فشل المشروع التركي في مصر: على من يراهن السلطان العثماني؟

2019-05-15

منذ زمنٍ طويل، هو زمن محمد علي حاكم مصر حتى منتصف القرن التاسع عشر، تشهد العلاقات بين مصر وتركيا درجاتٍ مختلفةٍ من التوتر؛ حيث حاول محمد علي الاستقلال بمصر آنذاك، ومنافسة اسطنبول على زعامة العالم الإسلامي. أما اليوم، فتأتي تركيا بصفتها دولةً لا إمبراطورية، لم يؤجج الخلافات بينها وبين دولٍ عربيةٍ كمصر، سوى أسلوب إدارة المصالح السياسية والاقتصادية، في عهد حزب العدالة والتنمية التركي.

اقرأ أيضاً: أردوغان لا يفكر في التخلي عن السلطة قبل 2023
ومن ناحيةٍ أخرى، شكل الربيع العربي، فرصةً لتركيا ممثلةً بهذا الحزب، من أجل الدخول في نوعٍ مختلف من العلاقات مع مصر، من خلال جماعة الإخوان، غير أنّ تفويت هذه الفرصة بانتهاء حكم الإخوان لمصر بعد منتصف 2013، جعل العلاقات بين البلدين تدخل في حالة توتر سياسي واقتصادي، عادت لتطفو إلى السطح في 2019، فما هي أبرز ملامح هذه العلاقة المتوترة بين مصر وتركيا؟

ريادة المنطقة
أحدث وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في مصر خلال 2012، تغييراتٍ سياسيةً سريعةً في مصر، كانت بطلتها الجماعة، التي أتاحت لدولٍ عديدة من بينها تركيا، أن تتعامل مع مصر، على أنها حديقةٌ خلفيةٌ للإخوان. وبخصوص هذا الأمر، يرى الباحث في معهد الدراسات الإفريقية بمصر، الدكتور طه علي، أنّ "رجب طيب أردوغان ومن خلفه العدالة والتنمية، يعملان لتحقيق مصالح تركية داخلية وخارجية، تتمثل في هيمنة إقليمية في المنطقة العربية، حيث تتجلى محاولات هذه الهيمنة، من خلال علاقة أردوغان بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان، ومن ثم توظيف هذه العلاقة في تحييد الدور الريادي لمصر في المنطقة العربية لحساب تركيا".

يعود فتور العلاقة بين مصر وتركيا إلى  فشل المشروع التركي الذي قام على مداعبة مشاعر المسلمين باستخدام "الإخوان"

ويرى طه، خلال مقابلةٍ معه على قناة "اليوم" بتاريخ 12 آذار (مارس) 2019، أنّ "الإخوان وما حصل معهم وتركيا، خلال الربيع العربي، ليس إلا واحدةً من محاولات تركيا بسط سيطرتها اقتصادياً على المنطقة، من خلال مداعبة مشاعر المسلمين، ومن خلال محاولات الهيمنة الاقتصادية، وهي محاولة تمت الإطاحة بها، بعد سقوط حكم الإخوان في مصر عام 2013". وهو ما أدى إلى فتور العلاقات بين مصر وتركيا، بعد فشل المشروع التركي في مصر، وانتهاء قدرة حليفها الإخواني على دعم مخططاتها هناك. وبالتالي، أصر أردوغان على دعم الإخوان، فاستقبل الهاربين من قياداتهم في تركيا، وسمح لهم بنشاطاتٍ إعلامية وثقافيةٍ على أرض بلاده، بينما اتسمت علاقته مع الحكومة المصرية الجديدة، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالتوتر.

بالنسبة للعدالة والتنمية يحقق الإخوان المسلمون مصالح تركيا فقط

وفي كتابه "كنت سفيراً لدى السلطان"، الصادر في 2019 عن دار "نهضة مصر"،  يشير السفير المصري السابق لدى إسطنبول عبد الرحمن صلاح، الذي استلم مهامه كسفيرٍ في 2010، إلى أنّ "مناخ التأسلم الذي أصبح يظلل فضاء الأناضول بعد أن أرتدى ثوبه الأردوغاني، تمثل في إيواء عناصر أخوانية سبق وأدانها القضاء المصري للتحالف تيارات إسلامية جهادية، حيث لم تترك تلك العناصر فرصة، إلا وقامت بتظاهرات ضد السفارة المصرية فى أنقرة وكذا قنصليتها بإسطنبول".

سفير مصري سابق في تركيا: مناخ التأسلم أصبح يظلل فضاء الأناضول بعد إيواء عناصر إخوانية سبق وأدانها القضاء المصري

ويتحدث السفير في عموم كتابه، عن تغير العلاقات المصرية التركية، من خلال تبني حزب العدالة والتنمية سياساتٍ تحاول إخراج تركيا كدولةٍ رائدةٍ في المنطقة العربية، لها تدخلاتها في سوريا ومصر ودولٍ أخرى، ولها تاريخٌ (عثماني) يتيح هذا التدخل، ولها غطاء إخواني إسلاموي، يشرعن ويقدس أي تدخلٍ محتمل، وكل هذا من أجل تدعيم قوة وسيطرة حزب العدالة والتنمية في الداخل والخارج، رغم ما يراه السفير من قمعٍ "إعلامي وقمع للديموقراطية في تركيا".
الخلافات بين مصر وتركيا، لم تقتصر على السياسة، ولا على محاولات أردوغان وحزبه إيجاد حليفٍ في مصر، يخضع لمصالحه، بل انتقل إلى الاقتصاد، خصوصاً منذ 2018، وخلال الفترة الحالية من العام 2019، بسبب حقول الغاز في المتوسط، ومحاولات تركيا، التغول ربما على حقوق مصر في التنقيب عن الغاز وتصديره.

الغاز والعبث بالأمن
بدأت بوادر أزمة التنقيب عن الغاز في البحر الأبيض المتوسط، بين مصر وتركيا، تظهر بعد أيام من افتتاح مصر حقل "ظهر" الذي يعد أكبر اكتشاف للغاز الطبيعي في منطقة البحر المتوسط في شباط (فبراير) 2018.  حيث "تبلغ احتياطات الحقل 30 تريليون قدم مكعب، ويحتل مساحة 100 كيلومتر مربع" وفقاً لتقريرٍ نشرته صحيفة "النهار" اللبنانية في 7 شباط (فبراير) 2018.

اقرأ أيضاً: أردوغان.. هل حانت لحظة السقوط؟
وكانت الأزمة تجلت آنذاك، من خلال تصريحاتٍ لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، قال فيها إنّ تركيا "تخطط للبدء في أعمال تنقيب عن النفط والغاز شرقي المتوسط في المستقبل القريب"، وأضاف في تصريحات نقلتها وكالة "الأناضول" التركية عن صحيفة "كاثيميريني" اليونانية في حينه، أنّ "التنقيب عن الغاز في المتوسط (قرب قبرص) حق سياديٌ لتركيا، والاتفاقية المبرمة بين مصر وتركيا بخصوص الغاز لا تعني لتركيا أي صفةٍ قانونية"، وفقاً للتقرير ذاته.

الغاز الذي تطمع تركيا في عدم تركه لمصر ربما يكون عنواناً لأزمةٍ قادمة

وردت الخارجية المصرية آنذاك، من خلال القول إنّ "أي محاولة للمساس بالسيادة المصرية على المنطقة الاقتصادية الخالصة لها في شرق المتوسط مرفوضة وسيتم التصدي لها"، بحسب المصدر ذاته. وكانت مصر فسرت في وقتها أن تركيا "تطمع للمشاركة في كعكة التنقيب عن الغاز"، وأنه من المستبعد أن تصل الأمور إلى حد التأزم الحقيقي.

اقرأ أيضاً: إطاحة البشير تعرقل "مسلسل أردوغان" في السودان؟
لكن، ومنذ أن طفى الغاز على سطح المتوسط في حقل "ظهر" المصري، عادت الأزمة تطفو من جديد وبقوة، مطلع أيار (مايو) الجاري، وذلك بعد إعلان تركيا، أنّ "سفنها سوف تجري عمليات حفر في البحر المتوسط حتى أيلول (سبتمبر) المقبل للتنقيب عن الغاز واستخراجه"، مما أثار رد مصر بهذا الشأن، والتي "حذرت تركيا من اتخاذ أي إجراء أحادي الجانب فيما يتعلق بأنشطة حفر أعلنتها في منطقة بحرية غرب قبرص؛ لأنّ ذلك من شأنه زعزعة الاستقرار في المنطقة". وفقاً لما نشرته "بي بي سي" في 4 أيار (مايو) الجاري، حيث أضافت أنّ "الاتحاد الأوروبي أعلن قلقه كذلك، من احتمال تعدي عمليات التنقيب التركية على حقوق قبرص ومياهها الإقليمية" وهو ما ووجه بعدم اكتراثٍ تركي.

اقرأ أيضاً: الانتخابات التركية: لماذا يقاتل أردوغان لإبقاء اسطنبول في قبضة حزبه؟
وبالعودة إلى قناة "اليوم" وحلقتها الخاصة عن الأزمة التركية المصرية المحتملة، فإنّ خبيراً آخر، ويعمل مديراً لوحدة الدراسات السياسية في مركر "سلمان زايد"، هو الدكتور هشام البقلي، رأى أنه لا صراع حقيقياً بين مصر وتركيا؛ لأنّ "مصر لا تخوض الصراعات، لأنها تضع الأمن العربي بعين الاعتبار، ولا ترد على التصرفات التركية (الصبيانية) ضد مصر ورئيسها، إنما ترد دبلوماسياً، وتحاول تقوية المواقف العربية، والموقف المصري اقتصادياً، مقابل محاولات استغلال تركيا مسألة سوريا، واستغلال اللاجئين السوريين على أراضيها".
وبالنسبة للبقلي، وطه، وخبراء عرب عديدين آخرين، فإنّ المسألة الاقتصادية، وحقوق مصر في التنقيب عن الغاز، إضافةً إلى محاولات إعادة الاستقرار إلى دولٍ عربيةٍ عديدة، من بينها سوريا، من شأنه دعم الأمن القومي العربي، وإنهاء أي محاولاتٍ خارجية، تركية أو غير تركية، من أجل تجيير المنطقة العربية وملفاتها الساخنة، لصالح تلك الدول.

اقرأ المزيد...

الوسوم: