يوسف هريمة: الثقافة العربية تقوم على صناعة الأصنام الذهنية

1984
عدد القراءات

2019-03-27

أجرى الحوار: عاصف الخالدي


أكد الباحث المغربي المتخصص في الدراسات الإسلامية، يوسف هريمة، أنّ الثقافة العربية تقوم على صناعة الأصنام الذهنية، ولا بد من الاعتراف أنّنا اليوم أمام أصنام وأوهام تتجاوز المألوف، وتتحدّى مستحيلات العقل الإنساني حينما يلجأ الإنسان إلى التعصّب ويقدسه. ودعا إلى تفكيك آليات هذه الثقافة.

الوهم لا يخلق حقائق بقدر ما يخلق واقعاً مزيفاً قائماً على التضليل والتخويف. لذا تستهدف الجماعات الأصولية العقل

ويعتقد هريمة أنّ الوهم الذي يخلقه إقحام الماضي في الحاضر لا يخلق حقائق، بقدر ما يخلق واقعاً مزيفاً قائماً على التضليل والتخويف. لذا فإن أول ما تستهدفه الجماعات الأصولية أو الشموليات هو العقل، ورأى هريمة أنّ العلاقة بين الإنسان والمقدس علاقة عشقٍ ممنوع بسبب محدودية عقل الإنسان، ولن تنتهي في المدى المنظور برغم الطفرات العلمية.
هذه الأوهام كما رأى هريمة في حواره مع "حفريات"، لا تستند إلى المعرفة، فتكرس التعصب، وخطاباتِ العنف أو المظلومية.
حصل هريمة على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في الدراسات الإسلامية، تخصص مقارنة الأديان بجامعة الحسن الثاني بوحدة مستقبل الأديان والمذاهب الدينية بحوض البحر الأبيض المتوسط. وهو مهتم بالشأن الديني والثقافي والفكري في العالم الإسلامي. له العديد من الأبحاث والدراسات والمقالات. كما شارك في العديد من الكتب الجماعية وشارك في مجموعة من الندوات والحوارات واللقاءات الفكرية.

اقرأ أيضاً: كيف قرأ زكي نجيب محمود التراث وما أبرز التحولات الفكرية لديه؟
وتتركز أهم إنجازاته في كتاب "ولادة المسيح وإشكالية التثاقف اليهودي والمسيحي. دراسة تحليلية مقارنة من خلال الكتاب المقدس"، عن المركز الثقافي العربي 2014. وكذلك بالمشاركة في بحثٍ ضمن كتابٍ جماعي بعنوان "أعلام تجديد الفكر الديني"، حيث ركز فيه على مشروع الجابري الفكري: مدخل لتفكيك العقل العربي، وله العديد من المشاركات في كتب جماعية وبحوث متنوعة في مسائل الشريعة والتراث والتطرف.

هنا نص الحوار:

 إقحام الماضي في الحاضر يخلق الوهم

ترى في دراساتك ومقالاتك أنّ إقحام الماضي في الحاضر يخلق أوهاماً تهدر الطاقة الإنسانية، والخطير، أنها أوهامٌ جماعية تصدر عن جماعاتٍ براغماتية المصالح، كيف لا يرى الأفراد في مجتمعاتنا هذا الأمر، بل ينساقون مع الوهم بكل بساطة؟
أن ينساق الإنسان مع الوهم فهذا أمر مفهوم إذا ما استحضرنا محدوديته، وعجزه أن يتحول بعقله إلى عقل محض، لثلاثة أسباب رئيسية: محدودية العقل الإنساني على مستوى الأبعاد: أي أنه محكوم بسياق معين اجتماعياً كان أو جغرافياً أو تاريخياً أو ثقافياً. ومحدود على مستوى الثقافي: أي إنه لا يستطيع أن يفسر الأشياء أو الموجودات إلا بناء على تمثلاته السابقة.
وثالثاً: محدود على مستوى المعرفة: أي إنّ قدرتنا على معالجة المعلومات ليست لانهائيّة، ولأنّ تعقّد بعض المسائل يتجاوز إمكانيّات الحسّ السّليم لدينا.

اقرأ أيضاً: عن جذور الإرهاب في الثقافة العربية المعاصرة
هذه المحدودية التي يعاني منها العقل الإنساني هي ما يمكن أن يفسر لنا شهيته إلى الوهم، وصناعة الأصنام الذهنية. هنا تنبَّه ماركس إلى أنّه "عندما تطلب من شعبٍ التخلّي عن الوهم حول وضعه (الاقتصادي/الاجتماعي/السياسي/الديني)، فإنّك تطلب منه التخلي عن وضعٍ بحاجة لوهم". لذا فالكائن الإنساني لا يملك واقعاً حقيقياً، لأنّ واقعه هو شمسٌ وهمية تدور حوله، ما دام لا يدور حول نفسه. إنّها باختصار الحاجة إلى الوهم في سبر تحدّيات الواقع، وغموض المستقبل. لهذا كان لزاماً على الجهاز العقائدي للإنسان، والمتمثل في آليات تفكيره، وأنماط سلوكياته، أنْ يختار دوماً تغذية جانبه النّفسي بصناعة الأصنام الذّهنية، والعكوف عليها، والتمسّك بها إلى الحدّ الذي يصعب فيه الانفصال.
مشكلة الرجوع إلى الماضي تكمن في أنها تنسينا اللحظة الآنية، أو تهرب بنا إلى حيث نخفي عيوبنا وجروحنا في انتظار لحظة الخلاص التي قد تأتي أو لا تأتي. كما أن هذا الاحتماء لا يوفر الحماية للعقل، بقدر ما يعلِّبه ويقولبه وفقاً لنماذج جاهزة تمت صناعتها في خيال المؤمنين بها، إذ إنّ الالتفاتة الكلّية إلى الماضي دون وضع مسافات بين الإنسان وعصر لم يعشه أو لم يعاين إشكالاته، أو لم يكن شريكاً في تركيبة إنسانه الثّقافية والاجتماعية والذهنية، من أكبر المغالطات التي يمكن أنْ يحتكم إليها عقل إنسان.
مشكلة الماضي

مشكلة الماضي والمستقبل هي أنهما يبعدان الإنسان عن الانخراط في مجتمعه وقضاياه
يتعامل بعض المفكرين والباحثين العرب مع الماضي على أنه موضوع يخص جماعاتٍ سلفيةٍ مثلاً أو متشددة تملكه، بينما هم ينتقدونه ذاتياً، لكنّ المواطن العربي لا يلاحظ نتاجاً فكرياً من قبلهم، يستثمر الماضي بصورةٍ مغايرة فعالة وناقدة، ربما تغير الواقع المعاش، بدلاً من تكراره وتخلفه، ما رأيك؟

مشكلة الماضي كما المستقبل هي أنهما يبعدان الإنسان بشكل فعلي عن الانخراط في مجتمعه وقضاياه. إضافة إلى أنهما يمثلانِ نوعاً من الهروب الاضطراري لعُقدٍ وجروح تلازمنا بفعل هذا الانحدار الذي وصلنا إليه. وللجواب على تساؤلكم يلزمنا حصر الموقف من الماضي أو التراث بشكل عام واختزاله في اتّجاهات أساسية:
1- النّزعة السّلفية أو المحافظة 2- النّزعة التّوفيقية أو الانتقائية 4- النّزعة التّحييدية أو القطيعة مع التراث. وإنْ كان التّيار الفكري الأكثر مقاربة لهذا المنتوج التراثي في عالمنا المعاصر، هو التّيار الفكري السّلفي، الذي انشغل أكثر من غيره بالتّراث، دون الرغبة في تجاوزه أو تصحيحه أو إصلاحه من خارج المنظومة المنشئة له.

اقرأ أيضاً: تجارب إنسانية جمالية في تراثنا
وهنا لا بد لنا من التمييز بين مستويين اثنين ونحن نتحدث عن النزعة السلفية: الأوّل: النّزعة السّلفية. والثّاني: السّلَف. فالأوّل: المقصود به اشتقاق الحلول والمواقف المطلوبة من الماضي الذي كان يمثل العصر الذّهبي للسلف. أمّا الثاني: فالمقصود بهم من عاش في الماضي، دون أنْ يكونوا كلّهم ذوي نزعة سلفية، بل كان أكثرهم ذوي أفق مبدع. فالتّفريق بين هذين المستويين يعدّ ضرورياً من النّاحية المنهجية، خاصّة  لمن يحاول أنْ يعتمد على التّراث في تسويغ وتبرير أيديولوجيته السّلفية.
إنّ القراءة السّلفية للموروث الدِّيني من وجهة نظر الجابري هي قراءةٌ لا تاريخية في تمجيدها للماضي. ولو تأمَّلنا قليلاً لوجدْنا بأنّ هناك مأخذين يأخذهما الجابري عن التيّار السّلفي والحداثي على حدٍّ سواء. فالأول: انكبَّ على التّراث من غير أنْ يستطيع أنْ يجعله معاصراً لنا. والثّاني: أراد أنْ يستورد مقوِّمات الحداثة، ويستورد حتى أصولها، أراد أنْ يُحدِّث دون أنْ يؤصِّل.
لهذا يَقترح:
ضرورة القطيعة مع الفهم التّراثي للتراث: بما أنّ الفكر العربي المعاصر كلّه، ينتمي من ناحية المنهج والرؤية للاتّجاه السّلفي في التّفكير. لا يجب الاختيار بين هذا المنهج، أو ذاك من المناهج الجاهزة سلفاً (القراءة السلفية/ الليبرالية/ اليسارية). بل فحْص العملية الذِّهنية التي سيتمّ بواسطتها، ومن خلالها استخدام المنهج. بمعنى آخر علينا نقد العقل، لا استخدامه بهذه الطّريقة أو تلك.

اقرأ أيضاً: ترند "مر أعرابي".. السخرية الاجتماعية تدخل معركة التراث
فصْل المقروء عن القارئ مشكلة الموضوعية: ليست الموضوعية هنا بالمعنى المتداول لها. فما يريده الجابري مثلاً، أعمق بكثير من الدّلالة العادية، التي يقتضيها اللّفظ في مجال تداوله اللّغوي. فالموضوع هنا هو التّراث بشكلٍ عام، والمطلوب هو إيجاد فصل بين القارئ، وهذا الموضوع، لأنّ هناك اتِّصالاً كبيراً بين الإنسان العربي المعاصر، وتراثه إلى حدٍّ يصعب فصله. فهو الذي يشكِّل وجدانه، وفكره، وأحاسيسه. ففصْل الذّات عن التّراث عملية ضرورية، لأنّها تشكِّل الخطوة الأولى نحو الموضوعية، والمكتسبات المنهجية للعلوم الألسنية المعاصرة. ولاكتساب هذه الخطوة يقترح:
• المعالجة البنيوية
• التّحليل التاريخي
• الطّرح الأيديولوجي

وصْل القارئ بالمقروء مشكلة الاستمرارية: اختراق حدود اللّغة والمنطق لا يتمُّ إلا بالحدس، فهو الذِّي يجعل الذّات القارئة تعانق الذّات المقروءة، فتعيش معها إشكالياتها ومشاغلها، وتحاول أنْ تطلَّ على استشرافاتها.
الأصوليات تستهدف العقل

أول ما تستهدفه الجماعات الأصولية أو الشموليات أو الدوغمائيات هو العقل
أليس غريباً أن يقوم الوهم الذي تكرسه جماعاتٌ منغلقة في التعليم والسياسة والإعلام بخلق حقائق اجتماعية صلبة أو مقدسة تؤخر المجتمعات عن النقد والتفكير والتقدم، رغم وجود تنوعٍ في المنابر الفكرية والإعلامية والثقافية اليوم؟

الوهم لا يخلق حقائق، بقدر ما يخلق واقعاً مزيفاً قائماً على التضليل والتبرير والتخويف. لهذا أول ما تستهدفه الجماعات الأصولية أو الشموليات أو الدوغمائيات هو العقل، أو أن تجعل مسافة بين الإنسان وعقله بحيث لا يستطيع الاقتراب من مناطق التماس أو الاشتباك. لهذا فوجود منابر فكرية أو إعلامية شيء مهم. ولكن الأهم من كل هذا هو تفكيك هذه الأوهام التي تقوم عليها ثقافتنا، حيث يتم صناعة الأصنام الذهنية. ولا بد من الاعتراف أنّنا اليوم أمام أصنام وأوهام تتجاوز المألوف، وتتحدّى مستحيلات العقل الإنساني حينما يلجأ الإنسان إلى التعصّب تجاه ما صنعته أوهامه، وآليات تفكيره، ومنتوجات ثقافته. صحيحٌ أنّ المتعصب إنسان المقدّس بامتياز. كما يرى برنار شوفييه، لكنّه ليس أيّ إنسان ولا المقدّس أيّ مقدّس. فالإنسان هنا يهب نفسه وروحه في سبيل قضيته، كما أنّ المقدّس هنا يتقمّص المثال والمطلق، لدرجة أنّه يغطّي حتى ذلك المجال الذي يفترض أنْ يكون بعيداً عنه، أيْ مجال المدنّس.

أهم عيوب العقل الأصولي ارتهانه لخطاب المظلومية ومحدوديته على مستوى الخطاب وعاجز عن مسايرة متطلّبات الإنسان وتحديات الواقع

مشكلة هذه الأصنام الاجتماعية والثّقافية والدّينية هي أنّها تتأسّس على مسلَّمات قبلية نابعة من أعراف الجماعة وثقافات الشّعوب والقوميات والقبائل، وليست خاضعة لمنطق العلم والمعرفة. أو بمعنى أدق إنّه تغليب الجانب الاعتقادي على الجانب المعرفي في تشكيل وعي الإنسان بذاته ومحيطه. ولعلّ أكبر مأزق تضعك فيه الأصنام الذّهنية هي أنّها تجعلك تعيش الحاضر بعيون الماضي؛ أيْ إنّ لديها سلطة إرجاعك إلى القوالب الجاهزة التي تمّ إنشاؤها سلفاً في محطّاتٍ تاريخية، استجمعت بالنّسبة لهذا العقل كلّ شروط النّقاء والصّفاء والعدالة بحيث يستحيل الانفكاك عن نماذجها الجاهزة. وهذا هو نفسه الإشكال المطروح على العقل السّلفي اليوم بتعبيراته ونماذجه المتنوّعة.
إنّ صناعة الأوهام هي صناعة تنتقل عبر إستراتيجية مهمّة تنهجها الجماعات، وهي التّربية والتّعليم، لكن ليس على أساسٍ نفعي؛ فالأمر أكبر من ذلك. فالتّعليم لدى الجماعات المتخلّفة تحديداً يتجاوز حدود المعرفة، والخروج من وضعيات الارتكاس والنّكوص للوراء، ليصير أداة للتّدجين وهدر الطّاقة الإنسانية. لهذا تحاول الجماعات نشر الخرافات واستمرارية النّظرة المتخلفة للوجود؛ لأنّ الهدف من ذلك كما يرى مصطفى حجازي هو تكوين رأي عام مقاوم لدعاة التطوير.
حكاية عشق ممنوع

العلاقة بين الإنسان والمقدّس لن تنتهي في المدى المنظور بالرغم من الطفرة العلمية
حتى تتوضح الفكرة أيضاً، يبدو أنّ المقدس اليوم، أصبح يتمثل في تصنيم الأفكار والأدوات التي تقود إلى إنتاج هذه الأفكار، سواء كانت دينية أم سياسية أم ثقافية، هل تنكر ضرورة النزوع إلى القداسة في عصر الحداثة والتقدم العلمي؟

بين الإنسان والمقدس حكاية عشق ممنوع. فمنذ ظهور الإنسان ولحظات تشكّل بدايات وعيه، وهو في علاقة تماسٍ مباشٍر مع المقدس. لسببٍ بسيطٍ يتصل بمحدودية عقله، وعجزه عن التحول إلى عقلٍ محض. وحينما تفسر الظواهر والأشياء دون القدرة على الإحاطة يلجأ الإنسان إلى القداسة وإضفاء المعنى على مكونات الكونِ ضماناً لتسهيل العيش أو الحياة الطيبة كما يسميها لوك فيري. وهذا نفسه ما كان يدعوه الرواقيون بالكوزموس.

الأصنام الاجتماعية والثّقافية والدّينية تتأسّس على مسلَّمات قبلية نابعةٍ من أعراف الجماعة وثقافات الشّعوب وليست خاضعة لمنطق العلم والمعرفة

إنّ العلاقة بين الإنسان والمقدّس لن تنتهي على الأقلّ في المدى المنظور بالرغم من الطفرة العلمية؛ لأنّ صناعة الأوهام هي حالة نفسية وإنسانية مرتبطة بخلقة هذا الكائن أمام حيرة الوجود. ولا يمكن أن يستمر الوهم دون إحاطته بمنطق القداسة. فلا أصنام ولا أوهام دون قداسة، ولا مجتمع أو جماعة دون هذا البعد الروحاني من الاقتراب والإحساس بعوالم هي أقرب للخيال في العقل العلمي، وأقرب للحقيقة في العقل المترامي إلى أحضان الغيب. فبين الإنسان والمقدّس حكايةٌ ومسار، وتاريخ من الصّراع والوفاق، والحرب والسّلم، والتّسامح والتباغض. فالمقدّس هو الأساس الوحيد للفكر الديني، عليه تتأسّس المقولة الدينية، وبواسطته يتم الشّعور والإحساس بحصانة المؤمن من روح النّقد.
وإذا كان الدّين هو تدبير المقدّس، فإنّ المقدّس هنا يصير قوّة فاعلة، وطاقة حيوية يرى فيها الإنسان استمراريته، وواجبه الأخلاقي تّجاه المجهول بالنّسبة له. فالمقدّس يتجاوز فكرة الاختيار ليصير الضّرورة القصوى لحياة الجماعة، ويتحوّل إلى صنم حينما يشيّد لنفسه حصوناً من النّقد والمساءلة والشكّ والتّمحيص. وانطلاقا مما سبق ذكره يمكننا أنْ نخلص إلى ما أكّد عليه روجيه كايوا بأنّ المقدّس في صورته الأولى البسيطة يشكّل طاقة خطيرة، خفيّةً على الفهم، عصيّةً على التّرويض شديدة الفاعلية، وهنا تكمن خطورة اللّجوء إليها واستدعاؤها، فبقدْر ما يكون الهدف الّذي يسعى إليه الطالبُ عظيماً، تتضاعف ضرورة تدخلّها، ويصبح استخدامها محفوفاً بالمخاطر. 
أشار مفكرون وباحثون عديدون، بدءاً من طلال أسد وليس انتهاءً بفهمي جدعان، إلى أنّ المقدس القادم من الماضي، يعاد استعماله حتى في المنظومات الفكرية الحديثة، كالليبرالية مثلاً، وقدسية الحرية عندها، لماذا لا يكون الوهم الفعلي متمثلاً في محاولات التخلص من المقدس كصنم يحد من التجديد؟
موضوع القداسة ليس موضوعاً خاصاً بأنماط تفكيرٍ معينة، بقدر ما هو مستوعبٌ لها. فكل البشر يقدسون أفكارهم وأشياءهم إلى الحد الذي يمكننا من خلاله أن نعتبر أنّ تاريخ الإنسانية هو تاريخ القداسة أو التقديس. لهذا كل الشموليات وكل المشاريع والأيديولوجيات المنغلقة اتسمت بالطابع القدسي سواء كانت سياسية أو اجتماعية دينية. لماذا تميل السياسة إلى تحويل الأفكار إلى أيديولوجيات أو أفكار مقدسة يصعب تجاوزها؟ سؤالٌ طرحَه جان فرانسوا دوترييه في بحثه المعنون بـ " لماذا لا تموت الأيديولوجيات أبداً" ليؤكد على أنه في السياسة كل شيء يبدأ بمشاكل، ثم يتم البحث عن حلول لها بشكل جماعي. وهذا لن يتأتى لها إلا من خلال الأيديولوجيا التي تنزع دوماً إلى إدماج جميع المشاكل في مشكلة واحدة، واختزال الحلول الممكنة في حل واحد. وهذه هي نواة الأيديولوجيا.

اقرأ أيضاً: مركزية السياسي في قراءة علي مبروك للتراث
مشكلة الإنسان أنه موضوع للاستلاب، فهذا الكائن مستلب من منظورين لم ينتجا إلا العنف والخراب والدمار. الأول هو المشروع اللاهوتي الذي جعل من الكائن الإنساني نائباً عن الله وخليفة وظلاً له. والثاني هو المشروع الحداثي العلماني الذي قدس الإنسان، وملّكه مفاتيح الطبيعة باعتباره سيدها لا جزءاً منها، يبيح لنفسه كل شيء، لأنه غاية كل شيء. وحصيلة هذه العقلية الاصطفائية، العرقية، الفاشية، النخبوية هي أصوليات متحاربة فيما بينها، تسبح في حقول من الدم، وتقتات على هذا الخراب. وإلا كيف يحصل هذا الخراب ما دامت مبادئنا سامية ومثالية؟ وكيف أصبح الإنسان مهدداً بينما تتتالى المؤتمرات والبيانات الداعية لحفظ حقوقه؟ هنا تنبه المفكر علي حرب، إلى أنّ مشكلة البنية الفكرية التي نتعامل معها هنا: تستبدل أشياء بأشياء. بالرغم من أنّ المشكلة ليست في أنْ نزيح الله لكي نقدِّس الإنسان، أو أنْ نتاجر بالحقيقة بدلاً من الشّريعة، أو نؤلّه الليبرالية بدلاً من الاشتراكية، أو نتعبّد بالديمقراطية في مواجهة الأنظمة الديكتاتورية. المشكلة بالأساس تتلخّص في منطق التّقديس والتّبجيل للأشياء والذّوات. فهو الذي يولِّد فينا كلّ هذا الاستبداد والاستلاب، والخراب الذي نعيشه.

الصور النمطية عن المسلم المعاصر
برأيك، هل هناك أي دورٍ للغرب وعلمانيته المفترضة لدى الإسلامويين خصوصاً، وجماعاتهم، في صناعة ردود أفعالٍ حول شكل الدولة ونظام المجتمع الإسلاميين حديثاً، يمت لردود الفعل السياسية والبراغماتية بصلةٍ أكبر من تلك التي يمت بها للإسلام التاريخي حقاً؟

لا يمكن أنْ تمارس السّياسة إلا باختراع عدو، لهذا كان الغرب وبكلّ أجهزته الإعلامية والعسكرية، يسعى إلى تشكيل صورة نمطية عن المسلم المعاصر، وساهمت الأصوليات وتحالفاتها المشبوهة في الحرب الأفغانية من تعزيز هذه الصّورة، وهذا العداء، ليصير المسلم هدفاً تعمل على شيطنته دوائر القرار، دون النّظر إلى التّمايزات التي تخضع لها الطبيعة الإنسانية. كانت هذه البداية لتدمير ما تبقّى من تاريخ، وبدل أنْ يستفيق المسلم على وقع هذه الضّربات، والجروح النّفسية، فيراجع الذّات، وينتقد كلّ ما يمكن أنْ يمسّ بصورته، بدأ في صناعة خطاب المظلومية، ظنّاً منه أنّها الخطوة الأولى لمواجهة الخطر القادم، وتناسى ما يحمله تراثه من بذور للعنف تنسف كلّ أمل في تواصله مع الآخر والمحيط.

اقرأ المزيد...

الوسوم: