صلاح خليل: القارة الإفريقية قد تشهد قريباً جماعات أكثر تشدداً

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2942
عدد القراءات

2019-04-24

أجرى الحوار: كريم شفيق


قال الباحث السوداني بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، صلاح خليل، إنّ ما تعانيه بعض دول إفريقيا اليوم من صراعات وحركات متطرفة بالدرجة الأولى نتيجة الإرث الاستعماري الذي تركها مفككة تفتقد أبسط مقومات الدولة تحت أنظمة استبدادية فاسدة.

اقرأ أيضاً: إفريقيا مسرح للحرب على الإرهاب
وأضاف، في حواره مع "حفريات"، أنّ تنامي التيارات المسلحة في إفريقيا ومنطقة غرب الصحراء، ظاهرة تحتاج إلى متابعة وفهم دقيقين، "في ظل التطورات الجيوسياسية والإقليمية، خاصة، بعد الربيع العربي، وظهور تحالفات ومصالح جديدة بين تلك التيارات"، مرجحاً أن تشهد القارة الإفريقية في الشهور المقبلة جماعات أكثر تشدداً.
ورأى خليل أنّ العولمة جاءت لتضيف تحديات جديدة على الواقع الإفريقي من خلال أدواتها وأفكارها والسياسات التي روجتها وأدت إلى "تآكل دور الدولة الوطنية وتغير مفهوم السيادة بل والانتقاص من احتكار الدولة للأدوات الرئيسية اللازمة لممارسة السلطة".
وهنا نص الحوار:
جناية الإرث الاستعماري

لجأت حركات التحرر في القارة الإفريقية إلى حمل السلاح
إلى أي حد شكّل الاستعمار في إفريقيا دوراً مؤثراً في تنامي المجموعات المسلحة والجهادية ذات المرجعيات الدينية؟

خلال فترة التحرر الوطني في الفترة الممتدة من الأربعينيات حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، لجأت حركات التحرر في القارة الإفريقية إلى حمل السلاح، والكفاح المسلح ضد المستعمر الأوروبي، من أجل تحقيق الاستقلال، بالإضافة إلى الانعتاق من الاستبداد والعنصرية اللتين كانتا جزءاً لا يتجزأ  من خطاب الرؤية الاستعمارية.

اقرأ أيضاً: رغم الأزمات الداخلية.. تركيا تواصل سياستها التوسعية في إفريقيا
فضلا عن أنّ المستعمر الغربي حوّل دول القارة الإفريقية إلى كيانات تتعرض إلى الاستبعاد والاستغلال لكافة الموارد المتاحة لديها، وتسخير مجهودات الشعوب الإفريقية لصالح المستعمر، لا سيما أنّ العبودية التي مارسها مع بعض سكان القارة الإفريقية. هذه التراكمات أحدثت ثقباً في الذاكرة التاريخية للشعوب الإفريقية، مازالت آثاره باقية في مخيلتهم.
ومن ثم تطورت هذه الظاهرة لاحقاً بعد استقلال الدول الإفريقية، كالحروب الأهلية، والحرب بالوكالة من بعض القوميات نتيجة لما تركه المستعمر من ميراث سلبي، كمثل تفضيله بعض القبائل على قبائل أخرى، مما عمّق أزمة الاندماج الوطني، تحت وطأة عدة أسباب؛ يرتبط بعض منها بالسياسات الاستعمارية التي كانت تتبع سياسة فرق تسد، ومن ثم بذرت الجذور الأولى للفرقة والانقسام داخل هذه المجتمعات.

جماعة "المرابطون" بررت بيعتها لداعش قبل الانفصال بالامتثال لأمر الله وطاعة لرسوله بحكم طبيعتها السلفية الجهادية

هذا علاوة على أنّ الاستعمار عشيّة رحيله كان قد قضى على كل الكيانات الإفريقية، التي يمكن أن تكون نواة لدول وطنية متماسكة جغرافياً وديموغرافياً، ومن ثم ظهرت حدود الدول الإفريقية على شكلها الحالي، ولم تراع هذه الحدود المصطنعة العوامل البشرية والسكانية والواقع على الأرض، وبالتالي ضمت هذه الكيانات الجديدة سكاناً على درجة كبيرة من الخلافات والانقسامات الإثنية واللغوية والدينية.
كما أنّ المستعمر ترك آثاراً سلبية في النسيج الاجتماعي والعشائري والقبلي والإثني الإفريقي، مما مهد لبعض الدول الإفريقية أن تكون عرضة لاستقبال الحركات المتشددة والمتطرفة نتيجة لهذا الإرث الاستعماري.
وبعد التحرر من الاستعمار جاءت الأنظمة المتعاقبة واتبعت سياسات تمييزية ضد الجماعات الأضعف، وحرمتها من نصيب عادل في الثروة والسلطة، وهو ما أدى إلى الحديث بعد ذلك عن ظاهرة التهميش، ونتج عنه ما يسمى بعلاقة المركز والهامش، وبالتبعية لم تجد هذه الجماعات ملجأ سوى العودة إلى الولاءات الأولية الضيقة، والانتماءات الجهوية وذلك بالخصم من رصيد الدولة الوطنية.
فضلا عن جزء كبير من هذه الجماعات احتفظت بسلاحها، بحجة الصراعات الحدودية، والخلافات الإثنية والقومية والمذهبية، ولذلك ظلت هذه المجموعة في حالة تصادم مع الأنظمة السياسية، وتحولت في ما بعد إلى بؤر للتوتر، والتنظيمات المتشددة، وأصبحت في ما بعد أيضاً تمارس العنف المسلح (الإرهاب)، كما ظهر في العديد من الدول الإفريقية؛ نيجيريا، الصومال، كينيا، مالي، النيجر، ليبيا، يوغندا، الجزائر، الكاميرون، تشاد، المغرب، تونس، تنزانيا، إثيوبيا، موزمبيق وإفريقيا الوسطى.
يمكن القول إنّ إفريقيا اليوم تواجه مخاطر واسعة، تهدد استقرارها السياسي والاقتصادي، والاجتماعي، نتيجة انتشار التيارات والجماعات الإسلامية المتشددة في العديد من البلدان الإفريقية، على طول سواحلها الشرقية والغربية، من الصومال وكينيا، وتنزانيا، وموزمبيق، ويوغندا شرقا، موريتانيا، مالي، نيجيريا، النيجر بوركينافاسو والسنغال غربا، الجزائر، المغرب ومصر، ليبيا، تونس، شمالاً، في وسطها إفريقيا الوسطى.
توغل التيارات الإسلامية في السواحل الإفريقية

فقر وبطالة وغياب عدالة اجتماعية
برأيك ما العوامل المحلية التي ساهمت في توغل التيارات الإسلامية في السواحل الإفريقية؟

تمثل الأزمات الاقتصادية كالفقر والبطالة، وتراجع الإنفاق على التعليم، وغياب العدالة الاجتماعية، وسوء الإدارة، وغياب مفهوم التخطيط، وانتشار الفساد والمحسوبية، بالإضافة إلى نمط الأنظمة السياسية والاستبدادية وبقائها في السلطة فترات طويلة، أسباباً رئيسية ودوافع تشكل بيئة حاضنة لترويج وبث الأفكار الأصولية، وانتشار التيارات الإسلامية الراديكالية.

اقرأ أيضاً: الزراعة في إفريقيا.. سماد يحمل مستقبلاً جديداً
بيد أنّه، من ناحية أخرى، جاء مفهوم (العولمة) ليضيف تحديات جديدة على الواقع الإفريقي؛ حيث أسهمت أدواتها والأفكار التي صاحبتها والسياسات التي روجتها إلى تآكل دور الدولة الوطنية، وتغير مفهوم السيادة بل انتقص من احتكار الدولة للأدوات الرئيسية اللازمة لممارسة السلطة، مما أسهم في زيادة حدة أزمة الاندماج الوطني، فضلاً عن تميز القبائل والقوميات الإفريقية بخصوصية، وتفرد الحدود والتباينات الفاصلة على المستويات السلالية واللغوية والثقافية والدينية.
ومن الأسباب الداخلية التي ساهمت بدور كبير في توغل التيارات الإسلامية، الدور الذي تقوم بعض النخبة السياسية الحاكمة في إذكاء الصراعات العرقية والمذهبية بين المواطنين، مما نتج عنه التدخل العسكري الغربي، مرة أخرى، في القارة الإفريقية، بدوافع تهديد الأمن والسلم الدوليين، ولكن في الحقيقة لا يمكن فهمه وتبريره إلا في سياق محاولة استشراف (استعمار) بمفهومه الجديد.  
حركة التوحيد والجهاد

كيف ترى مستقبل حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا والجبهة الوطنية لتحرير خاصة بعد هزيمة الأخيرة على يد المجموعات الموالية للقاعدة في غرب إفريقيا؟
بدأت حركة التوحيد والجهاد كتنظيم سلفي في العام 2011، وهي تأتي بعد حركة أنصار الدين التي تعلن استيلاءها وسيطرتها على أجزاء من منطقة أزواد، وتحديداً على مدينة غاو شمال جمهورية مالي. ولكن توسعت الحركة بنشاطها حتى الصحراء الكبرى والساحل الإفريقي، واكتسبت حركة التوحيد في وقت قصير شهرة وصيتاً كبيرين، وأصبح يضاهي بريق شهرتها تنظيمات مثل؛ "القاعدة" و"داعش" و"بوكو حرام" بالمنطقة.

احتكار السلطة لفترات طويلة في بعض الدول الإفريقية يساعد القوى السياسية المعارضة على الاعتماد على الخلايا النائمة

الفكرة بدأت كتنظيم جهادي مسلح في غرب إفريقيا، في دول السنغال، غينيا، موريتانيا، بوركينافاسو، ودول أخرى، في حدود تمدد أعضائها ومنتسبيها في هذه المنطقة. ولحركة الجهاد والتوحيد هدف إستراتيجي، هو الضغط على الدول في المنطقة الأكثر قوة، ولذلك نجدها استهدفت الجزائر كثيراً، وأصبحت تنسق في عملياتها مع القاعدة وتنظيم داعش في بلاد المغرب العربي، ولكن لديها استقلال في العمليات والتمويل، بفضل علاقتها الإستراتيجية مع "داعش".
وعلى الرغم من أنّ بعض العمليات التي نفذتها الحركة بتنسيق مع الطوارق الأزواد، خاصة، في الهجمات التي تمت في جمهورية مالي، إلا أنّ أغلب العمليات التي تمت في شمال مالي منطقة "غاو" تمت بمساعدة الطوارق حيث إنّ هذه المنطقة يسيطر عليها متمرّدو الطوارق وبعض الجماعات الإسلامية. 
وبعد صراع متكرر ومتسارع بين حركة التوحيد والجهاد والحركة الوطنية الأزواد، واشتباكات مسلحة أدت الى وقوع قتلى بين الطرفين في شمال مالي، تم إقصاء وإبعاد مقاتلي الحركة من مدينة "غاو" الإستراتيجية، وأصبحت المنطقة كلها تحت سيطرة حركتي التوحيد والجهاد وكتيبة الملثمين. 

إفريقيا اليوم تواجه مخاطر واسعة تهدد استقرارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي على رأسها التشدد الديني

والجدير بالذكر أنّ الغالبية الكبيرة من تشكيل المجموعتين هم من العرب، ويرجع الخلاف الكبير بين التنظيمين وتنظيم القاعدة إلى رفض الأخير تكوين وتشكيل سرية خاصة بالمقاتلين العرب على غرار سرية الأنصار، التابعة لتنظيم القاعدة التي تضم في عضويتها العديد من الجهاديين الطوارق.
وفي ظل تمدد نشاط الحركة شمال غرب إفريقيا، هذه المنطقة المهمة في الإستراتيجية الغربية، أعتقد أنّ التحالفات بين كل من الجماعات الإسلامية، وجماعات المصالح؛ وأقصد هنا الحركة الوطنية لتحرير أزواد "الطوارق"، باعتبارها ليس حركة راديكالية إسلامية، بل لجأت لذلك لتحقيق هدفها المتمثل في إقامة دولتهم في هذه المنطقة. وبلا شك إذا لم يعمل مجلس السلم والأمن الإفريقي مع حكومات هذه الدول، من أجل الحد من انتشار هذه الحركة وأفرادها، فلسوف تتمدد هذه الحركة على طول الساحل الغربي لتشمل دول أخرى.
حركة التوحيد والجهاد  

عتمدت حركة التوحيد والجهاد، على العديد من المصادر في التمويل
برزت حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا في أواخر العام 2011 ووصفتها الصحف المالية بأنها أكثر التنظيمات إثار للرعب.. ما الذي جعلها قادرة على هذا الحشد والعمل المؤثر في هذه الفترة القصيرة؟

اعتمدت حركة التوحيد والجهاد، على العديد من المصادر في التمويل؛ ففي البداية، لجأت الحركة على الخطف مقابل الفدية، ولكنها تطورت في الفترات الأخيرة، خاصة، بعد تحالف مع بعض الجماعات الإسلامية في غرب إفريقيا، اتبعت الحركة نهجاً آخر في التمويل من خلال التجارة في السلاح، والسرقة، وفرض الحماية، وهي أرض خصبة في الدول الإفريقية لبعض القبائل؛ لأن ضعف الدولة المركزية، تصبح دوماً الأطراف خارج عن قانون الدولة.

الحركة الوطنية لتحرير أزواد ليست راديكالية إسلامية بل لجأت لذلك لتحقيق أهدافها الانفصالية

أغلب الأعضاء المنتمين لحركة التوحيد والجهاد، من الماليين والموريتانيين، كما أضحت حركة التوحيد مصدر تهديد للأمن الإقليمي لدول غرب أفريقيا. وتعد حركة التوحيد والجهاد الثانية من الحركات السلفية في غرب إفريقيا، من حيث انتشار وأعداد أعضائها. وبعد اندلاع التمرد في شمال جمهورية مالي استولت حركة التوحيد مع حلفائها من الحركة الوطنية لتحرير "أزواد" على مدينة "غاو"، وتلقت لاحقاً دعماً ومساعدة من بعض المنتسبين لتنظيم القاعدة "كتيبة الملثمين"، لمساعدتها في السيطرة على مدينة "غاو"، ذات الكثافة السكانية والعمرانية بشمال مالي. وتمكنت حركة التوحيد من السيطرة على مدن أخرى مثل "تمبكتو وكيدال".
تمكنت الحركة من الحشد والتعبئة لأعضائها، من خلال تبني السلفية الجهادية، وتنشر أفكارها وأهدافها بين الشباب، بواسطة بث الفكر الجهادي المبنى على القبلية، بالإضافة إلى استقطابها تجار المخدرات والتهريب، ومساعدتهم بالعتاد، بغية تأمين المهربات، مما مكّنهم من الاستيلاء على الأسلحة الثقيلة، والقادمة ومن ليبيا، وبعض الدول الإفريقية المجاورة.

اقرأ أيضاً: الإسلام في غرب إفريقيا.. حضور قوي ومتعدّد
تعتمد حركة التوحيد والجهاد في إدارة وتنفيذ عملياتها من خلال أربع تشكيلات عسكرية سرية: أبو مصعب الزرقاوي، أبو الليث الليبي، عبدالله عزام، و(الجهاديين)، بالإضافة إلى كتيبة وسرية أخرى تعرف باسم "أسامة بن لادن"، ويترأسها غالباً قيادي وعضو مجلس شورى حركة التوحيد والجهاد.
وفي كانون الأول (ديسمبر) العام 2012، فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على حركة التوحيد والجهاد، في غرب إفريقيا، وصنفها من أخطر التنظيمات المتشددة.
معظم هذه الجماعات كانت تنتسب إلى تنظيم القاعدة وتنظيم داعش

ما هي العوامل الإقليمية التي ساهمت في هذا الانتشار والهيمنة لهذه الحركة في تلك الجغرافيا السياسية المعقدة؟
إذا نظرنا إلى التنظيمات الجهادية بالقارة الإفريقية نجد في المقام الأول، معظم هذه الجماعات كانت تنتسب إلى تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، وعندما تراجع نشاطها في منطقة أفغانستان وسوريا، أصبحت بعض قيادات الجماعات تبحث عن أماكن بديلة، خاصة بعد تصاعد خسائرها على الصعيدين العسكري والأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: "أشبال إفريقيا"... إرهاب من أول سطر
لذلك صوبت الجماعات الإسلامية أعينها نحو منطقة تكون وطناً جديداً لها، بعد تراخي قبضتها في مناطقها الأم كسوريا، والعراق، جراء الضربات والهجمات التي تلقتها من قبل التحالف الدولي والقوى المناوئة.
دور الأنظمة الاستبدادية

 لعبت الأنظمة المستبدة دوراً بارزاً في القارة الإفريقية، لولوج تلك الأفكار المتشددة من قبل الوافدين
هل أسهمت الأنظمة المستبدة في تلك المنطقة بتدشين دعائم لتطور المعارضة الدينية التي اتخذت من المساجد منبراً لتوجيه النقد إلى الحكومات؟

بلا شك لعبت الأنظمة المستبدة دوراً بارزاً في القارة الإفريقية، لولوج تلك الأفكار المتشددة من قبل الوافدين، من حيث انتشار الفقر وارتفاع نسبة البطالة، وتزايد المشاكل الطائفية والتهميش الاقتصادي والسياسي، وغياب العدالة الاجتماعية ومحاباة قبائل ضد قبائل، تلك بيئة حاضنة للتنظيمات الإسلامية المتشددة وتساهم في تغلغلها.

صوبت الجماعات الإسلامية أعينها نحو منطقة تكون وطناً جديداً لها بعد تراخي قبضتها في مناطقها الأم

ففي العام 2016، تمكن تنظيم داعش من إرسال 15 من قياداته إلى نيجيريا، لتدريب عناصر من مقاتلي "بوكو حرام" على التقنيات الحديثة وتصنيع الأسلحة اليدوية، وقاذفات الصواريخ.
بيد أنّ احتكار السلطة لفترات طويلة في بعض الدول الإفريقية، يساعد القوى السياسية المعارضة على الاعتماد على الخلايا النائمة من أجل الإطاحة بالمستبدين، حتى لو كانت تلك الخلايا من التيارات الإسلامية، مستغلين المساحة المتاحة في منابر المساجد. وفي الحقيقة تعتبر هذه المنابر فرصاً كبيرة لهؤلاء في ظل غياب تام لأجهزة الدولة في الرقابة على النشاطات الدينية.
والجيل الجديد في إفريقيا ممثلاً في "جماعات الإصلاح"، سواء كانت الطرق الصوفية أو جماعات تأسست منذ فترات طويلة مثل الحركة الإسلامية، في شمال نيجيريا، التي يقودها إبراهيم الزقزاقي، وأيضاً جماعة عباد الرحمن التي يقودها السنغالي سيدي خليل، في العاصمة داكار، بالإضافة إلى جماعات أنصار السنة، في شرق إفريقيا، هؤلاء جمعيهم لديهم موقف واحد مشترك ضد فصل الدين عن الدولة (الدولة العلمانية)، لذلك استخدموا منابر المساجد، كمنبر سياسي، ضد علمنة الدولة ومعتمدين في ذلك على الأرضية والبيئة الجغرافية القبلية التي تقدم لهم الدعم والسند.

اقرأ أيضاً: مجلة أمريكية تحذر: هذه مخططات أردوغان في الشرق الأوسط وإفريقيا
انتشرت المدارس "الإسلامية" شمال نيجيريا والسنغال ومالي ومناطق بجنوب إفريقيا لمواجهة صعود حركات الإصلاح الديني الإسلامي، كيف استطاعت الجماعات المتشددة بذلك إجهاض عوامل الإصلاح؟
هنا دعنا نخوض في عملية تجديد الخطاب الديني، الذي يصل بنا إلى التغيير الاجتماعي المطلوب؛ لأن إقحام الصراعات الأيديولوجية والفكرية والسياسية، حتماً سيقودنا إلى حالة عدم الاستقرار في بلد ما؛ حيث يعد انتشار المدارس الإسلامية في دول مثل: نيجيريا والسنغال ومالي وحتى جنوب إفريقيا، ليس الحل في الحد من تغلغل الجماعات الإسلامية إلى هذه الدول، ولكن الحل يكمن في العودة إلى جذور المشكلة؛ كالفقر والعدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، والفساد والمحسوبية.

اقرأ أيضاً: هل تصدر إفريقيا جواز سفر واحداً؟
وعلى سبيل المثال نيجيريا اليوم هي أكثر البلدان الإفريقية، التي سوف تجد نفسها محاصرة بين الجماعات المتشددة، سواء "بوكو حرام"، والشيعة والطرق الصوفية، في شمال البلاد، خاصة مع اتساع نطاق وتغلغل الشيعة على حساب السنّة، نتيجة لارتفاع عدد تجمعاتهم في نيجيريا ووجود العديد من الجمعيات بأسمائهم، ويروجون للمرتكزات الفكرية الشيعية علناً، كالمذهب الإثني عشري كونه المرجع الفكري للحركة الإسلامية، وجمعية الدفاع عن المستضعفين من الشيعة المؤمنين في نيجيريا  وخارجها، والولاء لـولاية الفقيه، والتي يمثلها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران.
كما أنّ الكيانات الشيعية تعمل بوضع قانوني، القائم على المذهب الجعفري الشيعي، ونظرية ولاية الفقيه، لذلك ربما نرى في الشهور المقبلة جماعات أكثر تشدداً في القارة الإفريقية.
صراعات التطرف

ما هي أبرز الجماعات المسلحة في إفريقيا اليوم وهل ثمة تحولات مسّت جوهر نشاطها وبنيتها في ظل التحولات الجارية في ما بعد "الربيع العربي" خصوصاً ارتباطها بما يحدث في ليبيا؟
هناك جماعات عديدة مثل؛ "بوكو حرام" الأشهر، وجماعة "المرابطون" ما بين الوحدة والخلاف، والأخيرة تأسست في آب (أغسطس) العام 2013، بالاتفاق الشهير بين كل من جماعة "الموقعون بالدماء"، بقيادة مختار بلمختار، وقائد تنظيم "التوحيد والجهاد" في غرب إفريقيا.

إقحام الصراعات الإيديولوجية والفكرية والسياسية حتماً سيقودنا إلى حالة عدم الاستقرار في أي بلد

وحركة "التوحيد والجهاد" في غرب إفريقيا، وهي مجموعة انشقت من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، وتنشط بصورة كبيرة بجنوب الجزائر، وشمال مالي، بيد أنه تم إدراج الحركة من قبل الحكومة الكندية في قائمة الجماعات الإرهاب، وحركة شباب المجاهدين بالصومال؛ حيث صنفت حركة شباب المجاهدين في العام 2017، من أخطر الجماعات الإرهابية في شرق إفريقيا، وفقاً لتقرير مركز الديانات والجغرافيا السياسية المعروف (CRG). وتمكنت حركة "شباب المجاهدين" من تنفيذ العديد من الهجمات الانتقامية ضد بعض الدول في شرق أفريقيا، وبذلك تكون قد وسعت من نشاطها لتشمل دولاً أخرى بدلاً من الصومال، فضلاً عن تنظيم القاعدة وداعش في شمال إفريقيا؛ حيث بدأت داعش عملياتها في ليبيا عبر سيطرتها على مدينة سرت العام 2015، لتكون قاعدتها الرئيسية في منطقة شمال إفريقيا إثر فوضى الحرب الأهلية هناك، وقد عمل التنظيم على إيفاد عناصر مقاتلة ذات خبرة للمشاركة في العمليات الميدانية على الأراضي الليبية.

اقرأ أيضاً: الحركات الجهادية في إفريقيا... تحالف وتقاتل وعنف
ومن جهة أخرى، يمكن ملاحظة أنّ (الجبهة المتحدة الثورية)، التي بسببها اندلعت حرب أهلية في سيراليون، أيضاً تتبنى الأفكار الدينية المتشددة. وبالرغم من تراجع تنظيم داعش في الشام نتيجة للضربات القوية التي أدت إلى تراجعه، وتفرق أعضائه ثم انتقال أفراد التنظيم إلى دول إفريقية، خاصة في غرب إفريقيا، إلا أنّه مايزال لديه أكثر من  18 فرعاً في مختلف البلدان.

فوضى الحرب الأهلية
  
برزت أول بيعة لتنظيم "داعش" من التنظيمات الجهادية الناشطة شمال مالي، لكن لماذا أخفقت هذه الولادة التنظيمية فيما بعد؟
جماعة "المرابطون" بررت تلك البيعة في ما بعد، باعتبارها كانت امتثالاً لأمر الله تعالى، وطاعة لرسوله الكريم؛ لأنّ "المرابطون" هي سلفية الطبع، وأيضاً سلفية جهادية؛ فهي ترى تنظيم داعش، من أقوى  التنظيمات في تطبيق الشرع، لذا أطلقت عليها اسم "دولة الإسلام والخلافة معاً". ثم ما لبث أن حدث اختلاف بينهما حول من يتولى الإمارة؛ فرأى "المرابطون" بأنّ تنظيم داعش يحاول فرض سيطرته التنظيمية على الجماعة، وهو في الحقيقة صراع نفوذ بين الجماعتين، انتهى باندماج جماعة "المرابطون" بتنظيم القاعدة في المغرب العربي، في العام 2015، وهو نفس العام الذي حدث فيه فك ارتباط بين "المرابطون" و"داعش"، بيد أنّه جاء اندماج جماعة "المرابطون" نكاية في "بوكوحرام" التي أدت البيعة لتنظيم "داعش".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



جان كرم: المؤسسات الإعلامية المتهاونة تكرّس الرداءة

2019-09-15

أجرت الحوار: رشا سلامة


على خلاف ما قد يخاله المتأمّل من قرب أفول الصحافة الورقية؛ فإنّ أستاذ الصحافة والإعلام اللبناني، جان كرم، يرى أنّ "هنالك أملاً في إقامة توازن بين معايير الربح والخسارة، من جهة، والحفاظ على وجود الصحف ومهنيّتها، إلى حدّ ما، من جهة أخرى"، مع إقراره في الوقت نفسه بأنّ المؤسسات الإعلامية المتهاونة تكرّس الرداءة.
يقول كرم، الحائز على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية من جامعة السوربون الفرنسية في عام 1981، إنّه "لا وجود لتدريس أكاديمي صحفي سليم في ظلّ غياب ممارسة جادة وعميقة للعمل الصحفي في الصحافة المطبوعة والإذاعية والتلفزيونية، وحتى الإلكترونية".

تقع مجموعة كبيرة من الكليات والمؤسسات الإعلامية العربية في خطأ الاستسهال والتهاون مع القارئ والمستمع والمشاهد

في حواره مع "حفريات"، يقول كرم، الذي تقلّد منصب مدير مركز النهار للتدريب والبحوث، والمشرف العام على الدورات التدريبية للصحفيين اللبنانيين والعرب، بالتعاون مع مؤسستَي "إنترنيوز" و"MEPI" الأميركيتين، إضافة إلى منصبه كمشرف عام على ملاحق عدة في "النهار"؛ إنّه يضع اللمسات الأخيرة على مؤلَّفه "موسوعة الصحافة الميسّرة"، التي جاءت خاتمة لستة عشر كتاباً وعشرات الدراسات والمقالات في مسيرته التأليفية، في مدّة تربو على عشرة أعوام.
يُذكر أنّ جان كرم، من مواليد عام 1941، وقد مارسَ العمل الأكاديمي والإشراف على رسائل الدراسات العليا في أقطار عربية شتى، أبرزها الجامعة اللبنانية، ومعهد الإعلام الأردني، إضافة إلى مناصب عدّة تقلّدها في الصحف والمطبوعات اللبنانية والعربية، كما قدّم مجموعة من المؤلفات التي أثرت المكتبة العربية، منها على، سبيل المثال لا الحصر، "جبران خليل جبران"، و"التوجيه في البلاغة والعروض"، و"مدخل إلى لغة الإعلام"، و"الدليل الصحفي العربي"، و"الإعلام العربي إلى القرن الحادي والعشرين"، و"التحوّلات نحو الحداثة في تحرير الأخبار".
يضع كرم اللمسات الأخيرة على مؤلَّفه "موسوعة الصحافة الميسّرة"

هنا نص الحوار:

يهجس معظم القائمين على الصحافة المكتوبة حالياً بإنقاذها من الإفلاس وإبقاء رأسها فوق مستوى الماء؛ ما الأسباب التي أفضت لكلّ هذا التدهور، وما تقييمك لمدى نجاح هذه الجهات في إحداث توازن بين معايير السوق والأرباح والخسارة من جهة، وبين المهنية الإعلامية من جهة أخرى؟

إذا كان سقوط الصحيفة المطبوعة (المكتوبة أو الورقية) سريعاً ومدوياً في الغرب؛ فهو في العالم العربي يتهادى مترنحاً بين سقوط محدود حاصل وسقوط مرتقب قابل للمعالجة، أما أسباب التدهور والسقوط فهي عديدة، منها: شيوع المواد الإخبارية والإعلامية على وسائل الإعلام والتواصل الأخرى "حالاً حالاً"، وعلى نطاق واسع وشبه مجاني، وفي صيغ جذابة وملحقة بالتحليل المتعدد الأصوات والاتجاهات، ومنها نزعة التفاعل مع البرمجيات الرقمية لدى الأجيال المخضرمة والشابة مما يدخلها لذة الاكتشاف، ومنها ذكاء أجهزة الاتصال والإعلام في دمج المرئي والمسموع بالاتصال الفوري، مما يضاعف الشعور بعجائبية التلقي، ومنها هجرة قسم كبير من الإعلانات مع مردوداتها المالية إلى المواقع والصحف الإلكترونية، ومنها أيضاً عدم تنازل أصحاب الصحف وكبار الكُتّاب والمراسلين عن أرباحهم ومرتباتهم الخيالية المستحقة مداراة للسقوط، وغير ذلك كثير.

لا وجود لتدريس أكاديمي صحفي جامعي سليم في غياب ممارسة جادة وعميقة في الصحافة المطبوعة والإذاعية والتلفزيونية وحتى الإلكترونية

عربياً؛ لديّ اعتقاد بأنّ إمكانات النجاح في إقامة التوازن بين معايير الربح والخسارة، من جهة، والحفاظ على المهنية القائمة، من جهة أخرى، غير مستبعدة وذلك للأسباب الآتية:

أولاً: طبيعة المساندة الحكومية المستترة والظاهرة، لدى معظم الأنظمة، لمعظم الصحف لقاء تناغمها الصارخ أو المعقول مع السلطة، مما يؤدي إلى ضمان توزيع سخي للأعداد على المؤسسات الرسمية والصديقة، وفي هذا ضمان الربحية كيفما اتفق.
ثانياً: عدم وصول الانتشار الإعلامي والاتصالي المتطور إلى غاياته القصوى في المناطق والكيانات العلمية والثقافية المتوسطة، مما يبقي الصحيفة الورقية المطبوعة هي الأقرب تناولاً وشراء.

ثالثاً: بناء على المعطَيين السابقين تبقى مردودات الإعلان عالية والأرباح مضمونة، ورابعاً: الاستفادة من تجارب الغرب في التحوّلات التي طرأت على صحفه، ما يخلق حذراً من محظور الإغلاق.

لذلك ستبقى الأحوال الصحفية المطبوعة تحت السيطرة.

صحافة بلا أجندة

حائز على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية من جامعة السوربون الفرنسية في عام 1981
الإعلام متهم دوماً؛ ثمة من يراه مسؤولاً رئيساً عن معظم ما يحدث حالياً من احتقانات واستقطابات، فيما يرى بعض آخر أنّه يقف موقفاً سلبياً ولا يؤدي الدور المنوط به، ما هي وجهة نظرك حول الإعلام العربي عموماً، واللبناني تحديداً، في الوقت الحالي؟

الصحافة، ذات المهنية المؤكدة، لا دور لها سوى الشهادة على الواقع بلا أجندات مغلفة؛ لذلك، تتوالى فيها معالم إخفاقات واستقطابات وغيرها بشكل غير مقصود؛ بل على شكل انعكاس للواقع، وهذه هي مسؤوليتها الوحيدة، أما الصحف الخارجة عن المهنية الصحفية؛ فهي مجرد نشرات إعلانية في خدمة من يموّلها أو من ينشرها؛ لذلك لا يكون لها إلا دور سلبي في التعاطي مع الجمهور العام  يتمثل في الاختلاق والتشويه والتحامل والتحريض وإثارة النعرات من جهة، وتجميل القبح من جهة ثانية؛ هذا الوضع قائم في العالم كلّه، كما في العالم العربي ولبنان، إنّما طغيان اللا مهنية والانحدار نحو الزبائنية هو الممعن في التواجد والهيمنة على مساحة  العالم العربي ولبنان.

عملت عقوداً في الحقل الأكاديمي وفي التحرير الصحفي في كبريات المطبوعات؛ أيّ العملين كان أقرب لنفسك؟ وهل ترى أنّ السلك الأكاديمي أخذك، نوعاً ما، من الممارسة اليومية؟

لا وجود لتدريس أكاديمي صحفي جامعي سليم، في غياب ممارسة جادة وعميقة للعمل الصحفي في الصحافة المطبوعة والإذاعية والتلفزيونية وحتى الإلكترونية؛ فالنظريات التي يطلقها الأستاذ الجامعي تبقى زاداً فوقياً، ما لم ترفق بأمثلة واقعية عايشها وتمرّغ فيها هو شخصياً.

اقرأ أيضاً: كيف يواجه الإعلام تحديات "الفساد المقدس" في العراق؟

من هنا، أنا لم أفترق يوماً عن ممارسة العمل الصحافي حتى في زمن التدريس، ولم أفصل بين مرحلة وأخرى، وإن كنت مرتاحاً إلى الزمن الأكاديمي ارتياحاً مطلقاً؛ لأنّه كان دائماً مرفقاً باستعادة التحرير ومندرجاته وتطوراته في أثناء ممارسة الأعمال التطبيقية.

تلقيت تعليمك العالي في فرنسا، وقد اختبرت الحياة الأكاديمية الغربية، والآن طلبتك ينتشرون في معظم الدول العربية بعد أن درّست في كثير من أقطار الوطن العربي؛ ما هي الفروقات التي رصدتها بين الحقلين الأكاديميين العربي والغربيّ في تعليم الصحافة والإعلام؟

جئت إلى العالم العربي، بجامعاته ومؤسساته الإعلامية، ومعي مخزون من الفكر والنظريات والرؤى في تدريس الصحافة والإعلام الحديث والتدريب عليهما، أهم ما في ذلك المخزون: المفهوم الحديث المتطوّر لمجمل الشائع عن وظائف الإعلام ومكوّنات الخبر والعلاقة بين المحرّر القائم بعملية الإرسال والمتلقي أينما كان، إضافة إلى الإيمان الواجب وجوده بضرورة الانقلاب المستمر على المفاهيم والممارسات القائمة، كلّما طرأ جديد ومثير عليها؛ فالتحوّل نحو الحداثة شأن يومي؛ بل لحظوي.

اقرأ أيضاً: كيف لا تختار دبي عاصمة للإعلام؟

لقد كان شائعاً عندنا، وعلى مساحة كبيرة من المجال الإعلامي العربي، الاسترخاء والنوم على حرير عند المفكرين الإعلاميين العرب وتطبيقاتهم، فقمت أنا وزملائي المشبعون بالتجارب الغربية على إيجاد فرق وتحوّل وبدا ذلك في النجاحات التي رافقت طلبتنا الخرّيجين والمتدرّبين حيث حطّت بهم الرحال في المؤسسات الإعلامية العربية والعالمية.

مهادن أم فاقد للأمل؟

مارسَ العمل الأكاديمي والإشراف على رسائل الدراسات العليا في أقطار عربية شتى
من يقترب من جان كرم يلحظ كم هو مهادن حالياً من ناحية سياسية، ولا أخال أنّ هذه المهادنة كانت في وقت مضى؛ فهل تكفّل الزمن بالمصالحة بين جان كرم والسياسة، أم أنّ هذه المهادنة دليل على فقدان أمل في التغيير؟

اليومَ أحتفظ لنفسي بالإخفاقات والنجاحات السياسية التي اختبرتها في الأزمنة المتعاقبة، وكلّها يقود إلى فقدان الأمل بالتغيير.

كثر هم من ينعون الصحافة الورقية بشكل شبه يومي، منهم أكاديميون يُدرّسون الصحافة والإعلام في الجامعات؛ ما الذي يستشرفه جان كرم فيما يتعلق بالصحافة الورقية؟ وهل يظن أنّها إلى زوال فعلاً؟ كيف تصف مشاعرك حيال تكهنات من هذا القبيل بعد أن حفرت اسماً عريقاً في تعليم الصحافة المكتوبة؟

انتهى زمن النعي وحلّ زمن الانتقال إلى طبائع ما بعد النعي، الصحافة الورقية أو المطبوعة أو المكتوبة تتموضع اليوم في مكان متعدّد المنازل، منه منزل الموت المنتهي؛ حيث الإقفال إلى غير رجعة، لأسباب موضوعية، أهمها عدم التحسّب للحاصل والآتي، ومنزل الخاضع للمعالجة تيمناً بشفاء ممكن عن طريق خفض الانتشار والإنتاج والأرباح وإشراك العدو اللدود المتمثل بالموقع الإلكتروني بالإنتاج، ومنزل العابث اللاهي عن بكائيات الميت، فاخترع له مكاناً في العالم الرقمي القائم سعيداً، وأوجد صحافة ومواقع في الفضاء الليبرالي الممتد إلى الهواتف الذكية، سارقاً ما شاء من مكونات الصحافة التاريخية، ومضيفاً ما شاء من مخترعات تكنولوجيا الاتصال والإعلام.

اقرأ أيضاً: الإعلام الرسمي والرقمي.. بماذا يثق الشباب العربي؟

هذا هو الواقع اليوم؛ هل أحزن لاطماً باكياً؟ لا، لأنّ منطق الوجود والحياة يقول بحتمية التحوّلات التي ستؤول إلى نهايات لا تستثني البدايات التاريخية، والبدايات الصحفية تكونت مع الصحافة المطبوعة وتحوّلاتها الداخلية.

موسوعة الصحافة الميسّرة

تعكف حالياً على موسوعة الصحافة؛ أين وصلت في كتابة هذه الموسوعة؟ وما الذي ستحمله من فرادة وخصوصية؟ هل استعرضت فيها التجربتين؛ العربية والغربية أم اكتفيت بواحدة؟ هلاّ حدثتنا عنها..

"موسوعة الصحافة الميسّرة" خاتمة ستة عشر كتاباً وعشرات الدراسات والمقالات في مسيرتي التأليفية، انتهت كتابة الموسوعة بعد عشرة أعوام من الإعداد وانتهت المرحلة الأولى من طباعتها بعد عامين من المراجعة وإعادة التحديث، تزامناً مع التطورات المتسارعة الطارئة على الصحافة والإعلام، إلى أن وصلنا للمسات الأخيرة القليلة لإطلاقها.
الموسوعة قسمان: الأول يتناول معاني المفردات والعبارات المتعلقة بالصحافة، وما يدخل في صناعتها ضمن الخصوصيات الآتية:

المطلوب هو أن يكون المواطن الصحفي غير المتخصص ذا حضور نادر في ظروف استثنائية جداً ولزوم محدود الصلاحية

أولاً: العرض باللغة العربية وفقاً للترتيب الأبجدي.

ثانياً: الشرح باللغة العربية: إفرادياً، أو موسّعاً من خلال تحليل، أو مرفقاً بأمثلة.

ثالثاً: في المقابل ما يوازي المفردة أو العبارة بالفرنسية والإنجليزية.

رابعاً: مسرد مستقل للمفردات والعبارات المقابلة باللغة الفرنسية، مرفقة بمعانيها المفردة بالعربية والإنجليزية.

خامساً: مسرد مستقل للمفردات والعبارات المقابلة باللغة الإنجليزية مرفقة بمعانيها المفردة بالعربية والفرنسية.

أما القسم الثاني؛ فيتناول الصحافة العربية في تفصيلين تاريخيين: الأول بداياتها في كلّ بلد عربي، والثاني أهم الروّاد والكبار فيها.

إنّها الموسوعة الأولى من نوعها في العالم العربي، وهي موائمة لمن يريد الاستزادة بالعربية، أو الفرنسية أو الإنجليزية.

ألا تجد أن تخصّص الإعلام في العالم العربي، وبالتالي القطاع المهني، بات يضمّ الغثّ والسمين، والكفؤ وغير الكفؤ، وتحديداً بعد بروز ظاهرة المواطن الصحفي واستسهال ممارسة الصحافة؟ وهل ترى أنّ المؤسسات الأكاديمية العربية تعاني خللاً في هذا السياق، أقصد عدم الغربلة؟

كان بإمكان تحوّل الصحافة والإعلام نحو الصناعة الربحية التجارية في العالم العربي أن يعزز استخدام الكوادر الصحفية والإعلامية عالية الكفاءة للتدريب، وإنتاج مستوى رفيع مدفوع الأجر، وانتشاراً واسعاً، وإعلانات سخية، لكنّ بعض التهاون والغباء جعل الأمر يمشي في اتجاه معاكس، مما راكم الطلب على الغثّ من المراسلين وشبه المراسلين؛ بل من أميّي الصحافة، اتكالاً على تصحيحات مأمولة في الغرف الداخلية، خاصة الـ "ديسك" المركزي، أضف إلى ذلك أنّ شيوع ظاهرة المواطن الصحفي، بما فيها من غياب المهنية وشروط الصحافة الأصيلة واستسهال تصيّد الأخبار الفاقعة ومجانية الاختيار، ضرب اهتمام الأكاديميين بتخريج أفواج من الإعلاميين الممتلئين ثقافة وإحاطة وافية بالمفاهيم وشروط الاختيار السليم والتقديم والتحرير.

اقرأ أيضاً: منتدى الإعلام بدبي.. إحياء الحضارات

وعلى هذا؛ فإنّ المؤسسات الإعلامية المتهاونة تكرّس الرداءة باستخدام المواطن الصحفي على علّاته، المطلوب هو أن يكون المواطن الصحفي، غير المتخصص، ذا حضور نادر في ظروف استثنائية جداً، ولزوم محدود الصلاحية، مرفقاً بكثير من التحفظ.
المطلوب من الأكاديميين الإعلاميين أن يخففوا من اندفاعهم نحو تكريس هذه الظاهرة، وما يرافقها من تخلّ تلقائي عن المبادئ والشروط القاسية لإنتاج صحافة مرموقة.

في خلاصة مبدئية، تقع مجموعة كبيرة من الكليات والمؤسسات الإعلامية العربية في خطأ الاستسهال والتهاون مع القارئ والمستمع والمشاهد، وهو أمر لن يستمرّ القبول به، وستتوالى الانقلابات عليه.

للمشاركة:

فريد بن بلقاسم: ادعاء "النهضة" القطيعة مع "الإخوان" دعاية سياسية انتخابية‎

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
2019-09-10

أجرى الحوار: عيسى جابلي


قال الباحث في الفكر الإسلامي والحركات الإسلاموية، فريد بن بلقاسم، إنّ حركة النهضة فقدت الكثير من رصيدها الانتخابي منذ العام 2011، وإنّ حظوظ مرشّحها للرئاسيات "ضعيفة"، مؤكداً أنّ تماسك قاعدتها الانتخابية، كما يزعم قادتها "صورة متوهمة".

حركة النهضة فقدت منذ انتخابات 2011 إلى الانتخابات المحلية في 2018 ما يقارب المليون ناخب

وأضاف بن بلقاسم، في حواره مع "حفريات"؛ أنّ حركة النهضة كانت مجبرة على المشاركة في الانتخابات الرئاسية رغم تركيزها بالأساس على مجلس النواب "الذي يمكنها من التحكم في السلطة التنفيذية والمناورة في الرئاسية"، مؤكداً أنّ المراجعات التي تروج لها الحركة "مسألة فيها نظر، في ضوء الظروف المحلية والإقليمية التي تمّت فيها، مرجِّحاً أنّها مدرَجة إلى الآن في خانة "صناعة الصورة".
وأوضح، الأستاذ المساعد بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس؛ أنّ مسألة قطيعة حركة النهضة مع الإخوان حولها "أسئلة كثيرة"، وهي داخلة في "باب الدعاية السياسية الانتخابية"، على حد تعبيره، متوقعاً ألا تفرز الانتخابات التونسية القادمة قوّة سياسية متفوّقة على الآخرين بشكل كبير.

اقرأ أيضاً: إما تونس أو النهضة
وفريد بن بلقاسم باحث في الفكر الإسلامي والحركات الإسلاموية، له مقالات في قضايا الهوية وفي الإسلام السياسي، وصدر له، العام 2019، كتاب "الإسلام السياسي ومفهوم المخاطر" عن دار الجنوب في تونس، وشارك في الكتاب الجماعي "ميراث النساء ووهم قطعية الدلالة"، ببحث عنوانه "في علم الفرائض دراسة تحليلية نقدية".
وهنا نصّ الحوار:
حظوظ حركة النهضة الانتخابية

نبدأ بالحديث عن حظوظ حركة النهضة في الانتخابات التشريعية والرئاسية، كيف تراها؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال؛ ينبغي أن نشير إلى أهمية هذا الموعد الانتخابي فيما أطلق عليه مسار الانتقال الديمقراطي في تونس؛ فهذه الانتخابات ستوضّح بنسبة كبيرة مدى النجاح في إقامة نظام حكم مبني على قواعد الديمقراطية، وخصوصاً على مبدأ التداول السلمي للسلطة.

المراجعات في أدبيات الإسلام السياسي ليست أمراً جديداً كلّما وجدت حركاتها نفسها في أزمة

والمتابع للمواعيد الانتخابية في تونس، منذ 2011، يلاحظ التطوّرات الحاصلة؛ على مستوى المشاركة في الانتخابات، ومستوى قدرة القوى السياسية على المحافظة على رصيدها الانتخابي، وفي هذا المضمار نلاحظ أنّ حركة النهضة فقدت الكثير من قدراتها، وخسرت الكثير من خزّانها الانتخابي، ولكنّ حظوظها في هذه الانتخابات ليست مرتبطة فقط بهذا العنصر، وإنّما بعنصرين آخرين، هما: حجم المشاركة في الانتخابات القادمة، الرئاسية والتشريعية، من ناحية، وقدرة الأحزاب الأخرى على أن تكون بديلاً قوياً للطبقة الحاكمة اليوم من ناحية أخرى. وأعتقد، في ظلّ الواقع الراهن؛ أنّه من الصعب التكهّن بنتائج الانتخابات، لا سيما الانتخابات التشريعية، في ظلّ كثرة الترشّحات والضبابية، وتشتّت العائلة المحسوبة على التيار الحداثي في تونس، أمّا في الانتخابات الرئاسية فالأمر مختلف، وأعتقد أنّ حظوظ مرشّح حركة النهضة ضعيفة حتى في بلوغ الدور الثاني.
ولكنّ كثيراً من المحللين يرون أنّ "تماسك" قواعد النهضة مقابل تشتت أحزاب منافسيها قد يقوي حظوظها بالفوز؟
في رأيي؛ ينبغي أن نحدّد مَن هم قواعد النهضة؟ وهل هم يشكّلون كتلة متراصّة متماسكة كما يزعم قادة النهضة أنفسهم؟ أعتقد أنّ الأمر لا يعدو أن يكون صورة متوهّمة: هناك حزام قاعدي حول النهضة متماسك وقوي مبني على نوع من الولاء العقائدي، إضافة إلى روابط عائلية متينة، وهو حزام محدود العدد، ولا يجعل من النهضة قوّة سياسية معتبرة، وهناك حزام انتهازي يعتمد على المصالح السياسية والاقتصادية، وهذا الحزام متحرّك يبحث دوماً عمّن يحمي مصالحه، والنتيجة الماثلة بين أعيننا.

زعم قادة النهضة القطيعة مع الإخوان يدخل في باب الدعاية السياسية الانتخابية

إنّ حركة النهضة فقدت، منذ انتخابات 2011 إلى الانتخابات المحلية في 2018، ما يقارب مليون ناخب، وهي نفسها شهدت في الأعوام الأخيرة صراعات داخلية، ظهرت بشكل بارز أثناء إعداد القائمات الانتخابية هذا العام، وهناك تململ داخل قواعدها الوسطى والصغرى، يضاف إلى ذلك مسؤوليتها في ما تشهده البلاد من أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، وهذا كلّه يلقي بظلاله على حظوظها في الانتخابات التشريعية القادمة، أمّا الحديث عن تشّتت القوى الحداثية واليسارية؛ فهذا أمر لا يمكن إنكاره، رغم أنّها تمثّل، في رأيي، القوّة المجتمعية الأكبر في تونس، ولها إمكانية الحكم دون حاجة إلى ما يسمّى التوافق مع حركة النهضة.
لماذا برأيك أصرّت حركة النهضة على المنافسة على انتخابات النواب والرئاسة معاً؟
أعتقد أنّ وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي، رحمه الله، وتقديم الانتخابات الرئاسية على التشريعية، وقرب الموعدين من بعضهما (أقلّ من شهر)، جعل حركة النهضة في مأزق؛ فهي إن لم تشارك في الرئاسية ستفقد الكثير؛ أوّلاً من صورتها التي تحاول ترويجها باعتبارها الحركة السياسية الأقوى، وثانياً من الزخم الذي ستوفّره المشاركة في هذا الموعد الانتخابي، فوجدت نفسها مجبَرة على المشاركة.

اقرأ أيضاً: ساعة "الحقيقة" تقترب: "الجهاز السري لحركة النهضة" في برامج مرشحي الرئاسة
وفي رأيي؛ إنّها لم تكن تريد ذلك؛ لأنّ تركيزها الأساسي على مجلس النواب مصدر السلطة الرئيس، الذي يمكّن من التحكّم في تشكيل الحكومة والإمساك بأغلب مفاصل السلطة التنفيذية، ثمّ بعد الانتهاء من الانتخابات التشريعية يمكنها أن تناور في الرئاسية، لكنّ هذا المخطّط سقط ووجدت نفسها في وضع يفقدها المناورة وهو التكنيك السياسي الذي تتقنه جيداً.
حقيقة مراجعات "النهضة"

ماذا عن المراجعات التي تقول "النهضة" إنّها أقدمت عليها بعد الثورة؟ هل هي مراجعات جذرية برأيك؟
المراجعات في أدبيات الإسلام السياسي ليست أمراً جديداً، كلّما وجدت هذه الحركات نفسها في أزمة لجأت إلى القول إنّها بصدد إجراء مراجعات.

المساواة بين الرجل والمرأة كما هي مطروحة اليوم غير مفكَّر فيها في الرؤية الإسلاموية

أعود إلى سؤالك حول حركة النهضة: أعتقد أنّه ينبغي أن نضع ما تقوله في إطار ما يمكن تسميته بصناعة الصورة، والمهمّ في هذه الصناعة ليس الحقيقة كما هي وإنّما قدرتها التأثيرية في المتلقّي؛ أمّا معرفة إن كان الأمر جدّياً أم لا؟
هناك في رأيي معطيان يجب أن يؤخذا بعين الاعتبار: معطى السياق: في أي ظروف وأحداث أعلنت حركة النهضة هذه المراجعات (تنبغي العودة إلى منتصف عام 2013 وما جرى فيه إقليمياً، بسقوط حكم الإخوان في مصر، ووطنياً باعتصام الرحيل بعد الاغتيالات السياسية والعمليات الإرهابية ضدّ الأمن والجيش، يضاف إلى ذلك انتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة)؛ فهي إذاً، معطيات ضاغطة شعرت فيها الحركة بالخطر.

اقرأ أيضاً: هل تنوي "النهضة" التغوّل في الساحة السياسية التونسية؟
والأمر الثاني؛ هو إخضاع هذه المراجعات لاختبار النزاهة والمصداقية، معرفياً وأخلاقياً، وفي هذا المضمار ثغرات كثيرة عن مدى استقامة الجمع بين الإسلام باعتباره ديناً، والديمقراطية باعتبارها نظاماً لإدارة شؤون المواطنين، وعن مدى قدرة دعاة حركة النهضة على مراجعة لأصول الإسلام السياسي من قبيل "شمولية الإسلام"، و"الإسلام دين ودولة"، و"حاكمية الشريعة"، وعن مدى قدرتهم على استيعاب القيم الحديثة، وخصوصاً قيمة المساواة وقيم حقوق الإنسان، كما تنصّ عليها المواثيق الدولية.

اقرأ أيضاً: النهضة بين وجهها القبيح وأقنعتها الزائفة
إضافة إلى احتكام هذه المراجعات لمبدأ الحقيقة في الكشف عن الماضي والاعتراف به، إلى غير ذلك من الأسئلة العالقة التي تجعل هذه المراجعات تصبّ إلى الآن في خانة صناعة الصورة، وفي خانة التلاعب من أجل المحافظة على الموقع، وهذه الازدواجية هي التي تخلق الهواجس والشكوك في التعامل مع ما تعلنه الحركة.

من هذه المراجعات؛ ما أعلنه مورو مثلاً، بخصوص قطع علاقة حركة النهضة بالإخوان منذ أواخر السبعينيات.
ما قاله السيد مورو يدخل في باب الدعاية السياسية الانتخابية، طبعاً إذا كان يقصد العلاقة التنظيمية؛ فهذه في الحقيقة حولها أسئلة كثيرة، أمّا الروابط الفكرية والإيديولوجية؛ فهي لا تحتاج إلى جهد لإثباتها، فيكفي أن نستحضر مثلاً ما كان يقوم به الاتجاه الإسلامي سابقاً (حركة النهضة اليوم)، ومورو أحد أبرز قيادييه؛ من تلخيص ونشر لكتب سيد قطب مثلاً، والبيان الذي وقّعه مورو شخصياً ضدّ وزير التربية الأسبق، محمد الشرفي، وفيه شحنة تكفيرية ضدّ توجّهاته في الإصلاح التربوي، وغيرها من الأحداث التي تبين أنّ خزّان النهضة الأيديولوجي هو خزّان إخواني.
يلاحظ أنّ الأغلبية الساحقة في قوائم حركة النهضة من الرجال، كيف تصف موقف حركة النهضة من المرأة؟
بالنسبة إلى موقف حركة النهضة من قضية المرأة فهناك نقطتان مهمّتان؛ الأولى على المستوى السياسي، وباعتبار المرأة مواطنة، وهنا لم تعد الحركة تجد حرجاً في الدعوة إلى مشاركة المرأة في الحياة السياسية، فتبنّيها للديمقراطية الانتخابية يحتّم عليها أن تستثمر في الصوت النسائي، وأن تحاول الاستفادة منه، ولكن دون أن تقطع مع الموقف الذكوري، الذي يرهن ذلك الصوت لصالح الدعوة والحركة التي يسيطر عليها الرجال.

اقرأ أيضاً: سطوة الغنوشي تُفاقم الخلافات داخل حركة النهضة
والنقطة الثانية على مستوى المرأة، باعتبارها امرأة لها حقوق خاصّة بها، أقرّتها العهود والمواثيق الدولية، وحرّرتها من منزلة الدونية والتبعية للرجل؛ فحركة النهضة، وحركات الإسلام السياسي عموماً، تتشبّث بموقف أصولي رافض لهذه المنظومة الحقوقية.
"مدنية" الحركة

رفض حركة النهضة لمسألة المساواة في الميراث متوقَّع
كيف تقرأ رفض "النهضة" لقانون المساواة في الميراث وأسبابه في ظل تأكيها أنّها حركة "مدنية"؟

رفض حركة النهضة لمسألة المساواة في الميراث متوقَّع؛ فهي بذلك منسجمة مع مرجعيتها الإسلامية المعلنة في نظامها الأساسي، ومع روافدها الإخوانية المعتمدة على الموروث الأصولي والفقهي، وهو موروث يرى أنّ مسألة الميراث محسومة بما يسمّيه علم الفرائض، إذاً المساواة، كما هي مطروحة اليوم، غير مفكَّر فيها في الرؤية الإسلاموية، يضاف إلى ذلك أنّ حركة النهضة خسرت كثيراً من قاعدتها الانتخابية، ولم يبقَ لها غير نواتها "الجماهيرية" الصلبة، وهي غير مستعدّة من الناحية السياسية لأن تخسر المزيد.
إذاً، ما مدى جدية الزعم بأنّ الحركة قد تحوّلت إلى حزب مدني؟
مدنية حركة النهضة تحتاج إلى أن نحدّد المقصود بالمدنية، إن كان الأمر يتعلّق بأنّ هذه الحركة غير عسكرية، فهذا أمر واضح، وإن كان غير محسوم تماماً في ظلّ الحديث عن جهاز سرّي تابع لها، وإن كان المقصود حركة غير دينية، فهي فعلاً حركة غير دينية؛ فهي حركة سياسية بمرجعية إسلامية، بحسب نظامها الأساسي، دون أن توضّح لنا المقصود بالمرجعية الإسلامية.

اقرأ أيضاً: وفاة السبسي تخلط أوراق النهضة قبل الانتخابات
أعتقد أنّ مسار تحوّل حركة النهضة في تونس إلى حركة مدنية، بمعنى حركة سياسية تؤمن بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، يحتاج إلى جهد كبير، تنظيري وعملي، وعلى مستوى القمّة والقاعدة، وهو عمل يمكن أن تكون النهضة قد شرعت فيه بضغط الأحداث والظروف، وكلّما ازدادت الضغوط ستبذل الحركة جهوداً أكبر للسير قدماً في هذا المضمار، ونحن اليوم نسمع أصواتاً منفردة، لكنّها مهمّة، في هذا الاتّجاه.
الانتخابات التونسية القادمة لن تفرز قوّة سياسية متفوّقة على الآخرين بشكل كبير

على ذكر الجهاز السرّي؛ هل قدمت النهضة حججاً مقنعة تثبت عدم ارتباطها به وبالاغتيالات السياسية؟
امتلاك الحركات الإسلاموية أجهزة سرّية أمر تؤكّده شواهد كثيرة من داخل هذه الحركات نفسها (راجع ما كتبه قادة النظام الخاصّ التابع لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، مثل: علي عشماوي، ومحمود الصبّاغ، وغيرهما)، وفي وقت سابق؛ امتلك الاتّجاه الإسلامي في تونس مجموعة أمنية وعسكرية تابعة له ضالعة في التخطيط لانقلاب على نظام الرئيس، الحبيب بورقيبة، عام 1987، وهو ما أكّده المنصف بن سالم، الذي أشرف على المجموعة في كتابه "سنوات الجمر".

مسار تحوّل "النهضة" إلى حركة مدنية يحتاج إلى جهد كبير تنظيري وعملي وعلى مستوى القمّة والقاعدة

أمّا اليوم؛ فقد أعادت هيئة الدفاع عن الشهيدَين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، إثارة هذا القضية، في أيلول (سبتمبر) 2018، وأصبحت قضية رأي عام، وطرحها الرئيس الراحل، قائد السبسي، في مجلس الأمن القومي، ويبدو أنّنا في تونس في حاجة ملحّة إلى إماطة اللّثام على هذه القضية، والحسم فيها قضائياً؛ حفاظاً على سلامة المناخ السياسي، واستكمالاً لشروط الانتقال الديمقراطي؛ وليس هناك من سبيل سوى التحقيق القضائي، فالقضاء هو الكفيل، في تقديري، بأن يكشف الحقيقة.
كيف تتوقع مستقبل حركة النهضة إذا فازت بالانتخابات وتعاملها مع محيط تونس الإقليمي والدولي؟
هذا سؤال سابق لأوانه، واعتقادي أنّ الانتخابات القادمة لن تفرز قوّة سياسية متفوّقة على الآخرين بشكل كبير؛ هناك تقارب كبير بين القوى المتنافسة في هذه الانتخابات، وربّما قد لا تستطيع تشكيل حكومة مستقرّة، أمّا مستقبل حركة النهضة فتتحكّم فيه عدّة عوامل: وجود قوى سياسية قادرة على المنافسة بقوّة قد يدفعها إلى مواصلة نهج المراجعات، وربّما قد يؤدّي إلى انقسامها تنظيمياً، إضافة إلى موقف القوى الدولية الفاعلة من الإسلام السياسي.
حركة النهضة ليست في وضع مريح يسمح لها بحرّية الاختيار، وبأن تكون المتحكّم في المشهد السياسي في تونس، هناك متغيرات كثيرة والأمور لم تستقرّ بعد، وهو ما يجعل كلّ الاحتمالات واردة.

للمشاركة:

محمد البشاري: جماعات الإسلام السياسي تسعى لاصطدامنا مع الآخر

2019-09-01

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال الأمين العام لـ "المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة" د.محمد البشاري إنّه من الضروري تأصيل الفقه وتذليل الصعاب بين الممارسة الدينية وقوانين بلدان المجتمعات المسلمة في الغرب. ودعا، في حواره مع "حفريات"، إلى الالتزام بخطاب إسلامي وسطي معتدل "يحترم سيادة الدول، ويعزز قيم المواطنة والمشاركة والتوادّ والتعاون والتراحم، واجتناب ما يثير نوازع الفتنة والفرقة بين المسلمين أنفسهم وبين غيرهم".

اقرأ أيضاً: كيف خرج الإسلام السياسي على موقف أهل السنّة من الدولة؟
وأضاف رئيس "الفيدرالية العامة للمسلمين في فرنسا"، أنّ علينا العناية بالفقه الذي يؤصّل للعدالة الاجتماعية، و"مراجعة كل ما يحرض على الصدام مع الآخر، ونقد التراث الفكري القديم الذي يجعل هذه العلاقة علاقة حرب وجزية".

وهنا نصّ الحوار:
العيش المشترك

تيارات الإسلام السياسي تشتغل على ما يسمى "الأسلمة" التي تعطي ولاءات خارج الأوطان
كيف تصف الوجود الإسلامي والمجتمعات المسلمة بأوروبا ومشكلاتها؟

المسلمون في دول أوروبية كثيرة يعيشون كأقلية بشرية أو دينية، ورغم اعتراف دول كثيرة بالإسلام رسمياً، والحضور القوي في بعض الحالات، إلّا أنّ المسلمين في حاجة إلى تشريعات قادرة على حماية الحقوق الثقافية والشعائر التعبدية هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ العمل على تأصيل فقه الأقليات والمواطنة مطلوب، مقابل فتاوى الانزواء، لا سيما ما يخص قضايا العيش المشترك وأسس التواصل الحضاري؛ حيث كان من اللازم تأصيل الفقه وتذليل الصعاب بين الممارسة الدينية وقوانين بلدان المجتمعات المسلمة.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن فهم علاقة الإسلام السياسي بالحداثة؟
وما يجري في أوروبا، على سبيل المثال، من محاولة بعض الجماعات عزل المسلمين في "جيتو"، واستخدامهم كظهير للتنظيمات، لا حلّ له سوى العمل بجدية على إعادة العقل الإسلامي من جديد، للحدّ من وتيرة الحروب الدينية والطائفية، التي لن تتم إلا من خلال إطلاق مبادرات الحوار والتنمية المستدامة والعناية بقضايا الشباب والفقر والجهل.

هل توجد تجربة ناجحة ونموذج يمكن أن نبني عليه على هذا الصعيد؟

في رأيي؛ في كلّ دولة من دول المجتمعات المسلمة تجارب مميزة، فمثلاً روسيا استطاعت أن تقدم نموذجاً يحتذى به في مجال إدارة التعددية الدينية والثقافية، وهو ما تحثّ عليه "وثيقة الإخوة الإنسانية"؛ التي وقّع عليها قداسة البابا فرانسوا، والإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، في أبوظبي، وهي التي بعثت أمل التعايش لأتباع الأديان والثقافات، خاصة أنّ دعوة الإسلام هي السلم بين الدول والتعايش بين الشعوب، وبرّ بالوالدين، وحسن الجوار، والمجادلة بالتي هي أحسن، ودعوة عفو وصفح ومحبة، وتعاون على الخير.

الإسلام يحض على احترام التعددية والاعتراف بالمخالفة الدينية

برأيكم، ما الذي يعيد العمل بالتعددية الدينية والثقافية؟
يمكن أن يتم هذا عبر التفكير والرجوع للخزانة الإسلامية المليئة بالمؤلفات، لكن لا بدّ من أن يلاحظ أنّ المدارس الفقهية، مثل المالكية، اعتنت بفقه النوازل، والنازلة هي المصيبة، نظراً إلى قرب مشايخها من الأندلس، وأما المذهب الحنفي؛ فتميز بفقه الرأي، وأما المالكية فتعاملت مع الوجود كأقلية دينية، وجاءت قضية الهجرة بعد غرناطة، فدعت بعض المدارس الفقهية المجتمعات بعدم العيش في بلاد الكفار، وهناك من أصّل فيما بعد للفقه القتالي، وهنا يأتي علينا الدور في تناول المسألة من حيث الفقه المقاصدي، وتظهر هنا مدرسة عبد الله بين بيه، التي تناولت دور الدولة الإسلامية وجيرانها، والأمن الفقهي الفكري السياسي، الأمر الذي كرّسه إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي.

تأصيل فقه الأقليات والمواطنة مطلوب مقابل فتاوى الانزواء خاصة فيما يخص العيش المشترك والتواصل الحضاري

والذي أعطى للمجتمعات المسلمة نفساً كبيراً مع محاوريها؛ أنّ ديننا الإسلامي يحض على احترام التعددية والاعتراف بالمخالفة الدينية؛ لذا نجد أنّ العلّامة الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، يهتم أكثر بإعادة النظر في تراثنا الفقهي، مستنبطاً منه ما يصلح لنا في عالمنا المعاصر لتحقيق العيش السعيد والسليم، مع كلّ المكونات المجتمعية والدينية، من خلال عقده للمؤتمرات والندوات وإطلاقه مبادرة دولية باسم "حلف الفضول"، من أجل ميثاق عالمي للأديان، قادر على أن يمتصّ كلّ الأحقاد والكراهية ليحولها إلى قوة سلم وسلام.

ما الذي تقصده بالأمن الفقهي الفكري السياسي؟
أقصد أنّ المجتمعات تعيش حالة أمن وليس صداماً، من الطرفين على حدّ سواء، فهناك في المجتمعات الأوروبية متطرفون، لكنّها حالات عرضية، وعلينا هنا العناية بالفقه الذي يؤصّل للعدالة الاجتماعية، ومراجعة كل ما يحرض على الصدام مع الآخر، ونقد التراث الفكري القديم الذي يجعل هذه العلاقة علاقة حرب وجزية.

فقه النوازل

الاجتهاد في قضايا المجتمعات المسلمة في الغرب ضرورة ترتقي إلى مرتبة الواجبات الشرعية
هل كان الاستعمار الأوروبي للشرق سبباً في تلك الأزمات ومنها ظهور الجماعات والتنظيمات؟

طوال التاريخ؛ هناك جماعات متطرفة مثل الخوارج، ولم يكن هناك استعمار، لكن الفقه الذي كان يعمل على ما يسمى النوازل والتمكين والقتال تسبّب في ظهور الإخوان والولي الفقيه وحزب التحرير والقاعدة، وكان هذا منسجماً مع الأصول القديمة.

هل تعتقد أنّ هناك من يحرص على تأصيل هذه التناقضات في المجتمعات المسلمة؟
بكل تأكيد؛ هناك من يعمل على هذا الفقه، وهناك من يؤصّل للتناقض، ويخلق حالة من الصدامية، في ظلّ القوانين الأوروبية التي تعدّ المسلمين جزءاً من نسيج المجتمعات الأوروبية، ولاحظ كيف أنّ آلاف الشبان الأوروبيين والفتيات التحقوا بداعش، وهذا دفع بعض الدول لعدم الاعتراف بالإسلام حتى الآن؛ أي أن تموّل ما يسمى الشأن الديني.
على سبيل المثال؛ في ألمانيا ست عشرة جهة تتحدث باسم المسلمين، ورغم أنّ  الإسلام هو الديانة الثالثة في ألمانيا، لكنّه لا يحظى بالاعتراف الرسمي حتى الآن، أما السبب الأساسي الذي يشار إليه؛ فهو تعدّد الجمعيات الإسلامية واستحالة إمكانية تحدثها بصوت واحد.

الغربيون ليس لديهم توجّس من الإسلام والكلام عن العنف تجاه المسلمين مردود

كما أنّ الاختلاف الذي قد يصل إلى التناحر داخل جماعة المسلمين، هو أمر فعلي، وله أصوله في التعددية الإثنية التي تكون الطائفة الإسلامية (أتراك، بوسنيون، إيرانيون، مغاربة)، وهي اختلافات جعلت الحكومات المتعاقبة تطالب المسلمين بتوحيد الصفوف، والتكلم بلسان واحد حتى يمكن الاعتراف بهم، وفي  فرنسا، المادة الثانية، أنّها جمهورية علمانية لا تعترف بالدين لكنها تعترف بالأديان؛ أي إنّها ليست دولة ملحدة، ورغم ذلك هناك جماعات تؤصّل لفكرة القتال وعدم التواصل مع الغربيين أو تحيّتهم، وإعطاء نظرة سلبية عن المجتمعات المسلمة.

أسطورة المؤامرة

ثمة جماعات تؤصّل لفكرة القتال وعدم التواصل مع الغربيين وإعطاء نظرة سلبية عن المجتمعات المسلمة
ما أهم الأطروحات التي تشتغل عليها جماعات الصِدام الآن؟

أهم شيء هو ما يسمى الأسلمة، وهي المفهوم الذي يعطي ولاءات خارج الأوطان، ومالك بن نبي المفكر الجزائري، انتقد ما يسمى "أسلمة العلوم والمعرفة"؛ بل وكان يقول بعدم وجود حضارة إسلامية خاصة، بل حضارة إنسانية، من هنا كان لازماً لتأسيس الفقه الشهود الحضاري الإنساني ليقود هذه المجتمعات نحو الوئام والتعايش السلمي، عِوَضاً عن فقه الضرورة، أو فقه التمكين لهذه الجماعات.

هل تعتقد أنّ ثمة مؤامرة لتضخيم حجم هذه المشكلات، كحوادث العنف ضدّ المسلمين في أوروبا؟
لا أؤمن بنظرية المؤامرة؛ فحالنا أحسن من حال آخرين، والغربيون ليس لديهم توجّس من الإسلام، والكلام عن العنف تجاه المسلمين مردود؛ فهو يحدث لكنّه حالات نادرة فردية، وبرأيي؛ الحلّ هو في ضرورة تشكيل جبهة الأديان والفلسفات الإنسانية لمواجهة تيارات الإلحاد والإباحية التي تذهب بالبشرية إلى العدمية، التي تؤدي مع تيارات العنف إلى تفريغ الأرض والعباد من البعد الروحي والإنساني، وإلى تحرير الدين من جماعات العنف والاستخدام السياسي، وإعطائه دوره الطبيعي في التربية لتحقيق الأمن المجتمعي، وتأصيل قيم الحبّ والسلم شرعياً في زمن الاضطرابات المفاهيمية.
توسع دائرة الاجتهاد

تعدّد الجمعيات الإسلامية في أوروبا واستحالة تحدثها بصوت واحد يعيق الاعتراف بالإسلام
طالبت بتوسع دائرة الاجتهاد فيما يخصّ الأقليات، ما الذي قصدته تحديداً؟

أقصد أنّ للاجتهاد مكانة وأهمية في إطار النظر إلى مجموع الأمة، التي تعيش في ظل المجتمعات الإسلامية، التي تزخر بالعلماء والمفتين والباحثين، والحديث عن الاجتهاد في المجتمعات المسلمة التي تعيش في دول غير إسلامية، كما هو الحال بالنسبة إلى مسلمي أوروبا في فرنسا وإنجلترا والسويد وألمانيا وغيرها.
ثمة وقائع تستحق أن نذكرها بوصف "النوازل، ومن ثم فإنّ الاجتهاد في قضايا المجتمعات المسلمة ضرورة ترتقي إلى مرتبة الواجبات الشرعية، وهو في حقيقته "فرض كفائي"، أو "فرض تكافلي"، كما يعبر عنه بعض علماء الأصول.

اقرأ أيضاً: ما بعد الإسلام السياسي: الطموحات الأيديولوجية الكبيرة إذ تنكمش
لذا فالمطلوب اليوم، تجديد واجتهاد؛ تجديد ينطلق لا من مجرد الاجتهاد في الفروع؛ بل من إعادة "تأصيل الأصول"؛ لأنّ القواعد الأصولية التي ينبني عليها الفقه الإسلامي ترجع إلى عصر التدوين، العصر العباسي الأول، وكثير منها يرجع إلى ما بعده، والقواعد الأصولية التي وضعها الفقهاء القدامى، ومن جملتها القواعد الخاصة بالتعليل والقياس والدوران، وما إلى ذلك، ليست مما نصّ عليه الشرع، في الكتاب أو السنّة؛ بل هي من وضع الأصوليين، إنّها قواعد للتفكير، قواعد منهجية، ولا شيء يمنع من اعتماد قواعد منهجية أخرى إذا كان من شأنها أن تحقق الحكمة من التشريع في زمن معين بطريقة أفضل.

كلمة أخيرة توجهها حول المجتمعات المسلمة؟
لا بدّ من ترجيح كفّة الخير، والبدء بالاشتغال الحقيقي بالصحيح من الدين، والالتزام بخطاب وسطي معتدل يحترم سيادة الدول، ويعزز قيم المواطنة والمشاركة والتواد والتعاون والتراحم، واجتناب ما يثير نوازع الفتنة والفرقة بين المسلمين أنفسهم وبين غيرهم، والتحذير من آفتي الغلو في الدين والتطرف العنيف، وتفعيل مراكز الطفولة والشباب لتحصينهم، وتعريفهم بمبادئ الإسلام، وزرع أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم في نفوسهم، ترسيخاً للسلوك والفكر الإسلامي القويم.

للمشاركة:



ميليشيات الحوثي الإرهابية تواصل جرائمها في حيس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

تواصل ميليشيات الحوثي الإرهابية جرائمها في محافظة الحديدة والمدن المحطية بها، مستغلة كافة إمكاناتها الحربية من مقذوفات وأسلحة وألغام وقناصة؛ حيث استهدفت الميليشيات الإرهابية، أمس، تجمّعات سكنية شمال مديرية حيس، جنوب الحديدة، غرب اليمن، مستخدمة الأسلحة القناصة المتوسطة والخفيفة.

الميليشيات الإرهابية فتحت نيران أسلحتها القناصة صوب الأحياء السكنية المكتظة بالسكان في حيس

وأفادت مصادر محلية في حيس، نقلت عنهم صحيفة "المشهد" اليمنية؛ أنّ الميليشيات فتحت نيران أسلحتها القناصة من مناطق تمركزها شمال المديرية صوب الأحياء السكنية المكتظة بالسكان .

وأضافت المصادر: "عمليات القنص متواصلة منذ ساعات ظهيرة أمس حتى اللحظة، بشكل مكثَّف ومستمر" .

وكانت الميليشيات الحوثية قد ارتكبت مجازر مروعة بحقّ السكان في حيس، قبل أيام، سقط إثرها شهداء وجرحى من الأطفال، ودمِّرت عدد من المنازل وسط المدينة.

وفي سياق آخر؛ ذكر مصدر محلي بمحافظة حجة، أنّ ميليشيا الحوثي شيّعت، أمس، قائدها الميداني بجبهة حرض، المدعو حسن محمد فايد الحاتمي.

ميليشيا الحوثي تشيّع قائدها الميداني بجبهة حرض، الإرهابي المدعو حسن محمد فايد الحاتمي

وأشار المصدر إلى أنّ "الحاتمي لقي مصرعه على أيدي قوات الجيش اليمني بالمنطقة العسكرية الخامسة، أثناء صدّ هجوم الميليشيا، الأحد الماضي، على محيط مدينة حرض".

ويعدّ الصريع الحاتمي، شقيق إبراهيم محمد الحاتمي، مشرف الميليشيات بمديرية أفلح اليمن، وكلاهما متورطان في عمليات الاعتقال، وملاحقة أبناء المديرية، وفي جرائم أخرى كثيرة.

 

 

للمشاركة:

المنتدى العربي يحذّر من الاستثمار في تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

حذّر اقتصاديون سعوديون من مخاطر الاستثمار في تركيا؛ بسبب عدم الاستقرار الاقتصادي، وضعف الثقة في القضاء.

وقال رئيس مجلس الغرف التجارية السعودية، الدكتور سامي العبيدي: إنّ "الاستثمار الناجح يتطلب استقلال القضاء واستقرار الوضع الاقتصادي، وإذا نظرنا إلى تركيا نجدها في المرتبة 116 عالمياً في استقرار الاقتصاد، وفي المرتبة 111 في استقلال القضاء، وبالتأكيد هذا مؤثر سلبي لضمان أيّ استثمار أو تعامل تجاري"، وفق ما أوردت صحيفة "الاقتصادية".

اقتصاديون يؤكدون أنّ الاستثمار في تركيا غير آمن لعدم الاستقرار الاقتصادي وضعف القضاء

العبيدي أوضح، خلال انعقاد المنتدى العربي الأول بعنوان: "دور الإعلام في التوعية بمخاطر الاستثمار الخارجي – تركيا نموذجاً"، في العاصمة السعودية، الرياض، أنّ "أغلب الاستثمارات في تركيا لأفراد وليست استثمارات شركات"، محذراً من الاستثمارات فيها، سواء عقارات أو غيرها؛ إذ لا توجد حماية لحقوق المستثمرين، ومؤكداً أنّ القطاع الخاص السعودي واعٍ لهذا الأمر.

بدوره، رأى مستشار الاستثمار الدولي وخبير التنمية الاقتصادي، الدكتور يسري الشرقاوي؛ أنّ "تركيا لا تمتلك مقومات الاستثمار والاستقرار الاقتصادي"، مبيناً أنّ "80% من حجم استثمارات السعوديين في تركيا يعود لأفراد".

وأفاد بأنّ "تركيا تعيش أزمة اقتصادية حادة، بسبب السياسات التي انتهجها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وذلك ما انعكس سلباً على الليرة التركية، التي انهارت أمام الدولار الذي بلغ نحو 5.7 ليرة".

من جهته، دعا رئيس لجنة المكاتب الاستشارية في غرفة الرياض، المهندس خالد العثمان؛ إلى موقف خليجي لتجنّب هذه المخاطر الاستثمارية، منوّهاً إلى أنّ الاستقرار السياسي في تركيا لم يعد موجوداً، وبسببه أصبح الاستثمار خطراً في ظلّ عدم الاستقرار.

كما ذكر العثمان بقضايا النصب العقاري، التي تعرض لها مواطنون كويتيون في تركيا.

يذكر أنّ كثيراً من المواطنين تعرضوا لعمليات نصب واحتيال من شركات عقارية، وعند لجوئهم للقضاء؛ تبيّن أنّ المحتالين يتملصون من مسؤولياتهم عبر منافذ قانونية لا تنصف المستثمرين الأجانب.

 

للمشاركة:

صالح يوجه بمنع نقل المتظاهرين إلى العاصمة الجزائرية.. هذه مبرراته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

أعلن رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أحمد قايد صالح، أمس؛ أنّه أعطى تعليمات للقوى الأمنية "للتصدي" للحافلات والعربات التي تقلّ متظاهرين من خارج العاصمة، أيام الجمعة، وتوقيفها، وحجزها، وفرض غرامات مالية على أصحابها.

وقال قايد صالح، خلال تفقد قوات عسكرية في تمنراست: "لاحظنا ميدانياً؛ أنّ هناك أطرافاً من أذناب العصابة ذات النوايا السيئة تعمل على جعل حرية التنقل ذريعة لتبرير سلوكها الخطير، المتمثل في خلق كلّ عوامل التشويش على راحة المواطنين، من خلال الزجّ الأسبوعي بعدد من المواطنين يتمّ جلبهم من مختلف ولايات الوطن إلى العاصمة"، وفق "فرانس برس".

صالح: هناك أطراف تعمل على جعل حرية التنقل ذريعة لتبرير سلوكها الخطير والتشويش على راحة المواطنين

وأشار إلى أنّ الهدف من ذلك "تضخيم الأعداد البشرية في الساحات العامة التي ترفع شعارات مغرضة وغير بريئة"، معتبراً أنّ "الغرض الحقيقي هو تغليط الرأي العام الوطني بهذه الأساليب المخادعة لتجعل من نفسها أبواقاً ناطقة، كذباً وبهتاناً، باسم الشعب الجزائري".

وأضاف: "عليه، أسديت تعليمات إلى الدرك الوطني، بغرض التصدي الصارم لهذه التصرفات، من خلال التطبيق الحرفي للقوانين السارية المفعول، بما في ذلك توقيف العربات والحافلات المستعملة لهذه الأغراض، وحجزها، وفرض غرامات مالية على أصحابها".

ويأتي هذا الإعلان بعد مرور ثلاثة أيام على تحديد الرئيس الجزائري المؤقت، عبد القادر بن صالح، 12 كانون الأول (ديسمبر)، موعداً للانتخابات الرئاسية.

ويرفض المحتجون إجراء الانتخابات في ظلّ الحكومة الحالية، مطالبين بتفكيك النظام الموروث من عشرين عاماً من حكم بوتفليقة.

ويجتاح المتظاهرون شوارع العاصمة الجزائرية، كلّ يوم جمعة، منذ ثلاثين أسبوعاً، للمطالبة برحيل كلّ أركان النظام، بعد أن نجحوا في حمل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على الاستقالة.

 

 

 

للمشاركة:



هجمات 11 أيلول وتاريخ الحرب الباردة.. إعادة تشكيل العالم

2019-09-19

ترجمة: محمد الدخاخني


تمرّ الذّكرى السّنويّة لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) بما يُشبه مرحلة انتقاليّة. فلم تعد الجروح طازجة بعد 18 عاماً، لكن هذا اليوم الرّهيب لم يُكرَّس بعد في الماضي التّاريخيّ السّحيق. وهذا يجعل الوقت مناسباً لتقييم ما حُقِّق في مكافحة الإرهاب العالميّ، وما يجب عمله.

زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين وليس أمريكا

ولا أستطيع التّفكير في أيّ شخص أفضل لمناقشة هذا الأمر من فيليب زيليكو. وقد كان لزيليكو، وهو الآن أستاذ للحوكمة في مركز ميلر بجامعة فرجينيا، تاريخه المهنيّ الطّويل داخل الحكومة، وترقّى إلى منصب مستشار في وزارة الخارجيّة في عهد الرّئيس جورج دبليو بوش. لكنّه اشتُهِر بدوره مديراً تنفيذيّاً لـ "لجنة 9/11 الفيدراليّة"، ومن هنا كان المؤلِّف الرّئيس لتقرير الّلجنة حول الهجمات. (وإذا لم تكن قد قرأته بعد، فإنّه يجب عليك ذلك: فالتّقرير لا يقدّم فحصاً شاملاً لما حدث من أخطاء فحسب، وإنّما يأخذ شكل روايات عالم الجاسوسيّة المثيرة).
هذا الأسبوع، سيصدر لزيليكو، وزميلة قديمة له من أيّام وجوده داخل الحكومة، وزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس، كتاب جديد بعنوان "لبناء عالم أفضل: خيارات لإنهاء الحرب الباردة وخلق كومنولث عالميّ". إنّه عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ عام 1991، وهو موضوع يأتي في الوقت المناسب، بشكل خاصّ في ضوء جهود الصّين وروسيا، و، للأسف، أمريكا دونالد ترامب لهزّ هذا العالم في أسسه. وفي ما يلي نصٌّ معدٌّل لمحادثةٍ أجريناها هذا الأسبوع:

توبين هارشو: قبل أن نعود إلى دروس الماضي البعيد، لنبدأ بذكرى هذا الحدث الحزين. من بين التّوصيات الواردة في تقرير 9/11، هل يمكنك تسمية توصية واحدة أُحرِز فيها تقدّم جيّد؟
فيليب زيليكو: لقد جعلنا من الأصعب بكثيرٍ على الجماعات الإسلامويّة المتطرّفة أن تتشكّل وتعمل بأمانٍ داخل الولايات المتّحدة. وكان مختطِفو طائرات 9/11 قد حصلوا على تدريبهم ونُظِّموا هنا، وهذا يبدو الآن أقلّ احتمالاً. لسوء الحظّ، تحوّل الخطر إلى القتلة المسلّحين الّذين يستهدفون حشوداً بأكملها، وكثيرٌ منهم من القوميّين البيض.

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر: كيف انتهز ترامب آلام الأمريكيين لتعزيز الكراهية؟!
هارشو: هل يرجع التّقدّم في مواجهة الإرهابيّين الإسلامويّين إلى حدّ كبير إلى قانون باتريوت وغيره من تدابير الأمن والمراقبة الوطنيّة؟
زيليكو: لا، ليس هذا فحسب. فقد طوّرنا الكثير من القدرات لحماية البلاد داخليّاً على نحو لا يتحدّد بالضّرورة في التّشريعات. ففي مكتب التّحقيقات الفيدراليّ وفي مختلف الوكالات البلديّة - وانظر إلى الطّريقة الّتي غيّرت بها إدارة شرطة نيويورك المسار الّذي تعمل به في مجال مكافحة الإرهاب منذ أحداث 9/11 - هناك قصّة كبيرة. وبشكل عام، ثمّة وعي أكبر بالخطر، ممّا أدّى إلى تحسين القدرات بطرق عديدة. وأفضل الدّفاعات تأتي في شكل دفاعات ذات طبقات لا تقوم فيها طبقة واحدة بكلّ العمل.

زيليكو: أحد أسباب عملي مع كونداليزا رايس أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه ونتشارك بتفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر

هارشو: لا يزال الإرهابيّون ينشطون في الخارج. على سبيل المثال، يركّز الكثير من النّقاش الخاصّ بالانسحاب من أفغانستان على ما إذا كانت ستُصبِح ملاذاً آمناً للإرهابيّين. فهل تؤمن بنظريّة الملاذ الآمن؟
زيليكو: ساعدت "لجنة 9/11" في ترسيخ نظريّة الملاذ الآمن. فقد جادلنا أنّه إذا تركتَ المُلتجأ يتطوّر إلى نقطةٍ معيّنة، فيمكن للعدوّ حينها بناء قدرات قد تكون خطيرة للغاية. إذاً، تعود المشكلة إلى سؤال أين نرسم الخطّ، فيما يتعلّق بما يحتاج إليه الأمريكيّون وكيف عليهم فعل ذلك. يشعر النّاس بالقلق من أنّنا إذا انسحبنا بالكامل من أفغانستان، فسوف ينزلق البلد إلى حرب أهليّة وقد يصبح ملاذاً آمناً للجماعات الإسلامويّة. لكنّني أستطيع أن أستخدم الحجّة نفسها، ليس فقط بشأن أفغانستان، ولكن أيضاً اليمن وليبيا وسوريا والصّومال وغيرها. وإذا كان هذا سيُجبرنا على الحفاظ على قوّات أمريكيّة كبيرة في كافّة تلك البلدان وأكثر، وعلى أخذ أحد الجوانب في الحروب الأهليّة في كافّة تلك البلدان، فتلك وصفة مستحيلة.

 فيليب زيليكو
هارشو: يعني هذا القيام بالكثير من الأشياء.
زيليكو: هذه التّدابير العسكريّة لا تُعدّ أفضل الطّرق لجعل هذه الدّول أكثر مقاوَمة. إنّ الأمر ينطوي على الكثير من الجهود السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الصّعبة الّتي تحتاج الولايات المتّحدة أيضاً إلى الانخراط فيها بشكل بنّاء، ولكن، بشكل أساسيّ، لا يملك النّاس الصّبر أو الاهتمام لفهم أو متابعة هذه الجهود.
هارشو: بالعودة إلى 9/11 وكتابك الجديد مع رايس، "لبناء عالم أفضل"، يتّضح أنّني قد نسيت أنّه في اليوم التّالي للهجمات، أجرى بوش محادثة هاتفيّة مطوّلة مع الرّئيس الرّوسيّ، فلاديمير بوتين، من أجل التّأسيس لشراكة ما. وقد انحرف ذلك إلى علاقة قوامها القسوة اليوم. فهل هناك أيّ فرصة لحل مشكلاتنا مع روسيا؟

اقرأ أيضاً: مع ذكرى 11 سبتمبر.. أزمات تكبر وترامب لا يكترث
زيليكو: في كتابنا هذا، جادلنا بأنّ القطيعة مع روسيا لم تحدث بشكل حاسم حتّى منتصف العقد الأول من القرن العشرين. وبدلاً من التّعامل مع الأمر باعتباره قصّة نذالة روسيّة، فإنّنا نتعاطى معه على أنّه مأساة حزينة ومعقّدة إلى حدّ ما. لكن منذ منتصف العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، صاغ بوتين سياسته ونظامه حول فكرة العدوّ الأمريكيّ والخطر الّذي تمثّله المجتمعات الحرّة، وليس هذا الخطر بالسّياسيّ أو العسكريّ فقط، وإنّما هو ثقافيّ أيضاً، حيث يصوِّر بوتين المجتمعات الحرّة على أنّها منحطّة ثقافيّاً. وحتّى لو خضتّ بعض النقاشات الجيّدة مع بوتين حول السّياسة، فلن تكون قادراً على عكس الطّريقة الّتي بنى بها عقله من أجل الحصول على السّلطة العليا.

الكتاب الجديد عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ

هارشو: إنّ توسّع حلف شمال الأطلسيّ من بين شكاوى بوتين الكبرى بشأن علاقته بالولايات المتّحدة والغرب. وهناك الكثير من العاملين في مؤسّسة السّياسة الخارجيّة اليوم ينظرون إلى ذلك باعتباره خطأً اقتُرِف في الماضي. فما شعورك حين تنظر إلى الماضي؟
زيليكو: يقدّم كتابنا مناقشة متوازنة لما حدث بالضّبط، ومتى ولماذا اتُّخِذت القرارات الرّئيسة. وأنا لم أكن مؤيّداً كبيراً لتوسّع حلف شمال الأطلسيّ في أوائل التّسعينيّات. واعتقدتّ بشكل أساسيّ أنّنا نحتاج إلى التّركيز على مشكلات أخرى أكثر إلحاحاً، مثل الحروب في البلقان. لكن النّظريّة القائلة بأنّ توسّع الحلف هو سبب هذه القطيعة عن روسيا خاطئة إلى حدّ كبير. لقد كان مصدر توتّر، ولكن ربّما أسوأ مصدر للتوتّر في التّسعينيّات بأكملها هو الحرب على كوسوفو في عامي 1998 و1999، والّتي مزّقت العلاقة مع بوريس يلتسين وخلّفت الكثير من المشاعر الملتهبة عندما وصل بوتين إلى السّلطة.

زيليكو ووزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس
والأسباب الحاسمة الّتي أدت إلى القطيعة مع روسيا وقعت خلال العقد الأول من القرن العشرين. فقد أصبح بوتين يعتقد أنّ الغرب بشكل عام يتبنّى أجندة للحرّيّة يحاول فيها تكرار ثورات عام 1989 - والّتي كان قد عاشها بوتين شخصيّاً في ألمانيا الشّرقيّة - في أوروبا الشّرقيّة. لذلك، في تلك المرحلة، أصبح توسّع المؤسّسات الغربيّة شرقاً مصدر قلق روسيّ أساسيّ، خاصّة رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى الغرب. ولم يقتصر الأمر فقط على حلف شمال الأطلسيّ - وقد حُظِرت عضويّة أوكرانيا في الحلف عام 2008 على يد الأعضاء الآخرين، خاصّة ألمانيا. الأهم من ذلك هو توسّع الاتّحاد الأوروبيّ. ومن جانبه، اعتقد بوتين أنّ هذه التّحرّكات تأتي بمثابة مراحل لإحداث ثورة حرّيّات في روسيا. وكان ردّ فعله قويّ للغاية، وهو ما تضمّن بدء الحرب ضدّ أوكرانيا عام 2014.
هارشو: كيف نتعامل معه اليوم؟

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب: أبرز المحطات والأحداث
زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين، وليس الولايات المتّحدة. وتريد روسيا علاقات اقتصاديّة مع أوروبا أكثر بكثير ممّا تريدها مع الولايات المتّحدة. إنّ الأوروبيّين يُدافِعون عن هذه العقوبات لأنّهم بالطّبع قلقون كثيراً من أيّ انهيار قد يلحق بالأمن الأوروبيّ - إنّهم يهتمّون بالوضع، بصراحة، أكثر بكثير ممّا تهتمّ الحكومة الأمريكيّة الحالية.
هارشو: لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض هؤلاء القادة الأوروبيّين، وانتقدهم علناً ووتّر العلاقات. فهل يمكن إصلاح هذه الجسور على يد إدارة أخرى، أم أنّ هناك من الأضرار ما هو دائم؟
زيليكو: هناك بعض الأضرار الدّائمة. وقد أصبح لدى الأوروبيّين الآن شعور أعمق وأكثر مأساويّة بما هو ممكن، ليس فقط مع الولايات المتّحدة، ولكن داخل قارّتهم وبلدانهم. كان هذا أحد أسباب قيامنا بتأليف كتابنا الجديد عن الطّريقة الّتي أُنشئ بها العالم الحديث في بداية التّسعينيّات. فالشّعوب على جانبي المحيط الأطلسيّ - وفي آسيا، بالفعل - تشكّك الآن في هذا النّظام برمّته. لذا، إذا كان لابُدّ من إعادة اختراع هذا النّظام، فقد اعتقدنا [في كتابنا] أنّه من الضّروريّ فهم كيف ولماذا اختُرِع كومنولث الأُمم الحرّة في المقام الأوّل.

اقرأ أيضاً: بوبي فيشر: عبقري الشطرنج الأمريكي الذي فرح بهجمات 11 سبتمبر
إذاً، تكمن إحدى القضايا الحاسمة بشأن المستقبل، ببساطة، في طرح السّؤال التّالي: هل يريد الأمريكيّون تأسيس شراكات مع أوروبا من أجل القيام بعمل مشترك؟ هل يريد الأوروبيّون تأسيس شراكات مع الأميركيّين من أجل القيام بعمل مشترك؟ أعتقد أنّه بالنّسبة إلى معظم الأوروبيّين ومعظم الأمريكيّين، فإنّ الإجابة عن هذين السّؤالين هي نعم. السّؤال التّالي: هل يمكن للأوروبيّين والأمريكيّين إيجاد القادة الّذين بمستطاعهم صياغة تلك الشّراكات وإكسابها طابعاً عمليّاً؟ الأمر بحاجة إلى مبادئ وشراكات وأبعاد عمليّة، ويجب أن تجتمع كلّ هذه الأشياء من خلال بعض القادة.

لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض القادة الأوروبيّين
هارشو: المستشارة الألمانيّة، أنجيلا ميركل، في آخر حياتها السّياسيّة. ويبدو أنّ الرّئيس الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، يحاول الاستيلاء على عباءة القيادة الأوروبيّة. فهل هناك أشخاص آخرون يمكنهم فعل ما تَصِفه؟
زيليكو: من الصّعب التّكهّن بمن سيكون بين قادة أوروبا خلال سنتين أو ثلاث أو خمس سنوات من الآن. وإذا كان هناك أيّ شيء مطمئن، فسأخبرك أنّه في منتصف الثّمانينيّات، لم يكن يعتقد أحد أنّه لدى المستشار الألمانيّ، هيلموت كول، رؤية عظيمة لمستقبل أوروبا. لقد بدا وكأنّه مُحافِظ برجوازيّ حكيم ومستقرّ.
هارشو: في بعض الأحيان يتعلّق الأمر برمّته بالظّروف، أليس كذلك؟
زيليكو: صحيح. في بعض الأحيان، يجتمع مزيج الظّروف والأشخاص والمبادئ. لم يكن كول هو الوحيد الّذي فعل ذلك، ولم يكن فقط الرّئيس الفرنسيّ فرانسوا ميتران، ولا الرّئيس جورج دبليو بوش فحسب. لقد كانوا، كما يُقال، براغماتيّين راديكاليّين.
هارشو: هذا مصطلح عظيم.
زيليكو: لقد كانوا أشخاصاً حَذِري المزاج، لكن نظراً لطابعهم العمليّ الكثيف، كانوا على استعداد للقيادة وتحويل موقف ألمانيا بأسرع طريقة ممكنة، وتحويل حلف شمال الأطلسيّ، والمؤسّسات الماليّة والتّجاريّة الدّوليّة، والأمم المتحدة - كلّ ذلك لأنّ هذا بدا عمليّاً في ظلّ هذه الظّروف.
هارشو: دعنا نذهب إلى الصّين. هل تؤمن بـ "مصيدة ثيوسيديدز" - فكرة أنّ الولايات المتّحدة والصّين مُقدّر لهما الذّهاب إلى الحرب؟
زيليكو: لا أؤمن بذلك. هل هناك خطر صراعٍ مع الصّين الصّاعدة؟ بالطّبع. لكنّنا لسنا متّجهين إلى الحرب. وتقريباً، قراءتي للتّاريخ ليست حتميّة تماماً. ولا أعتقد أنّ الصّينيّين أنفسهم قد اكتشفوا أين سيكونون وأين يريدون أن يكونوا بعد خمسة أو عشرة أعوام من الآن. إنّهم يواجهون الكثير من الصّعوبات في تحقيق المراحل التّالية من النّموّ الاقتصاديّ. كما يقتربون من ذروتهم السّكّانيّة الآن، ومن ثمّ سيتقلّص تعداد سكّانهم ويتقدّم في العمر بسرعة.

اقرأ أيضاً: ما الذي تخبرنا به صور أحداث 11 سبتمبر؟
إنّ الوضع مع الصّين أسوأ ممّا كان عليه قبل خمسة أعوام. ويرجع هذا إلى التّطوّرات الّتي حصلت على جانبي المحيط الهادئ، وطريقة حكم الصّين. لكنّنا نؤكّد في كتابنا الجديد أنّنا لا نعتبر المواجهة الحربيّة حتميّة. ولا نعتقد أنّ نداءات التّشبيه بالحرب الباردة مفيدة للغاية في المساعدة على حلّ مشكلات السّياسة. المفارقة هي أنّ الصّينيّين هم الّذين يدّعون الآن أنّهم يريدون أن يكونوا قادة العالم وبُناة المؤسّسات العالميّة، في حين أنّ الولايات المتّحدة تبتعد عن تلك المؤسّسات.

زيليكو متحدثاً عن كوندوليزا رايس: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً
هارشو: إنّنا نسير في "شراكة عبر المحيط الهادئ" فيما يقومون ببناء مبادرة "الحزام والطّريق".
زيليكو: إنّهم من يحاولون تقديم قيادة عالميّة وشراكات عالميّة. وبالرّغم من أنّنا نحاول المواجهة عن طريق بعض الحجج الخاصّة بالعالم الهنديّ-الباسيفيكيّ، فإنّك إذا تحدّثت إلى قادة في أستراليا أو الهند أو اليابان، أعتقد أنّهم سيقدّمون في السّرّ بعض النّصائح المختلفة للولايات المتّحدة حول أفضل السّبل للتّنافس خلال هذه الأوقات الصّعبة.
هارشو: هل تعتقد أنّ شبكة الحلفاء العالميّة تحاول فقط انتظار رحيل ترامب عن الرّئاسة؟

اقرأ أيضاً: في ذكرى هجمات 11 سبتمبر.. أين وصلت الحرب على الإرهاب؟
زيليكو: هذا يعتمد على من تتحدّث في هذه البلدان، لأنّهم منقسمون ومشتّتون، أيضاً - مثلاً، يعتقد بعض السّياسيّين الأستراليّين أنّ ترامب رائع. لكنّني أعتقد بشكل عام أنّهم يجدون أنفسهم عالقين في نقاش محتدم. ما يريدونه هو أن تحدّد الولايات المتّحدة كيفيّة القيادة البنّاءة في هذه الشّراكات. ثمّ تسأل نفسك: شراكات لفعل أيّ شيء؟ هل نرغب في نظام اقتصاديّ عالميّ مفتوح؟ ليس من الواضح في الوقت الحالي أنّنا نرغب في ذلك - لكن جميع شركائنا الآسيويّين تقريباً يريدون نظاماً كهذا. حسنٌ، إذا كنا نريد نظاماً اقتصاديّاً مفتوحاً، فسيتعيّن علينا بناء ذلك من خلال الشّراكات، وليس بالاعتماد على أنفسنا فقط. إذا كنّا نريد الحصول على أمنٍ سيبرانيّ وإنترنت يخدم مصالحنا وفق قواعد القرن الواحد والعشرين ولا يخلق تقسيمات رقميّة جديدة، فسوف نحتاج إلى شركاءٍ في بناء هذا العالم أيضاً.
هارشو: بالحديث عن الشّراكات، دعنا ننهي بالشّراكة مع كوندوليزا رايس. هل يمكنك التّحدّث قليلاً عن هذا التّعاون؟

اقرأ أيضاً: كم مليوناً قتلت الولايات المتحدة في الحروب التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر؟
زيليكو: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً - كلّ منّا يعرف ماهية نقاط القوّة والضّعف لدى الآخر، وما الأدوار الّتي يمكن أن يلعبها كلّ منّا على أفضل وجه. على سبيل المثال: هي تقرأ الرّوسيّة، أمّا أنا فلا؛ أستطيع أن أقرأ الألمانيّة، أمّا هي فلا تستطيع ذلك. هناك بعض الموضوعات الّتي تتطلّع إليّ لأخذ زمام المبادرة في الكتابة حولها. ثمّ هناك موضوعات أخرى أرغب أن تقوم هي بكتابة مسوداتها الأولى. وبعد ذلك يقدّم كلّ منّا مساهمته، ونتداول مسوداتنا. لكن أحد الأسباب الّتي جعلتنا نعمل معاً في الحكومة هو أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه، ونتشارك في تفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر.


المصدر: توبين هارشو، بلومبرغ

للمشاركة:

حزب العدالة والتنمية التركي يصفّي نفسه بنفسه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

كشفت الأرقام الرسمية في تركيا عن استقالة نحو مليون عضو من حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ العام الماضي، وهو ما يؤكد توقعات رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو الذي استقال مؤخرا من الحزب بأن “العدالة والتنمية يتجه نحو تصفية نفسه بنفسه”.

وشرعت استقالة أوغلو أحد أبرز مؤسسي العدالة والتنمية الأبواب على مصراعيها نحو تفكك الحزب، الأمر الذي كان متوقعا بعد الخسارة المذلة التي مني بها خلال الانتخابات المحلية في محافظات إسطنبول وأنقرة وإزمير التي فازت بها المعارضة.

ويتساءل مراقبون سياسيون إذا كان المنشقون في السابق يعملون انقلابا ويستولون على الحكم، فإن المنشقين عن أردوغان يتخذون طريقا مغايرة بسحب جمهور الحزب وخزانه الانتخابي، وهي صيغة أخطر لكونها تواجه الرئيس التركي بأسلوبه، عبر اعتماد نتائج الانتخابات كورقة ضغط وفرض للأمر الواقع.

واستنادا إلى موجة الانشقاقات، فإن حظوظ أردوغان وحزب العدالة ستكون محدودة في أي انتخابات مستقبلية، ولن تمكن الرئيس التركي من النفوذ المطلق الذي يحرص على تثبيته الآن، وربما تنجح في قلب المعادلة بخلق تحالف أوسع يطيح به.

وتعكس الاستقالات انفجار الغضب المتراكم داخل حزب العدالة والتنمية على سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان الاستبدادية وعلى تخريب الدبلوماسية عبر خصومات مجانية مع الحلفاء والشركاء.

وزادت سياسات أردوغان التي توصف بالفاشلة لاسيما تلك المتعلقة بالوضع الاقتصادي من حدة نفور قيادات من الحزب وقواعده التي لم تنطل عليها تبريراته بوجود “مؤامرة خارجية لتدمير اقتصاد تركيا”.

وبينت أحدث الأرقام التي نشرتها محكمة النقض التركية مطلع سبتمبر الحالي أن 844.391 شخصا قد استقالوا من حزب العدالة والتنمية منذ أغسطس 2018، ليبقى عدد الأعضاء 9.87 مليون شخص.

واستقال ما يقارب 56 ألفا من هؤلاء في الفترة ما بين الأول من يوليو والسادس من سبتمبر. وبالنظر إلى موجة الاستقالات التي حدثت منذ استقالة داود أوغلو في الثالث عشر من سبتمبر، من المرجح أن يكون هذا الرقم أعلى بكثير عند الإحصاء في المرة القادمة.

وأثرت تلك الاستقالات على شعبية الحزب التي تراجعت بشكل خطير خلال الأشهر القليلة الماضية. وانحدر التأييد الشعبي للعدالة والتنمية من 42 بالمئة وهي النسبة التي حققها في الانتخابات التشريعية التي جرت يونيو الماضي، إلى 30.6 بالمئة حسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة أو.آر.سي البحثية المرتبطة بالحزب.

ومن المتوقع أن يلتحق المستقيلون من الحزب بحزبين جديدين ما زالا في طور التأسيس؛ الأول يعمل أحمد داود أوغلو على إنشائه، والثاني يستعد وزير الاقتصاد السابق علي باباجان لإطلاقه بالتحالف مع الرئيس السابق عبدالله غول، الذي كان أحد المؤسسين البارزين للعدالة والتنمية مع أردوغان.

ويتهم أردوغان بالعمل على تهميش القيادات المهمة داخل الحزب التي لم تكن تبدي له الولاء ولا تذعن لأوامره وإملاءاته وخاصة أحمد داود أوغلو وعبدالله غول وعلي باباجان، وهو ما فتح له الطريق لإرساء نظام دكتاتوري داخل الحزب.

وتتواتر الأنباء عن عزم 80 نائبا من العدالة والتنمية الاستقالة من الحزب وهو ما يهدد بفقدانه للأغلبية داخل البرلمان المتكون من 600 مقعد، وبالتالي عجزه عن إقرار القوانين.

وتثير أزمة الاستقالات والانشقاقات داخل العدالة والتنمية تساؤلات مراقبين للشأن السياسي التركي وما إذا كانت خارطة التحالفات السياسية والحزبية ستتغير على ضوء هذه التطورات.

ولا يستبعد هؤلاء المراقبون أن يتحول الحزبان الجديدان بقيادة أحمد داود أوغلو وعلي باباجان في صورة تحالفهما مع حزب الشعوب الديمقراطي، الذي لعب دورا كبيرا في فوز المعارضة بالبلديات الكبرى، إلى منافس قوي للحزب الحاكم.

وبحسب أحدث استطلاعات للرأي فإن هناك حوالي نسبة 12 بالمئة تعلن تأييدها لحزب باباجان المرتقب، وحوالي 9 بالمئة لحزب أحمد داود أوغلو الذي من المفترض أن ينطلق بدوره قريبا، وهاتان النسبتان تؤثّران على نسبة التأييد للعدالة والتنمية، وهما تعتمدان بشكل رئيسي على قاعدته الشعبية.

وكان أردوغان خاض الانتخابات البرلمانية والمحلية الأخيرة متحالفا مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، وتمكن تحالفهما من الحصول على الأغلبية النيابية، في حين خسر سبع بلديات كبرى، بينها إسطنبول وأنقرة وإزمير.

وأثارت رغبة أردوغان في السيطرة على قرار الحزب استياء عميقا من القيادات المحلية إلى القيادات التنفيذية العليا، وازدادت حدة الاستياء عقب الهجوم العنيف الذي شنه على المنشقين من الحزب في يوليو الماضي، حيث وصفهم بالخونة وتوعدهم بدفع ثمن “تمزيق الأمة”.

ويستبعد محللون أن تدفع الهزائم السياسية والانتخابية والانشقاقات التي مني بها أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى تغيير الرئيس التركي منهجه في الحكم، وتلطيف تعامله مع المعارضة وتجاوز الانقسامات السياسية داخل حزبه.

ولا ترى الكاتبة في صحيفة فايننشال تايمز لورا باتيل أن أردوغان يمكن أن يتخذ منهجا توافقيا بعد ستة أشهر من الانتخابات المحلية التي مُني فيها حزبه بخسائر موجعة في إسطنبول وأنقرة وغيرهما من المدن الكبيرة.

ويؤيد كثيرون ما ذهبت إليه باتيل باعتبار أسلوب العناد الذي يتميز به أردوغان، إذ سبق له أن علق على استعداد باباجان لإطلاق حزبه بالقول “يقولون إن بعضهم يؤسسون حزبا، لا تضعوهم في بالكم، فكم شاهدنا من انشقوا عنا وأسسوا أحزابا، ولم يعد لهم ذكر حاليا، لأن من يقوم بمثل هذه الخيانات حتما يدفع الثمن غاليا”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

بركان في وجه إخوان تونس.. استقالات وانشقاقات وملفات فساد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

بركان يعصف بالبيت الداخلي لتنظيم الإخوان في تونس، إثر هزيمة مرشحها عبدالفتاح مورو في الانتخابات الرئاسية المبكرة، حيث انطلقت سلسلة استقالات ومساءلات داخلية تهيئ لانفجارات بالمستقبل.

وقدم رئيس مكتب الغنوشي زبير الشهودي رسالة إلى الشعب التونسي أعلن فيها استقالته من الحزب، داعيا خلالها رئيس الحركة إلى اعتزال السياسة.

الشهودي، الذي مثل أمين سر الحركة والناطق الرسمي باسمها طيلة عامي 2012 و2013، اتهم صهر الغنوشي "رفيق عبدالسلام" بالفئة الفاسدة والمفسدة، مشيرا إلى وجود دكتاتورية يمارسها رئيس إخوان تونس من خلال هيمنة عائلته.

الكاتب المختص في الجماعات الإسلامية بسام حمدي، قال في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن الاستقالات التي ضربت حركة النهضة هي نتيجة وجود اعتراض كبير على الأسلوب الذي يعتمده زعيمها راشد الغنوشي والقرارات التي يتخذها بشأن البلاد.

وحمل قواعد الإخوان الهزيمة المدوية لمرشحهم عبدالفتاح مورو إلى رئيس الحركة، الذي فشل في لعبته السياسية تجاه تونس.

الاستقالات تبين أن قيادات من الحركة لم تعد تنضبط للتسيير الذي يقوم به راشد الغنوشي رفقة صهره رفيق عبدالسلام، حيث أعلن بعض منهم عن دعمهم للمرشح للجولة الثانية في الانتخابات الرئاسية قيس سعيد دون انتظار الموقف الرسمي للحركة.

وبيّن بسام حمدي في هذا السياق أن الحركة الإخوانية في تونس هي أسيرة ملفات داخلية مرتبطة بالتهرب المالي والضريبي والاستفادة من مواقع الحكم طيلة 8 سنوات.

عائلة الغنوشي ثراء غير مبرر
تصريحات القيادات الإخوانية المناقضة لسياسة راشد الغنوشي التي تعددت في الفترة الأخيرة، اعتبرها عديد من المراقبين انحدارا في شعبية الإخوان وانكشافا لوجههم الحقيقي.

وعبر عن هذه الصراعات الداخلية للإخوان بشكل مكثف وزير الفلاحة التونسي الأسبق وعضو حركة النهضة محمد بن سالم، في تصريحات إعلامية سابقة وذلك بالقول "الغنوشي يكذب ويحاول توظيف أبنائه في المواقع المتقدمة للدولة".

اتهام الغنوشي بالكذب والتزييف هو السمة البارزة في الفترة الأخيرة لزعيم متورط في بناء جهاز سري في تونس، ومنخرط في التخطيط للاغتيالات السياسية وانتشار الإرهاب منذ عام 2011.

وأكد الباحث في العلوم السياسية مروان عرايبية، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن "الثراء الفاحش لعائلة الغنوشي خاصة ابنه معاذ وصهره رفيق عبدالسلام جاء نتيجة عمليات تبييض أموال خطيرة واختلاسات جعلت من أنصار الحركة بحالة غضب في ظل أقلية تعيش الثراء وغالبية تعاني ضنك الحياة".

وتابع عرايبية "البنك المركزي التونسي مطالب بالتحقيق في التمويلات التي تتلقاها حركة النهضة الإخوانية الجدية، والتي ستكشف مدى تورطها والعناصر التابعة لها في الإرهاب من خلال أموال خارجية مشبوهة".

وقدر حسب رأيه الأموال التي أدخلتها حركة النهضة لتونس لحسابها الخاص منذ سنة 2011 بـ"4 مليارات دولار، مؤكدا أنها "متأتية بالخصوص من تركيا وغيرها عبر وسائل غير قانونية".

التفتت المحتوم
هزيمة عبدالفتاح مورو فتحت أبواب المساءلة أمام قيادات الإخوان وحجم الأموال التي تم ضخها، وجعلت الكثير من المحافظين في تونس يشككون في مصداقية الإخوان، حسب المراقبين.

ويقول أستاذ العلوم الاجتماعية محمد الحفصي، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن "الغطاء الإخواني أصبح مكشوفا، وإن مسار التفتت هو قدر محتوم"، حسب تقديره.

وشهد إخوان تونس استقالات منذ شهر يونيو/حزيران الماضي، حيث انشق منها المكلف بالعلاقات الخارجية لحركة النهضة محمد غراد والمستشار الخاص لراشد الغنوشي لطفي زيتون.

وأكدت مصادر في تصريحات لـ"العين الإخبارية" أن "المرحلة المقبلة ستعرف فيها الحركة استقالات أخرى، خاصة مع بروز دعوات ضد الغنوشي بالاستقالة واعتزال السياسة وكشف حساباته البنكية المتفرعة في بعض الدول".

وأوضحت أن "البحث عن نتائج أفضل لحركة النهضة في الانتخابات التشريعية هو مجرد أضغاث أحلام يريد حقنها الغنوشي لأنصاره كمسكن للسكوت عن جرائمه".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية