء كبير منها، نتاج معلومات مغلوطة بشأن الإسلام والمسلمين، وصورة مشوهة لشخص المسلم المسالم غير المتبني للعنف، وعلى الدول الغربية، مراعاة ذلك بمجموعة من الإجراءات.

المؤشر العالمي للفتوى توصل إلى أنّ نسبة الفتاوى المنضبطة خلال 2018 كانت 87%

لذا؛ فقد حثّ المؤشر العالمي للفتوى الدول الغربية، بالتعاون مع الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، لتبني مناهج تعليمية ومقررات دراسية ونشرات دعوية تنشر الإسلام الصحيح، هذا إلى جانب عزم دار الإفتاء على نشر مبادئ الدين الإسلامي الصحيح عبر صفحاتها المترجمة للغات غير العربية، في مواقع التواصل الاجتماعي، بصورة مستمرة، لتعريف العالم بالإسلام الصحيح البعيد عن أيّ تشويه، وغير المرتبط بتنظيمات أو جماعات أو أفكار فردية، إلى جانب إيفاد الخطباء والدعاة المعتدلين لمسلمي الغرب، وهو الدور الذي تقوم به الدار فعلياً، فهؤلاء المسلمون هم من يمثلون الإسلام في هذه البلاد البعيدة، وهم رسل الدين، فبسماحتهم يتعلم الغرب المعنى الصحيح للدين، ويتم القضاء على صورة المسلم المشوّهة في ذهن غير المسلم.

هل من جديد عن المؤتمر العالمي للإفتاء الذي تعقده دار الإفتاء كلّ عام؟

من المقرر، إن شاء الله، أن تعقد دار الإفتاء المصرية، تحت مظلة الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، مؤتمرها العالمي السنوي، في منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2019، ويعقد هذا العام تحت عنوان "الإدارة الحضارية للخلاف الفقهي"، وسيتناول العديد من القضايا الفقهية المهمّة.

الإمارات صوت لسلام المنطقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
127
عدد القراءات

2019-06-25

منى بوسمرة

سياسات الإمارات الخارجية، ارتكزت تاريخياً، على مبدأ الحلول السياسية، في مواجهة الأزمات، والتوترات، وهذا أهم مبدأ تثبته مواقف الدولة، في كل موقع.

كنا هكذا في ملف اليمن، وفي بقية الملفات، بما في ذلك ملف التوترات في الخليج العربي، والذي يعود إلى مواقف الدولة في المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية والعربية، إضافة إلى تصريحات كبار المسؤولين، والدبلوماسية الإماراتية، يجد بكل وضوح أن الإمارات، لا تؤمن بالحلول العسكرية للنزاعات، وتحض على تجنب الصراعات، وتدعو دوماً إلى إطفاء محاولات التصعيد، من أجل تحقيق الاستقرار.

هذا هو موقف الإمارات، وهو موقف لم يأتِ تعبيراً عن ضعف، بل تعبيراً عن قوة ومكانة واقتدار، وإيماناً بكون التوترات تضر الازدهار، وتمس استقرار الشعوب.

ملف توترات الخليج العربي، شهد مواقف إماراتية بارزة، ونحن كنا دوماً، نعبر عن أهمية الحلول السياسية، وفي الوقت ذاته، لا نقبل أن يتم مس أمن المنطقة، ولا استقرارها، إذ إن الدعوات للحوار والحلول السياسية، لا تعني في أي حال من الأحوال السكوت عن محاولات زعزعة أمن المنطقة، والإضرار بمقدرات شعوبها، وهذا يعني أن دعوات الدولة للحلول السياسية، تتوازى معها، الدعوة لردع الإرهاب، والحزم لاجتثاث خطره، وخصوصاً، حين لا تتوقف الأطراف الداعمة لهذا الإرهاب عن ممارساتها.

أمام هذا الصوت الداعي لسلام المنطقة، والسياسة الإماراتية العقلانية، التي تتطابق أيضاً مع سياسات لدول عربية وعواصم دولية وازنة، رأينا كيف لا تتوقف إيران، عن استفزاز المنطقة، وتهديد العالم، إذ يغيب فيها ما يمكن وصفه الصوت العاقل، ولا تظهر أي دعوات متزنة في مراكز القرار فيها، وتجنح نحو التوتير المستمر، وتجر شعبها البريء، نحو صراعات مكلفة، يدفع فيها أبرياء الإيرانيين الثمن، نتيجة للخفة التي تتسم بها هذه السياسات.

لقد عبرت الإمارات، مراراً، عن موقفها لوقف التصعيد في الخليج العربي، وهو تصعيد يمس أمن العالم كله، فهذه المنطقة هي قلب العالم، وشريانه، ونبضه، وما كتبه معالي الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، في تغريدته الأخيرة، يعبر بوضوح عن هذه السياسات، وخصوصاً، حين تتجدد الدعوة لوقف التصعيد، وإيجاد حلول سياسية، لازمات المنطقة، بدلاً من التوترات التي تهدد المنطقة بأسرها.

لقد آن الأوان لأن تمتثل إيران لدعوات العالم إلى الحوار والمفاوضات، مثلما جاء في تغريدة الدكتور قرقاش، وهذه الدعوات التي تؤيدها القوى المعتدلة والمؤثرة في العالم، بنيت على أساس واضح، من الإدراك العميق بكون التوتير والتصعيد، لن يؤديا إلا لمزيد من الخسائر الكبيرة، والحروب التي لا يريدها أحد.

لقد تعبت المنطقة العربية والإسلامية، من عشرات الحروب الصغيرة والكبيرة، التي ابتليت بها بسبب الصراعات الكبرى، أو النزاعات الدينية والمذهبية والطائفية، أو الصراعات على السلطة، ولم تكسب المنطقة، أي شيء، من حروب المائة عام الأخيرة، وبين أيدينا أرقام مذهلة حول خسائر المنطقة، على صعيد الإنسان وثرواته ومستقبله، فوق الخسائر التي لا يمكن حسبانها بالأرقام، ولا تقديرها بالمال، فهي خسائر تحفر عميقاً في شخصية أبناء المنطقة ووجدانهم وأحلامهم.

لا حل لهذه الأزمات، سوى الحل السياسي، ولا بد من تحرك جماعي، من أجل إطفاء نيران هذه الأزمات، وأن تتوقف إيران عن إشعال أزمات جديدة، وأن يجلس العالم، إلى مائدة التفاوض والحوار، من أجل حل ينشد السلام والاستقرار.

عن "البيان" الإماراتية

استطلاع: معظم الأمريكيين يخافون من كل ما هو "عربي"

321
عدد القراءات

2019-06-25

ترجمة: محمد الدخاخني


هل يجب أن يتعلّم الأمريكيّون، ضمن مناهجهم المدرسية، الأرقام العربية؟

الرئيس التنفيذي لشركة الاستطلاعات وصف النّتيجة بأنّها أتعس وأطرف شهادة على التعصب الأمريكي نراها في بياناتنا

طرحت سيفيك ساينس، وهي شركة أبحاث مقرها بيتسبيرغ، هذا السؤال مؤخراً على نحو 3,200 أمريكي ضمن استطلاع يدور، على ما يبدو، حول الرياضيات، لكن النتيجة كانت مقياساً لمواقف الطلاب تجاه العالم العربي. وقد قال حوالي 56 بالمائة من المُستطلَعين "لا". ولم يصرح 15 بالمائة منهم بأي رأي.

هذه النتائج، الّتي أثارت بسرعة أكثر من 24,000 تغريدة، ربّما كانت لتختلف بشكل حادّ لو أوضح المستطلِعون ماهيّة "الأرقام العربيّة".
هناك 10 منها، هي: 0، 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8 ، 9.
تلك الحقيقة دفعت جون ديك، الرّئيس التّنفيذيّ لشركة الاستطلاعات، إلى وصف النّتيجة بأنّها "أتعس وأطرف شهادة على التّعصّب الأمريكيّ نراها في بياناتنا".

اليوم تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة
يُفترَض أنّ الأمريكيين الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة (وكانت نسبة الجمهوريّين بينهم أكبر من الديمقراطيين) يفتقرون إلى المعرفة الأساسيّة بماهيّة هذه الأرقام، ولديهم أيضاً بعض النّفور من أيّ شيء قد يُوصف بأنّه "عربيّ".
إنّه أمر محزن ومضحك بالفعل - وأيضاً سبب للتّوقّف وطرح سؤال بسيط: لماذا يُدعى النّظام العدديّ الأكثر كفاءة في العالم، والأكثر معياريّة في الحضارة الغربيّة، بـ"الأرقام العربيّة"؟

اقرأ أيضاً: الإسلام في أوروبا: اختراق "القارة العجوز" وصعود الإسلاموفوبيا
يأخذنا الجواب على ذلك إلى الهند في القرن السّابع؛ حيث طوِّر النّظام العدديّ، الّذي تضمّن الصّياغة الثّوريّة للصّفر. وبعد حوالي قرنين من الزّمان، انتقل إلى العالم الإسلاميّ، الّذي كانت عاصمته الرّائعة، بغداد، آنذاك أفضل مدينة في العالم يتابع فيها المرء حياته الثّقافيّة. وهناك، طوَّر عالم مسلم فارسيّ، يُدعى محمّد بن موسى الخوارزميّ، تخصّصاً رياضيّاً يسمّى الجبر، ويعني حرفيّاً "لم شمل الأجزاء المكسورة".
وفي أوائل القرن الثّالث عشر، اكتشف عالم رياضيات إيطاليّ، يُدعى فيبوناتشي، درس الحساب على يد مُعلِّم عربيّ في إحدى دول شمال إفريقيا المسلمة، أنّ هذا النّظام العدديّ وطبيعته العشريّة أكثر عمليّة بكثير من النّظام الرّومانيّ، وسرعان ما نشره في أوروبا؛ حيث أصبحت الأرقام معروفة باسم "الأرقام العربيّة".

اقرأ أيضاً: كيف انتشرت ظاهرة الإسلاموفوبيا ومن غذّاها؟
وفي الوقت نفسه، صار عِلم الجبر يُعرف بـ"algebra"، وتطوَّر اسم الخوارزميّ إلى "algorithm".
اليوم، تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة؛ وقد تشتمل قائمة مختصرة على كلمات مثل: أميرال admiral، الكيمياء alchemy، الكُوَّة alcove، الإنبيق alembic [أداة تقطير]، القلويّ alkali، ملاط lute، ماسِك أو قِناع mask، موصلين muslin [نوع من الأقمشة]، نظير nadir، سُكر Sugar، شراب syrup، تعريفة tariff، ذروة zenith. ويعتقد بعض العلماء أنّه حتّى كلمة "check"، أي الورقة الّتي يتحصّل عليها المرء من أحد البنوك، تأتي من الكلمة العربية "صكّ"، والّتي تعني "وثيقة مكتوبة". (وتستخدم صيغة الجمع، "صكوك"، في الصّيرفة الإسلاميّة للإشارة إلى السّندات).

محمّد بن موسى الخوارزميّ
هناك سبب يرجع إليه امتلاك هذه المصطلحات الغربيّة لجذور عربيّة: بين القرنين الثّامن والثّاني عشر، كان العالم الإسلاميّ، عبر لغته المشتركة، العربيّة، أكثر إبداعاً من أوروبا المسيحيّة، الّتي كانت آنذاك تعيش أواخر عصورها الوسطى. كان المسلمون من الرّواد في الرّياضيّات والهندسة والفيزياء والفلك والأحياء والطّب والعِمارة والتّجارة، والأهم من ذلك، الفلسفة. ولا شكّ أنّ المسلمين قد ورثوا هذه العلوم من ثقافات أخرى، مثل؛ اليونانيّين القدماء والمسيحيّين الشّرقيّين واليهود والهندوس. ومع ذلك، فقد طوّروا هذه التّخصّصات من خلال ابتكاراتهم الخاصّة ونقلوها إلى أوروبا.

الأمريكيون الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة ونسبة الجمهوريّين بينهم كبيرة لديهم بعض نفور من أيّ شيء يُوصف بأنّه عربي

لماذا الخوض في هذا التّاريخ المنسيّ؟ لأنّ دروساً يمكن أن تستقى من ذلك، لكلّ من المسلمين وغير المسلمين.
ومن بين الأخيرين يأتي المحافظون الغربيّون، الّذين لديهم شغف بحماية تراث الحضارة الغربيّة، والّتي غالباً ما يعرّفونها على أنّها حضارة "يهوديّة-مسيحيّة" فقط. بالطّبع، الحضارة الغربيّة لديها إنجاز عظيم يستحقّ الحفاظ عليه: التّنوير، الّذي منحنا حرّيّة الفكر وحرّيّة الدّين وإلغاء العبوديّة والمساواة أمام القانون والدّيمقراطيّة.
ولا ينبغي التّضحية بتلك القِيَم لصالح القَبَليّة ما بعد الحداثيّة المسمّاة "سياسة الهويّة". لكنّ المحافظين الغربيين يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة. إنّ ثالث الدّيانات الإبراهيميّة العظيمة، الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث، وتكريم ذلك الإرث قد يساعد على إقامة حوار بنّاء مع المسلمين.

الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث
بالطّبع، أمامنا، نحن المسلمين، سؤال كبير يجب علينا الإجابة عنه: لماذا كانت حضارتنا ذات يوم خلّاقة، ولماذا فقدنا ذلك العصر الذّهبيّ؟
يجد بعض المسلمين إجابة بسيطة في التّقوى والافتقار إليها، معتقدين أنّ هذا التّراجع جاء عندما أصبح المسلمون "آثمين". ويفترض آخرون أنّ العظمة المبكّرة يمكن إرجاعها إلى القادة الأقوياء، الّذين يأملون في أن تتجسّد نماذج مماثلة لهم. ويجد البعض العزاء في نظريّات المؤامرة الّتي تُلقي بالّلوم على الأعداء في الخارج و"الخونة" في الدّاخل.
إليكم تفسير أكثر واقعيّة: كانت الحضارة الإسلاميّة المبكّرة مبدعة لأنّها كانت منفتحة. على الأقلّ، امتلك بعض المسلمين الرّغبة في التّعلُّم من الحضارات الأخرى. كان هناك مجال لحرّيّة التّعبير، وهو ما كان أمراً استثنائيّاً في ذلك الوقت. وقد سمح ذلك بترجمة ومناقشة أعمال فلاسفة يونانيّين كثيرين، مثل أرسطو، كما سمح لعلماء لاهوت من مختلف الأطياف بالتّعبير عن آرائهم، وأتاح للباحثين بيئة عمل مستقلّة. على كلّ حال، منذ القرن الثّاني عشر وما بعده، فرض خلفاء وسلاطين لهم طبيعة استبداديّة شكلاً أقلّ عقلانيّة وأقلّ قبولاً بالتّنوّع للإسلام. وهكذا تحوّل الفكر الإسلاميّ نحو العزلة والتّكرار والّلامبالاة.

وبحلول القرن السّابع عشر، في الهند المسلمة، كان أحمد السّرهنديّ، وهو عالم بارز عُرِف أيضاً باسم الإمام ربّانيّ، يمثّل منعطفاً دوغمائيّاً عندما أدان جميع "الفلاسفة" وتخصّصاتهم "الغبيّة". وكما كتب: "تأتي الهندسة بين علومهم المدوّنة والمنظّمة، وهي عديمة الفائدة تماماً. مجموع ثلاث زوايا في مثلث عبارة عن مجموع زاويتين قائمتين - ما الفائدة الّتي يمكن أن يعود علينا بها مثل هذا الكلام"؟

المحافظون الغربيون يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة

بالضّبط، لماذا حدث هذا الإغلاق المأساويّ للعقل الإسلاميّ، وكيف يمكن الانقلاب عليه، هو السّؤال الأكبر الّذي يواجه المسلمين اليوم. ويجب ألّا نفقد المزيد من الوقت من خلال ألعاب الإنكار والّلوم.
ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، يجب ألّا يخطئ الآخرون في الحكم على الحضارة الإسلاميّة من خلال النّظر إلى أسوأ منتجاتها، الّتي يشيع الكثير منها الآن. إنّها حضارة عظيمة قدّمت إسهامات كبيرة للبشريّة، لا سيّما الغرب.
ولهذا السّبب، حين تتّصل عبر هاتفك، تقوم باستخدام "الأرقام العربيّة". وهذا مجرّد غيض من فيض من الأفكار والقِيَم المشتركة بين الإسلام والغرب.


المصدر: مصطفى أكيول، النيويورك تايمز

الصفحة الرئيسية