صلاح خليل: القارة الإفريقية قد تشهد قريباً جماعات أكثر تشدداً

صلاح خليل: القارة الإفريقية قد تشهد قريباً جماعات أكثر تشدداً
صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
5718
عدد القراءات

2019-04-24

أجرى الحوار: كريم شفيق


قال الباحث السوداني بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، صلاح خليل، إنّ ما تعانيه بعض دول إفريقيا اليوم من صراعات وحركات متطرفة بالدرجة الأولى نتيجة الإرث الاستعماري الذي تركها مفككة تفتقد أبسط مقومات الدولة تحت أنظمة استبدادية فاسدة.

اقرأ أيضاً: إفريقيا مسرح للحرب على الإرهاب
وأضاف، في حواره مع "حفريات"، أنّ تنامي التيارات المسلحة في إفريقيا ومنطقة غرب الصحراء، ظاهرة تحتاج إلى متابعة وفهم دقيقين، "في ظل التطورات الجيوسياسية والإقليمية، خاصة، بعد الربيع العربي، وظهور تحالفات ومصالح جديدة بين تلك التيارات"، مرجحاً أن تشهد القارة الإفريقية في الشهور المقبلة جماعات أكثر تشدداً.
ورأى خليل أنّ العولمة جاءت لتضيف تحديات جديدة على الواقع الإفريقي من خلال أدواتها وأفكارها والسياسات التي روجتها وأدت إلى "تآكل دور الدولة الوطنية وتغير مفهوم السيادة بل والانتقاص من احتكار الدولة للأدوات الرئيسية اللازمة لممارسة السلطة".
وهنا نص الحوار:
جناية الإرث الاستعماري

لجأت حركات التحرر في القارة الإفريقية إلى حمل السلاح
إلى أي حد شكّل الاستعمار في إفريقيا دوراً مؤثراً في تنامي المجموعات المسلحة والجهادية ذات المرجعيات الدينية؟

خلال فترة التحرر الوطني في الفترة الممتدة من الأربعينيات حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، لجأت حركات التحرر في القارة الإفريقية إلى حمل السلاح، والكفاح المسلح ضد المستعمر الأوروبي، من أجل تحقيق الاستقلال، بالإضافة إلى الانعتاق من الاستبداد والعنصرية اللتين كانتا جزءاً لا يتجزأ  من خطاب الرؤية الاستعمارية.

اقرأ أيضاً: رغم الأزمات الداخلية.. تركيا تواصل سياستها التوسعية في إفريقيا
فضلا عن أنّ المستعمر الغربي حوّل دول القارة الإفريقية إلى كيانات تتعرض إلى الاستبعاد والاستغلال لكافة الموارد المتاحة لديها، وتسخير مجهودات الشعوب الإفريقية لصالح المستعمر، لا سيما أنّ العبودية التي مارسها مع بعض سكان القارة الإفريقية. هذه التراكمات أحدثت ثقباً في الذاكرة التاريخية للشعوب الإفريقية، مازالت آثاره باقية في مخيلتهم.
ومن ثم تطورت هذه الظاهرة لاحقاً بعد استقلال الدول الإفريقية، كالحروب الأهلية، والحرب بالوكالة من بعض القوميات نتيجة لما تركه المستعمر من ميراث سلبي، كمثل تفضيله بعض القبائل على قبائل أخرى، مما عمّق أزمة الاندماج الوطني، تحت وطأة عدة أسباب؛ يرتبط بعض منها بالسياسات الاستعمارية التي كانت تتبع سياسة فرق تسد، ومن ثم بذرت الجذور الأولى للفرقة والانقسام داخل هذه المجتمعات.

جماعة "المرابطون" بررت بيعتها لداعش قبل الانفصال بالامتثال لأمر الله وطاعة لرسوله بحكم طبيعتها السلفية الجهادية

هذا علاوة على أنّ الاستعمار عشيّة رحيله كان قد قضى على كل الكيانات الإفريقية، التي يمكن أن تكون نواة لدول وطنية متماسكة جغرافياً وديموغرافياً، ومن ثم ظهرت حدود الدول الإفريقية على شكلها الحالي، ولم تراع هذه الحدود المصطنعة العوامل البشرية والسكانية والواقع على الأرض، وبالتالي ضمت هذه الكيانات الجديدة سكاناً على درجة كبيرة من الخلافات والانقسامات الإثنية واللغوية والدينية.
كما أنّ المستعمر ترك آثاراً سلبية في النسيج الاجتماعي والعشائري والقبلي والإثني الإفريقي، مما مهد لبعض الدول الإفريقية أن تكون عرضة لاستقبال الحركات المتشددة والمتطرفة نتيجة لهذا الإرث الاستعماري.
وبعد التحرر من الاستعمار جاءت الأنظمة المتعاقبة واتبعت سياسات تمييزية ضد الجماعات الأضعف، وحرمتها من نصيب عادل في الثروة والسلطة، وهو ما أدى إلى الحديث بعد ذلك عن ظاهرة التهميش، ونتج عنه ما يسمى بعلاقة المركز والهامش، وبالتبعية لم تجد هذه الجماعات ملجأ سوى العودة إلى الولاءات الأولية الضيقة، والانتماءات الجهوية وذلك بالخصم من رصيد الدولة الوطنية.
فضلا عن جزء كبير من هذه الجماعات احتفظت بسلاحها، بحجة الصراعات الحدودية، والخلافات الإثنية والقومية والمذهبية، ولذلك ظلت هذه المجموعة في حالة تصادم مع الأنظمة السياسية، وتحولت في ما بعد إلى بؤر للتوتر، والتنظيمات المتشددة، وأصبحت في ما بعد أيضاً تمارس العنف المسلح (الإرهاب)، كما ظهر في العديد من الدول الإفريقية؛ نيجيريا، الصومال، كينيا، مالي، النيجر، ليبيا، يوغندا، الجزائر، الكاميرون، تشاد، المغرب، تونس، تنزانيا، إثيوبيا، موزمبيق وإفريقيا الوسطى.
يمكن القول إنّ إفريقيا اليوم تواجه مخاطر واسعة، تهدد استقرارها السياسي والاقتصادي، والاجتماعي، نتيجة انتشار التيارات والجماعات الإسلامية المتشددة في العديد من البلدان الإفريقية، على طول سواحلها الشرقية والغربية، من الصومال وكينيا، وتنزانيا، وموزمبيق، ويوغندا شرقا، موريتانيا، مالي، نيجيريا، النيجر بوركينافاسو والسنغال غربا، الجزائر، المغرب ومصر، ليبيا، تونس، شمالاً، في وسطها إفريقيا الوسطى.
توغل التيارات الإسلامية في السواحل الإفريقية

فقر وبطالة وغياب عدالة اجتماعية
برأيك ما العوامل المحلية التي ساهمت في توغل التيارات الإسلامية في السواحل الإفريقية؟

تمثل الأزمات الاقتصادية كالفقر والبطالة، وتراجع الإنفاق على التعليم، وغياب العدالة الاجتماعية، وسوء الإدارة، وغياب مفهوم التخطيط، وانتشار الفساد والمحسوبية، بالإضافة إلى نمط الأنظمة السياسية والاستبدادية وبقائها في السلطة فترات طويلة، أسباباً رئيسية ودوافع تشكل بيئة حاضنة لترويج وبث الأفكار الأصولية، وانتشار التيارات الإسلامية الراديكالية.

اقرأ أيضاً: الزراعة في إفريقيا.. سماد يحمل مستقبلاً جديداً
بيد أنّه، من ناحية أخرى، جاء مفهوم (العولمة) ليضيف تحديات جديدة على الواقع الإفريقي؛ حيث أسهمت أدواتها والأفكار التي صاحبتها والسياسات التي روجتها إلى تآكل دور الدولة الوطنية، وتغير مفهوم السيادة بل انتقص من احتكار الدولة للأدوات الرئيسية اللازمة لممارسة السلطة، مما أسهم في زيادة حدة أزمة الاندماج الوطني، فضلاً عن تميز القبائل والقوميات الإفريقية بخصوصية، وتفرد الحدود والتباينات الفاصلة على المستويات السلالية واللغوية والثقافية والدينية.
ومن الأسباب الداخلية التي ساهمت بدور كبير في توغل التيارات الإسلامية، الدور الذي تقوم بعض النخبة السياسية الحاكمة في إذكاء الصراعات العرقية والمذهبية بين المواطنين، مما نتج عنه التدخل العسكري الغربي، مرة أخرى، في القارة الإفريقية، بدوافع تهديد الأمن والسلم الدوليين، ولكن في الحقيقة لا يمكن فهمه وتبريره إلا في سياق محاولة استشراف (استعمار) بمفهومه الجديد.  
حركة التوحيد والجهاد

كيف ترى مستقبل حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا والجبهة الوطنية لتحرير خاصة بعد هزيمة الأخيرة على يد المجموعات الموالية للقاعدة في غرب إفريقيا؟
بدأت حركة التوحيد والجهاد كتنظيم سلفي في العام 2011، وهي تأتي بعد حركة أنصار الدين التي تعلن استيلاءها وسيطرتها على أجزاء من منطقة أزواد، وتحديداً على مدينة غاو شمال جمهورية مالي. ولكن توسعت الحركة بنشاطها حتى الصحراء الكبرى والساحل الإفريقي، واكتسبت حركة التوحيد في وقت قصير شهرة وصيتاً كبيرين، وأصبح يضاهي بريق شهرتها تنظيمات مثل؛ "القاعدة" و"داعش" و"بوكو حرام" بالمنطقة.

احتكار السلطة لفترات طويلة في بعض الدول الإفريقية يساعد القوى السياسية المعارضة على الاعتماد على الخلايا النائمة

الفكرة بدأت كتنظيم جهادي مسلح في غرب إفريقيا، في دول السنغال، غينيا، موريتانيا، بوركينافاسو، ودول أخرى، في حدود تمدد أعضائها ومنتسبيها في هذه المنطقة. ولحركة الجهاد والتوحيد هدف إستراتيجي، هو الضغط على الدول في المنطقة الأكثر قوة، ولذلك نجدها استهدفت الجزائر كثيراً، وأصبحت تنسق في عملياتها مع القاعدة وتنظيم داعش في بلاد المغرب العربي، ولكن لديها استقلال في العمليات والتمويل، بفضل علاقتها الإستراتيجية مع "داعش".
وعلى الرغم من أنّ بعض العمليات التي نفذتها الحركة بتنسيق مع الطوارق الأزواد، خاصة، في الهجمات التي تمت في جمهورية مالي، إلا أنّ أغلب العمليات التي تمت في شمال مالي منطقة "غاو" تمت بمساعدة الطوارق حيث إنّ هذه المنطقة يسيطر عليها متمرّدو الطوارق وبعض الجماعات الإسلامية. 
وبعد صراع متكرر ومتسارع بين حركة التوحيد والجهاد والحركة الوطنية الأزواد، واشتباكات مسلحة أدت الى وقوع قتلى بين الطرفين في شمال مالي، تم إقصاء وإبعاد مقاتلي الحركة من مدينة "غاو" الإستراتيجية، وأصبحت المنطقة كلها تحت سيطرة حركتي التوحيد والجهاد وكتيبة الملثمين. 

إفريقيا اليوم تواجه مخاطر واسعة تهدد استقرارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي على رأسها التشدد الديني

والجدير بالذكر أنّ الغالبية الكبيرة من تشكيل المجموعتين هم من العرب، ويرجع الخلاف الكبير بين التنظيمين وتنظيم القاعدة إلى رفض الأخير تكوين وتشكيل سرية خاصة بالمقاتلين العرب على غرار سرية الأنصار، التابعة لتنظيم القاعدة التي تضم في عضويتها العديد من الجهاديين الطوارق.
وفي ظل تمدد نشاط الحركة شمال غرب إفريقيا، هذه المنطقة المهمة في الإستراتيجية الغربية، أعتقد أنّ التحالفات بين كل من الجماعات الإسلامية، وجماعات المصالح؛ وأقصد هنا الحركة الوطنية لتحرير أزواد "الطوارق"، باعتبارها ليس حركة راديكالية إسلامية، بل لجأت لذلك لتحقيق هدفها المتمثل في إقامة دولتهم في هذه المنطقة. وبلا شك إذا لم يعمل مجلس السلم والأمن الإفريقي مع حكومات هذه الدول، من أجل الحد من انتشار هذه الحركة وأفرادها، فلسوف تتمدد هذه الحركة على طول الساحل الغربي لتشمل دول أخرى.
حركة التوحيد والجهاد  

عتمدت حركة التوحيد والجهاد، على العديد من المصادر في التمويل
برزت حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا في أواخر العام 2011 ووصفتها الصحف المالية بأنها أكثر التنظيمات إثار للرعب.. ما الذي جعلها قادرة على هذا الحشد والعمل المؤثر في هذه الفترة القصيرة؟

اعتمدت حركة التوحيد والجهاد، على العديد من المصادر في التمويل؛ ففي البداية، لجأت الحركة على الخطف مقابل الفدية، ولكنها تطورت في الفترات الأخيرة، خاصة، بعد تحالف مع بعض الجماعات الإسلامية في غرب إفريقيا، اتبعت الحركة نهجاً آخر في التمويل من خلال التجارة في السلاح، والسرقة، وفرض الحماية، وهي أرض خصبة في الدول الإفريقية لبعض القبائل؛ لأن ضعف الدولة المركزية، تصبح دوماً الأطراف خارج عن قانون الدولة.

الحركة الوطنية لتحرير أزواد ليست راديكالية إسلامية بل لجأت لذلك لتحقيق أهدافها الانفصالية

أغلب الأعضاء المنتمين لحركة التوحيد والجهاد، من الماليين والموريتانيين، كما أضحت حركة التوحيد مصدر تهديد للأمن الإقليمي لدول غرب أفريقيا. وتعد حركة التوحيد والجهاد الثانية من الحركات السلفية في غرب إفريقيا، من حيث انتشار وأعداد أعضائها. وبعد اندلاع التمرد في شمال جمهورية مالي استولت حركة التوحيد مع حلفائها من الحركة الوطنية لتحرير "أزواد" على مدينة "غاو"، وتلقت لاحقاً دعماً ومساعدة من بعض المنتسبين لتنظيم القاعدة "كتيبة الملثمين"، لمساعدتها في السيطرة على مدينة "غاو"، ذات الكثافة السكانية والعمرانية بشمال مالي. وتمكنت حركة التوحيد من السيطرة على مدن أخرى مثل "تمبكتو وكيدال".
تمكنت الحركة من الحشد والتعبئة لأعضائها، من خلال تبني السلفية الجهادية، وتنشر أفكارها وأهدافها بين الشباب، بواسطة بث الفكر الجهادي المبنى على القبلية، بالإضافة إلى استقطابها تجار المخدرات والتهريب، ومساعدتهم بالعتاد، بغية تأمين المهربات، مما مكّنهم من الاستيلاء على الأسلحة الثقيلة، والقادمة ومن ليبيا، وبعض الدول الإفريقية المجاورة.

اقرأ أيضاً: الإسلام في غرب إفريقيا.. حضور قوي ومتعدّد
تعتمد حركة التوحيد والجهاد في إدارة وتنفيذ عملياتها من خلال أربع تشكيلات عسكرية سرية: أبو مصعب الزرقاوي، أبو الليث الليبي، عبدالله عزام، و(الجهاديين)، بالإضافة إلى كتيبة وسرية أخرى تعرف باسم "أسامة بن لادن"، ويترأسها غالباً قيادي وعضو مجلس شورى حركة التوحيد والجهاد.
وفي كانون الأول (ديسمبر) العام 2012، فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على حركة التوحيد والجهاد، في غرب إفريقيا، وصنفها من أخطر التنظيمات المتشددة.
معظم هذه الجماعات كانت تنتسب إلى تنظيم القاعدة وتنظيم داعش

ما هي العوامل الإقليمية التي ساهمت في هذا الانتشار والهيمنة لهذه الحركة في تلك الجغرافيا السياسية المعقدة؟
إذا نظرنا إلى التنظيمات الجهادية بالقارة الإفريقية نجد في المقام الأول، معظم هذه الجماعات كانت تنتسب إلى تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، وعندما تراجع نشاطها في منطقة أفغانستان وسوريا، أصبحت بعض قيادات الجماعات تبحث عن أماكن بديلة، خاصة بعد تصاعد خسائرها على الصعيدين العسكري والأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: "أشبال إفريقيا"... إرهاب من أول سطر
لذلك صوبت الجماعات الإسلامية أعينها نحو منطقة تكون وطناً جديداً لها، بعد تراخي قبضتها في مناطقها الأم كسوريا، والعراق، جراء الضربات والهجمات التي تلقتها من قبل التحالف الدولي والقوى المناوئة.
دور الأنظمة الاستبدادية

 لعبت الأنظمة المستبدة دوراً بارزاً في القارة الإفريقية، لولوج تلك الأفكار المتشددة من قبل الوافدين
هل أسهمت الأنظمة المستبدة في تلك المنطقة بتدشين دعائم لتطور المعارضة الدينية التي اتخذت من المساجد منبراً لتوجيه النقد إلى الحكومات؟

بلا شك لعبت الأنظمة المستبدة دوراً بارزاً في القارة الإفريقية، لولوج تلك الأفكار المتشددة من قبل الوافدين، من حيث انتشار الفقر وارتفاع نسبة البطالة، وتزايد المشاكل الطائفية والتهميش الاقتصادي والسياسي، وغياب العدالة الاجتماعية ومحاباة قبائل ضد قبائل، تلك بيئة حاضنة للتنظيمات الإسلامية المتشددة وتساهم في تغلغلها.

صوبت الجماعات الإسلامية أعينها نحو منطقة تكون وطناً جديداً لها بعد تراخي قبضتها في مناطقها الأم

ففي العام 2016، تمكن تنظيم داعش من إرسال 15 من قياداته إلى نيجيريا، لتدريب عناصر من مقاتلي "بوكو حرام" على التقنيات الحديثة وتصنيع الأسلحة اليدوية، وقاذفات الصواريخ.
بيد أنّ احتكار السلطة لفترات طويلة في بعض الدول الإفريقية، يساعد القوى السياسية المعارضة على الاعتماد على الخلايا النائمة من أجل الإطاحة بالمستبدين، حتى لو كانت تلك الخلايا من التيارات الإسلامية، مستغلين المساحة المتاحة في منابر المساجد. وفي الحقيقة تعتبر هذه المنابر فرصاً كبيرة لهؤلاء في ظل غياب تام لأجهزة الدولة في الرقابة على النشاطات الدينية.
والجيل الجديد في إفريقيا ممثلاً في "جماعات الإصلاح"، سواء كانت الطرق الصوفية أو جماعات تأسست منذ فترات طويلة مثل الحركة الإسلامية، في شمال نيجيريا، التي يقودها إبراهيم الزقزاقي، وأيضاً جماعة عباد الرحمن التي يقودها السنغالي سيدي خليل، في العاصمة داكار، بالإضافة إلى جماعات أنصار السنة، في شرق إفريقيا، هؤلاء جمعيهم لديهم موقف واحد مشترك ضد فصل الدين عن الدولة (الدولة العلمانية)، لذلك استخدموا منابر المساجد، كمنبر سياسي، ضد علمنة الدولة ومعتمدين في ذلك على الأرضية والبيئة الجغرافية القبلية التي تقدم لهم الدعم والسند.

اقرأ أيضاً: مجلة أمريكية تحذر: هذه مخططات أردوغان في الشرق الأوسط وإفريقيا
انتشرت المدارس "الإسلامية" شمال نيجيريا والسنغال ومالي ومناطق بجنوب إفريقيا لمواجهة صعود حركات الإصلاح الديني الإسلامي، كيف استطاعت الجماعات المتشددة بذلك إجهاض عوامل الإصلاح؟
هنا دعنا نخوض في عملية تجديد الخطاب الديني، الذي يصل بنا إلى التغيير الاجتماعي المطلوب؛ لأن إقحام الصراعات الأيديولوجية والفكرية والسياسية، حتماً سيقودنا إلى حالة عدم الاستقرار في بلد ما؛ حيث يعد انتشار المدارس الإسلامية في دول مثل: نيجيريا والسنغال ومالي وحتى جنوب إفريقيا، ليس الحل في الحد من تغلغل الجماعات الإسلامية إلى هذه الدول، ولكن الحل يكمن في العودة إلى جذور المشكلة؛ كالفقر والعدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، والفساد والمحسوبية.

اقرأ أيضاً: هل تصدر إفريقيا جواز سفر واحداً؟
وعلى سبيل المثال نيجيريا اليوم هي أكثر البلدان الإفريقية، التي سوف تجد نفسها محاصرة بين الجماعات المتشددة، سواء "بوكو حرام"، والشيعة والطرق الصوفية، في شمال البلاد، خاصة مع اتساع نطاق وتغلغل الشيعة على حساب السنّة، نتيجة لارتفاع عدد تجمعاتهم في نيجيريا ووجود العديد من الجمعيات بأسمائهم، ويروجون للمرتكزات الفكرية الشيعية علناً، كالمذهب الإثني عشري كونه المرجع الفكري للحركة الإسلامية، وجمعية الدفاع عن المستضعفين من الشيعة المؤمنين في نيجيريا  وخارجها، والولاء لـولاية الفقيه، والتي يمثلها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران.
كما أنّ الكيانات الشيعية تعمل بوضع قانوني، القائم على المذهب الجعفري الشيعي، ونظرية ولاية الفقيه، لذلك ربما نرى في الشهور المقبلة جماعات أكثر تشدداً في القارة الإفريقية.
صراعات التطرف

ما هي أبرز الجماعات المسلحة في إفريقيا اليوم وهل ثمة تحولات مسّت جوهر نشاطها وبنيتها في ظل التحولات الجارية في ما بعد "الربيع العربي" خصوصاً ارتباطها بما يحدث في ليبيا؟
هناك جماعات عديدة مثل؛ "بوكو حرام" الأشهر، وجماعة "المرابطون" ما بين الوحدة والخلاف، والأخيرة تأسست في آب (أغسطس) العام 2013، بالاتفاق الشهير بين كل من جماعة "الموقعون بالدماء"، بقيادة مختار بلمختار، وقائد تنظيم "التوحيد والجهاد" في غرب إفريقيا.

إقحام الصراعات الإيديولوجية والفكرية والسياسية حتماً سيقودنا إلى حالة عدم الاستقرار في أي بلد

وحركة "التوحيد والجهاد" في غرب إفريقيا، وهي مجموعة انشقت من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، وتنشط بصورة كبيرة بجنوب الجزائر، وشمال مالي، بيد أنه تم إدراج الحركة من قبل الحكومة الكندية في قائمة الجماعات الإرهاب، وحركة شباب المجاهدين بالصومال؛ حيث صنفت حركة شباب المجاهدين في العام 2017، من أخطر الجماعات الإرهابية في شرق إفريقيا، وفقاً لتقرير مركز الديانات والجغرافيا السياسية المعروف (CRG). وتمكنت حركة "شباب المجاهدين" من تنفيذ العديد من الهجمات الانتقامية ضد بعض الدول في شرق أفريقيا، وبذلك تكون قد وسعت من نشاطها لتشمل دولاً أخرى بدلاً من الصومال، فضلاً عن تنظيم القاعدة وداعش في شمال إفريقيا؛ حيث بدأت داعش عملياتها في ليبيا عبر سيطرتها على مدينة سرت العام 2015، لتكون قاعدتها الرئيسية في منطقة شمال إفريقيا إثر فوضى الحرب الأهلية هناك، وقد عمل التنظيم على إيفاد عناصر مقاتلة ذات خبرة للمشاركة في العمليات الميدانية على الأراضي الليبية.

اقرأ أيضاً: الحركات الجهادية في إفريقيا... تحالف وتقاتل وعنف
ومن جهة أخرى، يمكن ملاحظة أنّ (الجبهة المتحدة الثورية)، التي بسببها اندلعت حرب أهلية في سيراليون، أيضاً تتبنى الأفكار الدينية المتشددة. وبالرغم من تراجع تنظيم داعش في الشام نتيجة للضربات القوية التي أدت إلى تراجعه، وتفرق أعضائه ثم انتقال أفراد التنظيم إلى دول إفريقية، خاصة في غرب إفريقيا، إلا أنّه مايزال لديه أكثر من  18 فرعاً في مختلف البلدان.

فوضى الحرب الأهلية
  
برزت أول بيعة لتنظيم "داعش" من التنظيمات الجهادية الناشطة شمال مالي، لكن لماذا أخفقت هذه الولادة التنظيمية فيما بعد؟
جماعة "المرابطون" بررت تلك البيعة في ما بعد، باعتبارها كانت امتثالاً لأمر الله تعالى، وطاعة لرسوله الكريم؛ لأنّ "المرابطون" هي سلفية الطبع، وأيضاً سلفية جهادية؛ فهي ترى تنظيم داعش، من أقوى  التنظيمات في تطبيق الشرع، لذا أطلقت عليها اسم "دولة الإسلام والخلافة معاً". ثم ما لبث أن حدث اختلاف بينهما حول من يتولى الإمارة؛ فرأى "المرابطون" بأنّ تنظيم داعش يحاول فرض سيطرته التنظيمية على الجماعة، وهو في الحقيقة صراع نفوذ بين الجماعتين، انتهى باندماج جماعة "المرابطون" بتنظيم القاعدة في المغرب العربي، في العام 2015، وهو نفس العام الذي حدث فيه فك ارتباط بين "المرابطون" و"داعش"، بيد أنّه جاء اندماج جماعة "المرابطون" نكاية في "بوكوحرام" التي أدت البيعة لتنظيم "داعش".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



محمد الباز: لماذا يبدو الإعلام الإخواني محكوماً بالفشل؟

2020-03-23

أجرى الحوار:  ماهر فرغلي


قال الإعلامي والكاتب المصري محمد الباز إنّ الإعلام الإخواني مظهر من مظاهر صراع بين فصيل ودولة وإنّ هذا الصراع سينتهي عاجلاً أم آجلاً، مؤكداً في حواره مع "حفريات" أنّ العاملين في قنوات الجماعة ومنصاتها يتقاضون أجوراً كبيرة، بناء على ظرف استثنائي حين ينتهي سينتهون معه.

تجاهُل إعلام الإخوان على مستوى العاملين والمنطق والمضمون صبّ في مصلحة الجماعة والموالين لها

وأضاف مقدم برنامج 90 دقيقة، على قناة المحور، وبرنامج باب الله على قناة الغد أنّه "يجب أن نعترف أنّ الإخوان "أشطر" منا في "الإعلام الجديد"، لأنّ إعلام الإخوان كل اهتماماته منصبّة على نقد النظام، لذا فهو يترصد الأخطاء ويضخّمها، بل ويصنع أكاذيب عن الشأن الداخلي"، مستدركاً أنّ "مشكلة الإعلاميين الرسميين غير موفّقين في تسويق أنفسهم على السوشيال ميديا ومواقع التواصل"، وقال إنّ "الإعلام المصري يحتاج إلى جراحة قاسية، ومنها هيكلة وإبعاد أناس من المشهد لا علاقة لهم بالعملية الإعلامية برمّتها".
وانتقد رئيس مجلس إدارة مؤسسة الدستور والأستاذ بكلية الإعلام بجامعة القاهرة بعض برامج التنوير التلفزيونية لأنّها تنتج خطاباً يتجاهل التكوين الثقافي والنفسي للناس، على حدّ وصفه، موضحاً "أرى أنّ التنويريين المعاصرين يتخذون نفس منهجية الوصاية التي ينتقدونها، ويريدون فرض وجهة نظرهم على المتلقي مثل التيار السلفي تماماً".

ورأى الباز أنّ "احتكار الحديث في التراث لمؤسسة واحدة مشكلة كبيرة، ومن هنا لن ينفع التجديد بمجموعة أفكار تطبع في كتب، بل حين نرى إمام مسجد في قرية نائية يقف على المنبر ويردد ما ندعو له من التجديد".
وهنا نص الحوار:
مواجهة إعلام الإخوان
كيف تصف الإعلام الإخواني ومستقبله؟

هو مظهر من مظاهر صراع بين فصيل ودولة، وسينتهي هذا الصراع عاجلاً أم آجلاً.. سواء بانتصار الدولة أو بالتفاهم أو تغيير استراتيجية الجماعة، وللعلم هو الطبعة الثالثة من إعلام مناهض بدأ عقب العام 1956 بإذاعة ابني أبو الفتح، محمود وأحمد، اللذين كانا صاحبي جريدة المصري، ولما اختلفا مع عبدالناصر، بدآ بقصف إعلامي مستمر للدولة، وتكرر الأمر مرة أخرى مع الممثل عبدالغني قمر، الذي أقام في قبرص وأنشأ إذاعة في عهد الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات.

اقرأ أيضاً: منابر الإخوان وإعلامهم: فساد الخطابات قبل فساد القنوات
ومع الفارق في الإمكانات الضخمة للقنوات الإخوانية، فهو إعلام خرج بظرف ذاتي وبمجرد انتهائه سينتهي هو معه، ولذا فإننا سنلاحظ التفاعل الداخلي والتصادم والاشتباكات داخل تلك القنوات الممولة قطرياً وتركياً، خاصة أنّ بعضهم صدّق نفسه، وتصور أنّه صاحب قضية، وكلهم يتقاضون أجوراً كبيرة، وأجورهم مرتبطة بظرف استثنائي حين ينتهي سينتهون معه، لكن النهاية لا نستطيع تحديد ميعادها الآن.
هل تتفق مع مَن يدعون إلى أن نتغاضى عن هذا الإعلام؟
لا؛ يجب ألا نتغاضى عنه لأن التجربة أثبتت أنّ تجاهله وعدم كشفه على مستوى العاملين والمنطق والمضمون، جعلت عناصر الجماعة والموالين لها يحتلون به مساحة في الذهنية، ونحن على المستوى النظري سنجد أننا لو أعطيناه اهتماماً زائداً فسنساويه بإعلام الدولة الرسمي؛ هذا صحيح، لكنه عملياً فإنه أثّر بالفعل وكان على وشك إخراج الناس في 20 أيلول (سبتمبر) العام 2019، والنجاح في صناعة فتنة، ولأننا تجاهلناه كان هناك حالة قلق حقيقية على المستوى الرسمي والشعبي، وهذا كان مؤشراً لأن نبدأ ونهتم بتفنيد ما يطرحه.

التنويريون المعاصرون يتخذون نفس منهجية الوصاية التي ينتقدونها، ويريدون فرض وجهة نظرهم على المتلقي مثل التيار السلفي تماماً

أنا على سبيل المثال قبل عامين بدأت ذلك وأنا أعمل في قناة المحور الخاصة، وفوجئت أنّ التلفزيون الرسمي فيما بعد سار على نفس النهج؛ لقد أدركوا ذلك مؤخراً، وبرأيي هناك أكثر من مسار.. إعلام تقليدي، ونيو ميديا، ويجب أن نعترف أنّ الإخوان "أشطر" منا في هذا النوع الأخير، لماذا؟ لأنّ إعلام الدولة جزء من اهتماماته هو التطرف والإرهاب، وأما إعلام الإخوان فكل اهتماماته هو نقد النظام، لذا فهو يترصد الأخطاء ويضخّمها، بل ويصنع أكاذيب عن الشأن الداخلي.. وهناك مشكلة أنّ الإعلاميين الرسميين غير موفّقين في تسويق أنفسهم على السوشيال ميديا ومواقع التواصل، ولو قارنت صفحات كل العاملين العرب بصفحات مذيعين غير محترفين في قنوات الجماعة لوجدت عناصر التنظيم أكثر متابعة، وذلك لأنّهم يركزون جهدهم، ومن هنا كان علينا أن نهتم بنفس الدرجة بذلك.

هناك من يرى أن تفكيك الخطاب الرئيسي والأيديولوجيات والأفكار المؤسسة يمكن أن يقضي على هذا الإعلام ومشروعه، هل تتفق مع ذلك؟
لا بد أنّ نفكك الخطاب، لكن بنفس الدرجة المتن والسند، بمعنى ما قالوه، والأشخاص وتحولاتهم، وبالنسبة لمسألة الأيديولوجيات فهناك قطاع كبير جداً مقتنع بما يطرحون دينياً، لكن الأداء وحده يمثل خطراً عليهم، وجماعة الإخوان بمصر فشلت سياسياً، وخرج الناس ضدها وليس ضد الدين.

اقرأ أيضاً: أزمة الأذرع الإعلامية لتنظيم الإخوان.. خلافات داخلية هيكلية أم تفجير ذاتي لانتهاء مهمته
من هنا أنا أرى أننا يجب أن نبين خطرهم على الهوية الوطنية، وعلى الاستقلال الوطني، وهذا أول الطريق لنجاحنا ضد هؤلاء المتطرفين، أما الدخول معهم في الأفكار التي منبعها ديني فسنجدهم ينتصرون، وهذا خطر لكنه واقع، فأنت حين تفكك الخلافة دينياً تفشل، لكن حين تفككها سياسياً تنجح.. تفكيك الأفكار المؤسسة صعب جداً لأنّ ثمة قطاعاً تستهويه تلك الأفكار الدينية.
على ذكر تفكيك الأفكار أليس ذلك مهمة المؤسسات الدينية؟
بكل تأكيد، لكنها مؤسسات دينية متكلسة، بل ولا أبالغ إذا قلت إنّ خطابها رجعي، لأنّ مَن لا يقدّم ما يقنع الناس ويخدمهم سيخسر كثيراً.. ولاحظ كيف كان الإخوان يعملون اجتماعياً ويسوّقون أنفسهم، وكيف يعيشون في الشارع بين الناس، وكيف كانوا يتكلمون كثيراً في الرقائق، والترغيب والترهيب، حتى لو كانوا غير ملتزمين دينياً، لكنهم كسبوا الناس بهذا الشكل، ومن هنا أنا لا أنحاز لحرب الأفكار المؤسسة، فأنا دوري في الإعلام أن أقول إنّه يكذب.

مشكلة الإعلام الرسمي

البعض يقولون إنّ الإعلام الرسمي غالباً يتخذ موقفاً دفاعياً، وهذا دليل كبير على ضعفه، ما رأيك؟
هذا حق يراد به باطل، لأنّه من الطبيعي أصحاب الحق دائماً يدافعون، ولأنّ معي الحق فأنا في موطن دفاع والباطل يهاجمني.. هو يريد أن يثبت أنه مصيب بنوع من العصبية والصوت المرتفع، ونحن نتكلم بهدوء، على سبيل المثال الدولة حين تقوم بافتتاح مشروعات فإنّه يشكك بصخب.
ما مشكلة إعلام الدولة الرسمي بالضبط؟
المشكلة أنّ الإعلام المعادي ليس قليل الإمكانات، ومدعوم بشكل كبير جداً، أما نحن فمعظم الأموال المدفوعة هي أجور وليست لإنتاج المحتوى، وأنت تعلم أنه على سبيل المثال لدي أكثر من 400 عامل، أنا أستطيع أن أعمل بـ80 فقط، لكن الباقين مفروضون، وهذا ما يستنزف الجهد والميزانية، ومن هنا فالإعلام المصري يحتاج إلى جراحة قاسية، ومنها هيكلة وإبعاد أناس من المشهد لا علاقة لهم بالعملية الإعلامية برمتها.. وأرجو أن نلاحظ تمويلنا طبيعي، وأما تمويلهم فهو مال موجَّه، وهم يراجعون ما حققوه من أهدافهم كل فترة زمنية.
البعض يتهم الإعلام المصري أنّه تراجع في الأعوام الماضية بسبب عدم وجود حرية النقد؟
بكل تأكيد الإعلام يحتاج لمناخ من الحريات، لكن الإعلام الإخواني المدعوم تركياً وقطرياً ليس عنده حرية نقد أيضاً، هو لديه حرية نسبية في نقد الدولة المصرية وفقط، فهو لا يستطيع أن ينتقد أردوغان أو عزمي بشارة وأيمن نور، وأيضاً نحن لدينا حرية نسبية.

ألا تتفق أنّ تأثير الإعلام الإخواني أخذ بالتراجع مؤخراً؟
بالتأكيد، بل إنّ هذا التراجع كبير جداً، والدليل أنّهم دخلوا اختبارات كثيرة وفشلوا فيها، فهم يحشدون مع كل مناسبة دينية ووطنية ويذهب ما يدعون إليه أدراج الرياح، وتبقى الدولة شامخة.. ولاحظ كيف سحبوا (المقاول محمد علي) من المشهد مجبرين لأنّه فشل وأصبح ورقة محروقة، ورغم أنه ليس إخوانياً مثل أيمن نور، ومحمد ناصر، فكلهم ليسوا إخواناً لأنّ الجماعة وأفرادها أصلاً فاشلين في الإعلام، وهم مستمرون لأنهم يتصورون أنهم في معارك منفصلة، قد ينهزمون فيها، لكن هناك حروباً كثيرة لا بد وأن ينتصروا فيها، وأعتقد أنّ التراجع والهزيمة هي حليفهم والإعلام المصري وليس التركي حقق نتائج ملموسة على الأرض وذلك مربوط بالنتائج وليس بالأحلام، وأعتقد أننا كنا في لعبة، لا يحسب فيها النصر بالمراوغة لكن بإحراز أهداف.
بين التنوير وتجديد الخطاب الديني
هل ترى أنّ برامج التنوير الفكرية التلفزيونية قد أدت مهمتها بنجاح أم لا؟

لا أرى نجاحها، أغلبها عبء على التنوير في مصر، لأنها تنتج خطاباً يتجاهل التكوين الثقافي والنفسي، والتنوير في أصله هو التعريف وترك الآخر لكي يتخذ موقفه بنفسه، إنّني أرى أن التنويريين المعاصرين يتخذون نفس المنهجية "السلفية" التي ينتقدونها، ويريدون فرض وجهة نظرهم على المتلقي مثل التيار السلفي تماماً..

اقرأ أيضاً: خطاب الكراهية في الإعلام: اعتبارات الدين والقبيلة والجنس
التنوير أن أشرح لك سيد قطب مثالاً، وأنت هنا تختار وتصل إلى الحقيقة التي لن أفرضها عليك، وأما الخطاب الحالي ففيه نوع من الوصاية، ولا أقصد بالطبع خطاب الفلاسفة الكبار مثل أركون أو شحرور، فهذا في أصله خطاب نخبوي، وهناك بكل تأكيد مساحة فلسفية للنخبوية بخطاب التنوير، وهذا خلل أساسي في المنهجية كما قلت لك، ونحن لا بد أن نكسر القواعد، والتفكيك مطلوب لكن ليس بهذه الطريقة، فأنا لا يشغلني قطع خالد بن الوليد لرأس مالك بن نويرة، فهذا كان في سياق تاريخي، والآخرون يستطيعون الحصول على سردية تاريخية مقابلة وهنا لن تنتهي المشكلة، إلا بدولة مدنية وقوانين حاكمة.

هل نحن إذن امام معضلة بانت في نقاش شيخ الأزهر مع الدكتور الخشت؟
بكل تأكيد ووضوح نعم، نحن أمام معضلة، ومشهد 3 حزيران (يونيو) 2013 بمصر بعد الثورة الشعبية يوضح الصورة، حين خرجت قيادة الجيش وحولها شيخ الأزهر والسلفيون والأنبا تواضروس، في رسالة واضحة أنّ الدين مهم، وأن مصر ليست ضد الدين، لكنها ضد فصيل متطرف يدّعي احتكاره.

إذا كان التراث لا يستحق التجديد كما قال شيخ الأزهر على أي أساس سيكون التجديد؟!

وشيخ الأزهر مخلص فيما يعتقد أنه صحيح، لكنني انتقدته في تعامله مع الآخر، وهذا جعلني أتشاءم لأن طريقته كانت تحط من قدر الآخر، فما بالك بالآخرين، والمحيطون به أخذوا منه نفس هذه الحالة من القوة، لأنّ هناك خلافاً جوهرياً، وهو أنّهم يتصورون أنهم المحافظون وحدهم على الدين التقليدي، وهنا إذا كان التراث لا يستحق التجديد كما قال شيخ الأزهر، على أي أساس سيكون التجديد؟! رغم أنه كان له سياقه وظروف الواقع، والرسول عليه السلام نفسه قام بالتجديد عندما قال مثلاً: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها".
أنا لستُ يائساً وأمتلئ بالأمل، لكن لاحظ مثلاً (الطلاق الشفوي) وكيف واجهه الأزهر، رغم أنّ الظروف الواقعية والسياسية تدعو إليه كما أخذتها بالاعتبار بعض الدول الإسلامية؛ احتكار الحديث في التراث لمؤسسة واحدة مشكلة كبيرة، ومن هنا لن ينفع التجديد بمجموعة أفكار تطبع في كتب، بل حين نرى إمام مسجد في قرية نائية يقف على المنبر ويردد ما ندعو له من التجديد.
هل أصبحت الدولة المصرية في مشكلة حقيقية في تجديد الخطاب الديني لأنه ليس لها مشروع؟
بل لديها مشروع كبير جداً، لكنها لم تفرضه حتى الآن، تقوم عليه ثلاث جهات: الأزهر، والأوقاف، ومجموعة دار الإفتاء، ومجموعة الاتجاه الصوفي بقيادة الشيخ علي جمعة وعمرو خالد والحبيب الجفري.

عمرو خالد...؟!
نعم، في الثلاثة أعوام الأخيرة حدثت له تحولات كبيرة جداً ونقلة في تفكيره، وكل هذه المشاريع تتصارع، وبعضها يأتي على استحياء، والدولة تتدخل أيضاً باستحياء لأنها تنظير للدين؛ هناك نوعان من تجديد الخطاب، واحد مساند للنظام وآخر مناهض متمثلاً بالإسلام السياسي، وأزمة بعض المجددين، أنهم يخلطون الأمر ويقومون بمحاربة الطرف المؤيد، مثل إسلام بحيري الذي قام بمجابهة وتفكيك الخطاب المساند مثل الأزهر.
بالنظر إلى تلك المشاريع، وأيضاً إلى جماعة الإخوان كيف ترى ما وصلنا إليه في هذا الشأن؟
لا ينفع أن يكون هناك تنظيم موازٍ، ولا بد أن تنتهي هذه الحالة مهما كانت التكلفة، وبعد ذلك نقوم بإجراء مراجعات لمن يستحق، لكن لا بد من ملاحظة أنّ عمليات الدمج لها تكلفة كبيرة، ولا بد أن يكون المجتمع مستعداً لها، وهنا سنكسب ليس بنسبة كاملة بل جزئية، لأن بعضهم سيعود للتطرف مرة أخرى.

للمشاركة:

أماني الطويل لـ "حفريات": مصر دخلت حيز الفقر المائي

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2020-03-15

أجرت الحوار:  منى يسري


أكدت مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، الدكتورة أماني الطويل، إنّ مصر دخلت حيز الفقر المائي، وأنّ حقّ مصر في مياه النيل محميٌّ بموجب الاتفاقيات الدولية، وإنّ إثيوبيا تستخدم عامل التلاعب بالوقت، وتظهر عدم الجدية والالتزام، حتى بعد حضور واشنطن كطرف في المفاوضات.

هناك دعم إسرائيلي لإثيوبيا في نهجها التفاوضي مع مصر والسودان، مثل فرض سياسة الأمر الواقع والتلاعب بعامل الوقت

وأوضحت الطويل أنّ الموقف المصري الأخير كان موفقاً؛ لأنّه يمنع إثيوبيا من المناورة السياسية التي تنتهجها منذ بداية المفاوضات، عام 2014، كما أنّ انسحابها الأخير، أظهر للجانب الأمريكي أنّ الجانبَين؛ المصري والسوداني، على قدر كبير من الجديّة والالتزام.
في هذا الحوار، الذي أجرته "حفريات" مع الدكتورة أماني الطويل، في مكتبها بمؤسسة الأهرام، تجيب عن تساؤلات بشأن مباحثات سدّ النهضة، ومآلات المفاوضات المستمرة منذ ستة أعوام، وتداعياتها على الشأن المصري.

المشكلة ليست فيما يجب أن تطلبه مصر؛ بل في أنّ إثيوبيا ترفض توقيع أيّ اتفاق، وترفض الالتزام بأيّ شيء

هنا نصّ الحوار:
دكتورة أماني: هل من الممكن إطلاعنا على آخر ما توصّلت إليه المباحثات الثلاثية التي تجري في واشنطن بخصوص سدّ النهضة؟

وقعت جلسة المباحثات الأخيرة في التاسع والعشرين من شباط (فبراير)، حول التوقيع على مسودة اتفاق تمّ التوافق عليها بالفعل، وحازت على رضا جميع الأطراف، حتى أنّ وزير الريّ السوداني، ياسر عبّاس، أعلن التوصل لاتفاق، لكن ما هي طبيعة الاتفاق؟ هذا ما يزال مبهماً؛ لأنّ تفاصيل الاتفاق لا تُعلن هنا، ثُمّ أرسل رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، مبعوثاً لكل من القاهرة والخرطوم، قبل 48 ساعة من عقد هذه المباحثات، وأيضاً لم يعلن عن فحوى ما جرى، لكن كان هناك تلميح في الخرطوم إلى تأجيل الجلسة، وليس عدم حضور إثيوبيا، والصحافة السودانية هي من صرحت بذلك، لكن دون الإشارة لمصدر المعلومات، بعد ذلك فوجئ الجميع بحضور مصر والسودان للجلسة، بينما أعلنت إثيوبيا عدم حضورها، موضحة أنّ البلاد رهن ظروف داخلية تحتم المزيد من التشاور، وفي نهاية المباحثات، وقّعت مصر، بالأحرف الأولى، على الاتفاقية، ولم يوقّع السودان بل دعا من خلال وزيرة خارجيته، أسماء عبد الله، إثيوبيا إلى التوقيع، وعليه أصدر وزير الخزانة الأمريكي بياناً قال فيه إنّ الانسحاب الإثيوبي مفاجئ وغير مقبول، موضحاً أنّه لن يتاح لإثيوبيا ملء البحيرة إلّا بعد تحقيق التوافق بين جميع الأطراف، وعليه اجتمع مجلس الوزراء الإثيوبي، معلنين أنّهم سيملؤون البحيرة، شاء من شاء وأبى من أبى، في تحدٍّ واضح للأطراف المتضررة من هذا الحدث، وأنّ الاتفاقية راعت مصالح دولتي المصب، ولم تراعِ مصالح دولة المنبع، وأنّهم سيلتزمون بمبادئ الاتفاق، الذي تمّ توقيعه في آذار (مارس) 2015، معلّقين بالتزامهم التفاوض مع طرفي النزاع.
إذاً، ما هي تداعيات توقيع مصر وحدها وانسحاب السودان؟ وهل يخدم هذا القرار مصالح مصر في تلك المباحثات؟
في رأيي الشخصي؛ الموقف المصري كان احترافياً، والتوقيع أفقد إثيوبيا أيّ هامش للمناورة السياسية، وأوضح الجدية والالتزام، للجانب الأمريكي من قبل مصر؛ لأنّه يعني أنّ مصر التزمت بما تمّ الاتفاق عليه بين جميع الأطراف، وأنّ هذا الاتفاق يرضيها بالفعل، وبالتالي لا مجال لمناورات إثيوبية، لكن مع الأسف هذا الاتفاق لا يلزم إثيوبيا بأيّ شيء، لأنّها لم توقع، لكن أفقدها اختيار المناورة، وأعتقد أنّ هذا كان سبب اللهجة العصبية التي عبّرت عنها إثيوبيا في البيان الذي أصدرته، واتضح تماماً أنّ إستراتيجيتها التلاعب بالوقت، والوصول إلى مرحلة الملء الأول للسدّ دون اتفاق، لكن على إثيوبيا أن تدرك أنّ موقفها قد عكس عدم الجدية للجانب الأمريكي، وهذا الأمر له ما له من العواقب السياسية، وكذلك تأكدت جدية الجانب السوداني باعتباره حليفاً لمصر، وهو ما يعدّ خسارة لإثيوبيا.

اقرأ أيضاً: محادثات سد النهضة: هل ثمّة ضوء في آخر النفق؟
 أصدر وزير الخزانة الأمريكي بياناً قال فيه إنّ الانسحاب الإثيوبي مفاجئ وغير مقبول

وهل ستصل إثيوبيا فعلاً لمرحلة ملء البحيرة؛ ما هي التنبؤات بذلك؟ وكيف نرى الدور الأمريكي كمحرك لموقف إثيوبيا؟
ليست مسألة تنبؤات، لكننا في لحظة يكتنفها عدد من المتغيّرات، هذه المتغيرات ستترتب عليها ردود فعل، ومن ثمّ علينا انتظار ردود الفعل، ونتساءل: هل يمكن أن تتفق الإرادة الأمريكية على موقف وزير الخزانة؟ لأنّ ما ألاحظه أنّ هناك قدراً من التباين بين موقف وزير الخارجية الأمريكي، وموقف وزير الخزانة الأمريكي، إذ أعلن وزير الخارجية قبل أسابيع أنّ الاتفاق ربما ينجز في شهور، وفي هذا إشارة إلى أنّ سقف التوقعات بإنهاء الاتفاق قد انخفض، لكنّ بيان وزير الخزانة يعبّر عن اتجاه آخر؛ فهل هناك اختلاف في الموقف الأمريكي نفسه تجاه إثيوبيا؟ بينما يعرف أنّ هناك علاقة شخصية تجمع وزير الخزانة بالرئيس ترامب، فهل تصريحه هو انعكاس أيضاً لموقف ترامب الشخصي، أمّا باقي الإدارة فلها موقف آخر، وهنا يمكننا القول؛ إنّ التوافق في الموقف الأمريكي تجاه إثيوبيا له تأثير كبير على الاتفاق، ربما سيجبر إثيوبيا على التوقف عن التلاعب بعامل الوقت، والحقيقة أنّ عدم وضوح الموقف الأمريكي يجعل ساحة اللعب مفتوحة، ولا نستطيع التنبؤ بما سيفعله الإثيوبيون.
بما أنّ إثيوبيا أعلنت التزامها باتفاقية 2015؛ فما الذي افتقدته تلك الاتفاقية جعل مصر تجدد المشاورات؟
ما حدث عام 2015، هو اتفاق مبادئ؛ بمعنى أّنّه لم يتم الاتفاق فيه على التزام إثيوبيا بتمرير الحصة المقررة "55 مليار متر مكعب" من مياه النيل إلى مصر،  لكنّها عقدت اتفاقية عامة، لأنّه إعلان مبادئ، كما أوضحت، وليس إعلان محددات، فالإعلان ينص على عدم الإضرار بشكل عام، فلنثبت إذاً عدم الإضرار، وهو ما يجعل الأمر مبهماً، وليس من حكم معين على إثيوبيا، فهو إعلان عام لا يرتقي إلى مستوى الاتفاقية القانونية، ولم يعترف بحقوق مصر المائية، ربما أعطى إثيوبيا ميزة نسبية، وهي الاعتراف الدولي ببناء السدّ، وأعطاها ضمنياً اعترافاً بالسيادة، في أطر عامة أيضاً، لكن ما أعلمه عن اتفاق 2015، كان وجود مساعٍ مصرية آنذاك لوجود اتفاقية ثانية بنصوص واضحة على حفظ الحصة المصرية من المياه، لكنّ الجانب الإثيوبي تعنّت في ذلك، وراهن الجانب المصري حينها على الوقت والاحتواء السياسي، وتقديم منافع لإثيوبيا، ربما تؤثر على موقفها المتعنت، وفي الوقت نفسه أثبتّ أنّ إثيوبيا لديها خطّ إستراتيجي ثابت يتضمن إثبات سيادتها على النهر، وتجميع كلّ نقطة تسقط على أراضيها من المياه، وصولاً لأن تكون دولة قائد مسيطر ومهيمن على مصالح الإقليم، وهذه هي طبيعة المعركة "سياسية وليست مائية".
دخلت مصر حيز الفقر المائي

إذاً؛ كيف يمكننا رؤية طبيعة الدور الإسرائيلي في ملف سدّ النهضة، الذي كثيراً ما تتحدث عنه وسائل الإعلام العالمية؟
الدور الإسرائيلي غير واضح، لكن أكاد أجزم أنّه على الأقل هناك دعم إسرائيلي لإثيوبيا في نهجها التفاوضي مع مصر والسودان، مثل فرض سياسة الأمر الواقع، والتلاعب بعامل الوقت، فهذا منهج إسرائيلي بامتياز، مجرب مسبقاً مع الفلسطينين بعد اتفاقية أوسلو، فالمسألة صارت تفاوض من أجل التفاوض، وهو ما فعله الإثيوبيون، منذ عام 2014 وحتى اليوم، وعبر 21 جولة تفاوض بين الدول الثلاث، و9 جولات تفاوض إضافية بحضور واشنطن، لكن أن نتحدث عن تخطيط إسرائيلي لتفاصيل تتعلق بسد النهضة، فهذه معلومات غير معلنة، ولا نستطيع الخوض فيها.
وما حقيقة إعلان وزارة الريّ تخفيض منسوب مياه النيل بمقدار 5 ملايين متر مكعب؟
هذه كانت إشاعة تداولاتها وسائل الإعلام العالمية، لكن يحدث خفض لمنسوب مياه النيل كل عام، بسبب الفيضان، وهو إجراء طبيعي واعتيادي.
إذاً؛ هل دخلت مصر تحت مظلة الفقر المائي؟ وما هي مظاهر ذلك الفقر بالنسبة إلى المواطنين؟
بالطبع، دخلت مصر حيز الفقر المائي، وقد أعلنت الحكومة ذلك، لأنّ نصيب الفرد من المياه لا يتجاوز الـ 570 متراً مكعباً سنوياً، بينما حدّ الفقر هو الألف متر مكعب في العام، ما يعني أنّ نصيب المواطن المصري، نصف حدّ الفقر، ونرى تبعات ذلك، فهناك بعض المساحات الزراعية لا تمتلك مياهاً، ويتم إحراقها مثلما يحدث في الفيوم، وتمّ التخلي عن مشروع الـ 200 ألف فدان، كما يمكن لمس هذا التأثير من خلال الشوارع، التي خلت من المساحات الخضراء، بسبب نقص المياه، كما أثر في صورة تغير التركيب المحصولي لمصر، وتخليها عن زراعة الأرز وقصب السكر، وهو ما يتسبب بقلق شعبيّ.

حتماً سيؤثر السدّ بمزيد من السلب في الحياة الزراعية؛ كيف ترين ذلك؟
بالطبع، فطبقاً للأنباء المتواترة، فإنّ حصة مصر المائية ستنخفض من 55 مليار متر مكعب سنوياً، إلى 20 ملياراً، وهو تخفيض كبير، إلى الثلث تقريباً في ظلّ هذه الزيادة السكانية، لكن في حقيقة الأمر؛ إنّ الـ 20 ملياراً ستصل إلى 60 ملياراً؛ لأنّنا نعيد تدوير الحصة المائية ثلاث مرات، ما يجعلها ثلاث أضعاف، أمّا الــ 55 ملياراً؛ فكانت تصل إلى 114 ملياراً، والحقيقة أنّنا لم نفقد المياه فقط، بل الاستفادة منها، والحقيقة أنّنا في موقف حرج للغاية.
وهل الخطة التي أعلنتها الحكومة لمواجهة ذلك الفقر كافية للحدّ من آثار هذا الفقر المائي؟
الحكومة أعلنت، على لسان رئيس الوزراء، خطتها لمواجهة الفواقد المائية، وأعلنت كذلك عن اتجاهها لتحلية مياه البحر، وهي إنشاءات مرتفعة التكلفة للغاية، لكنّها مجدية، خاصة بالنسبة إلى المدن الساحلية، وبالتالي ستخصص حصة مياه النيل لصالح مياه الشرب في المقام الأول.
لكن ما هي الحلول التي يجب أن تقترحها مصر على الجانب الإثيوبي للحدّ من كلّ هذا العواقب؟

المشكلة ليست فيما يجب أن تطلبه مصر؛ بل في أنّ إثيوبيا ترفض التوقيع على أيّ اتفاق، وترفض الالتزام بأيّ شيء، معتبرة أنّ ما تجود به لدولتي المصبّ هو من إحسانهم، وليس حقّاً قانونياً محمياً بالاتفاقيات الدولية، فما تمارسه إثيوبيا هو أقرب لـ "البلطجة السياسية"، تعتدي فيها على حقوق دولتي المصب المصانة بالقانون والاتفاقيات الدولية.

وما هو ردّ الفعل المصري على هذا التعنّت؟ وهل يمكنها التصعيد دولياً؟
مصر تتعامل مع الموضوع بحكمة، وتسير فيه، خطوة بخطوة، وتصعّد على قدر فعل الجانب الإثيوبي، ويكفل القانون الدولي لها حقّ التصعيد، لأنّ مياهها حقّ قانوني لا تجود به إثيوبيا.
ما تمارسه إثيوبيا أقرب لـ "البلطجة السياسية"، تعتدي فيها على حقوق دولتي المصب المصانة بالقانون والاتفاقيات الدولية

دعيني أسأل في إطار الموارد المائية لنهر النيل؛ لماذا لم تزد الحصة المائية لنهر النيل منذ الخمسينيات وحتى الآن؟
الموارد المائية الكاملة لنهر النيل، هي 86 مليار متر مكعب فقط، فليس هناك من زيادة إلّا إذا أقيمت مشروعات مائية، وهناك مشروعات كانت موجودة بالفعل، مثل قناة "جونجلي"، كان من المفترض أن تزيد موارد النهر 15 مليار متر مكعب، ويفترض تقسيمها بيننا وبين جنوب السودان، لكنّ الحرب الأهلية في جنوب السودان عطلت المشروع، وهناك مشروعات أخرى يتم اقتراحها، لكن وجود الحروب الأهلية وعدم الاستقرار السياسي في القارة، يحد من هذا التوسع في الموار المائية، وهناك 56 مليار متر مكعب مهدرة في المستنقعات، ولا توجد مشروعات لاستقطابها، بسبب عدم وجود تعاون سياسي بين الدول المسؤولة، وموقف إثيوبيا المتعنت، والصراعات المسلحة في مناطق المشروعات.

ما هي الخطوة القادمة التي يمكن أن تتخذها مصر للتصعيد في هذا الشأن؟
ربما تتحرك مصر نحو مجلس الأمن الدوليّ، كما أنّه يتحتم عليها واجب ممارسة نوع من أنواع التفاعل الإيجابي مع الاتحاد الأفريقي والعواصم الأفريقية المؤثرة في دوائر صناعة القرار، حتى يكون هناك نوع من أنوع الضغط على إثيوبيا، للانصياع لمحددات القانون الدولي.

إذاً، هذا النوع من الضغط السياسي مجدٍ للجانب المصري؟
بالطبع؛ لأنّ فرض عقوبات اقتصادية على أيّة دولة، مهما بلغت من قوة، ليس بالأمر الهيّن، وهذا ما على مصر الانتباه له؛ لأنّ الجانب الإثيوبي يقوم بدعايات إعلامية، ويبالغ في تقديراته لما يمكن أن يجلبه السدّ من طاقة؛ لأنّ السدّ سينتج، بحسب تصريحاتهم، 6 آلاف ميغا وات، وهو ما يشكك فيه الخبراء؛ لأنّ التوربينات التي أقيم السدّ عليها، لا تمتلك القدرة لإنتاج هذا الكمّ الهائل من الطاقة.

للمشاركة:

رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي لـ "حفريات": الإيرانيون يحكمون العراق

2020-03-12

أجرى الحوار:  محمود أمين


أكد رئيس ائتلاف الوطنية، رئيس الوزراء الأسبق، إياد علاوي، أنّ الإيرانيين يحكمون العراق، وقال إنّ تكليف ابن عمّه، محمد توفيق علاوي، برئاسة الحكومة العراقية الجديدة، جاء بـ "إرادة إيرانية وميليشاوية"، مشدداً على أنّ بلاده اليوم تعيش "اللا دولة"، جراء هيمنة الجماعات المسلحة على السلطةِ فيها.
وانتقد إياد علاوي هجوم التيار الصدري على المتظاهرين السلميين، وطالب بتشكيل حكومة منبثقة من الشارع الاحتجاجي. 

هنا نصّ الحوار:

دكتور إياد، لماذا فشل ابن عمكم محمد توفيق في تشكيل الحكومة مؤخراً؟

فشل بحسب المتوقع، لأنّ الأخ محمد جاء بدعم مخالف لما يطمح اليه المتظاهرون منذ أشهر، وهو لم يفهم المعادلة جيداً، ونصحتهُ سابقاً، واليوم أكرّر؛ من يـأبى قبول النصيحة التي لا تكلّفه شيئاً، فسيضطر في الغد إلى شراء الأسف بأغلى سعر، لأنّ من يُقرر أن يخوض معركةً، فينبغي أن ينظر أولاً إلى أخطاء من سبقوه، وألّا يغترّ بشعارات المتحولين قربه.

وهل يمكنك أن تكشف لنا سبب معارضتك لرفيقك في السياسة وابن عمّك، محمد توفيق علاوي، حينما كلف بتشكيل الكابينة الوزارية؟
المعارضة لم تكن شخصية لابن عمي العزيز، بل تمحورت حول سؤال كبير هو: من يحكم العراق الآن؟ بلادنا خاضعة لإرادات إقليمية ودولية، بالإضافة إلى إرادات مسلحين داخل العراق، وفي هذا الجو الملبد بالغيوم السوداء الداكنة؛ هل يستطيع أحد أن ينجو بنفسهِ وينجو بالعراق؟ ومن يأتي بإرادة إيرانية وإرادة ميليشاوية لن يستطع تحقيق رغبات المجتمع العراقي في التقدم والاستقرار، بل سينصاع للإرادة التي جاءت به.

بين حكومتكم عام ٢٠٠٤ وآخر حكومة عراقية راهنة؛ ما التغير الذي شهده العراق؟
شهد العراق بعد حكومتي تراجعاً كبيراً، للأسف الشديد، علماً بأنّ الحكومة التي ترأستها كانت حكومة قوية، والتراجع صبّ في 3 اتجاهات؛ أولاً تراجع في السيادة الوطنية، وثانياً تراجع في الوحدة المجتمعية، وثالثاً تراجع في الأوضاع الاقتصادية؛ هذا ما حصل في العراق طيلة هذه الفترة، المستمرة إلى الآن.

وما التغيير المتوقع للعراق في ظل الحكومة القادمة؟
في العراق عدة عقبات، منها: التدخل الإيراني الواضح في صياغة السياسات العراقية الإستراتيجية، وفي القرار السيادي العراقي، كما أنّ المليشيات المنفلتة هي المسيطرة على الشارع، ويرافق ذلك ضعف في بنيان الدولة، أو بالأحرى نعيش اليوم (اللا دولة)، وهناك مجلس نيابي قائم بشرعية 20% من العراقيين فقط، وحتى هذه النسبة القليلة شهدت عمليات تزوير، هذه أبرز العقبات الكبيرة التي ستواجه الحكومة المقبلة.

في رأيكم؛ ما الحلّ في ظلّ هذا المناخ الملتبس؟
أخبرت الأخ رئيس الجمهورية، برهم صالح، ورئيس الوزراء المستقيل، عادل عبد المهدي، بأنّ الحلّ الوحيد هو الاستماع للجماهير، التي يعبّر عنها المتظاهرون السلميون، واقترحتُ اقتراحاً عملياً على الأخ صالح، بتشكيل حكومة يمثلها ثلاثة أثلاث؛ ثلث من القوى السياسية البريئة من الفساد والدماء، وثلث من المتظاهرين، وثلث آخر من النقابات والاتحادات العمالية، لكنّ القرارات في النهاية دائماً ما تأتي من خارج الحدود، وهنا تكمن الخيبة والبؤس.

لماذا تتم مشاورات اختيار رئيس الكابينة الوزارية بعيداً عن مقترحات الشارع العراقي؟
الشعب العراقي المتظاهر يقتل كلّ يوم على مرأى العالم، وسط سكوت مطبق من الجميع؛ فلماذا يكون البديل الحكومي من خارج الدائرة الشعبية الوطنية النازفة؟ لماذا نحن السياسيين الذين أفسدنا البلاد نأتي مرة أخرى للحكم، ولا يسمح للمتظاهرين باختيار رئيس جديد للحكومة؟ خصوصاً أنّ المتظاهرين طرحوا عدة أسماء لرئاسة الوزراء، لكنّ رئيس الجمهورية لم يلتفت إليهم.
لست متشائماً، بقدر ما أتكلم عن الواقع الحزين.
وكيف تقرأ فعل التيار الصدري الأخير حيال ضرب التظاهرات وأنت، كسياسي، كنت قد تحالفتَ معهم سابقاً في تحالف الإصلاح؟
لم أتحالف مطلقاً، في أيّ يوم من الأيام، مع التيار الصدري، ولم أتحالف مع قوى مسلحة، وزعيم التيار صاحب مواقف مختلفة طيلة الأعوام الماضية، وكلامي لمقتدى الصدر: "ما فعلته لم يصب في مصلحتك ولا في مصلحة العراق".

هل ترى أنّ ثمة إمكانية للحوار بين الشارع والقوى السياسية الحاكمة، أم إنّ منطقة الحوار انتهت؟

منطقة الحوار ذهبت إلى غير رجعة، والقائمون على السلطة العراقية يرفضون فهم ما يجري في البلاد عموماً، والبلاد لا توجد فيها تظاهرات أو احتجاجات وقتية، بل انتفاضة جذرية، ترفض الواقع السياسي، وتريد إنتاج واقع جديد يلبي حاجات المجتمع العراقي الذي سُحق سحقاً حتى العظم؛ لذلك أنا ضدّ تبسيط الأمور الجارية في مختلف المحافظات، وقراءتي تؤكد أنّ هناك انعطافة تاريخية، وأنّ المتظاهرين لن يتراجعوا حتى لو أبيد الشعب عن بكرةِ أبيه، بل هناك تقدم وانضمامات جديدة من مختلف القطاعات الاجتماعية للاحتجاج..
من موقعك كسياسي عراقي؛ ماذا فعلت للمتظاهرين؟
خاطبت الجامعة العربية، وشرحت آفاق الراهن العراقي الاحتجاجي والسياسي معاً، وعملت على ترتيب منفذ للمتظاهرين للجامعة نفسها وللبرلمان الأوروبي؛ فأنا أريد خدمة أبناء شعبي، ولا أبحث عن مواقع ومسؤولية حكومية.

يُقال إنّ المعضلة لدى القادة السياسيين العراقيين وليست لدى المتظاهرين؛ حدّثنا عما يدور في الأروقة السياسية؟

خاطبت الجميع، عدا القادة الميليشاويين، ونبهتهم إلى مخاطر عدم وجود تصور واضح لما يحصل في العراق، فإذا كانوا يعتقدون أنّ هذه التظاهرات تعبر في الطريق الخطأ، ونفيت لهم وجود أيّة مؤامرة خلف التظاهرات بل المؤامرة كانت في إخفاق الحكومة المتعاقبة في تأدية ما عليها إلى هذا الشعب الكريم، ورئيس الجمهورية حاول أن يفعل شيئاً، لكنّ الدستور الخائب لا يعطيهِ الصلاحيات الكافية لاتخاذ قرارات إنقاذية.

في ضوء كلّ هذه المعطيات؛ هل ثمة حلّ سريع الآن؟
يجب أن تنتصر جهة من الجهات؛ إما أن ينتصر الشعب العراقي أو تنتصر الجهات الميليشياوية، والأخيرة لن تنتصر، كما أنّ إيران لن تنتصر على العراق والمنطقة العربية، إلا في حال الاصطفاف الأمريكي ثانيةً معها، كما حصل في عهد الرئيس السابق، باراك أوباما، وهذا إن حصل، لا سامح الله، سيبقى الشعب العراقي يناضل من أجل كرامتهِ واستحقاقاته.

وماذا عن مشكلة الدستور؛ وكيف تُعالَج هذه المشكلة؟ هل تكون بإعادة كتابتهِ أم بتعديله؟
الدستور هو الوثيقة المهمة التي تنظم الحياة، وطريقة السلطة وإدارة البلد، وتنظم الحقوق الأساسية للمواطنة، ويفتقد الدستور العراقي إلى المواطنة، وليس فيه وضوح لكيفية إدارة الدولة، بدليل غياب قانون توزيع الثروات الطبيعية، تفاقم المشاكل بين المركز وإقليم كردستان، ثمة صراع إداري بين العاصمة بغداد وسائر المحافظات الأخرى، كما لا يوجد قانون للنفط والغاز، ومجالس مساندة لمجلس الخدمة الاتحادي، فضلاً عن فقدان الرؤية في صلاحيات الرئاسات الثلاث (الحكومة والرئاسة والبرلمان) وتداخلها.

اقرأ أيضاً: نصر الله يكشف تفاصيل دور سليماني في لبنان والعراق
إنّ إعادة صياغة الدستور باتت ضرورة ملحّة من قبل شخصيات قانونية مختصة، لا من قبل شخصيات سياسية، كما فعلنا نحن عام 2005.
وما آخر ما يود أن يقوله الدكتور إياد علاوي في هذا الحوار القصير؟
ما أريد قوله؛ إنّي سأعيد النظر بعلاقاتي مع جميع الجهات التي لم تقف مع العراقيين وحراكهم السلمي.

للمشاركة:



كورونا يهدّد ثلث الشعب التركي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

حذّر المدير العام لمؤسسة "KONDA" التركية للدراسات والأبحاث، بكير أغيردير، من أنّ فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19)، يهدّد عدداً كبيراً من المواطنين في تركيا.

أغيردير: التدابير التي تتخذها الدولة لمواجهة كورونا وحملة أردوغان لجمع التبرعات تفتقر للحسّ الجماعي

وأشار بكير أغيردير إلى أنّ الأطباء والعلماء يحذرون من أنّ الخطر الأكبر لفيروس كورونا يكون على كبار السنّ (أكبر من 65 عاماً)، أو المصابين بأمراض مزمنة، مشيراً إلى ثلث الشعب التركي إما من كبار السنّ أو مصاب بأمراض مزمنة.

أغيردير أوضح أنّ التدابير التي تتخذها الدولة لمواجهة فيروس كورونا وحملة التبرعات التي أعلن عنها رئيس الجمهورية أردوغان تفتقر للحس الجماعي، مؤكداً أنّ مسودة قانون العفو الجديد المقدمة من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية غير كافية؛ لأنّها لا تشمل المعتقلين السياسيين والصحفيين، على حدّ تعبيره.

وأعلن وزير الصحة، فخر الدين كوجا، أمس، أنّ إجمالي عدد الإصابات بفيروس كورونا داخل تركيا قد وصل إلى 15 ألفاً و679 حالة، وأنّها سجلت 277 حالة وفاة.

قانون العفو الجديد المقدّم من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية لا يشمل السياسيين والصحفيين

وفي سياق متعلق بقانون العفو العام انتقد حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، حزمة الإصلاح القضائي الجديدة في تركيا، والتي تتضمن تعديلات على قانون العقوبات، ضمن مشروع قانون "العفو العام"، الذي تسعى حكومة حزب العدالة والتنمية لتمريره من البرلمان خلال جلسات الأسبوع المقبل.

وأكّد وكيل رئيس تكتل نواب حزب الشعب الجمهوري في البرلمان، أنجين ألتاي، أنّ التعديلات لا تقضي بالإفراج عن المعتقلين السياسيين.

وبعد انتظار طويل، قدَّم حزب العدالة والتنمية وبدعم من حليفه حزب الحركة القومية، قبل يومين إلى البرلمان اقتراحه الخاص بـ "قانون العفو"، والذي يتضمن تعديلات على مدد العقوبات والإفراج المشروط عن معتقلين.

للمشاركة:

وفاة نحو 3 آلاف إيراني بسبب كورونا.. ومسؤولون يكذّبون تصريحات روحاني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

أعلنت وزارة الصحة الإيرانية؛ أنّ عدد ضحايا كورونا بلغ أكثر من 3 آلاف حالة وفاة، مؤكدة أنّ إيران لم تصل بعد إلى "مرحلة احتواء" تفشي الفيروس.

وأعلن كيانوش جهان بور، المتحدث باسم وزارة الصحة في إيران، أمس، عن الإحصاءات اليومية لتفشي كورونا في البلاد، قائلاً: "توفَّى 138 شخصاً بفيروس "كوفيد-19"، خلال الـ 24 ساعة الماضية، وبلغ العدد الإجمالي للوفيات 3036 شخصاً".

وزارة الصحة الإيرانية تعلن أنّ عدد ضحايا كورونا نحو 3 آلاف حالة وفاة و47593 إصابة

وقال جهان بور أيضاً: "من بعد ظهر أمس وحتى اليوم، وبناءً على معايير تشخيصية نهائية، تم تسجيل 2987 مصاباً جديداً بفيروس "ـكوفيد-19" في عموم إيران، ووصل العدد الإجمالي للمرضى الذين تم تأكيد إصابتهم بهذا بالمرض إلى 47593 شخصاً".

وبحسب ما قاله المتحدث باسم وزارة الصحة؛ فإنّ 3871 من المصابين بالفيروس في حالة حرجة، فيما تماثل للشفاء حتى الآن 15473 شخصاً وغادروا المستشفيات.

ووفق وثائق وزارة الصحة الإيرانية، التي حصلت عليها "إيران إنترناشيونال"، فقد جاءت نتائج أكثر من 104 آلاف اختبار كورونا إيجابية، في حين رفضت بعض المراكز الطبية والمستشفيات إجراء اختبارات كورونا لعدد من المشتبه في إصابتهم بالفيروس.

هذا وقد بعث 8 مديرين سابقين في القطاع الصحي وأعضاء هيئات علمية في جامعات العلوم الطبية في إيران، رسالة مفتوحة إلى الرئيس الإيراني، حسن روحاني، انتقدوا فيها وجود إحصاءات ومعلومات خاطئة في تصريحاته حول أزمة كورونا، مشيرين في رسالتهم إلى الإحصاءات الرسمية بهذا الخصوص.

ولفت الموقعون في رسالتهم، التي تم نشر نصّها أمس، إلى الوتيرة المتصاعدة للإحصاءات المتعلقة بالإصابات الجديدة بفيروس كورونا، خلال الأيام الثلاثة الماضية، بناء على تقارير اللجنة الوطنية لمواجهة الفيروس، منتقدين تصريحات روحاني حول "تحسن الأوضاع".

مسؤولون سابقون في قطاع الصحة الإيراني: روحاني يقدم معلومات خاطئة عن كورونا

وقارن الموقعون بين إحصاءات الوفيات بفيروس كورونا في إيران والصين، وأكدوا وجود "أفكار واستشارات خاطئة" لدى الحكومة.

وفي جزء من رسالتهم، أعرب هؤلاء الأساتذة والمسؤولون السابقون عن استيائهم إزاء "نصيحة وذمّ" الشعب من قبل النظام.

كما انتقدوا استمرار عمل البنوك والدوائر، وتجاهل الأوضاع المالية لدى العمال، خاصة عمال المياومة، والعمال الموسميين.

وطلب الموقعون من الرئيس الإيراني تقديم إيضاحات حول مبلغ الـ 200 مليون يورو الذي تمّ وضعه لهذا الأمر، ودعوه إلى أن يبين المبلغ المخصص لإنتاج الأدوية، والمبلغ المخصص للاستيراد.

للمشاركة:

في مناطق طالبان.. تفجير يقتل مدنيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

لقي سبعة مدنيين، على الأقل، مصرعهم، وأصيب مدنيان آخران، أمس، في انفجار هزّ إقليم هلمند، جنوب أفغانستان.

وقال الناطق باسم حاكم الإقليم، عمر زواك، إنّ حافلة صغيرة انفجرت، بسبب قنبلة زرعت على جانب طريق بمنطقة جريشك بالإقليم، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الألمانية.

انفجار هزّ إقليم هلمند الذي تسيطر حركة طالبان على مناطق واسعة منه وقتل 7 مدنيين

وأضاف زواك؛ أنّ أرقام الضحايا هي حصيلة أولية، وربما ترتفع، وأكّد عضو مجلس الإقليم، عبد الماجد أخوند زاده، أيضاً، حصيلة القتلى.

يذكر أنّ مسلحي حركة طالبان يسيطرون على منطقة واسعة من الإقليم.

في غضون ذلك، قال مسؤول أمني كبير؛ إنّ الحكومة الأفغانية ستفرج عن 100 سجين من طالبان اليوم، مضيفاً: "في المقابل ستفرج طالبان عن 20 من أفراد الأمن الأفغان".

اقرأ أيضاً: من هو شارلي شابلن أفغانستان وماذا يفعل؟

ويأتي تبادل الأسرى ضمن إجراءات بناء الثقة التي تعدّ أمراً حاسماً لنجاح اتفاق السلام الموقع بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، لإنهاء ما يقرب من عقدين من الحرب.

الحكومة الأفغانية ستفرج اليوم عن 100 سجين من طالبان مقابل 20 من أفراد الأمن الأفغان

ويمثل الإفراج عن 100 من مقاتلي طالبان الخطوة الأولى نحو تبادل 6000 سجين محتجزين لدى الحكومة الأفغانية وطالبان.

وكان فريق من طالبان، المكوّن من ثلاثة أعضاء، قد وصل إلى كابول لبدء عملية مبادلة السجناء واجتمع بمسؤولين أفغان، رغم إجراءات العزل العام المطبقة في البلاد للحدّ من انتشار فيروس كورونا المستجد.

للمشاركة:



إبراهيم الزيات.. "عنكبوت" الإخوان في أوروبا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

حسام حسن

قبل عام، قدم الإخواني إبراهيم الزيات أوراق اعتماده كهمزة وصل بين شبكة تنظيم الإخوان في أوروبا والنظام التركي، حتى أصبح "عنكبوت" الجماعة في القارة العجوز، بحسب وثائق برلمانية وأمنية أوروبية.

ففي الثاني من يناير/كانون الثاني 2019، التقى مسؤولو الاتحاد الإسلامي التركي (ديتيب) مع قيادات الإخوان في المسجد الكبير بكولونيا غربي ألمانيا، لتأسيس مجلس تنسيقي للمسلمين، يعمل كغطاء للتحالف المشبوه بين منظمات الطرفين.

ومنذ ذلك الوقت، برز اسم إبراهيم الزيات الذي يربط خطوط شبكة الإخوان في أوروبا، والعقل المدبر لأنشطة الجماعة، وحامل دفاترها المالية، وهمزة الوصل مع النظام التركي.

وبدا واضحاً أن الزيات يعد أهم الشخصيات المركزية في شبكة الإخوان بأوروبا، ويرتبط ارتباطا وثيقا مع كل التنظيمات المتطرفة في الشرق الأوسط، والمؤسسات الإسلامية في تركيا، خاصة ميللي جورش (الرؤية الوطنية)، بحسب هايكو هاينش، الكاتب والباحث النمساوي المتخصص في شؤون الإخوان.

وفي حديثه لـ"العين الإخبارية"، أزاح هاينش الستار عن أن "الزيات هو العنكبوت الذي يربط خيوط شبكة الإخوان ببعضها، ويحمل أختام دفاترها المالية".

وتضع هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) في ألمانيا الزيات تحت رقابتها؛ حيث قاد لسنوات طويلة منظمة المجتمع الإسلامي، كبرى مؤسسات الإخوان بألمانيا، وفق تقرير لمجلة دير شبيجل.

وعادة ما تُخضِع هيئة حماية الدستور، التنظيمات والأفراد الذين يمثلون خطرا كبيرا على الديمقراطية ويهدفون إلى تقويض النظام السياسي، لرقابتها.

وأضافت مجلة دير شبيجل: "يمكن القول إن الزيات، هو قائد الفرع الألماني للإخوان، وأكد المرشد السابق للجماعة مهدي عاكف قبل سنوات، هذا الأمر في تصريح رسمي".

مناصب متعددة
وبالإضافة لدوره كقيادي في شبكة الإخوان بأوروبا، يعد الزيات مؤسس ومدير اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE)، وشغل في السابق منصب أمين المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، وجميعها منظمات محسوبة على الإخوان. 

ويتولى الزيات موقعا مسؤولا في مجلس إدارة منظمة الإغاثة الإسلامية التي قالت مذكرة حكومية ألمانية في أبريل/نيسان الماضي، إن فرعها في برلين؛ يملك صلات شخصية مهمة بالإخوان، وصلات مؤسسية بمنظمات قريبة من الجماعة.

لذلك، تصف التقارير الرسمية لهيئة حماية الدستور في ألمانيا، الزيات بأنه "مثل العنكبوت في شبكة المنظمات (الإسلامية) المتطرفة" في أوروبا.

الزيات نفسه يعتبر حلقة وصل أساسية بين تركيا والإخوان، ويمثل معبر الدعم التركي للجماعة في الدول الأوروبية ذات الجاليات الإسلامية الكبيرة مثل ألمانيا والنمسا وهولندا.

ويحظى الزيات بهذه المكانة بسبب علاقته القوية مع النظام التركي التي تشمل بعدا شخصيا، حيث إنه متزوج من ابنة أخت نجم الدين أربكان، مؤسس حركة ميللي جورش، وفق تقرير لمجلة فورين بولسي الأمريكية نشر في مايو/أيار الماضي.

وخلصت دراسة "الإخوان في النمسا" التي أشرفت عليها هيئة حماية الدستور النمساوية "الاستخبارات الداخلية" في 2017 إلى أن الزيات يملك أيضا روابط أيديولوجية قوية للغاية مع ميللي جورش، أحد أهم أذرع أردوغان في أوروبا، ويراها تنظيما عابرا للحدود، وذا تأثير قوي في الدول الإسلامية.

وذكرت وثيقة للبرلمان النمساوي تعود لـ25 يناير/كانون الثاني 2013، اطلعت "العين الإخبارية" على نسخة منها، أن "إبراهيم الزيات يقود الإخوان في أوروبا، ويملك علاقة قوية مع المنظمات التركية، خاصة ميللي جورش".

وأضافت أن "الزيات لا يبحث عن الاندماج في المجتمعات الأوروبية، وإنما عن تعزيز التيارات الإسلامية المتطرفة".

ولفتت إلى أن الرجل "يملك روابط مالية قوية مع التيارات الإسلامية في الشرق الأوسط"، و"أن السلطات في ألمانيا والنمسا تملك العديد من الملفات عن أنشطته، خاصة المعاملات المالية والاتصالات المريبة".

فيما ذكرت وزارة الداخلية بولاية شمال الراين ويستفاليا غربي ألمانيا في تقرير رسمي، أن "علاقات منظمة المجتمع الإسلامي في ظل رئاسة الزيات، كانت تتراوح بين الروابط الشخصية والمشاريع المشتركة، وتشمل المنظمات الإسلامية المتطرفة في الشرق الأوسط وتركيا، ومؤسسات مانحة يشتبه في دعمها الإرهاب".

شخصية مثيرة للجدل
ودائما ما يثير إبراهيم الزيات الجدل، حيث إنه غير مرحب به في كل مكان يوجد به. ففي سبتمبر/أيلول 2015، قدم النائب البارز في البرلمان النمساوي آنذاك، فيندلين مونتسر، طلب إحاطة للحكومة، اطلعت "العين الإخبارية" على نسخة منه، حول مشاركة الرجل في أحد المؤتمرات في فيينا، واصفا إياه بأنه "قيادي كبير في جماعة الإخوان".

وفي مايو/أيار 2007، أحدث الزيات ضجة كبيرة في ألمانيا عندما حضر مؤتمر الاندماج الذي تنظمه وزارة الداخلية هناك.

وتسبب حضور الزيات للمؤتمر في انتقادات كبيرة للحكومة الألمانية آنذاك، لكن وزارة الداخلية الألمانية ذكرت في بيان حينها، أنها "لم تدع الزيات للمؤتمر، وفوجئت به".

وفي تصريحات لـ"دير شبيجل"، قال السياسي البارز بالحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم في ألمانيا: إن "رجلا مثل الزيات لا يمكن أن يكون شريكا في حوار مع الحكومة".

فيما ذكرت وثيقة للبرلمان الألماني تعود لـ23 أكتوبر/تشرين الأول 2003، واطلعت "العين الإخبارية" على نسخة منها: "لم يكن إبراهيم الزيات في أي وقت من الأوقات شريكا معترفًا به في الحوار مع الحكومة الفيدرالية".

وأوضحت أن الزيات كان الممثل الأوروبي للرابطة العالمية للشباب الإسلامي، وهي منظمة تأسست في الولايات المتحدة، ونشطت حتى 11 سبتمبر 2001.

وتملك جماعة الإخوان وجودا قويا في ألمانيا، بـ1600 قيادي، إلى جانب العديد من المؤسسات.

وتصنف هيئة حماية الدستور "الاستخبارات الداخلية" في ألمانيا، الإخوان بأنها تهديد للنظام الدستوري والديمقراطي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

حول مستقبل الإسلام السياسي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

بابكر فيصل

كتب رئيس حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، مقالا بعنوان "هل فشل الإسلام السياسي حقا؟"، حاول فيه قراءة مستقبل حركات الإسلام السياسي في المنطقة العربية، مقدما العديد من الدفوعات التي تنفي أفول نجم تلك الحركات.

قال الغنوشي إن "ما يسمى بالإسلام السياسي ليس في حالة تراجع وإنما هو بصدد إصلاح أخطائه والتهيؤ لطور جديد غير بعيد من الممارسة الأرشد للحكم، وإنه لا يحتاج إلى عشرات السنين ليسترجع فرصا أكبر تنتظره في زمن الفضاءات الإعلامية المفتوحة، وفي مواجهة مشاريع انقلابية عارية من غطاء قيمي وحضاري وسياسي".

وأضاف أن "الحركة الإسلامية في خطها العريض ودعك من الهوامش المتشددة التي لا تخلو منها أيديولوجيا وأمة، قدمت الإسلام مُتمما لمنجزات ومكارم الحضارات وليس باعتباره نقيضا من كل وجه لمنجزات التحديث كالتعليم للجميع ذكورا وإناثا ولقيم العدالة والمساواة حقوقا وحريات دون تمييز على أساس الاعتقاد والجنس واللون بما يكفل للجميع حقوق المواطنة والإنسانية والحريات الدينية والسياسية كما هو متعارف عليه في الديمقراطيات المعاصرة باعتبار المساواة في الحقوق والحريات تفريعا لازما من أصل التكريم الإلهي لبني آدم 'ولقد كرمنا بني آدم'".

لا شك أن زعيم حركة النهضة في حديثه أعلاه لا يصدر عن المقولات والأفكار الأساسية بل وحتى الممارسة التاريخية التي شكلت عقل وروح الحركات الإسلامية الحديثة التي ظهرت إلى الوجود في مصر عام 1928 على يد الشيخ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين.

فهو ربما يكون يُعبر فقط عن حركة النهضة التي يزعم كاتب هذه السطور أن لها خصوصية لا يمكن تعميمها على الحركات الشبيهة في المنطقة العربية والإسلامية. هذه الخصوصية نابعة من تأثرها وسعيها للاستجابة لضغط معطيات الواقع الفكري والسياسي التونسي الذي يتميز على العديد من المجتمعات الأخرى.

فمن الناحية الفكرية طغى على ذلك الواقع تراث التنوير الديني الذي أفرزه "جامع الزيتونة" على يد علماء مستنيرين كبار من أمثال الطاهر بن عاشور، كما ساد مجتمع سياسي ومدني قوي تأثر كثيرا بقيم الحداثة الغربية، وهذا على العكس من القطع الذي أحدثه البنا مع إرث الإصلاح الديني الذي قاده الإمام محمد عبده وعلماء ومصلحين آخرين مثل الشيخ حسن العطار والطهطاوي وقاسم أمين وعلي عبد الرازق.

هذا الفارق الحاسم يتبين من خلال الأفكار الجوهرية التي عبر عنها البنا، فعلى سبيل المثال نجده يقول في قضية منح المرأة الحق في العمل والانتخاب: "ما يريده دعاة التفرنج وأصحاب الهوى من حقوق الانتخاب والاشتغال بالمحاماة مردود عليهم بأن الرجال، وهم أكمل عقلا من النساء، لم يحسنوا أداء هذا الحق، فكيف بالنساء وهن ناقصات عقل ودين".

كتب البنا كلامه أعلاه في عام 1947 وبعد ذلك التاريخ بتسعة أعوام فقط، أي في عام 1956 كانت تونس قد أقرت قانون الأحوال الشخصية الذي أضحى وثيقة فارقة في التشريع ليس فقط في العالمين العربي والإسلامي ولكن على مستوى العالم حيث منح المرأة حقوقا غير مسبوقة.

لم يصدر قانون الأحوال الشخصية التونسي من فراغ بل مهدت له حركة فكرية تنويرية عبر عنها كتاب الطاهر الحداد "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي أصدره في العام 1929، واعتبر فيه قضية المرأة من دعائم تقدم البلاد ولا تتعارض مع عقيدته.

أما حقوق المواطنة التي يتحدث عنها الغنوشي فلم يكن البنا يؤمن بها أصلا، فنجده على سبيل المثال يقول في "رسالة التعاليم" "لا بأس أن نستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة ولا عبرة بالشكل الذي تتخذه ولا بالنوع، ما دام موافقا للقواعد العامة في نظام الحكم الإسلامي".

ليس هذا فحسب بل أن زعيم حركة الإخوان المسلمين في السودان الدكتور حسن الترابي لم يكن حتى وقت قريب يؤمن بقضية المواطنة، وكان يقول إنه لا يمكن لغير المسلم أن يُصبح رئيسا للدولة في الوقت الذي كان فيه المجتمع السوداني ومختلف قواه السياسية والحزبية قد تجاوزت هذه البديهية.

يحاول الغنوشي في حديثه كذلك أن ينفي عن تيار الإسلام السياسي صفة التشدد ويحصرها في هوامشه بينما التشدد والعنف هما مكونان أصيلان من المكونات الفكرية لهذا التيار. فالشيخ البنا كان في غالبية كتاباته وخطبه ومقالاته يخاطب أعضاء جماعته بلفظ الجنود، والتنظيم العسكري كان العمود الفقري للجماعة، وهو لم يكن ينفي ضرورة استخدام القوة للوصول للأهداف وإحداث التغيير.

يقول الغنوشي كذلك إن "الإسلاميين اليوم أكثر من أي وقت مضى يقفون على أنبل وأصلب موقع، فهم إلى موقع القرب العقدي والمفاهيمي الثقافي من الناس، هم يقفون كما في مصر يحملون أنبل الشعارات، مثل الدفاع عن إرادة الشعب والاحتكام لصناديق الاقتراع".

فما هو رأي المرشد المؤسس في قضية الديمقراطية؟ يقول البنا في رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي "ولو أخذنا بالحزم وأعلناها صريحة واضحة: أننا معشر أمم الإسلام لا شيوعيون ولا ديمقراطيون ولا شيء من هذا الذي يزعمون"، وهو لا يكتفي بذلك بل يصف الديمقراطية بالنظام "التافه".

أثبتت التجربة العملية أن رأي البنا في قضية الديمقراطية هو المبدأ الثابت والأصيل لدى أهل الإسلام السياسي، وأن تماهيهم مع العملية الديمقراطية لا يُعبِّر عن إيمان بها أكثر من تعبيره عن مصلحة مؤقتة، فهم متى ما رجحوا الفوز في الانتخابات تحوَّل أنصارهم إلى مدافعين عن صناديق الاقتراع ومتى ما عجزوا عن الوصول للسلطة عبر التصويت لجأوا للانقلاب العسكري، وخير دليل على ذلك هو التجربة السودانية حينما استولوا على السلطة في 1989 بعد الإطاحة بحكم شرعي ديمقراطي كانوا هم جزءا منه.

من المعلوم أن إرادة الشعب لا تقتصر على مجرد إيصال حزب ما للسلطة ومن ثم يُصبح في مقدوره العبث بالعملية الديمقراطية وتغيير قواعدها، فقد وصل هتلر للحكم في 1933 عبر الانتخابات، ولكنه بدأ في تحطيم النظام من الداخل حتى تمكن من إجهاضه بالكامل ومن ثم تحول لأسوأ دكتاتور أوروبي.

المدهش في الأمر هو أن أولى الخطوات التي اتخذها هتلر لتقويض النظام الديمقراطي تمثلت في تمرير قانون أطلق عليه اسم "قانون التمكين"، وهو قانون يُغيِّب البرلمان، ويمنح مجلس الوزراء سلطات تشريعية لمدة أربع سنوات، وهي خطوة شبيهة بتلك التي اتخذها الرئيس المصري الراحل محمد مرسي عند تمريره لمرسوم جمهوري يحصِّن قراراته ضد أية طعون قضائية.

إن إصلاح الأخطاء يتطلب مراجعة جذرية للأصول الفكرية التي قامت عليها جماعة الإخوان المسلمين، هذه المراجعة تشمل بالأساس الموقف المبدئي من مفاهيم الوطنية والديمقراطية والعلاقة بالآخر (المسلم وغير المسلم)، إضافة لنبذ منهج العنف والتشدد والإقصاء والتخلي عن الاستعلاء الذي يقود بالضرورة لطائفية بغيضة ظل يتميز تيار الإسلام السياسي منذ نشوئه وحتى اللحظة الراهنة.

عن "الحرة"

للمشاركة:

اليمن يعاني أزمات عدة.. إلا كورونا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

من المفارقات العجيبة واللافتة، أن بلدا فقيرا كاليمن الذي يعاني من ويلات الحرب وتبعاتها، كما يعاني الصراع والتفشي المتكرر للأوبئة؛ يعيش سليما معافى حتى اليوم من فايروس كورونا الذي ضرب معظم دول العالم وأدى إلى وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص وإصابة مئات آلاف منهم.

ولم يسجل اليمن حتى اليوم أي إصابات بفايروس كورونا، وسط مخاوف متكررة وتحذيرات من أنه في حالة وصوله إلى البلد، ستكون له تبعات ونتائج كارثية في شتى المجالات، لاسيما أن هذا البلد الفقير يعاني من تدهور حاد في القطاع الصحي الذي بات شبه مدمر.

وعلى الرغم من عدم انتشار هذا الوباء في اليمن، صنع هذا الفايروس تأثيرات كبيرة على حياة السكان وعلى أعمالهم وحياتهم اليومية، وسط الإجراءات المتكررة المتخذة من قبل السلطات الحاكمة، سواء الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، أو جماعة أنصارالله الحوثية، التي تسيطر على صنعاء ومحافظات أخرى مكتظة بالسكان.

وضمن الإجراءات الاحترازية الرامية إلى منع وصول فايروس كورونا إلى اليمن، اتخذت مختلف السلطات إجراءات احترازية بينها إغلاق المنافذ الجوية والبرية وإيقاف العملية التعليمة بشكل عام، إضافة إلى إغلاق صالات الزفاف والمناسبات والمؤتمرات، مع إغلاق الحدائق العامة وبعض الأسواق.

ويشكو اليمنيون من التأثيرات السلبية التي جلبها هذا الفايروس على حياتهم، رغم عدم وصوله إلى البلاد، بسبب الإجراءات المتخذة التي أوقفت العديد من الأعمال، وأثرت بشكل كبير على حياة المواطنين الذين يعانون بالفعل من أزمة إنسانية كبيرة، حتى ما قبل المخاوف التي أثارها الفايروس التاجي.

وأجبر العديد من اليمنيين على إيقاف أعمالهم مؤقتا وبقائهم في منازلهم حرصا على سلامتهم من الفايروس، فيما يشكو آخرون من أن المخاوف من انتشار الفايروس قد أدى إلى ضرب حركة السكان في الأسواق والمؤسسات وغيرها.

الآلاف من العالقين في قلب اليمن

المخاوف من انتشار الفايروس، جعل جماعة الحوثي تقرر منع دخول أي مسافر ومواطن إلى المناطق الخاضعة لسلطتها من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية، فيما قامت الحكومة الشرعية بإجراء مماثل.

وأدى هذا القرار إلى خضوع الآلاف من المسافرين للحجر الصحي في ظروف سيئة بمحافظة البيضاء التي توصف بأنها قلب اليمن، وسط شكاوى من الظروف الصعبة التي يعانيها هؤلاء الخاضعون للحجر الصحي.

وقال مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن، “إن هناك مخاوف بشأن الآلاف من الأشخاص،  بينهم مهاجرون (من القرن الأفريقي) بمرافق الحجر الصحي في ظروف سيئة ومزدحمة بمناطق مختلفة في البلاد، كجزء من التدابير الاحترازية ضد كورونا”. وأكد أن “شركاء العمل الإنساني، يقدمون مساعدات منقذة للأرواح، للأشخاص في مرافق الحجر الصحي”.

ويقول محمد القحم، وهو أحد العالقين الخاضعين للحجر الصحي في منفذ عفار بمحافظة البيضاء لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ)، إنه يعيش ظروفا صعبة بسبب عدم وجود خدمات أساسية في الحجر الصحي.

ويضيف أن “الظروف هنا مأسوية للغاية، والناس يعيشون في واقع مزدحم غير خاضع لأي إجراء صحي سليم، ما قد يؤدي إلى انتشار هائل للفايروس إذا كان أحد المتواجدين مصابا بكورونا”.

ويتابع لافتا إلى “أنه إذا كانت هناك ضرورة وتشديد من قبل السلطات حول الحجر الصحي، يفترض أن يتم تقديم الخدمات الأساسية للمتواجدين هناك، ومحاولة التفريق في ما بينهم وعدم الزج بالعديد من الأفراد في غرف ومدارس تخلو من أي خدمات صحية”.

كورونا يفقد اليمنيين الدخل
مع بدء الإجراءات الاحترازية الرامية لمنع وصول كورونا، تأثر العديد من اليمنيين وفقدوا فرص عملهم، بسبب توقف المؤسسات أو الأماكن التي يعملون فيها، والتي أغلقت إجباريا، كما حدث في العديد من دول العالم.

ومن بين الذين فقدوا أعمالهم حاليا وتوقف دخلهم، عصام مهيوب، وهو يعول 6 من الأطفال ويعيش في صنعاء. يتحدث مهيوب عن وضعه مشيرا إلى أن فايروس كورونا تسبب في صنع تأثيرات سلبية على حياته، بعد أن توقف عمله في إحدى الوكالات المعنية بخدمات الحج والعمرة والسفر بصنعاء. قائلا “حاليا أعيش دون دخل، وأتمنى انتهاء هذه الجائحة التي سببت لنا أزمات نفسية ومعيشية، رغم أنها لم تصل اليمن”.

مأساة في بلد تطحنه الحرب

لم يكن فايروس كورونا هو الوباء الأول الذي يخشاه اليمنيون حاليا؛ فقد عانوا كثيرا خلال الفترة الماضية من تفشي الأوبئة كالكوليرا الذي أودى بحياة أكثر من 3700 شخص منذ العام 2017، وفقا لتقارير أممية رصدت أيضا وجود أكثر من مليوني حالة يشتبه إصابتها بالوباء ذاته في اليمن خلال الفترة ذاتها.

وفي حال مجيء فايروس كورونا إلى اليمن، فإن الوضع سيكون مختلفا ومأسويا بشكل أكبر من السابق، خصوصا أن هذا الوباء عجزت العديد من الدول عن التصدي له. وتقول الصحافية اليمنية المختصة بالجانب الإنساني عفاف الأبارة إن كورونا له تأثيرات كبيرة على المجتمع اليمني الذي تطحنه الحرب والأوبئة للعام السادس على التوالي.

وتضيف “لقد لاحظنا الكثير من الإجراءات الاحترازية التي قامت بها الأطراف المتصارعة من أجل مكافحة الفايروس؛ لكننا شاهدنا إجراءات بها الكثير من الاستفزاز والاستغلال لوضع المواطن، وتعريض حياته للخطر الحقيقي”.

وتطرح كمثال “استغلال جماعة الحوثي لوضع المواطنين القادمين من الخارج واستخدامهم كورقة سياسية للانتقام من خصومها في المملكة العربية السعودية والحكومة الشرعية، حيث لم تراع الجماعة وضع المواطنين المصابين بالأمراض المزمنة والأمهات والآباء الكبار في السن، الذين تم وضعهم في حجر صحي يفتقر لأدني مقومات الحياة”.

وتختم قائلة “بالتكاتف وتوحيد الجهود سيخرج الشعب من أزمة كورونا بأقل الخسائر، لكن ما نراه على أرض الواقع العكس، فالميليشيات والتشكيلات العسكرية التي أفرزتها الحرب ستواصل مشاريعها التخريبية، ولن يأتي اليوم الذي يهمها معاناة شعبها وآلامه وكل همها تنفيذ ما يملى عليها الخارج فقط”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية