هل تقوّض إسطنبول إمبراطورية أردوغان؟

ترجمة: علي نوار


"سلطان، ديكتاتور إسلاموي، عدو الغرب".. قائمة طويلة من الصفات التي تنسب لرجب طيب أردوغان في أي محفل للنقاش حول الرئيس التركي. لا يقتصر الأمر على الوقت الراهن بل إنّه يشمل أيضاً تلك الحقبة حين كانت تركيا تحرز تقدّماً في ملفّ الانضمام للاتحاد الأوروبي، فقد كانت شخصية رئيس الوزراء وقتها والرئيس الحالي تحظى بقدر غير كبير من القبول. لكن المواجهات التي دخل فيها الرجل مؤخراً مع عدد من الحكومات الأوروبية أسهمت في تعزيز الانطباع عنه كشخص وافد من العصور الوسطى.

اقرأ أيضاً: قنبلة غول في حضن أردوغان تفجر الطريق لـ2023

إلّا أنّ أردوغان لا يُنظر له بوصفه سلطاناً مثيراً، فهو تجسيد حي لما يطلق عليه الألمان مصطلح (Zeitgeist) أو روح العصر. وبالدراسة الدقيقة يمكن إيجاد عدة عوامل مشتركة بينه وبين رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، أو البولندي، ياروسلاف كاتشينسكي، مثلما أكّدت الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 2009 هيرتا مولر مؤخراً بأنّهم سياسيون خرجوا من رحم الديمقراطية، وعرفوا كيف يصلون إلى رأس السلطة بفضل الأصوات ذات الميول الصدامية، ويستفيدون حالياً من الزخم الناتج عن حركات الجماهير التي خلقوها هم.

كان أردوغان إسلاموياً متحمّساً في شبابه

كان أردوغان إسلاموياً متحمّساً في شبابه، خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات، في إطار تيار عالمي مُستلهم من الثورة الإيرانية والنضال ضد الغزو السوفييتي لأفغانستان، كان هذا التيار يعتبر الغرب عدواً ثقافياً. ثم تحوّل إلى إسلاموي من تيار ما بعد الحداثة في حقبة التسعينيات، إثر إدراكه أنّ قيم حرية التعبير والديمقراطية الأوروبية كانت خير حليف له في جهوده الرامية لإسقاط هياكل السلطة العميقة في بلاده. رفع أردوغان والحزب الذي أسّسه "العدالة والتنمية" لواء الديمقراطية الليبرالية في العقد الأول من الألفية الجديدة. قبل أن ينتهي به الحال ممتطياً الموجة الجديدة من اليمين الشعبوي التي ازدادت وتيرتها لا سيما في وسط أوروبا.

في ظل سعيه وراء زعامة وقيادة سدس سكان العالم أظهر أردوغان قدرة هائلة على التواصل مع الحشود الجماهيرية

أدّى أردوغان كل دور لعبه على مدار مسيرته السياسية بالشكل الذي جعله ومؤيديه يصدقون أنفسهم. لكن سيكون من الإخلال عدم الاعتراف بأنّه بعد كل هذه القدرة على التأقلم مع كل الفترات الزمنية فإنّ الهدف هو شيء آخر خلاف البقاء في سدة الحكم. تتمتّع السلطة ببريق يخطف بصر أردوغان بالطبع، لكنّه أيضاً أداة لتحويل رؤيته تجاه تركيا كدولة والإسلام كأيدولوجيا عالمية إلى واقع. ويتردّد أنّ رئيس تركيا اليوم قال عام 1996 إنّ "الديمقراطية هي قطار، وحين تصل إلى محطتك، تهبط". هكذا إذن السلطة والديمقراطية، مجرد أدوات في خدمة القضية.

وتتمحور هذه القضية في جعل تركيا عظيمة من جديد وتحويلها إلى قائدة ومرشدة لعالم إسلامي مترامي الأطراف. وبشكل ما يسعى أردوغان لاسترداد مفهوم الإمبراطورية العثمانية، لكن ليس كما يظنّ البعض بغية حصوله على لقب سلطان الذي يتنافى مع روح العصر الحالي ولا إعادة ترسيم الحدود، بل لأجل إعادة إحياء روح هذا اللقب بصورة تتوافق مع القرن الـ21: بحيث تكون تركيا قوة جيوسياسية في المقام الأول يُنظر لها بإعجاب وتسعى لاتباعها جميع الدول ذات الأغلبية الإسلامية، في نوع من نسخة خاصة من (مبدأ مونرو) لكن مع إعلانه من أنقرة. "العالم الإسلامي من أجل المسلمين"، على أن تكون أنقرة أو إسطنبول هي مركز هذه السلطة.

اقرأ أيضاً: تداعيات خسارة أردوغان في إسطنبول.. كيف نقرأ الحدث؟

وفي ظل سعيه وراء زعامة وقيادة سدس سكان العالم تقريباً، أظهر أردوغان قدرة هائلة على التواصل مع الحشود الجماهيرية. فنظراً لأنّه ينحدر من أحد الأحياء المتواضعة، فقد عرف كيف يرى القطاعات الأكثر تهميشاً من البلاد وهو الذي كان أحد أبناء هذه الأوساط، وكذلك ضحية لمظالم "من هم بالأعلى"، مستفيداً من تعرّضه للإيذاء والملاحقة بسبب رغبته في خدمة شعبه.

أظهر أردوغان قدرة هائلة على التواصل مع الحشود الجماهيرية

ولعل المثال الأبرز على ذلك هو قرار القضاء التركي بحرمانه من منصب عمدة إسطنبول عام 1998 وتوقيع عقوبة السجن 10 أشهر ضده على خلفية قراءته قصيدة شعرية ذات نزعة قومية تحمل استعارات دينية. كان رد فعل مؤسسات الدولة المبالغ فيه هذا هو تحديدًا ما خدم حركة الأقلية التي كان أردوغان منخرطاً فيها لتصبح حركة جماهيرية، علاوة على العُرف السائد وقتها بتجاهل مطالب الفئات الشعبية (وهو الأمر الذي لاحظه الزعماء الأوروبيون؛ لأنّه إذا كان أردوغان هو ردة الفعل إزاء سوء الحكم والفساد وأزمة التسعينيات في تركيا؛ فإنّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) ووصول دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية ونماذج أخرى من اليمين الشعبوي الجديد، هي في الواقع نتاج غضّ الطرف عن التبعات الناجمة عن الأزمة الاقتصادية العالمية والعقود التي سبقتها من انتشار الليبرالية).

إذا كان نصف الشعب التركي يحب أردوغان فهذا لا يعنى سوى أنّ شعبيته لن تتجاوز النصف مطلقاً

مدفوعاً برغبته في الثأر الشخصي من النُخب الاقتصادية والثقافية التي لم تتقبّله حتى بعد انتصاراته الانتخابية وتأييد ملايين الأشخاص له، فهم أردوغان كيف يستفيد من هذه المشاعر وينقلها إلى الجموع الغفيرة من الناخبين التي تمنحه التقدير الذي ينشده. الناخبون الذين يهتفون باسمه ويشعرون بأنّهم انتصروا شخصياً عندما يخضع أصحاب مؤسسات الأعمال الكبرى الذين كانوا يقلّلون من شأنه لإرادته أذلّاء. وسبق أن قال عن خصومه القدماء "الآن يأتون كالخراف المروّضة". إنّ صورة الرجل الذي يُداس تحت الأقدام ويتعرّض للإهانة ثم ينهض وينتصر وبكل قوة وحزم على أعدائه هي في حد ذاتها فكرة ملهبة لحماس أنصاره.

اقرأ أيضاً: إسطنبول "تصفع" أردوغان

والآن وبعد مرور عقدين على وصوله إلى سدة الحكم، ورغم جمع أغلب السلطات التنفيذية بين يديه، لا يزال أردوغان يمضي قدماً في استغلال صورة الزعيم الوافد من الأسفل والمُضطهد من هؤلاء الذين في الأعلى خلال خطاباته. إلّا أنّه في الوقت ذاته صمّم آليات للسيطرة تجعل بقاءه في السلطة مسألة شبه مضمونة تماماً، عن طريق الإسلام الذي أصبح وسيلة للتعليم وتحريك الحشود. والحديث هنا ليس عن الدين التقليدي الذي لطالما آمن به سُكان شبه جزيرة الأناضول، بل أيدولوجيا تستند ركائزها إلى إسلام من طراز جديد ذي طابع يقوم على الانخراط السياسي والهوياتية بصورة كبيرة.

ورغم كل ذلك، إلّا أنّ نموذج حكم أردوغان لا يتشابه مع غيره من أنظمة الحكم.. بل يبدو أقرب إلى نموذج الرجل القوي، على غرار ذلك الذي يميّز نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أو زعماء عدد من دول وسط أوروبا، أو رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، أو رئيس الفلبين رودريجو دوتيرتي، وهو نموذج يطلق عليه بعض الأكاديميون مصطلح "الاستبدادية التنافسية"، وهو نوع هجين من عدة أنظمة حكم.

اللجوء إلى مبدأ "من ليس معي فهو ضدي" قد يتحوّل إلى عقبة وهو ما يبدو أنّ أردوغان قد وقع فيه

تقوم آليات السلطة هذه على أساس من الديمقراطية: فهي تعمل على حصوله في كل استحقاق انتخابي على ما لا يقل عن 50% من الأصوات. المعركة ليست متكافئة بالطبع، فهناك آلة إعلامية هائلة ترتبط بالسلطة بعلاقة وطيدة أساسها الامتيازات والعقود الحكومية، واستخدام غير مُقيّد لجميع الموارد المتاحة ما يجعل كل حملة انتخابية استعراضاً بطله رجل واحد: وفي الحقيقة أنّه لا وجود سوى أردوغان في جميع الأنباء التركية. يُضاف إلى ذلك الملاحقة التي يتعرّض لها المرشحون المحسوبون على المعارضة، والصحفيون الناقدون، وأي شخص قد يشوّه صورة أردوغان، لكن عند فرز بطاقات الاقتراع، تشير النتيجة دائماً إلى أنّ 50% من الشعب منح صوته له.

ورغم بناء الزعيم التركي لنظام قادر على إبقائه في السلطة كما يشاء، إلّا أنّ ذلك لا يعني عدم وجود شروخ. فأحد أبرز مكامن الضعف لدى أردوغان تتمثّل في حالة الاستقطاب السياسي التي خلقها هو باستراتيجية "ديمقراطية الـ50%" والنتائج الاقتصادية المتواضعة التي تحقّقت في الأعوام الماضية، بعد ثلاثة عقود من اعتماد حزب العدالة والتنمية على الأداء الاقتصادي الإيجابي لاكتساب الشعبية.

اقرأ أيضاً: هكذا خسر أردوغان إسطنبول مرتين

وتعود جذور هذه الأزمة الاقتصادية إلى محاولات أردوغان السيطرة المطلقة على أي من مناحي الحياة إذا عجز عن استيعابه حتى، وكذلك مراهنته بأغلب بطاقاته على قطاعي صناعة الإسمنت والإنشاء، اللذين يسمحان له بالاحتفاظ بشبكة من العملاء، كل ذلك أفضى إلى أزمة عانت منها العملة الوطنية (الليرة) عام 2018، حتى انعكست بشكل ملحوظ على جيوب المستهلكين فيما بعد.

من المعروف في عالم السياسة أنّ اللجوء إلى مبدأ "من ليس معي فهو ضدي" قد يتحوّل إلى عقبة، وهو ما يبدو أنّ أردوغان قد وقع فيه بعد أن حوّل نظام الحكم في تركيا من البرلماني إلى الرئاسي في عام 2018، مما نتج عنه تعزيز الثنائية الحزبية وروح التصادم. وحتى الآن تنقسم المعارضة -التي يدأب أردوغان على وصفها بـ"الخائنة" التي تخدم مصالح أجنبية مشبوهة- إلى ثلاثة معسكرات مختلفة: الاجتماعيين الديمقراطيين، والقوميين، واليسار المرتبط بالحراك الكردي، وهو ما يسهّل بالقطع تحقيق الرئيس التركي للمكاسب السياسية، حتى لو لم يتمكّن من الحصول على أغلبية مطلقة من الأصوات.

أكرم إمام أوغلو

وإذا كانت المعارضة قد نجحت في الظفر بعدة انتصارات انتخابية مثل السيطرة على مدينتي أنقرة وإسطنبول، فإنّ هذا ليس راجعاً إلى إعطاء الشعب ظهره لأردوغان، بقدر ما هو ناتج عن إدراك فصائل المعارضة المختلفة لأهمية الاتحاد. لا يجب إغفال وبأي حال من الأحوال أنّه إذا كان نصف الشعب التركي يحب أردوغان فهذا لا يعنى سوى أنّ شعبيته لن تتجاوز النصف مطلقاً.

هزيمة أردوغان بانتخابات إسطنبول والظروف المحيطة بها أدت إلى حدوث صدوع داخلية في حزب العدالة والتنمية

ولعل أحدث الأدلّة على ذلك هو ما حدث في الأسبوع الأخير من حزيران (يونيو) الماضي، حين مُني الرئيس التركي بهزيمة مزدوجة أثناء إعادة الانتخابات البلدية في مدينة إسطنبول. فقد خرجت المعارضة منتصرة وأقوى من الانتخابات بعد أن كانت ضحية للعبة سياسية غير نزيهة من جانب النظام الحاكم. ومن جانب آخر خسر أردوغان ومرشح حزبه هذه اللعبة الخطرة بعد أن انقلب السحر على الساحر، ونجح مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو في تكرار فوزه الذي كان قد حقّقه في الانتخابات الأولى أواخر آذار (مارس) على حساب حزب العدالة والتنمية.

تُعدّ إسطنبول مفتاح حكم تركيا ولم يسبق لأيّ سياسي يتطلّع لمقعد الرئاسة أن وصل لهذا المنصب دون الحصول على دعم سكان هذه المدينة العريقة. ولم يكرّر إمام أوغلو انتصاره -الذي قررت المحكمة الانتخابية إلغاءه- فحسب، بل إنّه وسّع الفارق بينه وبين مرشح العدالة والتنمية بن علي يلديريم، ليصل إلى 9 نقاط مئوية كاملة. المؤلم لأردوغان ويلديريم والعدالة والتنمية هنا أنّ هذا الفارق أكبر بكثير من الألفي صوت التي تفوّق بها إمام أوغلو في الجولة الأولى التي ألغيت، وكان من شأن ذلك أن يستدعي إعادة فرز للأصوات -وهو ممارسة مشروعة ومتكرّرة في الديمقراطيات- لكن ليس إلغاء النتيجة بالكامل والدعوة لانتخابات جديدة.

 هذه الهزيمة والظروف المحيطة بها قد تؤدّي إلى حدوث صدوع داخلية في حزب العدالة والتنمية

بالتالي، وبعد الفوز الذي لا يمكن التشكيك فيه الآن والذي حقّقه أكرم إمام أوغلو، تصبح المدن الخمس الكبرى التركية تحت حكم علمانيين. وهي رسالة واضحة لبرنامج الأسلمة الممنهج -والاستبدادي أحياناً- للبلاد الذي يقوده أردوغان وحزبه. رغم أعوام بدا فيها أنّ الزعيم التركي سينجح خلالها في تمرير وتطبيق خططه دون أي ممانعة على الإطلاق. لكن تركيا الحضرية والعلمانية انتفضت في وجه هذا المشروع الذي يهدّد بتقويض نموذج الدولة الحديثة التي أسّسها مصطفى كمال أتاتورك، وكان الدليل من جديد هو إقبال كبير من الناخبين حيث قطع الآلاف من أبناء إسطنبول عطلاتهم الصيفية عائدين إلى إسطنبول كي يتمكّنوا من التصويت بكثافة. في مشهد يعبّر عن إرادة التغيير التي لا قبل لأردوغان بالوقوف في وجهها.

اقرأ أيضاً: انتخابات إسطنبول: أكرم إمام أوغلو يتحدى رجل أردوغان

كما أنّ هذه الهزيمة والظروف المحيطة بها قد تؤدّي أيضاً إلى حدوث صدوع داخلية في حزب العدالة والتنمية. وقد اعترفت بعض قيادات الحزب على الملأ بالفعل بأنّهم خسروا الانتخابات ليس في جولة الإعادة نهاية الشهر الماضي فحسب، بل منذ اليوم الذي أعلنت فيه اللجنة الانتخابية إلغاء نتيجة انتخابات آذار (مارس) الماضي وأمرت بإعادة الانتخابات من جديد.

بوسع الرئيس التركي الآن أن يأخذ ملاحظات من الرسالة الواضحة للغاية التي وجّهها له قطاع لا بأس به من الناخبين، أو يمكنه المضي قدماً في مناورات على غرار تهديد الفائز بالانتخابات من عواقب الإساءات التي أطلقها بحقّ أحد المسؤولين الحكوميين رفيعي المستوى. لكن على أي حال فإنّ المدن التركية تأمل في أن يتخّذ أردوغان الخيار الأول.


المصادر: تحرير لمقالين منشورين بصحيفة (الباييس) الإسبانية عن إعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول:
أندريس مورينثا 
تحرير (الباييس)

الأقسام: