مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك

6882
عدد القراءات

2019-04-17

تتميز مقاطعة كيبيك الكندية بالحساسية الشديدة ضدّ أيّ تنوع ثقافي أو لغوي أو فكري، قد يؤثر على الخصوصية الفرنسية التي استمرت لقرون في محيط شمال أمريكي ناطق بالإنجليزية، وبقي هذا الوسط رافضاً لهذه الخصوصية والتميز، ومن ثم قبلها على مضض مؤخراً. 

اقرأ أيضاً: تعليم اللغة العربية في كندا ثغرة تتسلل منها جماعات الإسلام السياسي 
وللحفاظ على هذا التميز الحضاري، بحسب كثير من الساسة الكيبيكيين، ولمنع "الأغراب" من إدخال ثقافاتهم وعاداتهم إلى هذه المقاطعة الكندية الناطقة بالفرنسية، فقد أجرت أحزاب يمينية كيبيكية استفتاءَين، في العامين 1980 و1995، للانفصال عن كندا، والاستقلال في دولة ذات طابع خاص، لكنّهما لم يفلحا في سلخ هذه المقاطعة عن الوطن الأم، كندا، ومن ثم شرعت هذه الأحزاب بتقديم مقترحات ومشاريع قرارات لعزل هذه المقاطعة ثقافياً وحضارياً أكثر منه سياسياً.

يتذرّع المؤيدون للقرار بأنّ الدين في الدول العلمانية مسألة شخصية تخصّ الأفراد ولا يجب أن يتباهى كلّ مؤمن بإيمانه

وكان التحدي الأكبر، أو الرعب الحضاري الذي يواجهه الساسة والقادة الكيبيكيون عبر التاريخ، يتجسد عبر الذوبان في المحيط الإنجليزي، المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية والمقاطعات الكندية، الناطقة جميعها، عدا كيبك، بالإنجليزية. واطلعت "حفريات" على مقابلة لحاكمة مقاطعة كيبيك في الفترة  مابين ( 2012 – 2014 ) بولين  مارويس، وهي من أصل فرنسي، تقول فيها "إنّ الخطر الأكبر على كيبيك ليس سيادتها. بل هو بقاؤها في كندا". 
ازدراء الحديث بالإنجليزية
وأبلغت "حفريات" سيدة كندية تدعى سوزان فورتين، وهي من الأقلية الإنجليزية المقيمة في مقاطعة كيبيك، إنّ أباها كان يؤكد عليها في صغرها ألّا تستخدم اللغة الإنجليزية أثناء سيرها في شوارع مدينة مونتريال، أو أثناء التواصل مع زملائها المنحدرين من أصول فرنسية، وأضافت أنّها لم تستجب لنصيحته يوماً، فلاقى حديثها بالإنجليزية نظرات ازدراء من بعض كبار السنّ الكيبيكيين.

اقرأ أيضاً: كيف جاءت ردود كندا على هجوم نيوزيلندا؟
واستمرّت هذه الروح الكيبيكية الانعزالية عبر العصور، التي تعارض الهجرة  إلى أراضيها، وترفض القبول بالآخر؛ بل تعاظمت مؤخراً إلى أن بلغت أعلى مرتبة لها؛ عندما صوّت أغلب الكيبيكيين، في الانتخابات العامة للمقاطعة (2018)، بنعم لحزب "تحالف مستقبل الكيبيك" المحافظ، بزعامة فرانسيس ليجو، وفاز هذا الحزب بـ 74 نائباً في مجلس نواب مقاطعة كيبيك، وبنسبة 37%، وكان البيان الانتخابي لهذا الحزب جلياً وقوياً في مواجهة المهاجرين الجدد للمقاطعة؛ حيث وعد هذا الحزب بتقليص أعداد المهاجرين لتلك المقاطعة، وإجبار المقيمين في كيبيك على إتقان اللغة الفرنسية، واستعمالها في أعمالهم في غضون ثلاثة أعوام، لكن كان لقرار هذا الحزب المحافظ، وزعيمه ليجو، منع الموظفين العموميين من إظهار أية رموز أو شارات دينية أثناء تأديتهم وظائفهم الحكومية في الدوائر التابعة لحكومة كيبيك، وقع شديد على أقليات دينية وعرقية كثيرة في تلك الديار. 
فيديو منع الرموز الدينية في كيبيك:

ويعني منع الرموز الدينية في الدوائر الرسمية الكيبيكية كما قال بعض المعارضين للقرار؛ أنّ على أتباع الديانات أن ينزعوا أيّ لباس، أو غطاء، أو رمز ديني، قبل الدخول لمقرات أعمالهم، وهنا يتوجب على الموظف من الديانة السيخية ألّا يلبس عمامته أثناء العمل، والموظف اليهودي لا يرتدي قلنسوته، وكذلك على الموظفة المسلمة ألّا ترتدي حجاباً يغطي شعرها، ولا يسمح في سياق ذلك للموظف المسيحي بوضع عقد يتدلى منه صليب في عنقه؛ بل ستتم أيضاً إزالة الصلبان من على جدران المدارس والمرافق العامة.

القرار وحّد أتباع جميع الأديان في كيبيك؛ حيث خرج المسيحي والمسلم واليهودي والهندوسي والسيخي والبوذي والهندي الأحمر يداً بيد

وفي تصريح لـ"حفريات"، قال ناشط اجتماعي من الأقلية الكندية المسلمة، فضّل عدم ذكر اسمه إنّ "المقصود بالدرجة الأولى من هذا القانون، الذي سيتم تطبيقه في حزيران (يونيو) 2019، هم الأقلية من المسلمين الكيبيكيين، وأنّه يهدف لتحجيم ظاهرة انتشار الحجاب بين المسلمات في هذه المقاطعة". وقد ارتفع عدد المسلمين في كيبيك بعد التسهيلات التي قدمتها الحكومة الليبرالية لكندا، برئاسة جستن ترودو، لكنّ هذا القرار سيؤثر أيضاً على كثير من المتدينين من عقائد وثقافات أخرى في هذه المقاطعة الكندية.
وتقول ناشطة كيبيكية  في مجال الحريات تدعى إيف ماري لاكاسيه لصحيفة "مونتريال جازيت" إنّ قانون 21 التي أصدرته حكومة ليجو المحافظة هدفه "التضييق على المسلمات المحجبات، وسيؤدي لخروجهن من قطاع العمل الحكومي مما سينعكس سلباً على دخلهن ومنزلتهن الاجتماعية".
فرانسيس ليجو

المعارضون لقرار منع الرموز الدينية
وتأتي أقوى معارضة للقرار 21 الصادر عن حكومة كيبيك الجديدة والقاضي بمنع الرموز الدينية، ومنها منع ارتداء حجاب أو خمار بالعمل العام، من مساجد مقاطعة كيبيك وأئمتها. ويعتقد سعيد العماري، وهو أحد الناجين من مذبحة مسجد كيبيك في العام 2017، بأنّ قرار منع الرموز الدينية "عنصري محركه الرهاب من الإسلام".

اقرأ أيضاً: هل تتغذى الإسلاموفوبيا في كندا على الممارسات الغريبة لبعض المسلمين؟
وما يجمع المعارضين لقرار منع الرموز الدينية؛ هو أنّهم من المتدينين الكنديين، من الأديان كافة، وهناك ثلة تؤازرهم أيضاً من الناشطين السياسيين والاجتماعيين والحقوقيين الليبراليين المعارضين لسياسات المحافظين، وقد تحالف هؤلاء جميعاً، وقاموا بمسيرات واحتجاجات لإيقاف تطبيق هذا القرار، وكانت حججهم دائماً أنّ لبس الرموز الدينية جزء من التراث والثقافة الكندية، وأنّ هذه الرموز تمثل حالة وجدانية وروحانية فردية تكفلها العلمانية الكندية.
وتواصلت "حفريات" مع كنديين من ديانات وعقائد شتى يقيمون في مقاطعة كيبيك، حيث أكد معظمهم بأنّ هذا القرار وحّد أتباع جميع الأديان في كيبيك؛ حيث خرج المسيحي والمسلم واليهودي والهندوسي والسيخي والبوذي والهندي الأحمر، يداً بيد، في السابع من نيسان (أبريل) 2019، في مسيرة عارمة في شوارع مونتريال، وهم يظهرون معارضة شديدة لما أسموه "النزعة العنصرية المتطرفة" التي يطبقها حزب مستقبل كيبيك، ووضّح القائمون على هذه المسيرة، أنّها جاءت للتأكيد على الهوية الوطنية لمواطنين كيبيك، بمختلف تنوّعاتهم؛ الإثنية والدينية والثقافية.

فيديو عن المسيرة:

كما أبدت كثير من النسوة المشاركات بالمسيرة آراء مختلفة عن أهمية الرموز الدينية في حياتهنّ وحياة عائلاتهنّ؛ حيث قالت إحداهنّ؛ إنّ الرموز الدينية تضيف جمالاً على جمال النساء، وإنّ ارتداء ملابس أو رموز دينية هو قرار شخصي خاصّ بهن. وأكّدت أخرى على ضمان حرية المرأة الكندية بارتداء ما تشاء من ملابس وزينة، وأضافت أنّ هذه الرموز والألبسة هي انعكاس لهويتهن الخاصة، وتعبير عن الحبّ والولاء للوطن الكندي.
وأكّد المشاركون في المظاهرة؛ أنّ ارتداء هذه الرموز لا يؤذي أيّ إنسان، أو أيّ قطاع في المجتمع الكيبيكي، وأنّه لا يمكن فصل الإنسان عن إيمانه، وممارسة طقوسه العقائدية.

المؤيدون لقرار منع الرموز الدينية
وقال الصحفي الكندي برنارد ديسجاجين لقناة "روسيا اليوم" تعليقاً على قرار منع الرموز الدينية: "يمكن للمرأة أن تلبس الحجاب والخمار في أي مكان خاص بها. ولكن عندما تعمل في القطاع العام فإنها تمثل الدولة. وهنا يجب أن لا يُظهر أي موظف عمومي أية مؤشرات على انتمائه الديني والعقدي، لأنه يخدم جميع المواطنين".

وفي استطلاع لآراء المعلقين الكيبيكيين على مواقع التواصل الاجتماعي رصدتها "حفريات"، أكد المؤيدون والمؤازرون لقرار "ليجو" وحكومته اليمينية، بأنه جاء كي يجعل الدولة والحكومة في موقف محايد اجتماعياً إلى أبعد حدّ، ومن ثم إيجاد المجتمع العلماني الذي ينظر للإنسان كإنسان، بعيداً عن أيّة اعتبارات دينية أو إيمانية، قد تفرق بين قطاعات المجتمع.

اقرأ أيضاً: منتجات "الحلال" في كندا.. تجارة تغري الجميع
  ومن تبريرات تأييد القرار في تعليقات المشاركين بالنقاشات تلك؛ أنّ عدم إبداء الرموز الدينية من قبل الموظفين يساهم في زيادة المساواة بينهم، ويلغي أيّة فوارق، أو انطباعات، مبنية على صور نمطية مسبقة عن أتباع ديانة أيّ متقلد أو مرتدٍ لتلك الرموز، كما أنّ تجريد الملابس من الرموز الدينية هو امتثال لقواعد اللباس والهندام الذي تقرّه قوانين العمل العام الكندية.
ومن المؤيدين للقرار كثير من النساء المسلمات الليبراليات، كـالكندية من أصل تونسي "أماني بن عمار" التي نُقل عنها قولها إنّ هذا القرار صائب ويحد من انتشار "الأصولية الإسلامية" بين المسلمات، وإنّ المعارضين للقرار لا يحق لهم الحديث باسم جميع المسلمين. وأيدتها في ذلك اللاجئة حديثاً لكندا وهي من أصل إيراني الناشطة الحقوقية شاباراك شاجري زاده، قائلة: "الحجاب يُفرض على الفتاة المسلمة منذ الصغر. وأنا اعتقلت عدة مرات في إيران لأنني لم أرتده".

مؤيدون لقانون المنع

كما يتذرع الكيبيكيون المؤيدون للقرار بأنّ الدين في الدول العلمانية هو مسألة شخصية تخصّ الأفراد، ولا يجب أن يتباهى كلّ مؤمن بإيمانه ليغيظ به أتباع العقائد والأديان الأخرى، وأكّدوا أنّ ذلك يعدّ امتثالاً للروح العلمانية للدولة الكندية، وأضافوا في تعليقات لهم على مواقع التواصل؛ إنّ من أسس العلمانية أن يتمّ الفصل بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية فصلاً تامّاً.

اقرأ أيضاً: كيف يستخدم العنصريون في كندا مواقع التواصل الاجتماعي؟

وأظهر بعض المؤيدين للقرار دعماً له وتعاطفاً مع المتضررين، حيث أعربت المواطنة الكيبيكية ديان غاليبولت عن أسفها وحزنها من تداعيات القرار؛ "لأنّ كثيراً من النساء قد يفقدن أعمالهن في القطاع العام بسبب انتمائهن الديني". ومع ذلك أقرت غاليبولت في تصريح لـ"حفريات" بأنّ "هذا القرار فرصة للتحرر من رموز دينية متوارثة، وللتخلص من ملابس فُرضت على أساس جندري".

اقرأ المزيد...

الوسوم: