لماذا يستهدف الإرهاب أمريكا اللاتينية؟

لماذا يستهدف الإرهاب أمريكا اللاتينية؟

مشاهدة

26/03/2018

لم تكن الهجمات العنيفة التي ضربت سفارة إسرائيل عام 1992، وبعدها بعامين الجمعية اليهودية الأرجنتينية (أميا) بمدينة بوينوس أيرس، وكذا إسقاط طائرة تجارية بنمية بعملية نفذها انتحاري من حزب الله بعد يومين من الهجوم الثاني في الأرجنتين، حوادث منعزلة. بل على العكس من ذلك هناك قائمة طويلة من العمليات ذات وقع أقل صدى تشمل أنشطة استقطاب وتحويل أشخاص محليين للإسلام لا سيما في المكسيك وفنزويلا والإكوادور وبيرو وأوروجواي وكولومبيا وبوليفيا.

تنم كل هذه الأحداث، إضافة إلى أخرى مستترة وأنشطة إجرامية ذات صلة بتهريب المخدرات وغسيل الأموال، عن الاهتمام البالغ الذي يبديه أشخاص ومنظمات تعمل في بعض الأحيان وراء ستار اتحادات خيرية لدعم التيار الإسلامي لتوسيع شبكاتها غير القانونية التي قد تستخدم لضرب الديمقراطيات الإقليمية.

يتمثل الخطر الأول للجماعات الإسلامية على أمريكا اللاتينية في الأهمية الإستراتيجية خاصة التيار الشيعي الذي تغذيه إيران

يتمثل خطر الجماعات الإسلامية على أمريكا اللاتينية في عنصرين؛ أولهما الأهمية الإستراتيجية، خاصة التيار الشيعي الذي تغذيه إيران في قارتنا؛ حيث عضدت قاعدتها العملياتية انطلاقاً من تنامي الفكر الشافيزي في فنزويلا خلال حقبة التسعينيات، لتتعاظم لاحقاً قدراتها العملياتية في منطقة المثلث الحدودي (باراجواي والبرازيل والأرجنتين)، يضاف إلى ذلك النشاط القوي لقطاعات اكتسبت زخماً على الساحة السياسية المحلية مثلما حدث في البرازيل وتشيلي، وبالطبع تواضع الأداء الجماعي في أمريكا اللاتينية للتعاطي مع هذا التهديد.

أما العنصر الثاني فهو أنّ أمريكا اللاتينية لا تزال تتكون من ديمقراطيات هشة غير متكاملة، مقابل الشمولية الثيوقراطية الذي يبني عليه الإسلاميون تطلعاتهم لتصدير نموذج الثورة الإسلامية. ما يضع دولاً عدة في أمريكا اللاتينية بمواجهة أفراد ومنظمات إسلامية أصولية (مؤيدة للدكتاتورية السورية والجماعات الإرهابية الموالية لإيران مثل حزب الله)، يجعل كل ذلك أمريكا اللاتينية بالكامل أرضاً قابلة للاختراق أو عدواً يجب إنزال الهزيمة به.

على الجانب الآخر، وإزاء تواجد شبكات أصولية واضحة في عدد من أمريكا اللاتينية، علاوة على الفراغ الأمني في منطقة (ميركسور)، فإن القارة ستظل ساحة معركة.

يتمثل الخطر الثاني للجماعات الإسلامية على أمريكا اللاتينية هو أنها تتكون من ديمقراطيات هشة غير متكاملة

ورغم أن بعض الأوساط السياسية الإقليمية لا تدرك ذلك، لكننا بصدد تهديد لن يستمر قائماً على المدى البعيد فحسب؛ بل إنه قابل للتوسع في المستقبل القريب. فالانتصارات العسكرية المتوالية لحزب الله كممثل للثيوقراطية الإيرانية في كل من سوريا والعراق تجعل المنطقة تحوز قيمة إستراتيجية للحصول على الموارد المخصصة لمهاجمة أهداف على أراضينا. كما أن قدرته على جمع الأموال والتأثير والتجنيد بين المقيمين في المنطقة يجب متابعتها من قبل السلطات المختصة في أنشطة الإرهاب وتهريب المخدرات وغسيل الأموال. وينطبق الأمر نفسه على رموز معروفين بصلاتهم بالإرهاب والذين يحمون المدانين (الهاربين من العدالة الأرجنتينية) في الاعتداء على (أميا) في بوينوس أيرس، ودورهم معروف للغاية ويزيد من خطر هجوم جديد بينما لا تزال وفاة النائب العام الخاص لهذا التحقيق ألبرتو نيسمان لم يكشف عن ملابساتها بعد وهناك شكوك قوية حول أنه كان سيوجه اتهامات لمسؤولين سابقين في نظام آل كيرشنر بالضلوع في هذه الهجمات.

سوف يستمر الإرهاب التهديد الأخطر على الأمن في أمريكا اللاتينية خلال الأعوام المقبلة. إن التعرف بشكل أعمق على طبيعة هذا التهديد وأبعاده الحقيقية وكذلك الإصلاحات اللازمة للتعامل معه هو مهمة لا تقتصر على الدول فحسب. فيتعين على المجتمع المدني في أمريكا اللاتينية أن يكون متيقظاً أيضاً وأن يستعد ويتعاون مع الحكومات دفاعاً عن التجارب الديمقراطية في بلاده.

يتعين على حكومات المنطقة اتخاذ قرار واضح لمواجهة التهديد لذا ينبغي أن تتعرف على ما تتعامل معه في الواقع

يتعين على حكومات المنطقة اتخاذ قرار واضح لمواجهة التهديد لذا ينبغي أن نتعرف على ما نتعامل معه في الواقع. فعلى مر وقت طويل تلافينا أي مصطلح يربط هذا الإرهاب بالفكر الإسلامي أو الجهادي. كان يتم دوماً تفضيل الحديث حول الإرهاب الدولي أو الخطر الإرهابي ببساطة، مع إنكار "البعد الديني-السياسي" لهذا الإرهاب، وهذا أمر لم يعد يمكن الاستمرار فيه لأنه عامل ضروري إذا كانت هناك إرادة لوضع إستراتيجية لمكافحته.

وعلى الرغم من أنّ الإرهاب الإسلاموي لم يكن ملفاً وارداً ضمن الأجندة السياسية في أمريكا اللاتينية على مدى أعوام طوال، إلا أنه من الواجب اليوم إبداء رد شامل في مكافحة الإرهاب الجهادي بمختلف صوره عبر إجراءات لازمة من أجل التعامل مع التهديد. لذا، فمن المهم تعزيز آليات التعاون القضائي والشرطي في القارة وهو الذي شهد شيئاً من التقدم لكن ما يزال هناك الكثير للارتقاء به.

بالمثل، لا غنى عن زيادة تأمين حدود أمريكا اللاتينية للحيلولة دون دخول أفراد أو أسلحة إلى أراضيها. وكذلك هناك حاجة ماسة لرفع مقاومة مجتمعاتنا لتبعات التخويف كيلا يحقق الإرهابيون ومؤيدوهم أهدافهم المتمثلة في التلاعب بمواطنينا.

نحن بحاجة لأمريكا لاتينية أقوى وأصلب في الدفاع عن مبادئها، أكثر ثقة في نفسها ومستعدة بشكل أكبر لخوض والانتصار في هذه المعركة. تعمل اليوم كل من البرازيل والأرجنتين وتشيلي وبيرو على هذا. يكشف التحليل التاريخي أنّ جذور الإرهاب الجهادي في منطقتنا أعمق مما يتصور وأنّ مظاهره الأولى تعود لعقد السبعينيات حينما حظي بدعم أنظمة مثل النظام الكوبي. لاحقاًي وبدخول حقبة الثمانينات استغلت قارتنا كقاعدة لوجيستية من قبل حركات إرهابية إسلاموية عدة، لا سيما تلك ذات الصلة بإيران.

يحصل تحليل الهجوم على (أميا) على الاهتمام الأكبر بوصفه الاعتداء الأكثر دموية للإرهاب الجهادي على الأراضي اللاتينية حتى الوقت الراهن. تشير بيانات تحقيق العدالة الأرجنتينية بوضوح إلى وجود صلة بين هذه الهجمات وحزب الله وإيران، وتنم عن النية الإجرامية. على الجانب الآخر تدل أيضاً على الحاجة لحزمة جديدة من التشريعات في القانون الجنائي للتعاطي مع النشاط المتنامي للإرهابيين عبر الإنترنت.

تهريب المخدرات وغسيل الأموال والإرهاب بلا شك أخطر التهديدات على الأمن في أمريكا اللاتينية

ففي الحالة الأرجنتينية، أسهم الأداء الجيد لقوات الأمن والتزام القضاة والنيابة العامة بإصدار أحكام بالحبس الاحتياطي بحق 90% من المقبوض عليهم بتهم تهريب المخدرات وغسيل الأموال والصلات بالإرهاب بشكل ناجز واستباقي لعقوبات تمثلت في السجن. سوف يحقق هذا العمل الوقائي النجاح طالما كان هناك تعاون مع محور ثان هو مجتمع استخباراتي متآزر يعمل بشكل منسّق وكذا التعاون المستمر بين وكالات الاستخبارات والشرطة، الشيء الذي يجب أن يكون ملفاً حيوياً في الحرب ضد الإرهاب.

وأخيراً، ينبغي إبراز فعالية التعاون الدولي الذي قدمته الأرجنتين في الحرب ضد الإرهاب. فحينما يؤثر اليوم الخطر على مجموع بلدان أمريكا اللاتينية، تفعّل الجهود متعددة الأطراف لتبنّي إجراءات جديدة مثل التكامل بين أنظمة المعلومات الأمنية وسجلات الدخول والخروج من قارتنا. إنّ التبادل المستمر للمعلومات العملياتية والتنسيق العملياتي يجب أن يبلغ مستويات مقاربة لما هو كائن في دول مثل؛ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. يصبح التعاون أساسياً من أجل فعالية الحرب من أجل حماية قيمنا الديمقراطية في مواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات وغسيل الأموال، ومن المهم أن يكون تصميمنا منصبّاً على عدم الرضوخ لابتزاز المجرمين الإرهابيين.

يمثل تهريب المخدرات وغسيل الأموال والإرهاب بلا شك أخطر التهديدات على الأمن في أمريكا اللاتينية. إن الأثر الإعلامي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي لهذه الأنشطة الإجرامية تجعل كل ذلك تهديدات إستراتيجية بالنسبة للقارة أجمع. ليتحول الدفاع عن الحياة والحرية والأمن بالنسبة للمواطنين الالتزام الأول على عاتق كل حكومة ديمقراطية. إذا فشلت أمريكا اللاتينية في مكافحة الإرهاب الإسلاموي والجرائم المتعلقة به، فإن بقاءها سيكون محل شك.

مقال للمؤرخ وخبير شؤون الشرق الأوسط جورج تشايا منشور بمجلة لاكابيا الإلكترونية

//0x87h



الصفحة الرئيسية