هل تكون الطفلة جنى آخر من يتعرض للعنف الوحشي في مصر؟

هل تكون الطفلة جنى آخر من يتعرض للعنف الوحشي في مصر؟

مشاهدة

30/09/2019

تدخل الطفلة المصرية جنى سمير (5 سنوات)، إلى المستشفى، ليتبين، على الفور، أنّها تعاني من جلطة بالطرف السفلي، ومن آثار سحجات بالظهر والبطن، والحالة العامة دون المتوسطة.
تبيّن أيضاً أنّ الطفلة مصابة بغرغرينا في القدم، إثر تعرّضها لكسر في الساق وبقائها لمدة طويلة دون علاج، مما أدى إلى ضرورة بتر الساق اليسرى. ظلت الطفلة في العناية المركزة حتى لفظت أنفاسها.
اللافت للانتباه؛ أنّ الطفلة لم تدخل إلى المستشفى نتيجة حادث أو سقوطها من مكان مرتفع، لكنّها دخلته نتيجة تعرضها لعنف أسريّ على يد جدتها وخالها.

تبيّن أنّ الطفلة جنى مصابة بغرغرينا في القدم إثر تعرّضها لكسر في الساق وبقائها لمدة طويلة دون علاج

وأكدت التحقيقات أنّ الطفلة توفيت بسبب التعذيب على يد جدتها في قرية بساط الدين بمدينة شربين بمحافظة الدقهلية شمال مصر.
وكشفت التحقيقات أنّ الجدة مارست تعذيباً وحشياً ضد حفيدتها الثانية أماني، وهي شقيقة الطفلة المتوفاة، وأحرقت جسدها وشوّهت أعضاءها التناسلية، بسبب قيامها بفتح الثلاجة وتناولها طبق أرز.
وقال أشرف ياسين محامي الطفلة لـ "العربية.نت" إنّ والد الطفلتين وعمتهما اكتشفا إصابة الطفلة الثانية أماني، التي تبلغ من العمر 6 سنوات، بحروق خطيرة في أماكن حساسة بجسدها، وتشوهات ناتجة عن آثار حرق وكي، وعلى الفور توجها بها لمستشفى شربين العام.

مشهد من جنازة الطفلة جنى

اقرأ أيضاً: هل التفسيرات الدينية مصدر عنف ضد الطفل؟
وتقيم الطفلة المتوفاة وشقيقتها عند جدتها لوالدتهما بحكم قضائي بعد انفصال والديها الكفيفين؛ حيث قامت الجدة بالتعدي على جنى بالضرب والحرق في أماكن حساسة بجسدها عقاباً لها على تبولها اللاإرادي.
القضية شغلت الرأي العام المصري والعربي، وظهر كثير من "الهاشتاغات" على مواقع التواصل الاجتماعي، تحت اسم الطفلة "جنى"، التي تعرضت للتعذيب، ما دفع الدكتورة عزة العشماوي، الأمين العام للمجلس القومي للطفولة والأمومة، إلى المطالبة بتوقيع أقصى عقوبة بالجناة؛ باعتبار أنّها جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار، وفق حكم المادّتين 230، 231 من قانون العقوبات المصري؛ وهي الإعدام.
جنى ليست الوحيدة التي تعرضت للعنف الأسري في مصر

العنف الجسدي كنوع من العقاب
جنى ليست الأولى التي تتعرض للعنف الأسري في مصر، ولن تكون الأخيرة، فبحسب دراسة أعدتها "منظمة الأمم المتحدة للطفولة" (يونيسيف)، بالتعاون مع "المركز القومي للطفولة والأمومة" في مصر؛ تبيّن أنّ أغلب الأطفال ما بين 13 – 17عاماً، الذين شاركوا في البحث، 61% في القاهرة، و56% في الإسكندرية، و58% في القاهرة، ذكروا أنّهم تعرضوا لشكل ما من أشكال العنف الجسدي في العام السابق للبحث، وأنّ الفتيان يتعرضون له بدرجة أكثر من الفتيات.

اقرأ أيضاً: اليونيسف: العنف يهدّد التعليم في هذه الدول الإفريقية
وأكّد البحث أنّ كثيرين من الأهل والمدرسين والقيادات الدينية؛ بل وحتى من الأطفال أنفسهم، ما يزالون يرون أنّ العقاب الجسدي أسلوب مقبول تماماً من أساليب التأديب؛ ففتيات كثيرات من اللاتي شاركن في المقابلات، على سبيل المثال، يعتقدن أنّه من حقّ أفراد الأسرة الأكبر منهنّ سنّاً ضربهنّ كنوع من العقاب، وأنّ أهلهنّ يضربنهنّ لأنّهم "يهتمون" بهنّ، وأنّ مثل هذه المعاملة تجعل الأطفال أكثر طاعة واحتراماً، كما رأين أيضاً أنّ من حقّ المدرّسين أن يضربوهنّ، وأنّ ذلك يحفزهنّ على الدراسة، أما الفتيان؛ فلم يعترضوا على العنف الجسدي إذا ما ارتكبوا خطأ ما، بل ادّعى أحد الفتيان أنّ إهانة وضرب الوالد تجعله شخصاً أكثر تواضعاً.
العنف النفسي والإهمال
العنف النفسي هو أكثر أشكال العنف التي تعرّض لها الأطفال الذين شاركوا في دراسة "اليونيسيف"؛ 84% في الإسكندرية، 85% في القاهرة، و75% في أسيوط، كما يعدّ الإهمال أمراً آخر يثير القلق، ويتعرّض له 46% تقريباً من الأطفال الذين شاركوا في الاستطلاع في كلّ من الإسكندرية والقاهرة.
واعترف أغلب الآباء المشتركين في الدراسة؛ بأنهّم لجؤوا إلى استخدام العنف النفسي ضدّ الأطفال في وقت ما، إلا أنّ بعضهم شعروا بأنّ ذلك لا يأتي بنتيجة؛ بل يجعل الأطفال أكثر عدوانية وعنفاً، وفضّل عدد كبير من الآباء استخدام أساليب أخرى، مثل: حرمان الأطفال من الخروج في حال إساءتهم التصرف.

اقرأ أيضاً: التنمر بين الأطفال.. ليس مجرد عنف لحظي.. هذه أضراره
أما المدرسون؛ فقد ادّعى أغلبهم أنّهم يعارضون سبّ أو إهانة الأطفال؛ حيث يشعرون بأنّ ذلك قد يدفع الأطفال إلى كره المدرسة، لكن مرة أخرى؛ يتناقض هذا الادّعاء مع ما رواه الأطفال المشاركون في هذه الدراسة؛ حيث أصروا على أنّ المدرّسين يهينونهم، ويصرخون في وجوههم، ويسبّونهم طوال الوقت.
العنف النفسي هو أكثر أشكال العنف التي تعرّض لها الأطفال

العنف الجنسي والممارسات التقليدية
أغلب الفتيات اللاتي شاركن في الدراسة ذكرن أنهنّ تعرضن للتحرش الجنسي اللفظي، وكانت ثلثا الفتيات المشاركات في البحث من القاهرة، كما تكشف الدراسة وجود اعتقاد شائع نوعاً ما، بين الآباء والفتيان بأنّ سلوك وملابس الفتيات اللاتي يتعرضن للتحرش الجنسي هو الذي يؤدّي للتحرش بهنّ، وأنّ الفتيات اللاتي يتعرضن لذلك يستمتعن به؛ لذلك فهنّ "مستحقات لما يتعرضن له"، وفي أغلب الأحوال؛ تواجه الفتيات تحدياً مزدوجاً، فهنّ مسؤولات عن استفزاز المتحرش، وفي الوقت نفسه مسؤولات عن تجنّبه من خلال الابتعاد عن الذكور، والاحتشام في الملبس، وتجاهل مثل هذا التحرش حين يحدث، كما أنّ قلة قليلة من الفتيان في كلّ المناطق التي أجري فيها البحث، ذكروا أمثلة على تعرضهم أو تعرض فتيان آخرين للعنف الجنسي، كانت أكثر أشكال العنف الجنسي شيوعاً التي ذكرها الأطفال المشاركون في البحث؛ هي التحرش اللفظي، يليه الملامسة الجنسية.

العنف النفسي هو أكثر أشكال العنف التي تعرّض لها الأطفال المصريون الذين شاركوا في دراسة اليونيسيف

وعزا العديد من الآباء والأمهات مثل هذه الإساءات إلى شبكة الإنترنت، في حين اتّهم الفتيان والفتيات التراجع في الأمن، وإنفاذ القانون، منذ قيام الثورة عام 2011، أما المدرّسون؛ فقد رأوا أنّ الهواتف المحمولة والإنترنت، والتلفزيون، ودور السينما مسؤولون عن ذلك، وفي الوقت نفسه؛ ألقى القادة الدينيون اللوم على تأثير الثقافة الغربية والإنترنت، والاكتظاظ السكاني، وتدهور الوضع الاقتصادي (حيث يتقاسم المزيد من الأفراد العيش في مساحات صغيرة).
وقد أكّدت الدراسة أنّ موضوع ختان الإناث موضوع شائك وحساس؛ حيث إنّه يُعدّ وثيق الصلة بأخلاق الفتاة، وشكلاً مهماً من أشكال "الطهارة"، وتأتي نسبة الإناث اللاتي تعرضن للختان في مصر ضمن أعلى النسب عالمياً؛ 27 مليون من بين 125 مليون على المستوى العالمي، وفي الاستطلاع؛ سُئلت كلّ الفتيات ما إذا كنّ قد تعرضن للتشويه الجنسي؟ فكان الردّ بالإيجاب في 39% من الفتيات في أسيوط، و56% في القاهرة، و93% في الإسكندرية، وذلك رغم وجود قانون يجرّم الممارسة.

التقرير الطبي للطفلة جنى

اقرأ أيضاً: بالأرقام.. العنف ضد النساء في ألمانيا
و91% من الفتيات المشاركات في الاستطلاع في القاهرة، و97% من الفتيات المشاركات في الإسكندرية، رأين أنّ لختان الإناث آثاراً ضارة مقارنة بـ 7% فقط في أسيوط. وطبقاً للدراسة؛ يبدو أنّ التعليم عنصر مهمّ في تحديد الوعي بهذا الأمر، فأكثر من نصف الفتيات اللاتي استكملن أو التحقن بالدراسة الثانوية (في القاهرة 64%، وفي الإسكندرية 69%) ذكرن أنّ ختان الإناث ممارسة ضارة.
أما الفتيان في المرحلة العمرية ما بين 13 إلى 17 عاماً؛ فكان وعيهم ضعيفاً بالأمور المرتبطة بختان الإناث، وكانوا غير متأكدين فيما إذا كانت ممارسته صحيحة أم خطأ، كان الفتيان في أسيوط، حيث تكاد الممارسة تشمل جميع الفتيات بالمحافظة، كانوا من أكثر المجموعات وعياً بأنّها ممارسة غير قانونية، ومع ذلك ذكروا أنّها أمر طبيعي؛ حيث تجعل الفتيات أكثر احتشاماً واحتراماً، وأنهم يوافقون عليها لبناتهم، وقد تبين أنّ أقلّ من نصف الأطفال الذين تمت مقابلتهم في أسيوط ذكروا أنهم سيفعلون ذلك مع بناتهم في المستقبل؛ مقارنة بخمسة في المائة من الأطفال المشاركين في الاستطلاع بالقاهرة والإسكندرية.

اقرأ أيضاً: متى تحمي تركيا النساء من العنف؟
وفي الوقت الذي رفضت فيه نسبة كبيرة من الآباء والأمهات ممارسة ختان الإناث، إلا أنّ غالبية الآباء والأمهات والمدرسين يعتقدون أنّه في مصلحة الفتاة؛ حيث يحافظ على عفتها وسمعتها، وذلك رغم المخاطر الواضحة على صحتها ورفاهتها، وفي كلّ الحالات؛ يميل الفتيان والفتيات، الذين شملهم الاستطلاع، إلى الاتفاق على أنّ زواج الأطفال تقليد ضار، وأنّهم لن يفكروا في الزواج قبل الانتهاء من تعليمهم.
زواج الأطفال مجرَّم أيضاً في القانون المصري، ولكن، مثله مثل ختان الإناث، ما يزال يستخدم كوسيلة للسيطرة على الفتيات، على وجه الخصوص، وكوسيلة لإعفاء الأسر من تحمّل المسؤولية الاقتصادية لرعاية فتياتهم.
ويعتقد نحو 86% من الآباء الذين شملهم الاستطلاع في كلّ محافظة من المحافظات الثلاث؛ أنّ لزواج الأطفال آثاراً ضارة، وكانت ممارساتهم متوافقة مع مواقفهم، فأقل من 10% من الآباء والأمهات في القاهرة وأسيوط والإسكندرية كانت لديهم فتيات تزوجن قبل بلوغ سنّ 17عاماً، ولكنّ البحث الكيفي، رغم ذلك، كشف آراء أكثر تنوعاً؛ حيث ذكر بعض الآباء أنّ سنّ الـ 14 عاماً هو العمر المناسب لزواج الفتيات، وأنّ الفتاة التي تبقى غير متزوجة حتى سنّ العشرين سوف يُنظر إليها باعتبارها "عقيمة".

الصفحة الرئيسية