عمر عبدالرحمن.. الأب الروحي لتكفيرية "الجماعة الإسلامية"

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2246
عدد القراءات

2019-04-08

لا تتوقف سيرة حياة عمر عبدالرحمن، المولود بقرية الجمالية، في محافظة الدقهلية، العام 1938، والذي يعد الزعيم الروحي للجماعة الإسلامية، وأحد أبرز قادتها ومفكريها، خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، بوفاته قبل عامين، في السجون الأمريكية، بعد أن حكم عليه بالسجن المؤبد، وقضى نحو 11 عاماً فيه؛ إذ تظلّ أفكاره ومواقفه المثيرة، التي روّج لها من خلال كتبه ومؤلفاته، ورسائله الصوتية التي سجلت خطبه، بواسطة شرائط الكاسيت، تبعث الجدل حولها، وربما، تلهم جماعات وأفراداً آخرين من هؤلاء الذين قد يقعون في فخّ التيار التكفيري والجهادي.

اقرأ أيضاً: 10 محطات شكلت موقف الجماعة الإسلامية في مصر من العنف
تعرض عبد الرحمن بعد عشرة أشهر من ولادته إلى فقدان بصره، والتحق بالكُتّاب في قريته، حيث تمكن من حفظ القرآن الكريم وهو في الحادية عشرة من عمره، ومن ثم التحق بالمعهد الديني، فدرس بالأزهر الشريف، وتخرج من كلية أصول الدين بالقاهرة، في العام 1965، بعدما حصل على تقدير "ممتاز" مع مرتبة الشرف.
سافر اثنان من أبنائه إلى أفغانستان، وانخرطا في الحرب التي دشنها الجهاديون ضد الاتحاد السوفياتي، ولم يزد عمر أكبرهما في ذلك الوقت عن ستة عشر عاماً.
حكم عليه بالسجن مدى الحياة بعد إدانته بالتآمر لتفجير مبنى الأمم المتحدة في نيويورك

أحد عشر عاماً في السجون الأمريكية
حكم على عبدالرحمن بالسجن مدى الحياة بعد إدانته بالتآمر لتفجير مبنى الأمم المتحدة في نيويورك، والمقر الرئيس لمكتب التحقيقات الفيدرالي، إضافة إلى تفجير آخر يستهدف خطين لقطار الأنفاق في المدينة، وجسر يربط بين منطقتي مانهاتن ونيوجيرسي، وكلّ ذلك في مخطط بيوم واحد العام 1993.

عمر عبدالرحمن: الحكومات لا تستحقّ الطاعة من الناس إلا لأنّها تحكم بما أنزل الله وتنفّذ أوامره

إبان وفاة عبدالرحمن في شباط (فبراير) 2017، أصدر تنظيم القاعدة، بياناً يهدّد فيه أمريكا، ويطالب بـ"الثأر"؛ حيث دعا "أبناء الإسلام وفوارسه الكرام، الذين لم يوفّقوا في تخليص الشيخ من سجنه، إلى أن يجتهدوا في تحقيق وتنفيذ وصيته، وليرفعوا من دمه مناراً يوحي للأجيال كيف تثأر للشيخ أشدّ الثأر وأعنفه من ظالميه وساجنيه".
ذاع صيت مفتي الجماعة الإسلامية، منذ ستينيات القرن الماضي، حيث عُرف بضراوة مواقفه ضدّ الرئيس الراحل، جمال عبدالناصر؛ وقد عمد إلى تكفيره، ووصفه بــ"الطاغوت"، وهو الموقف ذاته الذي طال رؤساء مصر اللاحقين؛ حيث رأى أنّهم يعطّلون شريعة الله، وفق مبدأ "الحاكمية" الذي يتبنّاه أيديولوجياً، واتُّهم بأنّه أصدر فتوى لاغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، وتورّط في التخطيط للعملية.
وثمّة حادث مشهور وقع في أعقاب وفاة عبدالناصر، العام 1970؛ حيث جرى اعتقال عبدالرحمن لمدة 9 أشهر؛ إذ أصدر فتوى بعدم جواز الصلاة عليه؛ لأنّه "كافرٌ"، من وجهة نظره.

اقرأ أيضاً: سدنة الهيكل يغمدون سيفاً آخر في قلب فرج فودة
الرئيس الإخواني، محمد مرسي، أعلن في أعقاب تولّيه الحكم، أنّه سيدافع عن الشيخ عمر عبدالرحمن، وسيتواصل مع الإدارة الأمريكية بهدف تحريره من السجن، وذلك استجابة لأعضاء الجماعة الإسلامية الذين طالبوه بذلك، فكلّف مرسي قنصل مصر في نيويورك، يوسف زادة، بزيارة عبدالرحمن، في كانون الثاني (يناير) العام 2013، في السجن، وتعد تلك المرة الأولى التي تحدث فيها زيارة رسمية للشيخ المسجون.
ذهنية التكفير
تعددت مواقف عبدالرحمن التي كفّر من خلالها الأدباء والمبدعين، ومن بينها، موقفه المشهور ضدّ الروائيَّين: نجيب محفوظ، وسلمان رشدي، حيث ينقل الكاتب المصري، محمد شعير، في كتابه "نجيب محفوظ... سيرة الرواية المحرمة"؛ أنّ عمر عبدالرحمن، مفتي الجماعة الإسلامية، سئِل في صحيفة "الأنباء" الكويتية، عن رأيه في رواية "آيات شيطانية"، فأجاب: لو أنّ حكم القتل نفذ في نجيب محفوظ حين كتب "أولاد حارتنا"، لكان ذلك بمثابة درس بليغ لسلمان رشدي، وكرّر إجابته تلك في العديد من الصحف، وفي خطب الجمعة، بصيغ أخرى: "لو قتلنا محفوظ منذ 30 عاماً مكنش طلع سلمان رشدي".

تبلورت أفكار عبدالرحمن المتشددة والتكفيرية من خلال مرجعيتين أساسيتين هما سيد قطب وأبو الأعلى المودودي

وبعد خمسة أعوام من تصريحات عمر عبدالرحمن، التي صدرت العام 1994، حاول محمد ناجي، المنتمي للجماعة الإسلامية، قتل نجيب محفوظ؛ حيث قام بغرز مطواة في رقبته، وبعدما قُبض عليه، اعترف في التحقيقات معه، أنه لم يقرأ الرواية التي كفِّر بسببها صاحب نوبل، لكنّ "تكليفاً صدر إلينا بقتل مؤلفها بعد قيام الجماعة باغتيال فرج فوده"، بحسب نصّ التحقيقات.
ويروي الكاتب المصري، محمد سلماوي؛ في كتابه "في حضرة نجيب محفوظ" أنه سأل ناجي: "هل قرأت شيئاً لمحفوظ؟" فأجاب: "أستغفر الله"، وتابع في إجابته، أنه لا يحتاج إلى قراءة أعماله، وأنه، فقط، "ينفذ أوامر أمير الجماعة، التي صدرت بناء على فتاوى الشيخ عمر عبدالرحمن".

كيف تشكّلت أفكار مفتي الجماعة الإسلامية؟
تبلورت أفكار عبدالرحمن المتشددة والتكفيرية، من خلال مرجعيتين أساسيتين، هما: سيد قطب، وأبو الأعلى المودودي، فاشتق منهما جملة مواقفه في العقيدة، بكل ما يترتب عليها من نظرة راديكالية تجاه المجتمع وأفراده، من ناحية، والسلطة بهيئاتها وتنظيماتها، من ناحية أخرى؛ حيث طوّر مفاهيمهما عن الحاكمية لله، وعقيدة الولاء والبراء، ومن ثم، نفي الطاعة بمفهومها الشامل لأحد غير الله، وأن يصبح الحكم والسياسة ضمن الإرادة الإلهية، كما يقررها في أدبياته.

يؤكد عبدالرحمن ضرورة تدشين الدولة الإسلامية وأنّ الحاكمية لله وحده وليس لأحد من دونه شيء

يؤكد عبدالرحمن ضرورة تدشين الدولة الإسلامية؛ حيث يؤكد أنّ مفهوم الحاكمية هو "لله وحده، وليس لأحد من دون الله شيء من التشريع، والمسلمون جميعاً لا يستطيعون أن يشرعوا"، وبالتالي، فإنّ استبدال الحاكمية لله، وفق منظوره، بالقوانين المدنية، والدساتير، والأحكام القضائية، هو تعطيل للأحكام الإلهية والشريعة الإسلامية، واعتبارها "أوثاناً" تفضي إلى الشرك، وعودة إلى الجاهلية، ووضع سلطة البشر فوق إرادة "الله".
وكتب عبدالرحمن، في رسالة أعدها لنيل درجة الدكتوراه من جامعة الأزهر، جاءت بعنوان: "موقف القرآن من خصومه" أنّه: لا ينبغي أن يوجد دين غير الإسلام في الجزيرة العربية، وعدّ ما دون المسلمين "مشركين يجب قتلهم".
ويقرّ عبدالرحمن بضرورة التمرد والخروج على سلطة الحاكم والدولة؛ حيث يقول، في الدراسة ذاتها: "الحكومات لا تستحق الطاعة من الناس إلا لأنّها تحكم بما أنزل الله، وتنفذ أوامره، فهناك سلطة عليا مؤسسة هي الحاكمة فوق الدولة وهي الشريعة، والدولة سلوكها مقيَّد بها".
حين وصول جثمان الشيخ الضرير إلى القاهرة، والذي توفي عن عمر ناهز 78 عاماً، بهدف دفنه في مسقط رأسه، بقريته بمحافظة الدقهلية، شمال شرق القاهرة، شهدت جنازته حضوراً لافتاً، ليس فقط من القيادات التاريخية، والأعضاء السابقين والحاليين من جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية، وعدد من رموز التيار الإسلامي، لكن ثمة توافد عدد كبير يقدر بالمئات، خاصة، من الشباب الإسلامي، والمتعاطفين مع سيرته والذين رفعوا لافتات تنعاه، وينسبون أنفسهم إليه، باعتبارهم تلاميذ ومؤيدين لأفكاره!

اقرأ المزيد...

الوسوم: