كيف صار موتُ الأطفال في البحر الميت "غضباً من الله"؟

صورة موسى برهومة
كاتب وأكاديمي أردني
10958
عدد القراءات

2018-11-04

النائب في البرلمان الأردني، والوزير السابق للأوقاف والشباب في بلاده، انغلقت في وجهه التفسيرات العلمية والطبيعية للمأساة المروّعة التي حدثت في البحر الميت، الشهر الماضي، وراح ضحيتها اثنان وعشرون شخصاً غالبيتهم من الأطفال في عمر الزهور، فأصدر فتواه القاطعة المانعة بأنّ الحادثة إنما هي "غضب إلهي"، ويقسم بأنّها "غضب إلهي"

والشيخ، الذي يحمل شهادة الدكتوراة في أصول الفقه، يذكّر، في تسجيل له نضع رابطه في متن هذه المقالة، بما فعل الله، عز وجل، بالنبي موسى، عليه السلام، وقومه وبالأقوام الأخرى، ويزيد بأنّ سبب هذا "الغضب الإلهي" الذي جعل السيارات تطوف، كما الريشة، على الماء في فيضان البحر الميت، عائد إلى شدة الرغبة الإلهيّة بإيقاع العقاب بأولئك الضحايا، والسبب أنّ الأردنيين حصلوا على قروض (من الربا) بقيمة عشرة ونصف مليار دينار، وهذه قضية كما يقول الشيخ "ما بتمرّش بسلام، وربنا بعاقب فينا"، مذكراً بـ "إنّ بطش ربك لشديد" لأنّ الناس في بلادنا "طغت" و"الله لا يقبل بما يجري فيها".

الله تعالى هو الضمير الكلي في أنصع تجلياته ولا يسوؤه أن يكون الإنسان متقناً في إبداعه وعمله

هذا الخطاب يأتي من شخص يمتاز بقبول جماهيري طاغ؛ لأنه يستثمر، كما يتضّح من الفيديو المرفق، في الدين، فينتقي منه ما يشاء لدغدغة الوعي الشعبي بخطبة عصماء ليست تختلف، لا في الشكل ولا في المضمون، عن خطب زعماء التشدد في التنظيمات الدينية المتطرفة ولا عن اللغة التي استخدمها الزعماء المتطرفون في صربيا والبوسنة والهرسك وبورما، وفي كل الأماكن التي شهدت اقتتالات ومذابح وحروباً أهلية وطائفية وإثنية؛ لأنّ الأمر باختصار هو أنّ أحدهم نصّب نفسه وكيلاً باسم الدين، وناطقاً باسم الله عز وجل، ومستحوذاً أوحدَ على الحقيقة، ومسؤولاً عن السلامة الأخلاقية للمجتمع!

والذين يفعلون ذلك، ويستهينون بآلام الضحايا، وذوي الأطفال الذين ما جفّ دمعهم، ولن يجفّ حزنهم إلى الأبد، لا يختلفون عمّن يبيعون للناس طعاماً فاسداً، وبضاعة منتهية الصلاحية، ويصمّمون مباني وجسوراً آيلة للسقوط. هدف الفريق الثاني هو التكسّب السريع وجني الأموال، وهدف الشيخ، ومثله كثيرون، كسب الأصوات الانتخابية، وزيادة المقروئية والمشاهدة، وترويج الأيديولوجيا، والحصول على حضور يؤهله لمواصلة اللعب على الوعي الديني البسيط، وربطه بالصورة الشريرة غير الحقيقية للدين وللإله الغاضب الساخط المنتقم، وهذا هو جوهر التطرّف، وأسّ الإرهاب الفكري الذي خرجت من أعطافه كلّ حركات الدم التي فخّخت التاريخ والاجتماع البشري، وما تزال.

اقرأ أيضاً: في ذكرى المأساة: تحاصرني بالموت وأحاصرك بالكراهية

مرعب ومخيف هذا الخطاب الانتقائي الذي ينسى أنّ الله تعالى رحيم، فالرحمة صفة الأنبياء والمرسلين، وسمة الأولياء والصالحين، ويكفي أن نذكّر هذا "الشيخ" الذي يبدو للجمهور شخصاً عصرياً، على الموضة، أسوة بـ"مفتي دجاج الوطنية" عمرو خالد، بما رواه عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي الله عه عن أنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، تلا قَول اللّه، عز وجل، في إبراهيم (ربِّ إِنّهُنَّ أَضلَلْنَ كثِيراً من الناس فمَنْ تبِعَنِي فإنه منِّي)، وقال عِيسى عليه السّلَام (إن تُعذِّبْهُمْ فإِنَّهُمْ عِبادُكَ وإِنْ تغْفِرْ لهم فإِنَّكَ أنت الْعزِيزُ الْحكِيمُ) فرَفَعَ يدَيْهِ وقال اللهم أُمّتِي أُمّتِي وبَكَى، فقال الله، عز وجل، يا جبْرِيلُ اذْهبْ إلى مُحمَّدٍ ورَبُّكَ أعْلَمُ فسَلْهُ ما يبْكِيكَ، فأَتَاهُ جبْرِيلُ عليه السّلَام فسَأَلَهُ فأَخْبَرَهُ رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِما قال وهو أعْلَمُ، فقال الله يا جبْرِيلُ اذْهبْ إلى مُحمَّدٍ فقُلْ إِنّا سنُرْضِيكَ في أُمّتِكَ ولا نسُوءُكَ".

لهذا وغيره كثير في المكنون الديني، وجّه الرسول الكريم الناس إلى التراحم والتآخي والتسامح، وألا يُشقّ على الناس حتى في العبادات، فقد كان يخفف في صلاته ويتجاوز فيها حينما يسمع بكاء الصبي، رحمة به وإشفاقاً على أمه، وكان يقول: "إِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ للنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإن فيهِم الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبيرَ، وَإِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّل مَا شَاءَ".

الذين يستهينون بآلام الضحايا وذوي الأطفال الذين ما جفّ دمعهم لا يختلفون عمن يتاجرون في الممنوعات

هل قرأ هذا الشيخ، الذي يقسم بالله أنّ أطفال البحر الميت ذهبوا ضحية الغضب الإلهي والانتقام الذي قدّمه "الشيخ" باعتباره صفة وحيدة لله، وهو التفسير ذاته الذي يقدّمه "داعش" عندما يعتصم بآيات الجهاد، ويعتبر أنها القرآن الكريم كله، من دون أي إدراك لعلم السياق وتبدّل الزمان والمكان، وبأنّ النص ثابت، أما الأحكام فلا يُنكر أحد، تحولها وتغيرها وفقا لمناط الحال والوسع في التأويل بما ينسجم مع كليات الدين السمحة ومراعاتها لأحوال البشر وظروفهم ووسعهم.

ويلاحظ المفكر عبد الجبار الرفاعي، ما يسميه "الحضور المهيمن للرحمةِ في القرآن الكريم". ولكونها إطاراً مرجعياً، نرى بوضوحٍ أنّ "معاني القرآن كلَّها تنشد الرحمة، وهو ما أهمله أغلبُ المفسرين والفقهاء، إذ تغلّبتْ في تاريخ فقهاء الإسلام أحيانا لغةُ العنف على لغة الرحمة، وأهدر بعض من مفسري القرآن الكريم وفقهاء الإسلام كلَّ هذا الرصيد الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعليةُ دلالة آية السيف في القرآن هي الأشدَّ أثراً والأوسعَ حضوراً في القول والفعل في الحياة السياسية والثقافية لمجتمعات عالَم الإسلام" بحسب الرفاعي في مقالة نشرها موقع "مؤمنون بلا حدود" بعنوان "احتكارُ الرّحمة الإلهية"، حيث لا يتأنسنُ الكائنُ البشري إلّا بالرحمةِ، ومن دونها يتساوى هذا الكائنُ وأي وحش مفترس.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي والمشاركة المدنية في الحكم

ويذكّر الرفاعي بقول المتصوف ابن عربي بأنّ "الرحمة على الحقيقة نسبة من الراحم، وهي الموجبةُ للحكم، وهي الرّاحمة، والذي أوجدها في المرحوم ما أوجدها ليرحمه بها، وإنما أوجدها ليرحم بها من قامت به".

فكيف يستوي هذا الفهم الخلّاق للدين، مع الفكر الداعشي الذي لا يقيم وزناً لمشاعر البشر، ولا لفعاليتهم في إعمار الأرض، ويتوقف عن نقاط جزئيّة، ثم يشتغل على إثارة النزعات المتدنيّة في أرواح البشر، من أجل بعث روح أسطورية في تفسير العالم والوجود، وكذلك الاستثمار الأيديولوجي المكشوف في مصائب البشر، ووضعها في سياقات دينية مشوّهة منزوعة الصلة بمقاصدية الدين السمح وبحقيقة الله عز وجل التي وسعت رحمته كلّ شيء، كلّ شيء يا شيخنا الذي تستفز بتأويلك البعيد عذابات الناس الذين فقدوا فلذات أكبادهم.

الله رحيم وعطوف ورؤوف. والله جعل الناس يتفكّرون في الدنيا والوقائع وأسبابها ومسبّباتها، والله منح العقل البشري القدرة على ردّ الأمور إلى أصولها، وجعل الفلاسفة يبحثون في العلة والمعلول، وهو الذي ارتقى بالإنسان إلى ذرى  هزيمة المستحيل.

يزعم "الشيخ" أنّ "الغضب الإلهي" هو الذي جعل السيارات تطوف، كما الريشة، على الماء في فيضان البحر الميت

والله، أيضاً، هو الضمير الكلي في أنصع تجلياته، ولا يسوؤه أن يكون الإنسان متقناً في إبداعه وعمله، لكنه لم يخلقه من أجل هذه الغاية، بل من أجل أن يسعى في الأرض فيصيب ويخطئ ويجتهد، فبالأولى له أجران، وفي الثانية له أجر، وليس ماءَ الطوفان الذي يغرقه ويهلكه، كما يقول الشيخ المتباهي بأنه أفصح لساناً من سواه، وبأنه يخطب ويوجّه كلامه إلى "جماعته" التي أورثت العالم مصائب كارثية عندما جعلت الدين أيديولوجيا، و"الأيديولوجيا عدوةُ الحرية، فلا يمكنها أن تتصالحَ مع إيمان الحرية، وهي لا تنمو وتزدهرُ إلّا في بيئات تديّنٍ يتسيّدُ فيها إيمانُ الاستعباد، وفي مجتمعاتٍ تتحدثُ معتقداتُها لغةَ اللاهوتِ والفقهِ الصراطي. وعلى الرغم من أنّ الموقفَ الأخلاقي يفرضُ على الإنسانِ أن يفضح منابع الكراهية والتعصّب بين البشر في تراثِه، مثلما يفضحها في تراثِ غيره، ويعترفَ بأخطاءِ تاريخه مثلما يفضحُ أخطاءَ تاريخِ غيره، لكنّ سطوةَ الأيديولوجيا أشدُّ من الأخلاق، لذلك تنهزمُ الأخلاقُ عندما يعلو صوتُ الأيديولوجيا، فيرضخ الأيديولوجي لما يفرضه عليه المعتقدُ من مواقف، وإن كانت تلك المواقفُ على الضدِّ من بداهاتِ الأخلاقِ التي يحكمُ بها العقلُ العملي"، وفق الرفاعي.

الله عز وجل، الذي ينشده الناس التواقون إلى الخير والحب والحق والعدل والجمال هو الله الرحيم، الرحمن، البارئ، السلام، العزيز، الرؤوف، العفوّ، التواب، الوالي، المقسط، الجامع، وليس الله الذي يختزله أصحاب الفكر المتعطش للثأر والفيّاض بالكراهية وإقصاء الآخر بأنه المنتقم، القهّار، الجبّار، حيث تغلب الصفات الأولى على الثانية، ما يعني غلبة فطرة الخير على الشر والظلام، وبسبب ذلك نشأت الدراسات التي تتحدث عن "تاريخ تصورات البشر عن الله"؛ بمعنى تاريخ التصورات التي يقدمها المفسرون عن الله، عز وجل، وليس في ذلك أي طعن في الذات الإلهية التي خاطبت البشر في سورة الحج "أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"؟

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: