لماذا انتصر إسلام الخاصّة على إسلام العامّة؟

15048
عدد القراءات

2018-10-09

بالنسبةِ إلى قطاع غير قليل، فإنّ ما توارثناه هو نسختان من الإسلام: إسلام العاديين أو الإسلام الشعبيّ؛ وإسلام العُلماء أو الخواص. الأول؛ أي هو إسلامٌ مليء بالبدع، والانحرافات، يختلطُ فيه الحقّ بالباطل، والثقافة بالدين، والتاريخ بالاستقامة. أمّا الإسلام الثاني، فهو إسلام نقيّ، يصلُ أحياناً إلى حدّ "المعياريّ" والمقوِّم للممارسات.

هذه الفكرة، إذا تتبّعنا جذورها تاريخيّاً، فهي ليست بجديدةٍ بتاتاً، بل كامنة في التصنيفات المتعلّقة برُتب الإسلام، ومقاماته ومستوياته على مستوى النّظر والعمل سواء.

المؤسسات التي تنتشر في فضائنا الإسلامي ليست على تلك البراءة النظريّة والعمليّة التي تقدّمها للناس

في الحقيقةِ، فإنني مرتاب دائماً من فكرة تصنيف النّاس إلى عوامّ وخواصّ، وهذه هي الفكرة التي سيطرت، ليس على العقل الكلاميّ فحسب، بل على العقل الفلسفيّ العربيّ أيضاً. فإذا رجعنا إلى ابن رشد في كتابه "فصل المقال" مثلاً، فإننا سنجدُ أنّه قد قسّم فهم الإيمان إلى ثلاثة مستويات: البرهان والجدل والعوام. وكما يوضّح محمد المصباحي في كتابه "الذات في الفكر العربيّ الإسلاميّ"، فإنّ حلّ مشكل الشريعة بالنسبة إلى ابن رشد هو في تحديد التأويل؛ أي في "وضع حدود" لفعل تأويل الشريعة نفسه: بحيث يكون أهل البرهان هم الأحقّ بالفهم الأنسب، وأهل الجدل، أي المتكلّمة، هم من يعرفون شيئاً وتغيبُ عنهم أشياء، أمّا العوام، المنبوذون دائماً، فلا بدّ وأن تتُوارى عنهم "حقائق" أهل البراهان.

اقرأ أيضاً: ما مصير المؤسسات الدينية مستقبلاً؟

على الرغم من التمسك بفكرة أنّ الإسلام دينٌ مشاعيّ، إلّا أنّ ما حصلَ تاريخياً وتراكمَ هو بالفعل إبكام من نسمّيهم العوام، وردّهم إلى شكلٍ من أشكال المعياريّة الصوابيّة. نظرياً، ما يُقال هو أنّ الإسلام حقائقه واضحة وبسيطة ويمكن للجميع تقاسمها، حتى وإن اختلفوا في تحصيلها، حسب شروطهم الرّوحيّة والاجتماعيّة والتربويّة. لكنّ الإيمان بتفاوت الوصول للحقيقة لا يعني خصوصيّتها أو احتجابها، بقدر ما أنّ الحقيقة الإسلاميّة نفسها تتكشف على نواحٍ مختلفة. ولا يعني هذا بطبيعة الحال أنّ الخواص لديهم من الحقيقة ما لا يعرفه العوامّ، أو أنّ هناك إيماناً "عامّياً" وإيماناً أرقى منه. أعتقد أنّ هذه الفكرة أنتجت كوارث تراتبيّة على مستوى تاريخنا الداخليّ، بحيث نُبذَ إسلامُ العامّة (بكلّ تقاليده الحيّة، خطابيّة كانت أم روحيّة) لصالح إسلام الخاصّة، من فلاسفة ومتكلّمين (الذين هم مختلفون قطعاً، ولكنّهم يعدّون إيمان العامة أدنى درجة من الناحية المعرفيّة والرّوحيّة).

فكرة التماهي مع مؤسسة ما لحماية أفكار أو الترويج لها كانت مقبولة عموماً لأن لسيف السلطان قوّة أكبر من سيف الإقناع

ولذلك، أتصوّر أنّ المذاهب الكلاميّة لم تكن مجرّد "كلام في العقيدة" يُلقى على عواهنه، بل إنّها كانت تسعى دوماً للتماهي مع سلطة سياسيّة معيّنة لفرض تصورها "الحقّ" على الإيمانات الأخرى الموجودة، لا سيّما إيمانات الناس الذين هم يمارسون الإسلامَ خطابياً بصورة أبعد ما تكون عن التجريديّ والنّظريّ، بل كأفق للحياة وكنظام للمعنى يشكّل الأخلاقيّ لديهم دون بلورة أو تحديد.

اقرأ أيضاً: مأزق المؤسسات الدينية في مواجهة الظاهرة الجهادية

إنّ فكرة التماهي مع مؤسسة ما لحماية أفكار أو الترويج لها كانت مقبولة عموماً؛ لأن لسيف السلطان قوّة أكبر من سيف الإقناع بالطّبع. وعليه، رغم الأصول الحديثة لمأسسة الإسلام حديثاً في هيئة مؤسسات، ومأسسة "المدارس الإسلاميّة" كالأزهر مثلاً، لتكون مؤسّسة متماهية مع بنية القوميّ والسياسيّ هي آتية من فكرة الحفاظ على نمط معين من الإيمان المطلوب. بل إنّ الأمر وصل إلى حدّ أنّ كثيرين لم يعودوا يتخيلون الإسلام بلا مؤسسة، وبلا "ناطق رسميّ" عنه، وكأنّها فكرة من صلب الإسلام نفسه.

المؤسسة الدينيّة الحديثة و"الحاجة إلى الدولة"

لا بدّ من إثارة نقاش حيوي ومفتوح بلا سقف حول البداهات التي تثوي حول "المؤسسات الدينية" في عالمنا الإسلامي، فإنّ جزءاً لا يستهان به يتعلّق أساساً بتفكيك هذه البداهات وإعادة ربطها بأصولها التي نشأت منها، حتى لا يمتلك هذا الموضوع أيّه سلطة مبدئيّة على عقل دارسه. وعلينا، أيضاً، أن نبدي عزاءً مناسباً لهؤلاء الذين اخترقتهم منظومة المؤسّسة، حتى صاروا غير قادرين على تصوّر الإسلام خارج هذه المؤسّسة. ولا تقتصر المؤسّسة هنا على ما تطلقه الدولة عليها من هذه الصفة: كالأزهر، وهيئة كبار العلماء... بل تشمل كذلك الجماعات الدعويّة في المجتمع، والتي يظنّ هؤلاء بحتميّة توفّرها كحارسة رمزية لسقف الملّة. ما "المؤسسة الدينيّة"؟ وما هذه السلطة التي اتخذتها مجتمعيًّا حتى غدا النّاس لا يتصوّرون الإسلام إلّا داخل هذه المؤسّسة أو تلك؟

اقرأ أيضاً: تعثر مسار تنقية كتب التراث الإسلامي وأزمة المؤسسات الدينية

حقيقةً، إنّ تلك المؤسسات التي تنتشر في فضائنا الإسلامي ليست على تلك البراءة النظريّة والعمليّة التي تقدّمها للناس أو يتصورها النّاس عنها، بل هي مؤسّسات مُخترقة سلطويًّا، وبنيتها من الداخل بنية هرميّة، تريد تأطيراً للمجتمع الذي تعمل فيه، من خلال تقديم إسلام "رسمي" مُعترف به من قبل الدولة الحاكمة، وقراءة معيّنة للإسلام تريد أن ينقاد الجميع لها؛ حتى لا تكون هناك قراءات منافسة على الساحة الرسميّة للدولة من جهة، وحتى تكون قادرة على الاعتراف بشرعيّة ماديّة من قبل الدولة بجوار شرعيتها الرمزّية بوصفها مؤسسات تنتج خطابات علميّة إسلاميّة. فالمؤسسات الدينيّة تسعى إلى صناعة إسلام "رسمي"، وما يخرج عليه فهو مُهدر، ومستباح، ويمكن للدولة أن تتخلّص منه بوصفه خارجيًّا. والمتأمّل يجد أنها، حقيقةً، لا تصدّر إسلاماً بقدر ما تصدّر قراءة تريد حمْل الجميع إليها، وأيّة قراءة منافسة هي قراءة غير معترف بها من قبل تلك المؤسسات ومن قبل الدولة على السواء.

فهم تلك المؤسسات الدينية ينبغي أن يكون من خلال ربطها بالدولة العربية الحديثة بالأساس

وعلينا أن نسأل هاهنا وبجرأة: لماذا لا تكتفي هذه المؤسسات الدينيّة بشرعيتها التاريخيّة-السّنديّة، وتلجأ دائماً إلى قوة ماديّة، قوّة الدولة لتكتسب شرعيّة؟ بعض تلك المؤسسات بالطّبع لها مشروعيّة تاريخيّة كبيرة؛ كالأزهر مثلاً، وهذه الشرعيّة التاريخيّة هي ما ساعدت على استمرارها وصمودها التاريخي لتنتشر هذا الانتشار. إلّا أنّ ثمّة علاقة خفيّة نريد تحليلها وتفهمها هاهنا، وهي تحوّل تلك المؤسّسة إلى مؤسّسة "رسميّة"، وتبلور ذلك كمفهوم تاريخي، واعتمادها من قبل الدولة. فإنّ مؤسّسة كمؤسّسة الأزهر مثلاً لم تكن في القديم سوى مدرسة ضمن مدارس "علميّة" موجودة في الفضاء الإسلامي، فلماذا تحولّت إلى مؤسسة رسميّة لها ثِقل تاريخي ورمزي في آن؟

اقرأ أيضاً: المؤسسات الدينية وتجديد الخطاب: ارتباك وتوجس أم جدية في التغيير؟

وللإجابة على ذلك لا بدّ أن نرجع إلى طبيعة الدولة العربية الحديثة. لكنّنا لا بدّ أيضاً أن نؤكّد على دولتنا العربية التي نعيشها اليوم هي دولة سلطانيّة قديمة ولكن بشكل حديث ليس إلّا، وتلك "الحداثة" التي ننسبها إليها هي حداثة شكليّة من حيث طبيعة العلاقات التنظيميّة داخل تلك الدولة. أقول، إنّ طبيعة تلك الدولة هي طبيعة سلطويّة بالأساس، مع تبلورها وتشكّلها كان لازماً عليها أن تعيد مأسسة المجتمع من جديد والقوى التي تعمل داخل ذلك المجتمع بناءً على إستراتيجيتين: إستراتيجيّة الاحتواء؛ أي تلجأ الدولة إلى احتواء تلك القوى المجتمعية وتطويعها، واستعمار عالم الحياة، إذا استعرنا من هابرماس؛ واستراتيجيّة النبذ؛ أي تلجأ الدولة إلى نبذ أيّ قوى مجتمعيّة وتهميشها أو قتلها. ولأنّ الدولة واعية بذاتها وبسلطويتها، فإنّها تعرف القوى الرمزيّة والمؤثّرة في المجتمع المتمثّلة في المدارس العلميّة الشرعية مثلاً، ولا بدّ أن تطوّع مدرسةً ما وتعتمدها من قبلها؛ بناءً على شرعيّة تلك المدرسة التاريخيّة، ومقدرتها على التغلغل الاجتماعي. إنّ الدولة الحديثة عامّة لا تعترف بغير المؤسّسي، وأيّة سلطات منافسة لها مجتمعيًّا تحتويها.

مأسسة الدين من قبل الدولة جعلت هذه المؤسسات الدينية تنحّي الأمّة وترى قصورها النظري والعملي

ما أريد أن أؤكّد عليه، هو أنّ فهم تلك المؤسسات الدينية ينبغي أن يكون من خلال ربطها بالدولة العربية الحديثة بالأساس؛ لأنّها نتاج حداثي تماماً أنتجته الدولة، كي تهيمن على الدين وتؤطّره بقراءة ما توظّفها لصالحها.

وإنّ هذه المأسسة التي اتخذتها الدولة للدين بحصره في هيئة رسميّة أو أزهر ما أو وهابيّة أو أشعرية، هي التي أنتجت الأدلجة الحالية للدين، وجعلت من الدين ضدًّا للدين ذاته؛ بحيث أصبحت المؤسسة الدينية مجرّد مشرّع للحاكم المستبد والسلطوي، وتجد له تخريجات داخل الدين وتصدّر ذلك للمجتمع بوصفه الإسلام النقي ومن لا يتبعه فهو مباح الدّم. أي أصبحت تلك المؤسسات تمتلك "سيادة" استمدتها من "سيادة" الدولة الحديثة، ولكنّها سيادة مضاعفة لأنّها ترى نفسها مجسّدة الإسلام، فتطابِق بينها وبين الإسلام. لذا؛ علينا أن نفهم مصطلح "الخوارج" فيما هو أبعد من مجرد دلالته التاريخيّة على فرقة إسلاميّة، بل الخارجي في عُرف تلك المؤسسات هو الخارج على القراءة التي تقدّمها للإسلام، وهو الذي يناهض السّلطة -حتى ولو من منطلق إسلامي أصيل- ويدعو إلى انتداب الأمّة لمهمّتها التي سرقتها منها الدولة على حين التباس تاريخي لم نكن واعين به.

اقرأ أيضاً: أولى خطوات التنوير تبدأ بهزيمة المؤسسات الناقلة للتطرف

وثّمة نقطةٌ هامّة، وهي أنّ مأسسة الدين من قبل الدولة، جعلت هذه المؤسسات الدينية تنحّي الأمّة، وترى قصورها النظري والعملي؛ أي إن المؤسسة الدينية لديها تصورات جاهزة عن الأمّة بالأساس: فهي تضع نفسها مكان الوصيّ الرسمي على النّاس، لذلك هي لا تحاوِر الأمّة، وتدعوها، بل تريد أن تفرضَ عليه -بالقانون- تصوّرات معينة للإسلام وللسلطة وللعلاقات المجتمعية ولنمط حياتهم. وهي مشكلة تتعلّق بالنّخب العربية عامة، إسلاميّة وغير إسلاميّة، تلك النخب التي تنظر إلى الأمّة بوصفها جاهلة، وفي مقابل ذلك تطرح نفسها كمخلّصة وتنويرية وهادية للأمّة. هل تعترف النخب الإسلامية وغير الإسلاميّة بالأمّة وبحقّ وجودها ونمطها في التداول السياسي؟ يبدو أن إيماننا -تاريخيًّا- يزداد ويصدّق على عكس ذلك؛ يصدّق على أنّها نخب فاشيّة في أغلبها، تريد إنتاج منظومات سلطويّة تهيمن على الأمّة، وتبتغي تغيير محلّ القوى لا أكثر، دون إيمان عميق ومعترف به نظريًّا وعمليًّا بحقّ الأمّة وبدورها الأساسي في المنظومة الدينيّة والثقافيّة والسياسيّة.

وكما أشرتُ، فإنّني أرى أنّ هناك فكرة متأصّلة عن مأسسة الإسلام، والتاريخ يعيدها بأشكال مختلفة. في حين أنّ إسلام الناس "العاديّ" يُهمَل نظراً لالتزامات الانضباط المؤسساتيّة. وفضلاً عن أنّ إسلام الناس غنيّ ومتنوّع وزاخر بممارسات تنزع التجريد عنه، وتجعله حيّاً دائماً (كما هو المطلب الإسلاميّ أصلاً)، فإنه أيضاً يتكيّف بصورة أكبر من إسلام الخاصّة مع الشروط التي يُوضَع، ويُموضَع، فيها. وبينما مالت سلطة العلماء لأن تكون عاملةً دائماً على تجنيس الإيمان واحداً، فإنها كان عليها، وفق ما أرى، أن تحرس هذا التعدّد الخطابيّ والممارسيّ لأناس الإسلام.

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟

2019-07-16

يعتكفون في مساجدهم لطلب العلم الشرعي، يتمدّدون تحت أعين الأنظمة، ينهمكون بحماس لافت في أنشطتهم الاجتماعية والدعوية، عبر مؤسسات تحظى عادة بشرعية قانونية، عمر بعضها يتجاوز القرن من الزمن، يتابعون هزائم الإخوان والجهاديين، بتعاطف أحياناً وشماتة أحياناً أخرى.

تحدّثهم أنفسهم بأنّهم وحدهم من تفوق على الأنظمة السياسية والحركات

تحدّثهم أنفسهم بأنّهم وحدهم من تفوق على الأنظمة السياسية والحركات، والتيار الذي استطاع أن يعيش ويتمدّد ويبقى، ليقدّم الأرضية العقدية والفكرية، حتى لمن فشل من الإخوان والجهاديين؛ فهل يعود شعورهم بالتفوق فقط إلى نجاتهم من سخط المجتمعات والأنظمة وتجنّبهم السقوط في مستنقع السياسة أو مصير شركائهم؟
لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟ لا شكّ في أنّ الإجابة تبدو مركّبة، وأكثر تعقيداً مما يعتقد كثيرون، لكن أيضاً قد تكون البساطة والوضوح في السلفية سببين مهمّين لجاذبيتها، رغم ارتباطها في الأغلب بانتهاكات تبدو  مستوعبة اجتماعياً للحقوق والحريات، سواء في قمع النساء أو السيطرة الاجتماعية الحادة، عبر الفهم المتطرف لمفهوم الحسبة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنّ تلك الجاذبية لها وجه آخر، خاصة لدى الشباب، خاصة الذين يشعرون بالتهميش، أو المسحوقين تحت مطارق العيش، أو المهاجرين، أو المقموعين سياسياً، والذين يجدون في السلفية الفرقة الناجية التي تمتلك الحقيقة المطلقة التي تؤمّن دائرة الراحة الفورية وسط هذا التّيه.

اقرأ أيضاً: هل نشأت السلفية في مصر لمواجهة الاستعمار والتغريب؟
يبدو السلفيون عادةً قادرين على منازعة أيّة سلطة سائدة؛ سواء سلطة الأسرة، أو الأب، أو النخب، أو الدولة، أو القيم الثقافية الشائعة، إضافة إلى رفض الذوبان في العولمة بالتشديد على النقاء العقدي، وكما يقول محمد علي أدراوي، في كتابه عن السلفية في فرنسا: "تكمن القوة الأساسية للسلفية في مقدرتها على أن تقول نحن أفضل منكم".
نجد أبعاد هذا الشعور بالتفوق في ستّ محددات في السلفية:

تتميز السلفية أنّها ليست ثورية على نحو صريح فلا تتحدى أيّة حالة راهنة تحدياً مباشراً

1- أنّها ليست ثورية على نحو صريح؛ أي إنّها لا تتحدى أيّة حالة راهنة تحدياً مباشراً، بزعمها القدرة على قلب الأوضاع، عبر تبنّي أيديولوجية وافدة، كالماركسية مثلاً؛ بل هي تزعم أنّها تبني نظاماً أخلاقياً مثالياً لتطهير البنى الموجودة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، وهي مثل كثير من الحركات الإصلاحية الأخرى، محطمة للتماثيل الدينية، أو تقاليد الوثنية، باسم المحافظة.
2- هي أيضاً تستمد تمكينها من زعمها بالتفوق الفكري في المعرفة، أو ما يسمى في أدبياتها "العلم الشرعي"، الذي يُختزَل عادة في الفهم الخاص للتفسير والحديث، والالتحاق بالفرقة الناجية عندهم لا يعني الحصول على مرتبة التفوق الأخلاقي على الآخرين فقط؛ لكن يعني أيضاً اكتساب معرفة أعلى بالإسلام، وهي المعرفة التي يظنون أنّ على كلّ مسلم أن يمتلكها، وزيادة على ما تقدم؛ القدرة على الوصول المباشر إلى النصّ، الذي يجعل المرء قادراً على تحدّي المؤسسات الدينية الرسمية، التي تستند عادة إلى الفقه بمذاهبه المعروفة، إضافة إلى النسخة الشعبية السائدة للإسلام، وكلاهما مرتبطان بهيكل السلطة المهيمنة، أو الثقافة السائدة.

اقرأ أيضاً: كيف تسلّلت الدعوة السلفية إلى حزب النور؟
3- تزوّد السلفية أتباعها بهوية قوية، تترك في نفوسهم شعوراً بالأمان، في مواجهة رياح العولمة والتغريب العاصفة، فهم بارزون ومتمايزون؛ كونهم مختلفين في المظهر (اللحية، والثوب القصير للرجال، والنقاب للنساء)، ويبدو السلفيون الجدد -كما يرى أوليفييه روا- مهووسين بالحدود.

اقرأ أيضاً: إخوان العتيبي.. تاريخ الجماعة السلفية المحتسبة في السعودية
4- تسمح السلفية لأتباعها أن يتماهوا بسهولة أكثر بكثير مع الأمة الواسعة، وهو الأمر الذي يعزز ادعاءاتها، وهذا على النقيض من الإخوان الموجهين توجيهاً سياسياً بشكل أكبر منه اجتماعياً.
5- السلفية فاعلة نشيطة، في الوقت الذي تبدو فيه لدى المراقب ساكنة مستكينة، فهي تستحثّ أتباعها طوال الوقت، عن طريق التحفيز والتلقين المستمرين، عبر حلقات ما يسمى "العلم الشرعي"، والدعوة إلى المشاركة بفعالية في الرسالة السلفية، ونشر أفكارها؛ فهي تمتلك وظيفة اجتماعية نشطة، لا من باب إظهار تفوق المرء فقط، ولكن لإظهار وممارسة هذا التفوق أيضاً في المجال العام والخاص، باستخدام الولاء والبراء، أو بتعبير أقوى حتى مما سبق؛ عن طريق المشاركة في الجهاد، عند السلفية الجهادية.

اقرأ أيضاً: إخوان العتيبي.. تاريخ الجماعة السلفية المحتسبة في السعودية
6- السلفية، مثل كلّ الحركات الدينية، وعلى النقيض من الأيديولوجيات السياسية، تمتلك خبرة هائلة من الغموض والمرونة، مع أنّها تدّعي الوضوح والصلابة في عقيدتها؛ فهي رغم صراعها من أجل النقاء في الممارسة، طيّعة وقابلة للتشكّل، ويسمح غموضها للموالين لها بأن يكونوا من الناحية السياسية مساندين للأنظمة، وأن يقوموا أيضاً برفضها في آن واحد.

تسمح السلفية لأتباعها بالتماهي بسهولة مع المحيط خلافاً للإخوان الموجهين سياسياً أكثر منه اجتماعياً

تبدو كلّ تلك الخصائص دوافع في البنية السلفية، تدفع أصحابها للشعور بالتفوق على كلّ شركاء الحالة المتطرفة؛ حيث يبدو التيار السلفي، سواء في مشايخه أو أحزابه، مثالاً حيّاً لتلك الخصائص، التي جعلتهم حتى الآن في منعة من عداء الأنظمة، التي استخدمت بعضهم في ترسيخ سلّم اجتماعي، والتقاط الأنفاس في ظلّ المواجهة المستعرة بين الأنظمة والمجتمعات من جهة، والإخوان والجهاديين من جهة أخرى، ويبقى السؤال: هل تبقى الحركات السلفية بمأمن من غضب الحكومات والمجتمعات طويلاً، أم ستدرك المجتمعات والحكومات معاً أنّ من قدّم البنية المعرفية والتربوية لعناصر الإخوان والجهاديين في الحقيقة، كانت هي الحركات السلفية التي لا يخفي أيّ من قيادات الإرهاب دورها في تنشئته وإعداده لدوره هذا، أو الطريق الذي اختاره لحياته؟ بمعنى آخر؛ بعد الفشل الواضح للإخوان والجهاديين هل حانت ساعة السلفيين؟!

للمشاركة:

أفكارنا الدينية.. من أين تأتي؟ وما حدود الخطأ والصواب؟

2019-07-15

"يجب أن تكون الإجابات موجودة حتى لو عجزنا عن معرفتها.. وإلا فإنّ الأسئلة تكون غير أصيلة"

أشعيا برلين

تتحول التجربة الدينية بعد لحظة الإيمان والتصديق إلى توقعات إنسانية، فلا يمكن ممارسة الدين من غير توقعات، وهذه التوقعات هي بطبيعة الحال مستمدة من الإنسان نفسه، ولا تهبط عليه من خارجه، ولا يملك المؤمن سوى أن ينشئ تديّنه مستمداً من الحقيقة التي أدركها، وكما يقول نورثروب فراي "مركز الحقيقة حيث يتصادف أن يكون المرء، ومحيطها ما يدركه خيال المرء".

تتحول التجربة الدينية بعد لحظة الإيمان والتصديق إلى توقعات إنسانية فلا يمكن ممارسة الدين من غير توقعات

وهكذا أيضاً فإنّ الدين حين يتجاوز الفرد في علاقته الحصرية بالمقدس، يتحول إلى تديّن أو خطاب ديني لا يمكن وصفه بأنّه "مقدس ديني" وإن كان مستمداً من الدين، ففي التدين يعالج المؤمن النص الديني متحرّياً بأدواته الإنسانية ما يريده الله تعالى، تقول كارين آرمسترونغ: "الدين والفن يرتبطان ببعضهما، فالفن والدين كلاهما يحاولان استخلاص معنى أقصى من هذه الدنيا المعيبة الغاصة بالكوارث، وإن كان الدين يختلف عن الفن لأنه لا بد أن يتخذ بعداً أخلاقياً، وربما كان من الممكن وصف الدين بأنّه شرعة جمالية أخلاقية، فتجربة الإحساس بالقداسة أو الكيان المتعالي لا تكفي، بل يجب بعد ذلك تجسيد تلك التجربة في سلوكنا تجاه الآخرين". ويظلّ الصواب مقتصراً على وجدان وقلب المؤمن في اعتقاداته وممارساته الفردية، وكذلك المعنى الديني نفسه، وبغير هذه المقولة لن يتقدم الجدل الديني خطوة واحدة، لكن يظلّ في مكانه، يدور حول تأكيد ما هو مؤكد ومتفق عليه، ولا ينشئ ذلك فكرة جديدة.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي

يقال لدينا الكتاب والسنّة لن نضل ما تمسكنا بهما... ولكن الخلاف هو في فهم الكتاب والسنّة وتطبيقهما، وفي ذلك يقال هناك المحكم والمتشابه، ولكن الله تعالى لم يقل لنا ما المحكم والمتشابه، ويقال العلماء والمجتهدون يوضحون المعنى والمحكم والمتشابه، ولكن من هو العالم؟ هو من يتبعه الناس ويثقون به، أو تعينه السلطة، المفتي أو وزير الأوقاف أو المعلم أو الداعية بمن هم موظفو السلطة وأساتذة التعليم الديني في المدارس والجامعات والمفتون والقضاة، العالم لا يعرف إلا بثقة الناس أو بقرار سلطوي، وقد تكون السلطة بيد ضابط في الجيش أو حاكم عائلي (ملك أو أمير أو سلطان) أو مواطن منتخب، وفي المحصلة فإنّ من يحدد من هو العالم ومن ثم  المعنى الديني ومراد الله تعالى وتأويل وتفسير الآيات الكريمة والأحاديث النبوية وما المحكم والمتشابه وما الصحيح أو الخطأ واحد من ثلاث فئات: العسكري، أو زعيم عائلة حاكمة، أو المواطن العادي بما هو ناخب أو متّبَع أو ثقة، وفي الحالات الثلاث لا يمكن لأحد أن يجزم بالصواب والخطأ ولا أن يعرف من العالم ومن ليس عالماّ، لا نملك في الواقع سوى عدم يقين، ولا يرشدنا في الاختيار سوى عدم اليقين، والحال أنّ الصواب هو عدم اليقين.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار
لن يكون فعل ما خطأً أو حراماً حتى لو حرّمه الدين أو القانون أو الثقافة السائدة حتى تراه الذات بما هي فرد مستقل مفكر ومسؤول خطأ أو حراماً، قد تلتزم القانون أو الدين أو الثقافة السائدة، ولكن ذلك لا يعني أنك تعتقده خطأ أو حراماً، فالالتزام غير الاعتقاد، ولا يحدد الاعتقاد أو يقرره أو ينفيه سواك، ولا يمكن إجبارك عليه ولا منعك عنه.

الدين حين يتجاوز الفرد في علاقته الحصرية بالمقدس يتحول لتديّن أو خطاب ديني لا يمكن وصفه بأنّه مقدس ديني

وبالطبع فإنّ الصواب قائم بذاته، ولا يغير فيه حجة أو دليل، وما نفعله ليس سوى إدراك الصواب أو محاولة الاقتراب منه، لكن سيظل هناك فرق بين الصواب الحقيقي وبين إدراكنا، حتى عندما يكون إدراكنا للصواب مطابقاً له، فإنّ فرقاً مستمداً من الشك وعدم اليقين يظل قائماً في اعتقادنا وأفكارنا، وعلى نحو عملي وتطبيقي فإنّ الصواب غير موجود، ما هو موجود بالفعل هو الحجة والخيال والمشاعر والاعتقادات التي لا نعلم إن كانت صواباً أم لا.

فإذا كان ثمة صواب فهو صواب لا يغير فيه أحد، وكيف يكون صواباً إذا كان متغيراً أو مستمداً من الحجة والبرهان القاصرين حتماً والمتغيرين؟ الصواب إذن هو الفكرة القادرة على البقاء والمواجهة حتى نثبت خطأها، وفي المحصلة فإنّ الصواب هو ما نظنه صواباً، إنه ليس أيقونة نقصدها أو نلجأ إليها أو نحميها، لكنه سراب نتبعه، نمضي حياتنا نبحث عنه، ولا نجده أو لا نصل إليه، أو لا نعلم إن كنّا وجدناه أو وصلنا إليه، لكننا ربما نقترب منه، أو على الأقل نحاول ذلك بصدق. ولا نملك سوى الصدق! "قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم" (المائدة 119).

اقرأ أيضاً: إشكالية العلاقة بين السلطة والمعرفة في التاريخ الإسلامي
إنّ السلوك الدعوي والفقهي الغالب الذي يعكس شعوراً بامتلاك الحقيقة لدرجة الوصاية على الله تعالى، أو احتكار الحق، ليس من الدين في شيء، وليس سوى وهم أو تسلط على الناس، واعتداء على الدين، لا بأس أن تعتقد أنّ الله تعالى طلب من الناس أشياء ونهاهم عن أخرى، ولكنك لا تملك وصاية على هذه الرسالة، الناس يطلعون مثلك على المصادر وإذا احتاجوا إليك يسألونك ويقصدونك.

للمشاركة:

نصر حامد أبو زيد كما عرفته

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
2019-07-15

مع ذكرى رحيل المفكر المصري نصر حامد أبو زيد التي صادفت الخامس من تموز (يوليو) 2010، عادت بي الذاكرة إلى نيسان (إبريل) 1995 حين شكّل قسم الفلسفة بجامعتي لجنة لمناقشة أطروحتي للماجستير عن (إشكالية التراث في الفكر العربي المعاصر.. دراسة مقارنة بين حسن حنفي ومحمد عابد الجابري)، ولكم سعدت عندما علمت أنّ أبو زيد هو عضو تحكيم الرسالة، فقد كنت مفتوناً به حتى أنّي قرأت كل كتبه، وحتى المقالات التي كان يكتبها في مجلة القاهرة مع غالي شكري، وما سطّره في مجلة (ألف) التي تصدرها الجامعة الأمريكية.

حدثتني عن محنته في أيامه الأخيرة بمصر وخذلانه من كبار رموز الثقافة في بلده ما بين تراجع ومراوغة

اتصلت به لأوصل إليه نسخة من الرسالة في مكتبه بقسم اللغة العربية، يومها وجدت عنده المحامي عبد الرؤوف النويهي وقد أحضر له نسخة من كتاب (نحو ثورة في الفكر الديني) للدكتور محمد النويهي، وأهداني نصر يومها كتابه (التفكير في زمن التكفير) وجلست لأستمع منه عن أزمة ترقيته للأستاذية، وما جرى بينه وبين عبد الصبور شاهين، وفي كلامه ألم وحسرة تجاه المقربين الذين خذلوه في بداية محنته.. كنت أستمع أكثر مني مشاركاً في الحوار، واستأذنت منه للعودة إلى طنطا مجدداً، وكان ذلك لقائي الأول به.

اقرأ أيضاً: نصر أبو زيد مشتبكاً مع ابن عربي: تصالح العقل والتصوف

وحدث ما لم يكن في الحسبان حيث أصدرت المحكمة حكمها بالتفريق بين نصر وزوجته في الدعوى التي أقامها الشيخ يوسف البدري، وهنا  فرضت الدولة لنصر أبو زيد حراسة خاصة ترافقه خشية على حياته، وبعد مرور شهر من صدور الحكم أبلغني أستاذي المشرف أنّ الجامعة لا تريد حضوره للمناقشة خشية تعرّضه للأذى، وكلّفني أن أحضر منه اعتذاراً حتى يتم تشكيل لجنة جديدة.

ولفرط سذاجتي هاتفته عارضاً عليه ما كُلّفت به دون أن أنتبه إلى ما وُرّطت به، فإذا به ينفجر بي "يا بني كان أولى بأستاذك أو جامعتك أن تقوم هي بمهاتفتي، بلغ أستاذك وجامعتك أن نصر أبو زيد ليس جباناً، وأنا لن أقدم اعتذاراً عن المناقشة، وسوف أحضر متى اتفقنا على تحديد الموعد".

شعرت بالذنب، وقلت له وأنا يا دكتور بدوري مصمم على أن تناقشني، وحين تحدثت مع مشرفي عما دار بيننا، قال لي عليك بالذهاب إلى نائب رئيس الجامعة للدراسات الدكتور عبد التواب اليماني لعرض الأمر عليه، وفعلت لكنه أصر على عدم حضور نصر مؤثراً السلامة، وأبلغني أن علي الانتظار ثلاثة أشهر، وحينها يسقط تشكيل لجنة المناقشة حُكماً، وتشكَّل لجنة جديدة، يومها شعرت بالاحترام والتقدير تجاه نصر أبوزيد الذي يقف وحيداً شجاعاً في مواجهة تيارات الجمود والتحجر داخل الجامعة وخارجها.. بعدها سافر الرجل إلى هولندا، وناقشت الرسالة بعد اختيار الدكتور حامد طاهر عميد كلية دار العلوم مكانه في اللجنة.

اقرأ أيضاً: نصر حامد أبو زيد غرّد خارج السرب فأزهرت كلماته ومات غريباً

بعد مرور تسع سنوات؛ أي في العام 2004، عاد أبو زيد إلى مصر بدعوة من حسن حنفي لحضور مؤتمر الجمعية الفلسفية، وكانت أيامه الأخيرة تعقد في المعهد السويدي بالإسكندرية، فلم أفوّت الفرصة، وقضيت معهم يوماً جميلاً وأهديت نصر كتابي الجديد وقتها عن الشيخ أمين الخولي.

بعد مرور عام، فوجئت به يبحث عني من خلال الدكتورة مني النموري قريبته وزميلتي بالكلية، وذلك لأنّه رشحني للسفر معه إلى دمشق في مؤتمر نظمه المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى عن الإمام محمد عبده، بمناسبة مرور مئة عام على رحيله، وكان ذلك في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2005، وهناك كان اكتشافي لنصر أبو زيد الإنسان والمفكر حيث أُتيح لي أن أجلس معه فترات طويلة، وأشاهده عن قرب.

آنذاك، صادفت باحثين من مختلف أرجاء العالم قد جاؤوا  للقائه في دمشق؛ من إيران والسعودية وباكستان، ومن إندونيسيا.. كنت أجلس وأستمع وأتعلم، وأرى مدى حب الناس وتقديرهم لهذا العلاّمة الكبير، ثم سافرنا من دمشق إلى حلب بالحافلة التي منحتني ست ساعات أخرى لأجلس بجواره وأتناقش معه في مختلف قضايا الفكر.

مرت الساعات دون أن أشعر، وفي الصباح وجدت نفسي في المؤتمر أمام جيل من المستشرقين الأجانب وباحثين من كافة أرجاء العالم، وتملّكتني الرهبة من تقديم ورقتي في جلستي التي يديرها نصر أبوزيد، ولم يهدأ لي بال حتى سألته إن كنت عند حسن ظنه بي، ولم أتمالك نفسي حين أبلغني أن ورقتي كانت الأفضل في الجلسة!

رحل أبوزيد في نفس العام الذي رحل فيه أركون والجابري لتتساقط أوراق مركزية في ثقافتنا العربية

في الصباح التالي تجاذبنا أطراف الحديث، فقلت له إنّي أشعر بالحسرة والألم بعد أن شاهدت الشباب الباحثين من المستشرقين الأجانب وحتى الطلاب العرب الذين يتعلمون بالخارج، وكل واحد منهم يجيد بدل اللغة ثلاثاً أو أكثر، ويعرفون عن تاريخ بلادي أكثر مما أعرف، فرد علي بأريحية وقال: "يا أحمد لا تقسُ على نفسك، أنت ابن واقع وثقافة ونظام مختلف عن واقعهم ونظامهم وثقافتهم، أي واحد من هؤلاء الشباب لو طلب أي مهمة لتعلم اللغة العربية، جامعته ستعطيه منحة لهذا الهدف في مصر أو أي دولة عربية.. يا بني أنا كنت موظف لاسلكي، حفرت لكي أبني نفسي، المهم أن تكون صادقاً مع نفسك، وراغباً في التعلم المستمر".

اقرأ أيضاً: بعد ربع قرن على مناظرة أبو زيد وعمارة.. هل اختلف خطاب الإسلامويين؟

في المساء ذهبت إليه في غرفته بفندق اسمه (ديوان رسمي)، وهو عبارة عن بيت الوالي في حلب القديمة، كانت غرفة نصر هي غرفة الوالي نفسه، دهشت من مستوى العمارة وتفاصيل الزخارف فيها، فقلت له لا بد أن أصورك لقطات تذكارية في هذا الجناح، وأمسكت الكاميرا، وأخذت أصوّره بالغرفة، وهو يضحك كالطفل، كان بطبعه الإنساني بسيطاً جداً، ولكنه فائق في ذوقه وأناقته.

حكى في تلك الليلة محنته في أيامه الأخيرة بمصر، وخذلانه من كبار رموز الثقافة في بلده، ما بين تراجع ومراوغة في المواقف، كان نصر يملك من الشجاعة في المواجهة ما عجز عنه أساتذته وزملاؤه، كان يحكي بأسى وحزن بأنّه كان يرغب في الزرع داخل وطنه، وأن يؤدي رسالته في جامعته، ولم يكن من الرحيل بدّ حفاظاً على حياته.

اللقاء التالي كان في شهر نيسان (إبريل) 2006 عندما عاد إلى مصر حين توفي شقيقه محمد بأزمة قلبية، لكن ظلت المراسلات الإلكترونية مستمرة بيننا، وراجع لي كتابي (نقد الفقهاء لعلم الكلام) ووضع ملاحظاته عليه، وما زلت أحتفظ بها، رحل نصر أبوزيد في 2010 في نفس العام الذي رحل فيه محمد أركون، ومحمد عابد الجابري، لتتساقط أوراق مركزية في ثقافتنا العربية.. رحل نصر الشخص، وبقى نصر الفكرة والأثر والتوجّه.

للمشاركة:



في ظلّ تعنّت إيران.. هل تنقذ أوروبا الاتفاق النووي؟‎

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

قال المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، بهروز كمالوندي، أمس؛ إنّ "طهران ستعود إلى وضع ما قبل الاتفاق النووي الذي أبرمته مع القوى العالمية، إذا لم تفِ الدول الأوروبية بالتزاماتها".

منظمة الطاقة الذرية الإيرانية: طهران ستعود إلى وضع ما قبل الاتفاق النووي

وتقول إيران: إنّ على الدول الأوروبية بذل المزيد لضمان حصولها على المزايا الاقتصادية التي كان يفترض أن تنالها، مقابل فرض قيود على برنامجها النووي، بموجب الاتفاق الذي انسحبت منه واشنطن، العام الماضي.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا"، عن كمالوندي قوله: "سنقلص التزاماتنا بموجب الاتفاق النووي حتى يفي باقي الموقِّعين بتعهداتهم".

من جهته، أكّد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عباس موسوي؛ أنّ بلاده "ستبقى ملتزمة بالاتفاق النووي المبرَم مع القوى الدولية عام 2015، بالقدر نفسه الذي سيلتزم به باقي الموقّعين عليه".

وأضاف موسوي أيضاً، وفق ما ذكرته وكالة "تسنيم" للأنباء؛ أنّ "إيران تتوقع من أوروبا اتخاذ خطوات عملية لتنفيذ الاتفاق".

في المقابل؛ قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني: إنّ "الأطراف الباقية في اتفاق إيران النووي لا تعدّ مخالفات طهران للاتفاق انتهاكات كبيرة، ولم تشر إلى أيّة نية لتفعيل آلية فضّ النزاع بالاتفاق".

موغريني: الاتفاق النووي مع إيران ليس في وضع جيد لكنّه ما يزال حياً

وأضافت في مؤتمر صحفي، بعد اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل: "في الوقت الحالي، لم يشر أيّ من أطراف الاتفاق إلى أنّه ينوي تفعيل هذا البند، وهو ما يعني أنّ لا أحد منهم يعدّ في الوقت الحالي، وفي ظلّ البيانات الحالية التي تلقيناها، سيما من الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ أنّ المخالفات انتهاكات كبيرة"، وفق ما نقلت "سي إن إن".

وأعلنت أنّ "الاتفاق النووي مع إيران، ليس في وضع جيّد، لكنّه ما يزال حياً، ولا يمكن تحديد إن كان في ساعاته الأخيرة".

بدوره، أكّد وزير الخارجية البريطاني، جيريمي هنت، أنّ الوقت ما يزال متاحاً لإنقاذ الاتفاق النووي الإيراني، مضيفاً إلى أنّ بلاده لا تتفق مع الولايات المتحدة، وهي أقرب حلفائها، في طريقة تعاملها مع الأزمة الإيرانية.

وقال هنت للصحفيين، أمس، لدى وصوله إلى اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل: "ما يزال أمام إيران عام على الأقل لإنتاج قنبلة نووية، لكن هناك فرصة ضئيلة لإبقاء الاتفاق على قيد الحياة".

وزير الخارجية البريطاني: ما يزال أمام إيران عام على الأقل لإنتاج قنبلة نووية

وفي السياق نفسه؛ قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لو دريان، اليوم: "يجب على أوروبا أن تظلّ موحّدة في محاولة الحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني"، مضيفاً أنّ "على طهران العدول عن قرارها بعدم الالتزام ببنود في الاتفاق".

وأوضح لو دريان للصحفيين في بروكسل: "يجب على الأوروبيين الحفاظ على وحدتهم في هذه المسألة".

وأضاف أنّ "قرار إيران بتقليص التزامها بالاتفاق، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة العام الماضي، بمثابة "ردّ فعل سيّئ على قرار سيّئ".

 

للمشاركة:

التحالف يصدّ هجوماً إرهابياً جديداً للحوثيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

أسقطت قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، أمس، طائرتيْن مسيّرتيْن أطلقهما الحوثيون من صنعاء باتجاه مدينة خميس مشيط السعودية.

التحالف العربي يسقط طائرتين مسيّرتين أطلقهما الحوثيون باتجاه خميس مشيط

وقال المتحدث الرسمي باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي: "تمكّنت قواتنا، مساء اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرتيْن من دون طيّار (مسيّرتين)، أطلقتهما الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران من صنعاء باتجاه الأعيان المدنية والمدنيين بمدينة خميس مشيط"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء "واس".

وأضاف: "عملية الاعتراض والإسقاط للطائرتين المعاديتيْن نتج عنها سقوط الشظايا والأجزاء بأحد الأحياء السكنية، مما نتج عنه تضرّر أحد المباني السكنية بأضرار طفيفة، وبعض المركبات، دون وجود خسائر بالأرواح".

وبيّن العقيد المالكي؛ أنّ "محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية، المدعومة من إيران، بتعمّد استهداف المدنيين، تعبّر عن إفلاس الميليشيا الإرهابية، ونهجها اللاأخلاقي في مثل هذه الأعمال الإرهابية"، مشيراً إلى أنّ "هذه الهجمات الإرهابية والعدائية المتكررة ممنهجة لاستهداف المدنيين، في مخالفة واضحة وصريحة للقانون الدولي الإنساني، وهو ما يعدّ جريمة حرب."

تضرّر مبنى سكني ومركبات بحي سكني في المدينة إثر سقوط شظايا الطائرات المسيَّرة

وأكّد استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، وتحييد القدرات الحوثية، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

 

للمشاركة:

"دير شبيغل": الخليفي يواجه اتهامات جديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

كشفت مجلة "دير شبيغل" الألمانية ؛ أنّ المالك القطري لنادي باريس سان جيرمان الفرنسي، ناصر الخليفي، "ضلّل المحققين، وانتهك قواعد انتقال اللاعبين".

ووفق الوثائق التي نشرتها المجلة؛ فإنّ الخليفي "أرسل خطاباً لمسؤول قطري كبير، يطلب فيه دفع ٢ مليون يورو لوكيل اللاعب الأرجنتيني خافيير باستوري، الذي انتقل للنادي الفرنسي في صفقة قيمتها ٤٠ مليون يورو، عام ٢٠١١".

وطلب الخليفي أيضاً، بحسب المصدر ذاته، ٢٠٠ ألف دولار تحت بند "نفقات" لشركة قطرية خاصة "Oryx QSI" يديرها شقيق الخليفي.

مجلة "دير شبيغل" الألمانية تكشف بالوثائق انتهاك ناصر الخليفي قواعد انتقال اللاعبين

وتحظر قواعد انتقال اللاعبين دفع رؤساء الأندية أيّة مبالغ مالية لوكلاء اللاعبين، وتنصّ هذه القواعد التي وضعها الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، على أن يدفع مستحقات الوسيط، اللاعب الذي وكّله، أو النادي الذي وكّله فقط.

وأكّد الاتحاد الفرنسي لكرة القدم لـ "دير شبيغل"؛ أنّ ما يتضمّنه خطاب الخليفي للمسؤول القطري، يعدّ مخالفة واضحة لقوانينه وقوانين الاتحاد الدولي".

الخطاب المكتوب باللغة العربية يكشف أيضاً؛ أنّ الخليفي ضلل المحققين الفرنسيين حينما قال، في تحقيق خضع له مؤخراً: إنّه لا يملك سلطة التوقيع على أيّة أوراق رسمية تخص شركة "Oryx QSI"  القطرية، وإنه لم يكن يستطيع طلب، أو صرف، أيّة أموال من الشركة عام ٢٠١١.

وعلقت "دير شبيغل" قائلة: "هذه الاتهامات تعزز الاتهامات التي تطول الخليفي".

ولفتت إلى أنّ "الاتهامات الموجهة للخليفي سيكون لها جانب سياسي؛ لأنها ستقوض المشروع السياسي الذي تستثمر فيه قطر منذ أعوام طويلة، ويهدف لتحسين صورتها دولياً عبر الاستثمار في كرة القدم".

ويواجه الخليفي اتهامات كثيرة بالرشوة، تتعلق باستضافة الدوحة لبطولات رياضية دولية، كأولمبياد 2016 و2020، وكأس العالم لألعاب القوى.

 

 

للمشاركة:



نجيب محفوظ يعود لـ"أولاد حارته"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

فتحية الدخاخني

يطل الأديب العالمي نجيب محفوظ مجدداً على "أولاد حارته" عبر متحف يوثق مسيرته الأدبية بمبنى تكية محمد بك أبو الذهب في حي الأزهر بقلب القاهرة الفاطمية التي ألهمت «أديب نوبل»، عشرات القصص الإبداعية خلدتها أعمال سينمائية مختلفة.

واختارت وزارتا الآثار والثقافة مبنى تكية أبو الذهب لإنشاء متحف محفوظ لقربها من المنزل الذي ولد فيه بحي الجمالية.

بعد نحو 13 عاماً على قرار إنشائه، افتتح الدكتور خالد العناني وزير الآثار المصري، والدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة المصرية، نيابة عن الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، متحف الأديب العالمي نجيب محفوظ، بمبنى تكية أبو الذهب بحي الأزهر، بقلب القاهرة التاريخية، الذي يوثق مسيرة حياة الأديب العالمي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب.

وقالت الدكتورة عبد الدايم إن «افتتاح متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ يعد حدثاً عالمياً مهماً، لأن الأديب الراحل أحد الحاصلين على جائزة نوبل في الآداب»، مشيرة إلى أن «نجيب محفوظ يعد أيقونة مصرية خالدة لفن الرواية».

ويأتي افتتاح المتحف نتيجة للتعاون المشترك بين وزارتي الآثار والثقافة، حيث نفذته وزارة الثقافة في مبنى تكية أبو الذهب الأثري. وأوضح الدكتور جمال مصطفى، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار، أن «اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية وافقت عام 2017 على الطلب المقدم من وزارة الثقافة لاستغلال مبنى التكية كمتحف لنجيب محفوظ، في إطار خطة استغلال المواقع الأثرية في أنشطة ثقافية»، مشيراً إلى أن «اختيار مبنى تكية أبو الذهب يرجع لقربها من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، كما أنه يقع وسط منطقة القاهرة التاريخية، التي استوحى منها محفوظ أغلب شخصيات وأماكن رواياته».

وقال العناني لـ«الشرق الأوسط» إن «الوزارة وضعت خطة لإعادة استغلال 12 موقعاً أثرياً في أنشطة ثقافية، على غرار متحف محفوظ، إذ يجري حالياً دراسة هذه الخطة، وإعدادها بشكل متكامل».

ويقع المتحف وسط حارة شعبية من تلك الحارات التي أبدع أديب نوبل في تصويرها، ليستقر الأديب العالمي صاحب رواية «أولاد حارتنا» مرة أخرى بين أولاد حارته، ولكن المكان يحتاج إلى إعادة تطوير وتنسيق، وهو أمر بدأته محافظة القاهرة، وجهاز التنسيق الحضاري، بجدارية لمحفوظ، تغطي واجهة سوق شعبية أمام مدخل المتحف. وأكد الدكتور فتحي عبد الوهاب، رئيس صندوق التنمية الثقافية، لـ«الشرق الأوسط» «وجود خطة متكاملة لتطوير المنطقة المحيطة بالمتحف».

ولتجهيز المتحف، انتهت وزارة الآثار من أعمال ترميم وصيانة مجموعة محمد بك أبو الذهب، التي تضم السبيل والمسجد والتكية وحوض الدواب، وذلك ضمن مشروع ترميم وتطوير المباني الأثرية بالقاهرة التاريخية.

ويتكون المتحف من طابقين، يتوسط الطابق الأرضي منهما صحن به صورة لمحفوظ، تحيط به مجموعة من الأبواب باللون الأزرق، وهو اللون الذي تم الاتفاق عليه مع وزارة الآثار ليكون مميزاً للمتحف، ويضم الطابق الأرضي مجموعة قاعات للدراسة والندوات والاطلاع، بينما يحكي الطابق الثاني سيرة حياة نجيب محفوظ، من خلال مجموعة من القاعات تضم الأوسمة والنياشين التي حصل عليها، بينها قاعة خاصة لجائزة نوبل، ومكتبة نقدية تضم الدراسات النقدية عن محفوظ، وأخرى لأعماله بمختلف الطبعات العربية والإنجليزية، وقاعات أخرى تضم بعض متعلقاته الشخصية، أهدتها للمتحف أسرة الأديب الراحل، لعل أهمها مكتبته الشخصية التي تضم كتباً تحمل إهداءً لمحفوظ من مؤلفيها، وبعض الأوراق التي كتبها محفوظ بخط يده في الفترة التي كان يتدرب فيها على الكتابة في أعقاب محاولة اغتياله.

ومحفوظ هو أول مصري يحصل على جائزة نوبل في الآداب، وقد بدأ رحلته مع الكتابة في الأربعينات من القرن الماضي، وبرع في تجسيد الحارة المصرية في «الثلاثية»، وأثارت روايته «أولاد حارتنا» كثيراً من الجدل بسبب تفسير بعض الرموز الدينية بها، حتى تم منعها من النشر في مصر، وكانت واحدة من أربع روايات حصل بموجبها على نوبل للآداب عام 1988، كما كانت سبباً في محاولة اغتياله عام 1995، وتم نقل عدد من رواياته للتلفزيون والسينما.

وتعود فكرة إنشاء المتحف إلى الفترة التالية لوفاة محفوظ، في 30 أغسطس (آب) 2006، حيث طالب المثقفون بإنشاء متحف لنجيب محفوظ لتخليد ذكراه، ليصدر فاروق حسني، وزير الثقافة المصري في ذلك الوقت، قراراً وزارياً عام 2006، يحمل رقم 804، بتخصيص تكية أبو الذهب لإقامة متحف لنجيب محفوظ، وذلك لقرب التكية من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، وهي المنطقة التي استوحى منها محفوظ معظم شخصيات رواياته، وكتب عن كثير من الأماكن بها. وتعرض المشروع لكثير من فترات التوقف بسبب الأوضاع السياسية في أعقاب ثورة 25 يناير (كانون الثاني)2011، وغيرها من الأسباب، ليبدأ التنفيذ الفعلي في عام 2016. وبلغت تكلفة إنشاء المتحف نحو 15 مليون جنيه.

وتكية أبو الذهب أنشأها الأمير الكبير محمد بك أبو الذهب، وتوجد في منطقة الأزهر، وأنشأت عام 1774.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

مساعدات سعودية إماراتية لإنقاذ الموسم الزراعي بالسودان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

تنطلق سفينة محملة بما يزيد على 50 ألف طن من المغذيات الزراعية «اليوريا» واحتياجات المزارعين، من ميناء الجبيل الصناعي بالسعودية إلى ميناء بورتسودان بالخرطوم، بشكل عاجل، لإنقاذ الموسم الزراعي في السودان.

وحسب وكالة الانباء السعودية "واس"، فقد اكد مصدر مسؤول أن هذا الدعم جاء بتوجيه مباشر من قيادتي الإمارات والسعودية استمرارا للمواقف الأخوية والمستمرة لمساندة شعب السودان الشقيق في أزمته الحالية، ولتخفيف العبء عن المزارعين من أبناء السودان، نظرا لكون الزراعة تمثل مصدر دخل رئيسياً لعدد كبير من أهل السودان.

وأوضح المصدر أن هذه المساعدات جاءت امتدادا للدعم المالي البالغ 3 مليارات دولار والذي قدمته السعودية والإمارات، منها 500 مليون دولار كوديعة في بنك السودان المركزي، لدعم الاقتصاد وتخفيف الضغوط على الجنيه السوداني.

وأضاف أن الدعم المباشر للشعب السوداني الذي تقدمه المملكة والإمارات ينطلق من عمق العلاقات بين شعبي الدولتين والشعب السوداني والمصير المشترك الذي يربطهم، واستنادا إلى تاريخ طويل من العلاقات الاستراتيجية والأخوية التي تربط بين شعوب الدول الثلاث في النواحي كافة.

وكانت مصادر اعلامية افادت بوجود خلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في السودان، وذلك عقب إعلان الوسيط الأفريقي، محمد الحسن ولد لبات، تأجيل مراسم توقيع الإعلان الدستوري بين الطرفين. ووفق المصادر فإن الخلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير تتعلق بتبعية وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية، هذا إلى جانب نسب توزيع أعضاء المجلس التشريعي. كذلك ترفض قوى الحرية والتغيير توفير حصانة لأعضاء المجلس السيادي.

فيما أفادت مصادر «سكاي نيوز عربية»، أمس، بأن قوى التغيير طلبت من الوسيط الإفريقي تأجيل الاجتماع ليوم غد الثلاثاء، وذلك لمزيد من التشاور في ما بينها حول المسودة، أكد المتحدث باسم المجلس العسكري الفريق ركن شمس الدين الكباشي عدم تلقي المجلس أي إخطار من الوسيط الإفريقي بشأن تأجيل الاجتماع.

في غضون ذلك، طالب المجلس العسكري الانتقالي السوداني القضاء السوداني بإلغاء قراره بإعادة خدمة الإنترنت في البلاد، وإصدار أوامره بوقف الخدمة على الفور، وذلك بعد أيام من أمر صادر عن محكمة الخرطوم الجزئية بإعادة الخدمة للمشتركين، لحين البت في الدعوى القضائية، حيث ألغت بذلك قرار المجلس العسكري الانتقالي الذي قطع خدمة الإنترنت باعتبارها «مهددة للأمن القومي».

وأمرت محكمة الخرطوم الجزئية شركات الاتصالات السودانية الثلاثاء الماضي، بإعادة خدمة الإنترنت لمشتركيها، لحين البت في الدعوى القضائية المرفوعة من قبل «الجمعية السودانية لحماية المستهلك».

وقال الأمين لجمعية حماية المستهلك د. ياسر ميرغني لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن شخصاً اسمه «حيدر أحمد عبد الله»، تقدم بطلب للمحكمة بإلغاء قرارها بإعادة خدمة الإنترنت للبلاد، باعتباره مستشاراً قانونياً لرئاسة الجمهورية.

عن "إيلاف"

للمشاركة:

الشعبويات العربية الجديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

السيد ولد أباه

في تونس تفيد استطلاعات الرأي حول الانتخابات الرئاسية المقررة في أكتوبر القادم أن المركز الأول في التوقعات يحتله رجل الأعمال المثير للجدل نبيل القروي، مالك قناة «نسمة» الخاصة، بينما يحتل المركز الثاني مدرس القانون الدستوري المغمور «قيس سعيد»، في حين تراجعت إلى حد بعيد حظوظ كل الزعامات السياسية المعروفة بما فيها رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي كان يعتبر الوريث الطبيعي للرئيس الحالي الباجي قايد السبسي.
بعض المعلقين التونسيين ذهب إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة تبين أن «الشعبوية الإسلامية» التي تمثلها حركة «النهضة» تراجعت لصالح أنماط جديدة من الشعبوية تستخدم الشعارات الاجتماعية الأكثر رواجاً، وتتبنى المطالب التعجيزية للشارع.
في السودان حالة شعبوية مماثلة تبرز لدى بعض قوى «الحرية والتغيير» من أقصى اليسار ومن التنظيمات القومية الراديكالية الرافضة لمنطق التوازنات الواقعية، وفي الجزائر هناك الظاهرة نفسها التي قد تعرقل مسار التحول وفق الضوابط الدستورية.
من الواضح إذن تنامي النزعات الشعبوية في الشارع العربي على غرار السيناريو الذي حدث في أوروبا وأميركا الجنوبية، بما يعني تراجع تنظيمات الإسلام السياسي التي استفادت سابقاً من انهيار الأحزاب السياسية التقليدية.
المشكل الذي تطرحه النزعات الشعبوية العربية الجديدة، كما هو حال التيارات الشعبوية إجمالا، هو عدم إدراك الفرق الجوهري بين ثلاثة معاني مختلفة لمفهوم الشعب: المفهوم السياسي الذي يعني الكتلة المندمجة في إطار هوية روحية مشتركة، والمفهوم الاجتماعي الموضوعي الذي يحيل إلى التنوع الطبقي والفئوي بين قوى متصادمة من حيث المواقع والمصالح، والمفهوم الانتخابي الذي يتحدد وفق الموازين الكمية المؤقتة.
فالحركات الشعبوية عموماً تتفق في تحميل الموازين الانتخابية دلالة الهوية الروحية العميقة للأمة بالقفز على اعتبارات التعددية الاجتماعية والتنوع السياسي، بما يعني تمويه الرهانات المجتمعية الحقيقية التي هي الموضوع السياسي الفعلي.
وبالرجوع إلى التحديدات التي بلورها الفيلسوف «جرار براس»، يتبين أن المفهوم الحداثي للشعب يعود في مرجعيته العميقة للتقليد اليوناني الروماني الذي ميز بين المفهوم النخبوي للشعب الذي تعبر عنه مقولة populis التي تشمل المواطنين المشاركين في نظام الدولة، والمفهوم الاجتماعي الذي تعبر عنه مقولة plebs أي عموم الناس من الطبقات السفلى التي لا مكان لها في دائرة التشاور والقرار، والمفهوم العرقي النسبي الذي تحيل إليه مقولة ethnos أي المجموعة التي تتقاسم الأصول والثقافة والتقاليد الخصوصية.
وفي القرن السابع عشر، برزت لدى فلاسفة الحداثة مقولة «الجمهور» multitude التي تعني الكتلة الحية من الفرديات الحرة المستقلة قبل حالة الانتظام السياسي في شكل الدولة التعاقدية (الشعب من حيث هو أمة).
لقد لاحظ المفكر المغربي عبد الله العروي أن الدولة الإسلامية التقليدية لا مكان فيها للعامة، من حيث هي جسم سياسي، بل هي مسألة سلطان وخاصة، فالعامة مصدر خطر دائم يتهدد النظام العام واستمرار السلطة والحكم، في حين أن الخاصة هي عماد المجتمع ومركز القرار. وإذا كان البعض يربط بين هذه الملاحظة وهشاشة القاعدة السياسية للدولة العربية، فإن هذه الحقيقة لا تنفي أن المجتمع السياسي العربي الوسيط كان أقوى من الدولة وأكثر تماسكاً، وإن لم يعرف من التركيبة التي يتحدث عنها «براس» سوى العامة (أو الدهماء) التي تحيل إلى شبح الفتنة أو مقولة الشعب التي تعني في المعجم الوسيط القبيلة الكبيرة.
وقد يكون مفهوم الأمة في ما وراء دلالته الدينية الضيقة (جماعة الدعوة أو جماعة الاعتقاد) هو الأقرب لمفهوم الشعب في دلالته الحديثة، لما يربط بينهما من فكرة الائتلاف المؤسس على نواميس جامعة: الشريعة في التقليد الإسلامي والقانون المدني في التقليد الحديث.
بيد أن ما يميز الأمة في التجربة التاريخية الإسلامية عن الأمة بالمفهوم الحديث ليس الطبيعة الدينية للولاء والانتماء، فقد كانت الدولة الإمبراطورية الإسلامية في الغالب متعددة النسيج الديني، كما أنها طورت أشكالا متعددة من الرابطة السياسية تدخل في باب المواطنة بالمعنى الراهن، إلى حد أن المستشرق المعروف ماسينيون اعتبر أن الدلالة الوحيدة للأمة في السياق الإسلامي هي إرادة العيش المشترك وليس الهوية الدينية أو العصبية. إن الفارق الأساسي بين الدلالتين هو أن المفهوم الحديث للشعب أو الأمة يقوم على نفي الطابع التعددي الاختلافي في الجماعة (أي الجمهور)، في حين أن الحقل السياسي في نظام الاجتماع السياسي في الإسلام الوسيط لم يقوض أو يذوب حركية المجتمع الأهلي.
ومن هنا نخلص إلى أن الخطر الذي تمثله الشعبويات في نسختيها، الإسلامية المؤدلجة واليسارية الراديكالية، هي تأجيج الفتنة داخل مجتمعات هشة لم تستطع فيها الدولة بعد عقود من الاستقلال تأمين الجسم الاجتماعي وبناء هوية وطنية متماسكة وصلبة، في حين أن الجماعة التي كانت في السابق محور توازن وتماسك هذه المجتمعات تحللت وانهارت بانهيار التقليد الوسيط نفسه.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية