هل تعيد الحلول الدستورية إنتاج النظام القديم في الجزائر؟

7918
عدد القراءات

2019-04-10

يبدو المشهد الآن ضبابياً بخصوص الحراك الشعبي الجزائري، رغم تنظيمه المُحكم، لأكثر من سبعة أسابيع، وقدرته على تحقيق جملة من الأهداف التي قام من أجلها، (سحب ترشّح بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة، ورحيله قبل نهاية عهدته الرابعة، وإعادة ترتيب عدد من الإجراءات الإدارية والقانونية حول تنظيم الانتخابات القادمة). ومن علامات الضبابية أنّ هناك مسافة كبيرة نسبياً بين إرادة "الحراك" ورؤية السّلطة، تتعلق أساساً بالمسار الذي ينبغي اعتماده للانتقال الديمقراطي، أو ما أضحى يعرف ببناء "الجمهورية الثانية".
 البلاد أمام "حالة ثورية مكتملة"

معالجات دستورية لوضع ثوري
من أهم المعضلات التي تواجه "الحراك الشعبي" في نظر مراقبين الآن؛ أنّ النظام القديم، يحاول فرض معالجات وإجراءات دستورية، دون الانتباه إلى أنّ البلاد أمام "حالة ثورية مكتملة"، تستدعي إجراءات استثنائية، تتجاوز الوضع الدستوري؛ فالتعاطي مع استقالة الرئيس من منصبه، باعتبارها حالة عادية مضمنة في الدستور الساري يعدّ إدراكاً ناقصاً، ما لم يقرّ النظام بأنّ الاستقالة أتت نتيجة طارئ ثوري فرضه الشارع على المؤسسات كافة بما فيها الرئاسة، والجيش الذي تدخّل، مرغماً، للاستجابة ولحماية البلاد من الانزلاق لهوة الفوضى..إلا أنّ مضيّه لاحقاً فيما يسميه بالمسار الدستوري، وتنصيبه، أمس، رئيس مجلس الأمة عبدالقادر بن صالح من خلال البرلمان، كرئيس مؤقت للبلاد، يؤكد أنّ مسافة التوافق بين الارادتين لا تزال بعيدة.

"حراك الشعب" هو السيد في اقتراح المسار الذي ينبغي اتخاذه لتجاوز هذه المرحلة، وتحقيق مطالب المحتجين في الجزائر

ويرى مراقبون أنّه في الحالات العادية لم يكن من الممكن تدخل الجيش، ومطالبته برحيل الرئيس، وفق أحكام الدستور! بالتالي؛ فالحديث عن الالتزام الحرفي ببنود الدستور، لا يمكن إدراكه بعيداً عن محاولات الحفاظ على ما تبقى من "توازنات النظام القديم"، وهو، وفق تحليلات كثيرة، محض محاولة يائسة "للالتفاف على إرادة ومطالب الحراك" المُنادي أساساً "ببناء نظام ديمقراطي جديد" على أنقاض النظام السابق، عبر إجراءات جديدة تضمن إنفاذ حالة "قطيعة" مع شكل وممارسات النظام السابق، وهذا لا يمكن أن يتأتى دون تعطيل بعض مواد الدستور المقيدة لإجراءات "التحول الديمقراطي".
وبحسب محللين، فإنّ أيّة محاولات تتجاوز هذا الإدراك، لا يمكن فهمها، إلا في إطار التحليل السابق، وهي أشبه ما تكون بمحاولات تقديم أقراص "البندول" لعلاج "حالة متقدمة من السرطان"! بحسب وصف بعض المحسوبين على الحراك.

اقرأ أيضاً: بن صالح رئيساً مؤقتاً.. هل سيقبل الجزائريون بهذا الإجراء الدستوري؟

ويرى الدكتور عاشور فني، الأستاذ بكلية العلوم السياسة والإعلامية بجامعة الجزائر، لـ"حفريات" أنّ هناك "مسارين أمام الجزائر؛ الأول يتمثل في الشرعية الدستورية وهو مأمون وقصير، لكن الشخصيات التي يخولها للإشراف عليه هي نفسها أركان النظام القديم، المرفوضة شعبياً".
مخاطر هذا المسار -حسب عاشور "أنّه عوض تحقيق التغيير الشامل يعمل على تجديد النظام؛ أي تغيير رؤساء المؤسسات الدستورية بآخرين مقبولين"، وهذا في رأيه "لا ينهي المشكلة؛ إذ يحقق أهداف النظام في التجديد ولا يحقق أهداف الحراك في تغيير النظام".
أما المسار الثاني فهو "مسار الشرعية الشعبية الذي  يبدو أنّه غير دستوري لكنه من صلب روح الدستور؛ فالخروج على المؤسسات الفاسدة يمكن أن يفضي إلى تغيير عميق للنظام. ويتطلب ذلك الاتفاق على أهداف محددة وتحديد أجندة وتعيين ممثلي الحراك الشعبي، وهو ما لم يتحقق حتى الآن".
 إجراءات التحول الديمقراطي، في حدها الأدنى، تتطلب فتح ورش واسعة للنقاش

ماذا عن مؤسسة الجيش؟
على المستوى العملي؛ فإنّ الإجراءات الدستورية التي تصرّ عليها مؤسسة الجيش، عبر تمكين رئيس مجلس الأمة، من الرئاسة، تتيح 90 يوماً فقط للمرحلة الانتقالية، فهل هذه فترة كافية، لإنجاز جملة كبيرة من المطالب، قبل الشروع في تنظيم الانتخابات الرئاسية؟ بما فيها تعديل الدستور الحالي، والاستفتاء عليه شعبياً، بعد مناقشات واسعة تديرها هيئة مستقلة؟

اقرأ أيضاً: هل الجزائر على موعد مع التصعيد؟
يضاف إلى ذلك أنّ إجراءات التحول الديمقراطي، في حدها الأدنى، تتطلب فتح ورش واسعة للنقاش، حول النظام السياسي المراد بناؤه، فضلاً عن عدة مراسيم وإجراءات تعزز الثقة، وتساهم في سيادة مناخ سياسي موات للتحولات الكبرى، من فسح حرية الصحافة والإعلام، وحرية الممارسة السياسية والسماح بتشكيل أحزاب سياسية جديدة، مع إلغاء أيّة قوانين أو لوائح تتعارض مع هذه الحريات، إلى غيرها من الإجراءات التي تحتاج إلى وقت أطول حتى تنضج على صفيح طبيعي، وتضمن انتقالاً سلمياً وسلساً، نحو نظام يلامس طموحات الشارع الثائر على إرث العقود الستة الماضية.

اقرأ أيضاً: هذا ما قالته منظمات حقوقية عن حرية التعبير في الجزائر
بعيداً عن الطرح الشكلاني، الذي يتصور أنّ الدستور وثيقة تتضمن قواعد قانونية مجردة، ينبغي الالتزام بها حرفياً، دون إيلاء أهمية لإرادة الشعب، فإنّ ما حدث منذ ظهر الثاني والعشرين من شباط (فبراير) الماضي، يضع أمام المحللين جملة من الحقائق أهمها: أنّ "الحراك" في الأساس "حالة تجاوز" للوضع الذي ظلّ قائماً، بما في ذلك "الوضع الدستوري" العادي، وأنّ "الحالة الثورية" تجبّ ما قبلها، وتؤسس لوضع دستوري جديد، أو على الأقل لقراءة دستورية متقدمة، وهذا ما حدث مثلاً في رسالة الجيش الأخيرة؛ حيث طالبت بتطبيق المادة (102)، متبوعة بالمادتين 7 و8، وهما مادتان تنصّان على أنّ "الشعب هو مصدر كلّ سلطة" و"السيادة الوطنية ملك للشعب وحده"، وكذلك "السلطة التأسيسية ملك للشعب"، ووفق هذه القراءة؛ فإنّ "حراك الشعب" هو السيد في اقتراح المسار الذي ينبغي اتخاذه لتجاوز هذه المرحلة، سيما أنّ كلّ التطورات التي  حدثت خلال الأسابيع السبعة الماضية لم تكن سوى تحصيل حاصل لتلك الإرادة الشعبية المتبلورة في الحراك الهادر.
"حراك الشعب" هو السيد في اقتراح المسار الذي ينبغي اتخاذه

رحيل النظام بعد استقالة بوتفليقة
وفي ضوء ذلك، لا يمكن التراجع عن المادتين 7 و8، والاكتفاء بالمادة 102 فقط، والمحاججة بإجراءاتها العادية، في وضع غير عادي!
وعطفاً على ذلك، تقول الصحفية زهور شنوف لـ"حفريات"، إنّ "البلاد ليست أمام حالة استقالة فجائية أو طواعية للرئيس حتى نتقيد بالنصوص والإجراءات الدستورية الجارية في الظروف العادية. نحن أمام ثورة شعبية خرجت بالملايين وطالبت برحيل الرئيس ورفضت كل الاقتراحات التي جاءت من قبله وأصرت على مطلب الرحيل، ومازالت تطالب بتغيير النظام".

مطالبات بتأسيس "هيئة مستقلة" لتنظيم الانتخابات الرئاسية بشكل نزيه وشفاف تكلّل عملها بتسليم السلطة لرئيس شرعي منتخب

ولتحقيق هذا الانتقال الذي يرغب فيه الشعب صاحب السيادة الوحيد، ترى شنوف بأنه "لابد من حلول سياسية وليست قانونية، لأنّ الأخيرة عاجزة عن تقديم مخرج حقيقي وشامل من الأزمة". وتقترح "فتح باب التشاور أو التفاوض السياسي لتجاوز هذا الانسداد".
ويوافق الدكتور نوري دريس، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الجزائر على هذا الطرح، إذ يؤكد لـ "حفريات" أنّ "الأزمة الحقيقية ليست ناتجة عن مخاوف من خرق الدستور الساري، بل نتيجة العبث الذي حصل على الدستور، خلال العقود الماضية، إذ حولته السلطة إلى بدلة على مقاس الرئيس"، فضلاً عن أنّ المواد المذكورة أعلاه، "يمكن أن تساعد على حل أزمة النظام وتخرجه من الورطة التي وقع فيها نتيجة ضغط الشارع عليه".

اقرأ أيضاً: الجزائريون يرفضون المرحلة الانتقالية.. هذه هي الأسباب
وفي تصوره فإنّ المادة 102، "قد تساعد النظام من خلال تغيير واجهته بشخص آخر، ظل موالياً للرئيس السابق. أما المادتان  8 و 7، اللتان أشهرهما الجيش في وجه بوتفليقة لإزاحته من واجهة النظام، في تماهٍ واضح مع الشارع،  فهما موجودتان في الدستور منذ الاستقلال".
وفي تقدير دريس، فإنّ "الأزمة الحقيقية في الأساس، هي أزمة سياسية، ولا تحلها المواد الدستورية، مهما تذاكينا في تأويلها، لأنها ستعيد إنتاج النظام القائم". لذلك يرى أنّ الحل لا يعني بالضرورة ذهاب النظام، "فيمكن أن ينتهي الأمر بتسوية، في حال خفتَ الشارع وفقد قدرته على التجنيد، وقد ينتهي الأمر من دون أن تتحقق المطالب المرفوعة، خاصة تغيير نمط اشتغال السلطة، وإعادة توزيعها داخل الجسم الاجتماعي".

المسار الآخر... رؤية خارج الصندوق
وتحاول تيارات بعينها (محسوبة في الغالب على النظام القديم) تمرير العاصفة عبر هذه الحجة، للعودة بالبلاد إلى الوضع العادي، مختزلة "حراك الشعب" في مطلب رحيل بوتفليقة، بينما أكّد الحراك، في جمعة الخامس من نيسان (أبريل)؛ أنّه رافض لسائر الإجراءات الروتينية التي يحاول النظام القديم فرضها، وأنّه لن يقبل بأيّة بدائل أقلّ من "رحيل النظام" بشخوصه وتركيبته وممارساته، وأنّ مطلب الحراك يتمثل في بناء جمهورية ديمقراطية، وهذا المطلب، يتطلب تجاوز المادة 102 وتطبيقاتها، والذهاب بعيداً في قراءة جديدة، تستوعب التطورات الجارية، وسوى ذلك، إذ يرى عدد من الناشطين أنّ الوضع يتطلب إقالة او استقالة عبد القادر بن صالح (رئيس مجلس الأمة)، عوضاً عن تنصيبه رئيساً مؤقتاً، وتشكيل "مجلس رئاسي" يدير المرحلة الانتقالية، بجدول زمني محدَّد، وإجراءات واضحة تؤسس للجمهورية الثانية، منها تشكيل "حكومة وفاق وطني"، تضمّ كفاءات من مختلف الحساسيات السياسية، وانتخاب "هيئة تأسيسية" تضمّ مختلف ألوان الطيف السياسي، تضطلع بمهام اقتراح دستور جديد للبلاد، وفتح المجالين السياسي والإعلامي للنقاش العام، وصولاً إلى تأسيس "هيئة مستقلة" لتنظيم الانتخابات الرئاسية، بشكل نزيه وشفاف، تكلّل عملها بتسليم السلطة لرئيس شرعي منتخب.

اقرأ المزيد...

الوسوم: