ما وراء القنابل الدخانية الإعلامية عن زيارة أردوغان إلى ليبيا 

ما وراء القنابل الدخانية الإعلامية عن زيارة أردوغان إلى ليبيا 

مشاهدة

22/11/2020

نشرت عدّة وسائل إعلام، عربيّة وليبيّة، أخباراً حول زيارة مرتقبة للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى ليبيا على مدار الأيام الماضية، وبنت موقفها على التحرّكات التركيّة المرصودة في مدينة مصراتة، ومنها أنباء عن وصول كتيبتَي قوات خاصّة تركيّة لتأمين المدينة، وزيارة وفد من المخابرات التركيّة إلى طرابلس، فضلاً عن إعلان المجلس البلديّ لمدينة مصراتة حالة الطوارئ، وإغلاق المجال الجويّ للمدينة، وغيرها من الإجراءات الأمنية.

تكتسب مصالح تركيا في ليبيا أهمية خاصة، لارتباطها بالاقتصاد التركيّ بشدّة، عبر الاتفاقيات الاقتصادية الموقّعة بين الطرفين، والودائع الليبية في البنوك التركية

ما سبق جعل صحفاً كثيرة تتوقّع بقوة زيارة لأردوغان، للتشديد على دعم بلاده لحكومة الوفاق، وحماية الاتفاقيات الأمنية والاقتصاديّة والبحريّة الموقّعة معها، والتي نالت فيها الأفضلية على حساب الشعب الليبيّ.

ويعلم أردوغان أنّ هذه الاتفاقيات مهدّدة بالإلغاء، لافتقادها للشرعية القانونيّة، ورفض الجيش الوطنيّ ومجلس النوّاب والقوى الإقليمية والدولية لها، وفي حال التوصّل لأيّ اتّفاق سياسيّ بين الفرقاء الليبيّين، فستذهب هذه الاتفاقيّات أدراج الرياح.

وفي أثناء ذلك؛ جاءت الأنباء المتواترة عن زيارة مرتقبة لأردوغان كتأكيد تركيّ على حماية مصالحها في ليبيا، على حساب السّلام وحلّ النزاع.

وتكتسب مصالح تركيا في ليبيا أهمية خاصّة، لارتباطها بالاقتصاد التركيّ بشدّة، عبر الاتفاقيّات الاقتصاديّة الموقّعة بين الطرفين، والودائع الليبيّة في البنوك التركيّة.

وحال تأثّرها، ستعود بالسلب على الاقتصاد التركيّ، خصوصاً سعر الليرة المتهاوي، ولهذه الزيارة أبعاد سياسيّة دوليّة، لتزامنها مع مسار دوليّ للسلام، ترعاه الأمم المتحدة ومعظم دول العالم.

السرّاج مستقبلاً وزير الدفاع التركيّ في طرابلس

اللعبة الإعلاميّة

ويبدو من رصد المواقع الإخبارية المحسوبة على محور تركيا - قطر - الإخوان؛ أنّ هذه الزيارة محض لعبة إعلامية؛ فلم يصدر تعليق رسميّ، بالتأكيد أو النفي، عن مصدر تركيّ رسميّ، وحتى المواقع المحسوبة على المحور السابق لم تنقل أيّة أخبار تتعلّق بترتيبات الزيارة، بينما تحمّست المواقع الإخبارية الأخرى لمتابعة التحركات الميدانيّة في مصراتة وطرابلس، والتي تشير إلى زيارة محتملة لأردوغان، في حين لم تنقل المصادر الدولية أي أنباء عن ذلك.

ومن المرجّح أن يكون ما سبق لعبة إعلاميّة، لإيصال رسائل سياسيّة تركيّة للمجتمع الدّولي، خصوصاً الدول المناوئة لدورها في ليبيا، بأنّ تركيا ما تزال صاحبة دور محوريّ في أيّة تسوية سياسيّة، ولا يمكن استبعادها.

وأعادت هذه اللعبة الإعلاميّة إلى الأذهان مناقشة الدّور التركيّ، الذي يتّخذ أبعاداً متنوّعة، من بينها؛ الوجود العسكريّ التركيّ المباشر، عبر القواعد العسكرية، والاتفاقيّات الأمنيّة في مجال التعاون والتدريب، وآلاف المرتزقة الذين جلبتهم إلى ليبيا، وتمركز بعضهم في خطوط التماس في محور أبو قرين - الوشكة، غرب خطّ سرت - الجفرة.

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى يهدّد التواجد التركي في ليبيا الأمن المصري؟

إضافة إلى البعد الجيوسياسيّ للوجود التركيّ، وعلاقته بالصّراع على الغاز في حوض شرق المتوسط، وطموحات تركيا لإعادة تعديل الحدود البحريّة مع اليونان وقبرص، بما يضمن لها حصّة من اكتشافات الغاز الهائلة، ومن هنا يأتي الوجود العسكري في ليبيا كورقة ضغط تركيّة على اليونان، وقبرص تحديداً، علاوةً على اتفاقيّة ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق، التي تستند تركيا إليها لشرعنة انتهاكاتها للحدود البحرية اليونانية - القبرصية.

وهناك البعد الاقتصادي المهم؛ حيث تعدّ ليبيا بالنسبة إلى الاقتصاد التركيّ فرصة هائلة لإنقاذه من عثرته الكبيرة، عبر الودائع الليبيّة التي تقدّر بمليارات الدولارات، والمشاريع الكبيرة التي وقّعتها مع حكومة الوفاق، وآمال تركيا بالاستيلاء على جزء من النفط والغاز الليبيّ، لتقليل فاتورة استيراد الطاقة التي تكلفها، ما يقرب من 40 مليار دولار سنوياً.

وتعلم تركيا أنّ مكاسبها مهدّدة في حال وجود تسوية حقيقية، وتقارب ليبيّ حقيقيّ، حيث نصّت كلّ التسويات والمقترحات، الإقليميّة والدوليّة، على إخرج الوجود العسكريّ الأجنبيّ، والمرتزقة الأجانب من البلاد، وتوحيد المؤسسة العسكرية وفق ضوابط وإجراءات عسكريّة، وهو ما يعني فقدان تركيا مصدر قوتها الوحيد، الذي يحمي مكاسبها السابقة.

لكن، كما يتوقّع معظم المراقبين؛ فالوجود العسكري التركيّ أقوى من قدرة أيّ طرف ليبيّ على إخراجه، خصوصاً في ظلّ الارتباط الوثيق مع جماعة الإخوان والجماعات المصنّفة إرهابياً، والارتباط العضويّ بين وجود الأتراك والإخوان في المشهد الليبي.

وزار أردوغان ليبيا مرةً واحدة، في شهر أيلول (سبتمبر) 2011، ضمن جولته في شمال أفريقيا، والتي شملت مصر وتونس، عقب أحداث الربيع العربي، التي شهدت إطاحة رؤساء هذه الدول، وتصدُّر الإخوان المسلمين المشهد السياسي فيها، بينما قام فايز السراج بستّ زيارات إلى تركيا، خلال فترة لا تتجاوز 12 شهراً.

وقام مسؤولو الوفاق بالعديد من الزيارات إلى تركيا، خصوصاً منذ العام 2018، والذي شهد انسداد أفق الحلّ السياسيّ، وصعود خيار الحسم العسكري. وفي عام 2019؛ وقّعت تركيا مع حكومة الوفاق اتفاقيتَي التعاون الأمنيّ وترسيم الحدود البحرية، وتبع ذلك توقيع عشرات الاتفاقيات الاقتصادية.

ما علاقة بايدن؟

ويندرج الإيحاء التركيّ بزيارة أردوغان إلى ليبيا ضمن آليات الدبلوماسيّة التركيّة في عهد أردوغان، والتي لا تحترم الأعراف أو البروتوكولات المعمول بها بين دول العالم، ولذلك فقدت احترامها، ولم تعد محلّ ثقة، بسبب الخطاب الشعبويّ لأردوغان ومسؤوليّته.

ويأتي الجدل حول هذه الزيارة في وقت دوليّ معقّد؛ بعد فوز المرشّح الديمقراطيّ، جو بايدن، بالانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة، وما لذلك من تغيير على سياسة واشنطن تجاه أردوغان؛ حيث يريد بايدن علاقات أقوى مع أوروبا، وتحجيم دور أردوغان التخريبيّ في المنطقة، وتلاعبه بورقة اللاجئين لابتزاز أوروبا.

فضلاً عن دعم بايدن للمعارضة التركية ضدّ أردوغان، وهي أمور تجعل مثل هذه الزيارة بمثابة رسالة معادية لبايدن، وأوروبا، وخصوصاً الأخيرة، التي أخذت منحى تصاعدياً لمواجهة أردوغان خلال الأشهر القليلة الماضية، وتعوّل بقوة على حلّ الأزمة الليبية لتأمين خاصرتها الجنوبية، وإيقاف الهجرة غير الشرعية.

وحول ذلك، يقول المحلل السياسيّ التركي، محمد عبيد الله: "في الوقت الذي يريد أردوغان بعث رسالة إلى الإدارة الأمريكية الجديدة، والمنظومة الأوروبية عموماً، بأنّه يتوجّه لتغيير جذريّ في السياسة الداخلية والخارجية، لإنقاذ نظامه المهتزّ بأزمة القانون والاقتصاد، فإنّ مثل هذه الزيارة لن تصبّ في مصلحته، بل تعيق تحقيق أهداف هذه الرسالة".

افتتاح ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس

ويردف عبيد الله، لـ "حفريات": "هذه الزياة ممكنة في حالة واحدة فقط؛ إذا ما قرّر أردوغان قطع علاقاته مع واشنطن وبروكسل بشكل قاطع، وتوجه إلى إحداث ثورة إسلاميّة، على غرار إيران، فعندها ستكسب هذه الزيارة معنى ودلالة؛ حيث سيعزّز زعمه القائل إنّه "زعيم العالم الإسلامي"، ويزور ليبيا بناء على هذه الصفة، لكنّني أرى الشقّ الثاني بعيداً، في ظلّ الظروف الراهنة؛ فهو لن يجرّب ذلك إلا إذا فشل في التصالح مع واشنطن وبروكسل والحصول على الدعم الاقتصادي".

انتبهوا لوجودنا في ليبيا

ويبدو أنّ الرسائل الأقرب وقعاً لمثل هذه اللعبة هي رسائل للدّاخل التركيّ، ومحاولة إنقاذ سعر الليرة المتدنّي، إلى جانب تذكير المجتمع الدوليّ، بأنّ الوجود التركيّ تجب مراعاته في أيّة تسوية.

وعن ذلك يقول المحلل السياسي الليبي، عمر بو أسعيدة: "الأيام الماضية ذاع خبر هذه الزيارة، لكن سُكت عنه لاحقاً، ومثل هذه الأخبار عن زيارة مرتقبة لأردوغان تتكرّر كثيراً، خصوصاً عندما يجري العمل على تسوية للملف الليبي، إلى جانب حسابات داخلية تتعلّق بالوضع الاقتصادي".

المحلل السياسي الليبي عمر بو أسعيدة لـ"حفريات": الأخبار عن زيارة مرتقبة لأردوغان تتكرّر كثيراً، خصوصاً عندما يجري العمل على تسوية للملف الليبي

ويتابع بو أسعيدة، في حديثه لـ "حفريات": "تشهد الليرة التركية انهياراً كبيراً، وبلغ سعرها أمام الدولار، 8.3 ليرة مقابل الدولار، فعندما تنتشر أخبار عن زيارة تركية إلى ليبيا، يعني ذلك توقيع مشاريع اقتصادية، وأخذ ودائع من مصرف ليبيا المركزي، ولذلك تأثير إيجابي على سعر الليرة، إلى جانب أنّ تركيا تقول للمجتمع الدولي؛ "لنا وجود في ليبيا يجب وضعه في الحسبان، ولنا حقّ في التسوية".

ويدعم هذا التحليل عقد مؤتمر افتراضيّ تركيّ، نظمته مؤسسة الأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية "سيتا" حول ليبيا، تحت عنوان "إعادة هيكلة قطاع الأمن"، شارك فيه كلّ من؛ وزير الدفاع بحكومة الوفاق الوطني، صلاح الدين النمروش، وممثلة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالإنابة، ستيفاني وليامز، ووزير الدفاع التركي، خلوصي آكار، إلى جانب خبراء ومسؤولين من تركيا وليبيا وأوروبا وروسيا والولايات المتحدة، في19 من الشهر الجاري.

وقال آكار في المؤتمر، عن دعم بلاده لحكومة الوفاق: "يستند إلى دعوة، والاتفاقات الثنائية، ويتوافق مع القانون الدولي".

وفي إشارة إلى مذكرتَي التفاهم بين البلدين، استطرد آكار: "بناء على هذه الدعوة والاتفاق الثنائي نقدّم التدريب والدعم الاستشاري لقوات الحكومة الشرعية في ليبيا". 

وجدّد وزير الدفاع التركي تصميم بلاده على "الوقوف إلى جانب الشعب الليبيّ وحكومة الوفاق الوطني، في إنشاء دولة يسودها الاستقرار والسلام والرخاء".

اقرأ أيضاً: لماذا تدعم إيران حكومة الوفاق في ليبيا؟

تركيا: عرقلة الحلّ الليبيّ

وسواء حدثت هذه الزيارة أم كانت مجرّد رسائل غير مباشرة من تركيا للمجتمع الدولي؛ فإنّ الوجود التركي ما يزال العقبة الأولى أمام نجاح الجهود الحالية لإنهاء النزاع، والتي تتخذ محورَين؛ المحور العسكري عبر لجنة 5 + 5، والذي أخفق في الاختبار الحقيقي الأول له؛ بفتح الطريق بين سرت ومصراتة، نتيجة عدم سحب المرتزقة، وغياب الثقة بين الفريقين.

والمحور الثاني، عبر الملتقى الحواري في تونس، والذي أخفق في جولته المباشرة، نتيجة انعدام الثقة، وتباين وجهات النظر، والمصالح الخاصة لفريق الغرب.

ويرى عمر بو أسعيدة أنّ حوار تونس أخفق قبل بدايته؛ "فوفد المنطقة الشرقية لديه هدف واحد، وهو تنصيب عقيلة صالح رئيساً للمجلس الرئاسي المقبل، كون شاغل المنصب يحمل صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة، ما يعني حماية وضع الجيش الليبي، وترسيخ مكانته كقوة وحيدة منظمة، وقطع الطريق على آمال الإخوان وتركيا بتدمير الجيش، وإحلال الميليشيات مكانه".

ويضيف المحلل السياسي الليبي: "أما الطرف الآخر فغير متّفق حول أجندة سياسية؛ وهو عبارة عن جماعات متفرقة لكلّ منها مصالح خاصة؛ فريق يريد باشاغا رئيسا للحكومة التي ستكون منفصلة عن المجلس الرئاسيّ، وآخر يريد عبد الحميد الدبيبة بدلاً من باشاغا، وفريق ثالث يريد بقاء السراج في منصبه كرئيس لمجلس الوفاق، وكلّ ذلك يعني التراجع عن المبادئ الأساسية للتفاوض، وهي؛ إخراج الوجود العسكريّ الأجنبيّ، وتوحيد المؤسّسات وفق آليات المصلحة العامة، والانتقال للانتخابات".

ويؤكّد بو أسعيدة على أنّ خروج تركيا مرتبط بموقف أمريكي حازم يدفعها للخروج، وغير ذلك لن تتخلى عن مكاسبها، وبذلك لا أمل في أيّة مفاوضات أو لقاءات، ما دامت تركيا هي الحاكم الحقيقي للغرب الليبي، وما دام كلّ ممثليهم يسيرون وفق خطوطها المرسومة لهم، على الرغم من خلافاتهم الشخصية.

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2019؛ قام السراج بأول زيارة إلى تركيا، والتي شهدت توقيع اتفاقيتَي التعاون الأمني، وترسيم الحدود البحرية، والتي رفُضت من قبل البرلمان الليبيّ، المخوّل وفق اتفاق الصخيرات بالتصديق على أيّة معاهدات دولية.

الصفحة الرئيسية