هل جنى التصوف على حضارة الإسلام؟

6436
عدد القراءات

2018-12-13

في كتابه "التصوف: الثورة الروحية في الإسلام" اعتبر أبو العلاء عفيفي التصوف محض انقلاب على الأوضاع والمفاهيم الإسلامية كما حددها الفقهاء والمتكلمون والفلاسفة، وانتهى إلى أنّ التصوف هو أروع صفحة تتجلى فيها روحانية الإسلام، وأنه التفسير العميق للدين الذي فيه إشباعٌ للعاطفة وتغذية للقلب، في مقابل التفسير العقلي الجاف الذي وضعه المتكلمون والفلاسفة، والتفسير الصوري القاصر الذي وضعه الفقهاء.

اقرأ أيضاً: لماذا لم ينجح التصوف كبديل لجماعات الإسلام السياسي؟
إلا أنّ ما ذهب إليه عفيفي لم يكن يوماً محل اتفاق بين الباحثين؛ فما رآه بعضهم ثورة على الجمود، رأى فيه الآخرون حركة خطرة تتخطى كل الحدود وتقلب الصورة التاريخية للإسلام وللمجتمع وتشل فاعليتهما؛ إلا أنّ هناك توافقاً كبيراً على أنّ التصوف ظاهرة كبرى شغلت حيزاً زمنياً كبيراً في التاريخ الإسلامي وغطت رقعة جغرافية شاسعة في "ديار الإسلام".

غلاف كتاب "التصوف: الثورة الروحية في الإسلام"

كيف بدأ الأمر؟

يفسر فهمي جدعان نشأة التصوف في كتابه "أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث" كرد فعل على الجمود الذي انتهى إليه علم الكلام الذي لم يتم اكتماله وتطوره إلا في أحضان الفلسفة الهيلينية المنحدرة من الإغريق؛ فاتخذ بذلك طابعاً شبه فلسفي متمثل في نزوعه إلى التجريد واعتماده على الطابع الجدلي العقلي والمنطقي الخالص وانتهائه إلى الخوض في مسائل عارضة جزئية سواء طبيعة أو مفارقة للحس، فانتهى كعلمٍ جاف لا حياة فيه، أو على الأقل كفّ عن أن يكون له أي تأثير في حياة المسلم المشخصة.

فهمي جدعان: نشأة التصوف جاءت كرد فعل على الجمود الذي انتهى إليه علم الكلام

واحترازاً من فهم كلامه على وجه التقليل من أهمية علم الكلام أو دوره في الحضارة الإسلامية، يستدرك جدعان بقوله إنّ المتكلمين خاضوا معارك مجيدة في وجه "خصوم الإسلام"، وحفظوا للعقيدة الإسلامية تماسكها وصرامتها المنطقية وأصولها الراسخة، لكن في الوقت الذي اهتم المتكلمون فيه بإثبات قضاياهم عقلياً، بغض النظر عن معناها بالنسبة إلى المؤمن في حياته اليومية، عزف المؤمنون عن هذا العلم وفضلوا عليه التصوف.
كلام جدعان يتطابق مع واقع الحال في القرن الخامس الهجري، حين كان علم الكلام عاجزاً في صورته المنطقية عن أن يقوم بدور حيوي فعال في الحياة الزمنية والروحية للإنسان المسلم، في وقت اعتاد فيه المتصوفة أن يهجروا تعقيدات المنطق ودقائق اللغة إلى الشعور والوجدان المشخص فجذبوا بذلك عوام المسلمين إلى عالمهم، إلا أنه لا يتطابق مع واقع الحال في القرنين الثالث والرابع الهجريين اللذين تنافس فيهما التصوف والكلام.

اقرأ أيضاً: هل يصلح التصوف ما أفسده الفقهاء؟
فنشأة التصوف كانت أسبق من طور جمود علم الكلام، وهذا ما وعاه محمد عابد الجابري وبنى عليه جُلّ تحليله لظاهرة انحطاط الحضارة الإسلامية، فهو يقول في "تكوين العقل العربي" إنّ النظام العرفاني سواء في مجال التصوف أو في مجال الفلسفة الإشراقية أو على صعيد الأيديولوجيا الإسماعيلية، لم يكن رد فعل ضد "تزمت" الفقهاء ولا ضد "جفاف" الاتجاه العقلي عند المتكلمين، بل ظهر "العقل المستقيل" – العرفان الشيعي والكشف الصوفي معاً – قبل أن تتطور تشريعات الفقهاء ونظريات المتكلمين.

محمد عابد الجابري
بيْد أنّ الجابري الذي كان محقاً في تأريخه للتصوف (بداية القرن الثالث الهجري) الذي زامن ازدهار الكلام، أراد إلقاء جمرة الانحطاط في حِجر الدخلاء على الحضارة الإسلامية، وجعل من مصفوفة العرفان، وضمنها التصوف، عوامل دخيلة أثرت بالسلب على الإسلام، فاته أنّ التصوف كان نابعاً من الظروف الواقعية للمسلمين، وقبله كان جولد تسهير في "العقيدة والشريعة في الإسلام" رأى في التصوف نسخة إسلامية من الأفلاطونية المحدِثة، عازلاً التصوف عن محيطه الاجتماعي.
ليس مجلوباً من الخارج
الفيلسوف الصوفي الباكستاني محمد إقبال فند اتهام التصوف بالجلب من الخارج من قبل في كتابه "تطور الفلسفة الميتافيزيقية في فارس" بحَثِه على ضرورة النظر إلى البيئة الاجتماعية التي نشأت فيها ظاهرة التصوف، يقول إقبال:
"ليست هناك فكرة من الأفكار ذات قيمة يكون لها سلطان على نفوس الناس إلا إذا كانت تمت إليهم بصلة، فإذا جاء عامل خارجي أيقظها لكنه لا يخلقها خلقاً، وعندما بحث المستشرقون في أصل التصوف ذهبوا إلى أنّ مردّه التأثيرات الخارجية (بعضها هندي وآخر فارسي)، ونسوا أنّ أية ظاهرة عقلية أو تطور عقلي في أمة لا يكون لهما معنى ولا يفهمان إلا في ضوء الظروف العقلية والسياسية والدينية التي عاشت فيها الأمة قبل تلك الظاهرة".

الفيلسوف الصوفي الباكستاني محمد إقبال
وأبو العلاء عفيفي، الذي اعتبر التصوف بمثابة الثورة الروحية في الإسلام، أراد أن يمحو هذا الاتهام من أساسه بقوله إنّ تاريخ التصوف في الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخ الإسلام نفسه، ومظهر من مظاهره، وما أحاط به من ظروف، وما دخل فيه من شعوب، وليس شيئاً اجتلب من الخارج دون أن تكون له صلة بالدين الإسلامي وروحه وتعاليمه.

أبو العلاء عفيفي: تاريخ التصوف في الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخ الإسلام نفسه ومظهر من مظاهره

ومع ذلك لا ينكر عفيفي أنّ الإسلام لو لم يخرج من الجزيرة العربية ما كان ليصير ديناً صوفياً أبداً، بسبب عقيدة التوحيد المفرطة في البساطة، على عكس ما في التصوف من نظريات معقدة، لكن بخروجه من جزيرة العرب امتزجت تعاليم الإسلام بتعاليم وأديان الأمم التي انتشر فيها ضوؤه والتي كانت على حظ كبير من الفلسفة والعلم والحياة الروحية العميقة، وعلى هذا الأساس كان التصوف وليد تاريخ الإسلام الديني والسياسي والعقلي والعنصري الذي هو تاريخ الأمة الإسلامية ككل.

اقرأ أيضاً: لماذا يكره السلفيون التصوف؟
وما ذهب إليه عفيفي يعدّ واقعياً بدرجة كبيرة إذا ما قورن بما أكده ما سينيون بأنّ التصوف "ظاهرة إسلامية قحة" إلا أنه عدها محض "تجربة روحية" بلا أبعاد اجتماعية، على عكس فهمي جدعان الذي رد نشأة التصوف في الإسلام إلى ظاهرة الفساد الاجتماعي والسياسي في الحياة الإسلامية، وإلى ظاهرة العقلنة المسرفة التي تجلت في علم الكلام والفلسفة الهيلينية على حدٍ سواء، إلا أنّ كلامه ينطبق على مرحلة ازدهار التصوف وليس نشأته.
وفي فضاءٍ مجاور لما ذهب إليه جدعان ذهبت أستاذة الفلسفة في جامعة القاهرة، هالة فؤاد، إلى أنه مع تحول الدين من حالة وجدانية ثورية إلى مؤسسة تتحالف مع السلطة وتوظف نفسها لخدمتها وتتحالف مع النخبة الحاكمة، ظهر التصوف كرد فعل على تورط المؤسسة في تحالفات سياسية؛ ومن ثّم تخلص إلى التصوف كان محاولة لاسترداد الحالة الأولى للدين.

نكبة التصوف أم ثورته؟
لم يكن الجابري وحيداً تماماً في محاولته المضنية للبحث عن مذنب يحمل وزر تدهور حضارة الإسلام؛ فجمال الدين الأفغاني كان رائداً في تعيين هذا المذنب، وهو العنصر الأجنبي الذي دخل في أمر تشييد الدولة عند تراخي العصبية، اعتماداً على نظرية ابن خلدون؛ فالدول برأيه لا تتكون إلا بقوتين: قوة الجنس التي تدعو للاتحاد لمغالبة من سواهم، وقوة الدين التي تقوم مقام الجنسية في جمع الكلمة وتوحيد الوجهة، ورغم ميل الأفغاني لقوة الدين إلا أنه يعود فيقرر أن ضعف الخلفاء سببه الإكثار من الأغراب وجعلهم قوة استعاضوا به عن قوة عصبيتهم وجنسهم، ومع ضعف الوازع الديني انتهى الخلفاء إلى فقدان قوة الدين وقوة الجنس معاً ولا يتبع ذلك إلا الانحطاط.

جمال الدين الأفغاني
أما الإمام محمد عبده فقد ذهب مباشرة إلى الثقافة فقال في "الإسلام دين العلم والمدنية": ربما يكون الاعتقاد بالقضاء والقدر، بعد أن خالطه في نفوس العامة من المسلمين شوائب الجبر، موجباً لتقهقر الحضارة الإسلامية، ولم يذهب الإمام إلى جوهر المشكلة السياسي نهائياً.

اقرأ أيضاً: تعرف على أبرز الطرق الصوفية في مصر
أما المفكر النهضوي البارز عبد الحميد الزهراوي فقد تخطى فخ تعيين مذنب لجناية تدهور حضارة الإسلام، لكنه بدلاً من ذلك أراد تفكيك الأسس الشرعية التي يقف عليها التصوف من الأساس، فقال إنّ التصوف "لا يتفق مع ما دعا إليه الرسول، عليه السلام، وما سار عليه؛ فالغاية التي يرمي إليها المتصوفون إنما هي البطالة والتعيش من مال الناس، والمشهور من سيرة الرسول، عليه السلام، أنه كان يكره الرهبانية، وقد تزوج، وهؤلاء ابتدعوا الرهبانية وهي شعار الكثير منهم، والمشهور عنه أنه كان يتخذ الأسباب ولا يهملها قبل النبوة وبعدها؛ فتاجر طلباً للرزق وهاجر من أذى العدو".

اقرأ أيضاً: كيف تخفّت الجماعة خلف قناع الصوفية؟
ويستنتج الزهراوي من ذلك أنّ علم التصوف هو "علم ملفق من كلام فلاسفة الملل الأول وشيء مماثل له من متن الدين، وأنّ نظيفي القلب من المتصوفة اخترعوا من الأساليب ما يعيشون بها ويفوزون فيها بأطيب المطاعم والمناكح، وأما الذين فسد مزاجهم منهم فغيروا نعمة الله وعاكسوا سنن الوجود، على الرغم من أنّ الكمال الإنساني ليس بالتقشف والفرار من الخلق، بل الوقوف عند حدود العدل في الحقوق والإحسان للمخلوق".

المفكر النهضوي البارز عبد الحميد الزهراوي
ولكي يستقيم موقفه دون عائق من نوع ميل عالم إسلامي بثقل "حجة الإسلام" أبو حامد الغزالي للتصوف، أكد الزهراوي أنّ نزعة الغزالي المتصوفة "ليست دليلاً على مشروعية التصوف؛ إذ إنّ موافقته على الأكثر من علومه لا تلغي مخالفته في الأقل، من أمور العشق والاتحاد وجملة ضروب الشطح التي هي صلب التصوف".
إلا أنّ الغزالي، وإن كان تجنب مفاهيم العشق والاتحاد، فقد كان يجنح بالحياة الدنيا نحو الآخرة بصورة تتخطى ما تضمنته الحقيقة- الوحي من أمر تلك الحياة، وكان هو من عمّم نزعة معاداة الدنيا واعتبارها "قنطرة الآخرة" ويتقاطع ذلك مع ما يذهب إليه المتصوفة عموماً.

اقرأ أيضاً: الصوفية في الصومال: قيم روحية وأفكار ثورية مناوئة للاستعمار
على الضفة الأخرى، كان محمد عزيز الحبابي واضحاً في الإشارة بأصبع الاتهام إلى التصوف بتحميله صراحةً "جناية تدهور حضارة الإسلام كاملة"؛ فالتصوف دفع المسلمين، برأيه، إلى "التواكل والطرقية والاعتقاد بتفاهة الزمن وبلا واقعية العالم وبالتالي الزهد فيه".
وعلى الضد من الحبابي يقف أدونيس في "الثابت والمتحول" الذي صور فيه الإسلام كنزعة مادية قوامها "الفقه" كما صاغ الشافعي أصوله، وعرف التصوف بالتالي كـ "دين القلب" وثورة روحية فردية ضد هذه النزعة، وبلغته الشاعرية مجّد أدونيس التصوف تمجيداً ملحمياً.

كتاب "الثابت والمتحول" لأدونيس

ومهدي عامل الذي ترصد مقولات أدونيس بالسجال والتهكم القاسي في "نقد الفكر اليومي"، اشتق نظرته للتصوف من خيط قريب من بَكَرة أدونيس لكن من صندوق حسين مروة صاحب "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" حين رأى في التصوف "خروجاً على منطق العقل الفقهي والتأويل العقلاني الموازي له، على عكس التصوف الذي يرى إلى الشرع كعائق يحول دون الوصول إلى باطن الحق، وهكذا ينزع عن الشرع قدسيّته بفرضه ضرورة تخطّيه كشرط لإدراك الحق في ذاته والتواصل معه مباشرةً".
التصوف وصعود الحضارة الإسلامية
قد تحمل التفسيرات الثقافوية لتدهور حضارة الإسلام المجيدة شيئاً من الصحة وشيئاً من الخطأ، لكن لأنّ المعايير الملموسة للتقييم مفتقدة أصلاً؛ فلا فضل لتحليل الجابري على تحليل أدونيس، وبإمكان الجميع أن يوردوا نصوصاً وإشارات تؤكد ما ذهبوا إليه، إلا أنّ الواقع سيظل بمنجى عن تفسيره بالمنظومات الثقافية مهما بدا تماسكها النظري.

محمود إسماعيل: التصوف رافق صعود الحضارة الإسلامية ورافق ازدهارها وكان علماً عليها مثله مثل علم الكلام والفلسفية

هذا الواقع، كما درسه محمود إسماعيل في "سوسيولوجيا الفكر الإسلامي"، يقول إنّ التصوف رافق صعود الحضارة الإسلامية ورافق ازدهارها، وكان علماً عليها مثله مثل علم الكلام والفلسفية، كما رافق انهيارها، إلا أنه مع تزايد حدة الصراعات السياسية والاضطرابات الاجتماعية وتسلط الحكام وانهيار القيم الأخلاقية وانتشار الفساد، فضلاً عن الأخطار الخارجية المتمثلة في الحملات الصليبية والاكتساح المغولي وسقوط طليطلة وتشرذم قادة البلدان الإسلامية، اختل التوزان الاجتماعي والنفسي عند عامة المسلمين وسادت نزعة القطيعة مع الدنيا والتنكر لها، وعلى هذا أصبحت لمظاهر الزهد- وقوامه كره الدنيا ولفظها وهجائها- جاذبية لا تقاوم، ومنذ القرن الخامس الهجري صار التصوف أيديولوجيا شعبية رائجة، لا هي سبب ازدهار الإسلام ولا تراجعه، بل رافقته في الحالتين.

اقرأ المزيد...

الوسوم: