فؤاد زكريا مؤذّن العقل في مالطا التعصب

8030
عدد القراءات

2018-08-26

لاتزال الأوساط السياسية والصحفية في مصر تتذكر، وكأنّ الأمر البارحة، أنه حين شن الموالون للرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات حملة إعلامية شعواء على جمال عبد الناصر تمهيداً للقطيعة مع المرحلة الناصرية وتبشيراً بسياسات الانفتاح، ووقفت مجلة روز اليوسف في موقف الدفاع عن عبد الناصر أنّ المجلة التي كانت عرين اليسار في مصر استعانت بنقد فؤاد زكريا لعبد الناصر ولليسار المصري واحتفت به كي ترتقي بالسجال، وتعقلن النقاش وتعطيه طابعاً علمياً متجاوزاً لمستوى الاتهامات الرخيصة والدفاع العقائدي الأعمى. الجميع يذكر هذه الحادثة ويعلقون عليها قائلين: هذا معنى أن يكتب فؤاد زكريا.

العودة لتراث فؤاد زكريا أصبحت أكثر إلحاحاً بعد أن تحولت الأزمة الفكرية من السجال اللفظي إلى الحوار بالبنادق

كان هذا الموقف الذي أرّخ تفاصيله الصحفي محسن عبد العزيز، كاشفاً طبيعة مساهمات الرجل في حياتنا السياسية والثقافية. وفي الطريق إلى تعميق وعينا النقدي سيكون علينا تذكّر الدكتور فؤاد زكريا والنظر إلى تراثه الفكري عن قرب، ولأنّ حياة الأكاديميين نادراً ما تكون مثيرة للاهتمام كان علينا الاهتمام بالخطوط العريضة لفكره وجعلها محور اهتمام هذا التقرير؛ فهو أحد الذين عاشوا وماتوا بهَّمْ تأسيس حركة نقدية علمية عربية متحررة من عبء الأيديولوجيا، خاصة أنّ الأزمة الفكرية المستعصيّة انزلقت من مساجلات الكتب إلى السجال بالبنادق والهاون والصواريخ؛ والدرس الذين حرص زكريا على تعليمنا إياه هو أن نأخذ مسافة نقدية من واقعنا؛ ففهم الواقع عنده أهم من الانخراط فيه والاشتباك معه، وبدون أدوات ومفاهيم علمية لا يمكن لهذا الفهم أن يتحقق إلا على سبيل المجاز.

"غلاف "كتاب خطاب إلى العقل العربي

لا تشبع من الفهم

كانت القاعدة الحاكمة لمسيرة فؤاد زكريا العلمية هي "إنّ المثقف الحقيقي لا يعرف الشبع ولا يتوقف عند لحظة معينة كي يقول: لقد أخذت كفايتي" وسؤال المعرفة هو الهاجس القدري الذي هيمن على عقل زكريا وحرمه من دعة الاطمئنان الذي أحاط بالسياق السياسي والأيديولوجي الذي كتب داخله: عقدي الخمسينيات والستينيات الذين ذاق خلالهما المثقف العربي سكرة النصر على الاستعمار وزهوة التنمية والبناء والتحديث؛ فزكريا أدرك في وقت مبكر من انشغاله الفلسفي أنّ المعرفة يجب ألا تدفع المثقف إلى الاطمئنان إلى الواقع بل للعمل على تحقيق ما ينبغي أن يكون عليه مجتمعه، وقد عبّر عن ذلك بقوله "ليست المعرفة أماناً واطمئناناً، وليست دعةً وهدوءاً، وإنما هي العيش في خطر، وهي قلق وتوثب دائم".

إنّ المثقف الحقيقي لا يعرف الشبع ولا يتوقف عند لحظة معينة كي يقول: لقد أخذت كفايتي

وفي تفسيره لمعنى "الأزمة الثقافية" التي تمر بها المجتمعات جميعها ميّز زكريا بين 3 أنواع من الأزمات، معتبراً أنّ هناك نوعين من الأزمة يمكن النظر إليهما باعتبارهما علامة صحيّة تدل على يقظة الوعي الإنساني ورهافة إحساسه بالظروف المحيطة به، وهما: أزمة تقدم الفكر على الواقع كما حدث مع فلاسفة التنوير الذين سبقوا واقعهم الاجتماعي فظهرت ملامح أزمة ثقافية عاتية، أما المعنى الثاني وتختص به المجتمعات المتقدمة في القرن العشرين، ويشير إلى تقدم الواقع على الفكر وتزايد التغيرات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية بأكثر مما يمكن للفكر أن يلاحقها معرفياً وتنظيرياً.

في المقابل اختصت المجتمعات التقليدية بأزمة ثقافية من النوع الثالث وهي أزمة "الاختلال والمرض" وهي لا تعبر عن التطور الحضاري بالمرة، بل تعبر عن عدم توفر الشروط الأساسية التي يمكن للثقافة أن تزدهر فيها، مثل فرض القيود الكثيفة على حرية التعبير أو أن توكل أمور الثقافة إلى أشخاص جهلاء يتعمدون تخريبها أو نشر التفاهة أو إرجاع العقارب إلى الوراء.

اقرأ ايضاً: العقلانية بما هي أزمة الإسلام السياسي.. وكثير من العلمانيين أيضاً

واتساقاً مع استقلاله السياسي، الذي عُرف به طوال حياته، والتزاماً بما يمليه ضميره كمفكر، لم يلقِ بجمرة الأزمة في عُبّ المجتمع بل أعتبر أن السلطة السياسية هي المسؤولة عن توفير أو تعكير الجو الذي تعيش فيها الثقافة، وعن تحقيق الشروط اللازمة لنموها أو وضع المعوقات في طريقها.

الصراع الأكبر للثقافة في بلاد العالم الثالث، وفي الأقطار العربية بصورة واضحة، هو صراعها مع السلطة الدينية وسلطة الحكومة

فعلى عكس المجتمعات الصناعية المتقدمة التي تمكن الأزمة الثقافية فيها في تحديد موقف الثقافة إزاء التقدم التقني، فالإنسان في هذه المجتمعات يعيش موزعاً بين تقنية أصبحت أساسية بالنسبة له وملكات إبداعية تطالب لنفسها بالحق في التعبير، ومن هنا كان تحدي العلم هو المشكلة، أما بلدان العالم الثالث فالمشكلة الحقيقيّة، كما يراها زكريا، تكمن في تحدي السلطة بمعناها الواسع: سلطة الدولة، سلطة الدين، سلطة العرف، وكل هذه السلطات تؤثر في الثقافة تأثيراً سلبياً إذا استخدمت بطريقة تعسفية غاشمة.

وبصراحته المعهودة يحسم زكريا المسألة بقوله: الصراع الأكبر للثقافة في بلاد العالم الثالث، وفي الأقطار العربية بصورة واضحة، هو صراعها مع السلطة الدينية وسلطة الحكومة.

حاشية على المعركة الخطأ

حين كانت معركة الأصالة والمعاصرة على أشدها خلال الثمانينيات، قلب زكريا الطاولة على الأخوة الأعداء الأيديولوجيين: إسلاميين وعلمانيين، واعتبر أنّ الحاسم في المسألة هو الجدة والنفع الإنساني، فما كان جاداً ونافعاً في التراث الإسلامي أو الإغريقي فهو أصيل ومعاصر معاً، وما كان جاداً ونافعاً في الثقافة الغربية الحديثة فهو معاصر وأصيل معاً. وكانت مقولته تلك بمثابة حجر ضخم في بركة العودة إلى الذات بكل روافدها من انغلاق وتشنج في مواجهة ثقافة العصر وقيمه.

كانت الخيارات الثلاثة التي تطرحها صيغة الأصالة – المعاصرة تتنوع بين: 1-الانحياز للأصالة والاحتماء بالتراث، 2-التماهي مع المعاصرة أملاً في حيازة نصيب من التقدم المادي والمعنوي، 3-التوفيق بين الأصالة والمعاصرة والجمع بينهما في مركب واحد.

ما كان مجداً في عصر معين قد يصبح "تخلفاً" إذا ما نقل بحذافيره إلى عصر آخر

رفض زكريا الصيغة نفسها واعتبر أنها مسؤولة عن كل التخبط الفكري الذي تشهده الحياة الثقافية العربية على مستوى التنظير والممارسة؛ فخيار الأصالة يعني عمليّاً أن يعيش المجتمع في ماضيه دون حاضره، ومن ثَّمَ هو بديل غير ممكن من الناحية النظرية ولا معقول من الناحية الواقعية، فلا يمكن لمجتمعٍ ما مهما بلغت درجة مستوى عزلته أن يجمد التاريخ عند فترة واحدة منه ويتشبث بها ويتنكر لكل ما قبلها ويتجاهل كل ما بعدها؛ فما كان مجداً في عصر معين قد يصبح "تخلفاً" إذا ما نقل بحذافيره إلى عصر آخر.

اقرأ ايضاً: "عقلة الإصبع".. كيف لملكة النقد أن تجد لها مكاناً في مجتمعاتنا العربية؟

ويحوّل زكريا خيار "المعاصرة" من بديل مطروح على الاجتماع من قِبل قوى سياسيّة وثقافيّة معينة إلى بديهية غير قابلة للتفاوض؛ فالمعاصرة بالنسبة إليه ليست اختياراً؛ فعصرك جزء منك وأنت جزء منه.

ويتجاهل زكريا الحديث عن خيار التوفيق، ويمكن تفسير ذلك بأن خطأ الخيارين يجعل من الجمع بينهما خاطئ بالضرورة، وسيصبح خيار التوفيق هو التجسيد الأمثل لسوء التفاهم التاريخي الذي استنزف المفكرين العرب على مدار 4 عقود على الأقل، فالتمسك بأصلٍ ما واستدعاؤه والعيش تحت ظلاله غير ممكن على أي مستوى، وخيار المعاصرة تحصيل حاصل؛ لأنّ أحداً لا يمكنه العيش خارج عصره.

"غلاف "كتاب آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة

مسافة واحدة من كل الأوهام

إذا تتبعنا المعارك التي خاضها زكريا سنحصل على القاعدة الذهبية التي تشكّل الخيط الناظم لفكره كله، والتي تصلح شعاراً مع ذلك على صيغة شعار فوكو (لا تقع في هوى السلطة): لا تقع في هوى المحاكاة، فلا يُمكننا أن نظل إلى الأبد مقلدين محاكين نساير الآخرين ونمسك بذيل تطور لم نصنعه، ولا يمكن أن نجتر ما أنجزه الأجداد ونكون عبئاً عليهم.

وعلى هذا الأساس اقترح زكريا صيغة "الإبداع والاتباع" كبديل معقول لصيغة "الأصالة والمعاصرة" المُضلِّلة، والصيغة الجديدة هذه إذا تمعنا النظر إليها سنجد أنها تحرم العلمانيين من معصوميّة الاتهام بالتخلف التي فُصلِّت على مقاس الإسلاميين؛ فزكريا يؤكد أن اتباع حضارة متفوقة هو مظهر واضح من مظاهر التخلف.

عاش فؤاد زكريا ومات بهَّمْ تأسيس حركة نقدية علمية عربية متحررة من سجن الأصولية وعبء الأيديولوجيا

ويوزّع زكريا على كل طرفٍ من الأخوة الأعداء نصيبه العادل والمُستحق من تهمة التخلف؛ فيتُوِّج بها من يساير الماضي ويقاتل كي يصادر على مستقبل الأمة بحجة عظمة ماضيها، مثلما يضع التُهمةَ وشاحاً على كتف من يحاكي نماذج من الحاضر، ويحرم الأمة من حقها في النظر والإبداع.

وتجسيداً لموقفه كمثقف مستقل، عبَّر زكريا عن موقفه بشجاعة حول نزعة التغريب لدى الحداثيين الذين بالغوا فيها كرد فعل على الأصوليّة التي بدأت تلقي بظلالها المُربكة على الثقافة العربية، وناصر المفكر المصري حركة تعريب العلوم، بل واعتبرها من علامات النهضة وأكثر وسائلها فاعليّة، وإن كان حريصاً على لفت الإنظار إلى حركية إنتاج العلوم في الغرب وعدم ثباتها عند لحظة معينة ما يتطلب جهداً أعظم ومثابرة أشد من الأسلاف الذين ترجموا عن حضارة اليونان المنقرضة، من أجل تحويل مسارات العلم الحديث إلى العربية.

اقرأ ايضاً: المثقف والمأزق العربي الراهن

عاش فؤاد زكريا مخلصاً للتفكير العلمي، وانتصر للعلم ضد الخرافة وللموضوعية في مواجهة النسبية العدميّة، والتزم بالعقلانية ضد الأصوليّة والفكر المنقوع في الأيديولوجيا، وظل وفيّاً طوال عمره للثقافة الرفيعة، وانحاز لشكسبير على حساب أجاثا كريستي ولموسيقى بيتهوفن وموزارت المعقدة والثريّة والخالدة، على حساب موسيقى الـ "روك أند رول" المتغيرة كل عام، والموسيقى العربية التي اعتبرها نمطيّة وبسيطة مثل طريقة التفكير السائدة التي تحتاج إلى إعادة نظر.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



فؤاد زكريا مؤذّن العقل في مالطا التعصب

عدد القراءات

2018-08-26

لاتزال الأوساط السياسية والصحفية في مصر تتذكر، وكأنّ الأمر البارحة، أنه حين شن الموالون للرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات حملة إعلامية شعواء على جمال عبد الناصر تمهيداً للقطيعة مع المرحلة الناصرية وتبشيراً بسياسات الانفتاح، ووقفت مجلة روز اليوسف في موقف الدفاع عن عبد الناصر أنّ المجلة التي كانت عرين اليسار في مصر استعانت بنقد فؤاد زكريا لعبد الناصر ولليسار المصري واحتفت به كي ترتقي بالسجال، وتعقلن النقاش وتعطيه طابعاً علمياً متجاوزاً لمستوى الاتهامات الرخيصة والدفاع العقائدي الأعمى. الجميع يذكر هذه الحادثة ويعلقون عليها قائلين: هذا معنى أن يكتب فؤاد زكريا.

العودة لتراث فؤاد زكريا أصبحت أكثر إلحاحاً بعد أن تحولت الأزمة الفكرية من السجال اللفظي إلى الحوار بالبنادق

كان هذا الموقف الذي أرّخ تفاصيله الصحفي محسن عبد العزيز، كاشفاً طبيعة مساهمات الرجل في حياتنا السياسية والثقافية. وفي الطريق إلى تعميق وعينا النقدي سيكون علينا تذكّر الدكتور فؤاد زكريا والنظر إلى تراثه الفكري عن قرب، ولأنّ حياة الأكاديميين نادراً ما تكون مثيرة للاهتمام كان علينا الاهتمام بالخطوط العريضة لفكره وجعلها محور اهتمام هذا التقرير؛ فهو أحد الذين عاشوا وماتوا بهَّمْ تأسيس حركة نقدية علمية عربية متحررة من عبء الأيديولوجيا، خاصة أنّ الأزمة الفكرية المستعصيّة انزلقت من مساجلات الكتب إلى السجال بالبنادق والهاون والصواريخ؛ والدرس الذين حرص زكريا على تعليمنا إياه هو أن نأخذ مسافة نقدية من واقعنا؛ ففهم الواقع عنده أهم من الانخراط فيه والاشتباك معه، وبدون أدوات ومفاهيم علمية لا يمكن لهذا الفهم أن يتحقق إلا على سبيل المجاز.

"غلاف "كتاب خطاب إلى العقل العربي

لا تشبع من الفهم

كانت القاعدة الحاكمة لمسيرة فؤاد زكريا العلمية هي "إنّ المثقف الحقيقي لا يعرف الشبع ولا يتوقف عند لحظة معينة كي يقول: لقد أخذت كفايتي" وسؤال المعرفة هو الهاجس القدري الذي هيمن على عقل زكريا وحرمه من دعة الاطمئنان الذي أحاط بالسياق السياسي والأيديولوجي الذي كتب داخله: عقدي الخمسينيات والستينيات الذين ذاق خلالهما المثقف العربي سكرة النصر على الاستعمار وزهوة التنمية والبناء والتحديث؛ فزكريا أدرك في وقت مبكر من انشغاله الفلسفي أنّ المعرفة يجب ألا تدفع المثقف إلى الاطمئنان إلى الواقع بل للعمل على تحقيق ما ينبغي أن يكون عليه مجتمعه، وقد عبّر عن ذلك بقوله "ليست المعرفة أماناً واطمئناناً، وليست دعةً وهدوءاً، وإنما هي العيش في خطر، وهي قلق وتوثب دائم".

إنّ المثقف الحقيقي لا يعرف الشبع ولا يتوقف عند لحظة معينة كي يقول: لقد أخذت كفايتي

وفي تفسيره لمعنى "الأزمة الثقافية" التي تمر بها المجتمعات جميعها ميّز زكريا بين 3 أنواع من الأزمات، معتبراً أنّ هناك نوعين من الأزمة يمكن النظر إليهما باعتبارهما علامة صحيّة تدل على يقظة الوعي الإنساني ورهافة إحساسه بالظروف المحيطة به، وهما: أزمة تقدم الفكر على الواقع كما حدث مع فلاسفة التنوير الذين سبقوا واقعهم الاجتماعي فظهرت ملامح أزمة ثقافية عاتية، أما المعنى الثاني وتختص به المجتمعات المتقدمة في القرن العشرين، ويشير إلى تقدم الواقع على الفكر وتزايد التغيرات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية بأكثر مما يمكن للفكر أن يلاحقها معرفياً وتنظيرياً.

في المقابل اختصت المجتمعات التقليدية بأزمة ثقافية من النوع الثالث وهي أزمة "الاختلال والمرض" وهي لا تعبر عن التطور الحضاري بالمرة، بل تعبر عن عدم توفر الشروط الأساسية التي يمكن للثقافة أن تزدهر فيها، مثل فرض القيود الكثيفة على حرية التعبير أو أن توكل أمور الثقافة إلى أشخاص جهلاء يتعمدون تخريبها أو نشر التفاهة أو إرجاع العقارب إلى الوراء.

اقرأ ايضاً: العقلانية بما هي أزمة الإسلام السياسي.. وكثير من العلمانيين أيضاً

واتساقاً مع استقلاله السياسي، الذي عُرف به طوال حياته، والتزاماً بما يمليه ضميره كمفكر، لم يلقِ بجمرة الأزمة في عُبّ المجتمع بل أعتبر أن السلطة السياسية هي المسؤولة عن توفير أو تعكير الجو الذي تعيش فيها الثقافة، وعن تحقيق الشروط اللازمة لنموها أو وضع المعوقات في طريقها.

الصراع الأكبر للثقافة في بلاد العالم الثالث، وفي الأقطار العربية بصورة واضحة، هو صراعها مع السلطة الدينية وسلطة الحكومة

فعلى عكس المجتمعات الصناعية المتقدمة التي تمكن الأزمة الثقافية فيها في تحديد موقف الثقافة إزاء التقدم التقني، فالإنسان في هذه المجتمعات يعيش موزعاً بين تقنية أصبحت أساسية بالنسبة له وملكات إبداعية تطالب لنفسها بالحق في التعبير، ومن هنا كان تحدي العلم هو المشكلة، أما بلدان العالم الثالث فالمشكلة الحقيقيّة، كما يراها زكريا، تكمن في تحدي السلطة بمعناها الواسع: سلطة الدولة، سلطة الدين، سلطة العرف، وكل هذه السلطات تؤثر في الثقافة تأثيراً سلبياً إذا استخدمت بطريقة تعسفية غاشمة.

وبصراحته المعهودة يحسم زكريا المسألة بقوله: الصراع الأكبر للثقافة في بلاد العالم الثالث، وفي الأقطار العربية بصورة واضحة، هو صراعها مع السلطة الدينية وسلطة الحكومة.

حاشية على المعركة الخطأ

حين كانت معركة الأصالة والمعاصرة على أشدها خلال الثمانينيات، قلب زكريا الطاولة على الأخوة الأعداء الأيديولوجيين: إسلاميين وعلمانيين، واعتبر أنّ الحاسم في المسألة هو الجدة والنفع الإنساني، فما كان جاداً ونافعاً في التراث الإسلامي أو الإغريقي فهو أصيل ومعاصر معاً، وما كان جاداً ونافعاً في الثقافة الغربية الحديثة فهو معاصر وأصيل معاً. وكانت مقولته تلك بمثابة حجر ضخم في بركة العودة إلى الذات بكل روافدها من انغلاق وتشنج في مواجهة ثقافة العصر وقيمه.

كانت الخيارات الثلاثة التي تطرحها صيغة الأصالة – المعاصرة تتنوع بين: 1-الانحياز للأصالة والاحتماء بالتراث، 2-التماهي مع المعاصرة أملاً في حيازة نصيب من التقدم المادي والمعنوي، 3-التوفيق بين الأصالة والمعاصرة والجمع بينهما في مركب واحد.

ما كان مجداً في عصر معين قد يصبح "تخلفاً" إذا ما نقل بحذافيره إلى عصر آخر

رفض زكريا الصيغة نفسها واعتبر أنها مسؤولة عن كل التخبط الفكري الذي تشهده الحياة الثقافية العربية على مستوى التنظير والممارسة؛ فخيار الأصالة يعني عمليّاً أن يعيش المجتمع في ماضيه دون حاضره، ومن ثَّمَ هو بديل غير ممكن من الناحية النظرية ولا معقول من الناحية الواقعية، فلا يمكن لمجتمعٍ ما مهما بلغت درجة مستوى عزلته أن يجمد التاريخ عند فترة واحدة منه ويتشبث بها ويتنكر لكل ما قبلها ويتجاهل كل ما بعدها؛ فما كان مجداً في عصر معين قد يصبح "تخلفاً" إذا ما نقل بحذافيره إلى عصر آخر.

اقرأ ايضاً: "عقلة الإصبع".. كيف لملكة النقد أن تجد لها مكاناً في مجتمعاتنا العربية؟

ويحوّل زكريا خيار "المعاصرة" من بديل مطروح على الاجتماع من قِبل قوى سياسيّة وثقافيّة معينة إلى بديهية غير قابلة للتفاوض؛ فالمعاصرة بالنسبة إليه ليست اختياراً؛ فعصرك جزء منك وأنت جزء منه.

ويتجاهل زكريا الحديث عن خيار التوفيق، ويمكن تفسير ذلك بأن خطأ الخيارين يجعل من الجمع بينهما خاطئ بالضرورة، وسيصبح خيار التوفيق هو التجسيد الأمثل لسوء التفاهم التاريخي الذي استنزف المفكرين العرب على مدار 4 عقود على الأقل، فالتمسك بأصلٍ ما واستدعاؤه والعيش تحت ظلاله غير ممكن على أي مستوى، وخيار المعاصرة تحصيل حاصل؛ لأنّ أحداً لا يمكنه العيش خارج عصره.

"غلاف "كتاب آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة

مسافة واحدة من كل الأوهام

إذا تتبعنا المعارك التي خاضها زكريا سنحصل على القاعدة الذهبية التي تشكّل الخيط الناظم لفكره كله، والتي تصلح شعاراً مع ذلك على صيغة شعار فوكو (لا تقع في هوى السلطة): لا تقع في هوى المحاكاة، فلا يُمكننا أن نظل إلى الأبد مقلدين محاكين نساير الآخرين ونمسك بذيل تطور لم نصنعه، ولا يمكن أن نجتر ما أنجزه الأجداد ونكون عبئاً عليهم.

وعلى هذا الأساس اقترح زكريا صيغة "الإبداع والاتباع" كبديل معقول لصيغة "الأصالة والمعاصرة" المُضلِّلة، والصيغة الجديدة هذه إذا تمعنا النظر إليها سنجد أنها تحرم العلمانيين من معصوميّة الاتهام بالتخلف التي فُصلِّت على مقاس الإسلاميين؛ فزكريا يؤكد أن اتباع حضارة متفوقة هو مظهر واضح من مظاهر التخلف.

عاش فؤاد زكريا ومات بهَّمْ تأسيس حركة نقدية علمية عربية متحررة من سجن الأصولية وعبء الأيديولوجيا

ويوزّع زكريا على كل طرفٍ من الأخوة الأعداء نصيبه العادل والمُستحق من تهمة التخلف؛ فيتُوِّج بها من يساير الماضي ويقاتل كي يصادر على مستقبل الأمة بحجة عظمة ماضيها، مثلما يضع التُهمةَ وشاحاً على كتف من يحاكي نماذج من الحاضر، ويحرم الأمة من حقها في النظر والإبداع.

وتجسيداً لموقفه كمثقف مستقل، عبَّر زكريا عن موقفه بشجاعة حول نزعة التغريب لدى الحداثيين الذين بالغوا فيها كرد فعل على الأصوليّة التي بدأت تلقي بظلالها المُربكة على الثقافة العربية، وناصر المفكر المصري حركة تعريب العلوم، بل واعتبرها من علامات النهضة وأكثر وسائلها فاعليّة، وإن كان حريصاً على لفت الإنظار إلى حركية إنتاج العلوم في الغرب وعدم ثباتها عند لحظة معينة ما يتطلب جهداً أعظم ومثابرة أشد من الأسلاف الذين ترجموا عن حضارة اليونان المنقرضة، من أجل تحويل مسارات العلم الحديث إلى العربية.

اقرأ ايضاً: المثقف والمأزق العربي الراهن

عاش فؤاد زكريا مخلصاً للتفكير العلمي، وانتصر للعلم ضد الخرافة وللموضوعية في مواجهة النسبية العدميّة، والتزم بالعقلانية ضد الأصوليّة والفكر المنقوع في الأيديولوجيا، وظل وفيّاً طوال عمره للثقافة الرفيعة، وانحاز لشكسبير على حساب أجاثا كريستي ولموسيقى بيتهوفن وموزارت المعقدة والثريّة والخالدة، على حساب موسيقى الـ "روك أند رول" المتغيرة كل عام، والموسيقى العربية التي اعتبرها نمطيّة وبسيطة مثل طريقة التفكير السائدة التي تحتاج إلى إعادة نظر.