هل وصل هوس "العثمنة الجديدة" إلى كوسوفو؟

6798
عدد القراءات

2019-01-23

ترجمة: محمد الدخاخني


مرّت ستّة أعوام على قيام زعماء إسلاميّين ومسؤولين حكوميّين بوضع حجر أساس المسجد المركزيّ الجديد لمدينة بريشتينا - والآن يجد هذا الّلوح الحجريّ نفسه مخبّأً تحت العُشب في موقفٍ للسيارات.
وحين يجذب المرءُ العُشبَ يكتشف أنّ الّلوح مغطّى بكتابة حمراء زاهية - تهديدات بالقتل للمفتي الأعلى في كوسوفو، بالإضافة إلى عبارة تقول: "أوقفوا المسجد التّركيّ أو ستكون هناك دماء".

اقرأ أيضاً: الغازي "العثماني" الجديد
كان هناك جِدال حول التّصميم، بما في ذلك رفض لمشاريع اقترحها معماريّون موقّرون، كان من بينهم زها حديد، لصالح نسخة ضخمة منقولة طبق الأصل عن أيّ عدد من المساجد العتيقة المصمّمة على الطّراز العثمانيّ.
لكن يبدو الآن أنّ هذا الموقع، في حي داردانيا، سيحظى أخيراً بمسجده الجديد. فعمليّة البناء ستبدأ في الرّبيع.

"تركيا هي كوسوفو، وكوسوفو هي تركيا"!
المسجد عبارة عن هدية من تركيا إلى هذه الدّولة البلقانيّة، الّتي يبلغ عدد سكّانها 1.8 مليون نسمة، والّتي احتفلت بالذّكرى العاشرة لاستقلالها هذا العام. وقد كان هذا العقد مشحوناً. فبعد عشرين عاماً من حرب مع الجارة صربيا قُتِل فيها الآلاف ونزح مئات الآلاف، ما تزال صربيا تعتبر كوسوفو جزءاً من أراضيها. ويقول بعض زعماء الدّين المسلمين البارزين في البلاد - ونسبة المسلمين في كوسوفو تصل إلى 95 في المائة - إنّ عشرات المساجد الّتي دُمّرت لم تتمّ إعادة بنائها إلى الآن.

ما تزال كوسوفو تُكافِح من أجل إيجاد مكان لنفسها في جزءٍ مضطّرب من أوروبا، وسط إمكانيّات اقتصاديّة فقيرة

"في أوروبا لا توجد قرية واحدة بدون كنيسة، ولكن هنا، في كوسوفو، يوجد ما لا يقلّ عن 50 قرية بدون مسجد"، يقول المفتي الأعلى، نعيم تورنافا، من مكتبه الّذي يقع على مقربة من المسجد الإمبراطوريّ بالمدينة. وفي الأعياد الإسلاميّة، تضطّر حشود المتعبّدين في هذا المسجد، الّذي يعود إلى العهد العثماني والّذي شُيّد عام 1461، إلى الصّلاة في الشّارع. تورنافا مُفاجأ بالنّقاش الحامي حول المسجد الجديد لبريشتينا - بالنّسبة إليه، إنّ المسجد عبارة عن ضرورة عمليّة، "لعبادة الله، ليس أكثر".
وما تزال كوسوفو تُكافِح من أجل إيجاد مكان لنفسها في جزءٍ مضطّرب من أوروبا، وسط إمكانيّات اقتصاديّة فقيرة. كما تحتاج هذه الدّولة الفتيّة إلى جميع الأصدقاء الّذين يمكن أن تحصل عليهم.
ومن بين "طالبي يدها" تأتي تركيا، الّتي قامت باستثمارات ضخمة هناك وكانت مدافعة قويّة عن الاعتراف بها دوليّاً وانضمامها المُنتظَر إلى حلف شمال الأطلسيّ والاتّحاد الأوروبيّ. وكما قال الرّئيس التّركيّ، رجب طيب أردوغان، في زيارة له عام 2013 إلى البلاد: "تركيا هي كوسوفو، وكوسوفو هي تركيا".

اقرأ أيضاً: العثمانية الجديدة تطل برأسها في كوسوفو
هذه الكلمات تجد صدىً لها في تركيا [أردوغان]، الّتي وُصِفَت سياستها الخارجيّة الجازِمة بأنّها "عثمنة جديدة". والدّور الّذي تلعبه كوسوفو في تاريخ تركيا الإمبراطوريّ ليس صغيراً: فقد شهدت "معركة كوسوفو" عام 1389 هزيمة مملكة صربيا القروسطيّة وبداية الفتح العثمانيّ لجنوب شرق أوروبا. وواصلت الإمبراطوريّة حكم كوسوفو لـ 500 عام تقريباً، جالبةً معها الإسلام والعديد من المؤثّرات الثّقافيّة الأخرى.

العمارة كساحة للصّراع السّياسيّ
أن يكون هناك مسجد كبير في بريشتينا فذلك أمر ليس في غير محلّه، لكن لِمَ هذا الجدال؟ عندما وضع عمدة بريشتينا آنذاك، عيسى مصطفى، حجر الأساس، كانت البلديّة المحليّة قد تبرّعت بالأرض فعليّاً. ثمّ أصبح مصطفى رئيساً لوزراء كوسوفو، وهو المنصب الّذي شغله حتّى العام الماضي، لكن المسجد لم يُبن أبداً.

حجر الأساس لمسجد بريشتينا المركزي

تدّعي الرّابطة الإسلاميّة للمدينة أنّ الأمر استغرق وقتاً طويلاً لاختيار التّصميم الفائز والتّأكد من أنّه "يُناسب الموقع". وكانت حكومة بلديّة بريشتينا قد تباطأت في الموافقة على المسجد، لكنّها، أخيراً، هذا العام، أعطت موافقتها، بموجب تصريح بناء.
إنّ الاعتراض على العديد من المساجد الجديدة عبر أوروبا متجذّر في الخوف من الإسلام، ولكن مع وجود 19 مسلماً بين كلّ 20 مواطناً هنا، فإنّ مقاومة مسجد بريشتينا الجديد لا تندرج تماماً ضمن هذا الاتّجاه. يشعر بعض السكان المحليّين بالاستياء ممّا يعتبرونه رمزاً لنفوذ تركيا الطّاغي، في حين يرتاب البعض الآخر من العودة الزّاحفة للإيمان في فضاء عامّ علمانيّ، ما بعد اشتراكيّ.

قامت تركيا باستثمارات ضخمة بكوسوفو وكانت مدافعة عن الاعتراف بها دوليّاً وانضمامها المُنتظَر لحلف شمال الأطلسيّ والاتّحاد الأوروبيّ

ومن بين المعارضين الأكثر صخباً للمشروع يأتي بعض المعماريّين المحليّين. فبالرّغم من أنّ المناقصة العامّة شدّدت على الحاجة إلى مبنى أصليّ، إلّا أنّ التّصميم المُختَار عثمانيّ كلاسيكيّ. وتُشرِف على المشروع إدارة الدّولة التّركيّة للشّؤون الدّينيّة، "ديانت"، الّتي شيّدت العشرات من المساجد الأخرى عبر العالم الإسلاميّ في الأعوام الأخيرة، في خطوة يصفها البعض بأنّها أداة رئيسة في ألعاب السّلطة الّتي تمارسها الدّولة التّركيّة.
وتقول "ديانت" إنّ المسجد سيبنى على طراز مسجد السّليميّة الشّهير، الّذي شُيّد في القرن السّادس عشر، في أدرنة، شمال غرب تركيا. باختصار، سيكون مسجد بريشتينا الجديد أكثر شبهاً بالمئات من المساجد الّتي شُيّدت في أنحاء البلقان تحت الحكم التّركيّ - ولكن في شكل أضخم بكثير.

اقرأ أيضاً: أرمينيا وعُثمانية أردوغان الجديدة.. إلى أين؟

"تمّ تقديم أكثر من 30 تصميماً فقط بعد أشهر من نشر إعلان الحاجة إلى تصاميم عام 2012. حتّى زها حديد قدّمت تصميماً"، يقول المعماريّ أربر صادقي. "لكن قبل أن تُغلق المسابقة، بدأت تَظهر مقابلات في الصّحافة يصف فيها المفتي الشّكل الّذي سيبدو عليه المسجد الجديد".
"كان من المفترض أن تكون التّصاميم أصليّة، لكن التّصميم المُختَار هو مجرّد نسخة من مسجد عثمانيّ. القرار يبدو سياسيّاً أكثر منه معماريّاً بالنّسبة إليّ. أعرف معماريّين رائعين يعملون على تصميم مساجد معاصرة في تركيا. لماذا لا نضع بريشتينا على الخريطة بشيء مماثل؟"

الحلّ التّركيّ لمعاناة مسلمي كوسوفو
خلال فترة حكم جوزيف تيتو ليوغوسلافيا السّابقة، جرى تدمير سوق بريشتينا القديم والعديد من المباني التّاريخيّة الّتي كانت موجودة في وسط المدينة الّذي صمّمه العثمانيّون، وذلك كجزءٍ من حملة التّحديث الّتي علمنت الفضاء العام. ونتيجة لذلك، كما يشرح صادقي، فإنّ بريشتينا الحديثة هي في الغالب مدينة ما بعد الحرب، وقليل جدّاً ممّا شُيّد منذ السّبعينيّات يمكن اعتباره مميّزاً. إنّ أهم مبنى في بريشتينا اليوم هو المكتبة القوميّة الحداثيّة ذات القبّة، الّتي بُنيت عام 1982.

مسجد السليمية في أديرني بتركيا

لكن بعض المسلمين في كوسوفو يشعرون بالمرارة، وسبق لهم أن احتجّوا على عدم وجود مساحة كافية لاستيعابهم أثناء الصّلاة. فهم يرون أنّ الأمور تُدار وفق معايير مزدوجة، بالنّظر إلى أنّ كاتدرائيّة كاثوليكيّة ضخمة شُيّدت بدون أيّ مشكلة في عام 2007، بالرّغم من أنّ المسيحيّين يشكّلون 3 في المائة فقط من سكّان كوسوفو.

أردوغان في زيارة له عام 2013 إلى كوسوفو: تركيا هي كوسوفو، وكوسوفو هي تركيا

بريشتينا ليست المدينة الوحيدة في كوسوفو الّتي يتمّ فيها بناء مسجد تفاخريّ بتمويل تركيّ. في ميتروفيتشا، حوالي 20 ميلاً إلى الشّمال، أدّت الصّدامات الّتي وقعت بداية العقد الماضي إلى تقسيم المدينة إلى نصف شماليّ (صربيّ ومسيحيّ أرثوذكسيّ) وآخر جنوبيّ (ألبانيّ ومسلم). وتتباهى المنطقة الشّماليّة الأصغر بهويتها الصّربية، مع وجود كاتدرائيّة أرثوذكسيّة جديدة وجداريّة، يجري تصويرها كثيراً، تُعلِن "كوسوفو هي صربيا، القرم هي روسيا".
ويزيَّن الجزء الجنوبيّ الأكبر من المدينة بأعلام ألبانيّة ونصب تذكارّية لمقاتلين من جيش تحرير كوسوفو - وكذلك بأكبر مسجد في كوسوفو، الّذي كان قد افتُتِح عام 2014 وسمّي مسجد بيرم باشا، على اسم منطقة في اسطنبول هي الّتي موّلت عمليّة بنائه. وفي داخله يظهر الطّراز العثمانيّ بشكل مُفرط الألوان ومُبهرج.

اقرأ أيضاً: صحيفة سعودية تعلق على حديث أردوغان عن "ميراث الأجداد"!
لم يكن هناك مسجد مثله في المدينة من قبل - حيث تمّ تدمير ما بين 150 و200 مسجد في كوسوفو خلال حرب الانفصال الشّرسة عن يوغسلافيا، وكانت أغلب هذه المساجد بسيطاً ومصمّماً بشكل متواضع. وبالنّسبة إلى مسلمي ميتروفيتشا، فإنّ مسجد بيرم باشا يُعدّ رمزاً للخلاص، إن لم يكن للمصالحة.

ثمن الغياب الأوروبيّ
في بريشتينا، هناك شعور بأنّ تركيا قد استفادت من عدم الاهتمام الغربيّ عبر توسيع نفوذها في مكان تعامله أنقرة كأنّه جزء من فنائها الخلفيّ.
"إنّ الّلاعبين الخارجيّين هنا لديهم مصلحة في جعل الصّراع الخاصّ بكوسوفو دينيّاً وليس سياسيّاً - على سبيل المثال، [الزّعيم الصّربيّ السّابق] ميلوسيفيتش لعب على مشاعر الخوف من الإسلام والخوف من التّطرّف في أوروبا لنزع الشّرعيّة عن كفاحنا من أجل الاستقلال"، يقول شابير حميتي، أستاذ الدّراسات الإسلاميّة في جامعة بريشتينا.

اقرأ أيضاً: مجلة أمريكية تحذر: هذه مخططات أردوغان في الشرق الأوسط وإفريقيا
"يسأل النّاس: لماذا لا يأتي المستثمرون الغربيّون إلى هنا؟ هل لأنّنا مسلمون؟ المعنى هو أنّ الباب الوحيد المتاح لنا يقود إلى تركيا - والبعض يريد أن يمشي من خلاله".


المصدر: مكسيم إدواردز ومايكل كولبورن، الغارديان
 

اقرأ المزيد...

الوسوم: