هكذا أججت إيران التطرف في نيجيريا

9898
عدد القراءات

2019-03-04

نيجيريا؛ تلك الدولة الإفريقية التي تعاني ويلات الفقر والانقسام الداخلي، في ظلّ صراعات ممتدة، قبل أن تنال استقلالها من بريطانيا، عام 1960، وظلّت في صراعات مستمرة يغلب عليها الطابع الديني، لتتضاعف المسألة في العقد الأخير، مع تنامي خطر جماعة "بوكو حرام" المتطرفة، وتزايد المشكلات الاقتصادية بالغة التعقيد، بعد الانخفاض العالي لأسعار النفط، واستشراء الفساد السياسي والمالي، وعدم قدرة الحكومات المتعاقبة في تقليل إحصائيات الفقر المتنامي.

اقرأ أيضاً: خلاف طائفي يخلف 55 قتيلاً في نيجيريا.. هذه هي الأسباب

وتشير تقارير إلى أنّ أكثر من 50% من شريحة الشباب تعاني من البطالة، وهذا ما جعلهم وقوداً للصراعات المشتعلة في شمال نيجيريا، ذات الكثافة السكانية المسلمة، فيما تشير تقارير أخرى إلى أنّ نسبة المسلمين تبلغ 70% من جملة السكان الذين يقتربون من حاجز الــ 200 مليون نسمة.

يعود تاريخ الوجود الشيعي في نيجيريا إلى عام 1980

يعود تاريخ الوجود الشيعي في نيجيريا إلى عام 1980، ويقدر عددهم، بحسب تقارير غير رسمية، بــ 3 ملايين شخص، معظمهم في منطقة "زاريا" بولاية "كادونا"، ويتزعم المجموعة إبراهيم الزكزكي، الحاصل على لسانس الاقتصاد من جامعة أحمد بيللو، وقد اعتنق المذهب الشيعي، وبدأ في نشره، وأعلنه رسمياً في عام 1995؛ بعد حوار له مع صحيفة إيرانية، وتحظى الجماعة الشيعية بدعم كبير من طهران، من النواحي المادية والتسليح، واستغلت إيران الجماعات الصوفية في نيجيريا للتمدد داخل المجتمعات الفقيرة، وأنفقت على طلاب الخلاوي بسخاء، وتأسست جامعة المصطفى الإيرانية، التي تخضع لسلطة المرشد الأعلى الإيراني بشكل مباشر، وتمددت تلك الجامعة حتى دولة السنغال المجاورة، وجدير بالذكر أنّ هذه المؤسسات لا تقوم بدور تعليمي فحسب؛ بل لها العديد من الأدوار الثقافية والاجتماعية، واستفادات الدولة الإيرانية من التنازع المتصاعد بين الصوفية والسلفية في التغلغل في المجتمع النيجيري، ومنذ البداية لم تظهر إيران عداء إزاء الجماعات الصوفية؛ بل بذلت بسخاء، وأظهرت تعاوناً منقطع النظير، وهذا ما جعل رموز الطرق الصوفية تغضّ الطرف عن مساعي الانتشار الشيعي، قبل أن تدرك بعد فوات الآوان، أنّ الخطر الشيعي أصبح أكبر مهدِّد للتعايش السلمي في البلاد.

استفادات الدولة الإيرانية من التنازع المتصاعد بين الصوفية والسلفية في التغلغل في المجتمع النيجيري

وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي النيجيري، محمد كبير عيسى، في تصريح لصحيفة "الخليج": إنّ "الحركة الشيعية باتت دولة داخل الدولة، وإنّها تقوم بإجراء تدريبات عسكرية وتسليح أنصارها، مما يكشف تدبير الشيعة لعمل ما في المستقبل".
ويضيف عيسى أنّ الأقلية الشيعية "لم تكتفِ بالمذهب، وانتقلت إليها حتى الطقوس والعادات والتقاليد المعمول بها في المناسبات الشيعية، مثل حمل صورة المرشد الخميني، إلى جانب الانتماء الأعمى لإيران".

اقرأ أيضاً: نيجيريا تخفق في هزيمة بوكو حرام .. وهذه هي الأسباب
من جهته، يقول الشيخ إبراهيم صالح الحسيني، رئيس هيئة الإفتاء في نيجيريا، وفق ما أورد موقع "إسلام أون لاين": "إنّ الحالة في نيجيريا تشبه إلى حدّ كبير مثيلاتها في المركز العربي والإسلامي؛ حيث التنافر المذهبي، وتفكك وحدة الدعوة، وتنازع دعاتها"، مشيراً إلى أنّ التمدد الشيعي في نيجيريا "واقع حتمي، وأنّ الخطر لا يكمن في قوته وانتشاره، بل في دلالاته".

 التشيع استفاد من الصراع الموجود أصلاً في نيجيريا

ويضيف الحسيني "يجب أن تكون الدعوة للإسلام وليست للمذاهب، خصوصاً في البلدان ذات النزاعات السنيّة مثل؛ نيجيريا، ويقول إنّ الصراع مع الشيعة بدأ منذ عام 1979، مع ظهور بعض الشباب الذين درسوا في إيران، ومنذ ذلك التاريخ تعيش نيجيريا في دوامة الصراع المذهبي، ما بين المدّ والجزر".
وأشار، رئيس هيئة الإفتاء، إلى أنّ التشيع استفاد من الصراع الموجود أصلاً في نيجيريا، خاصة بعد ظهور نزاعات التكفير، الأمر الذي أصاب الشباب باليأس من وحدة البلاد، واعتنق المذهب الشيعي مجموعة من الشباب من فرع "جماعة الإخوان المسلمين"، وبدؤوا يتناولون قضايا الدستور، في ظلّ دولة علمانية تؤمن بالنظريات الحزبية، ولا علاقة لها بالدين، وكشف عن زيارة نظمتها السلطات في نيجيريا، لعدد من العلماء والمشايخ لزيارة إيران، بعد تنامي سطوة إبراهيم الزكزكي، الذي تمرد على المؤسسات الدينية، وأعلن انتماءه الصارخ لإيران، وأشار إلى أنّ الحكومة الإيرانية لم تتفاعل مع شكوى الوفد؛ بل سارعت إلى تأسيس فرع جديد للشيعة في ولاية سكوتو، الذي استفحل فيه الأمر ووصل إلى مرحلة القتال بين الشيعة والسنّة، وفق قول الحسيني.

اقرأ أيضاً: مسلحون يستهدفون كنيسة في نيجيريا
وفي بداية ظهور المذهب الشيعي في نيجيريا؛ شهدت العلاقة بين الحكومة المسيحية والمذهب الجديد توتراً، في بداية الأمر، لكن سرعان ما سمحت لهم بمزاولة نشاطهم الدعوي، ففتح الشيعة أبواب المدارس مجاناً أمام أطفال الأسر الفقيرة، التي لم تتوانَ عن إرسال أطفالها لتلك المدارس، التي يتم التعليم في عدد كبير منها باللغة الفارسية، وثقافاتها في المجتمع النيجيري، ويتم اختيار بعض الطلاب المتفوقين لابتعاثهم للدراسة في إيران، وتقوم السفارة الإيرانية في العاصمة أبوجا بطباعة الكتب الشيعية، باللغة المحلية "الهوسا"، وغيرها من الأنشطة الثقافية.

بيتر فام: إيران لا تكتفي بمعاركها المكشوفة بالشرق الأوسط بل وضعت خططاً منفصلة للتمدد في إفريقيا

وعن الدور المتعاظم لإيران في إفريقيا، يقول مدير مجموعة "أفريكا سنتر" البحثية، بيتر فام، وفق تقرير نشرته شبكة "بي بي سي": إنّ إيران لا تكتفي بمعاركها المكشوفة في الشرق الأوسط؛ بل وضعت خططاً منفصلة للتمدد في إفريقيا، ذات الثقل الإستراتيجي والجغرافي، إلى جانب الكثافة السكانية العالية.
الوجود الشيعي في نيجيريا يحظى بموارد مادية مكّنته من إصدار صحيفة "الميزان" الناطقة بلغة الهوسا، أكبر الجماعات العرقية في نيجيريا، إلى جانب إذاعة ناطقة بذات اللغة، تبثّ من طهران، ومؤسسات اقتصادية أخرى، مثل "منتدى التجارة"، وتتم كلّ هذه الأنشطة عبر المنظمة الإسلامية التي يترأسها إبراهيم الزكزكي.

 نجد أنّ إيران بدأت في الانفتاح نحو إفريقيا بشكل كبير

وتسعى إيران إلى استنساخ نموذج حسن نصر الله، وجيش الله اللبناني، في نيجيريا؛ عندما سارعت بإمداده بالمال والسلاح، بهدف تكوين مليشيا مسلحة، وقودها البشري ما يقارب 3 مليون شيعي نيجيري؛ لذلك عرفت إعلامياً بــ "حزب الله النيجيري".

ولا يخفى الدور الإيراني في تزويد المجموعة الشيعية بالأسلحة، عندما أعلن الجيش النيجيري، عام 2013، ضبط مستودع أسلحة هربها حزب الله اللبناني إلى شمال نيجيريا، وكان الجيش النيجيري، عام 2010، قد كشف عملية نقل أسلحة من إيران إلى غامبيا، وفي هذا السياق يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد السادس، خالد ياقوت، في تصريح صحفي: إنّ "العلاقة بين التنظيم الشيعي وإيران لم تعد علاقة ولاء وارتباط بولاية الفقيه والمذهب الجعفري فحسب؛ بل تجاوزت الإطار العقدي لترتبط بالرؤية الإيرانية الجديدة، التي تقوم على اعتماد طهران على وكلاء لها لتنفيذ مصالحها الخارجية والإستراتيجية".

اقرأ أيضاً: هل توقف بوكو حرام عملياتها القتالية في نيجيريا؟

وفي المقابل؛ نجد أنّ إيران بدأت في الانفتاح نحو إفريقيا بشكل كبير، منذ ثمانينيات القرن الماضي، وعملت على إبرام عدد من الصفقات مع الدول الإفريقية، وتعتمد طهران على الجوانب الثقافية؛ المتمثلة في بناء المساجد، وتشييد المدارس الدينية والمراكز الثقافية، إلى جانب تعليم اللغة الفارسية، وكذلك اعتمدت على الطرق الصوفية في سبيل التمدد في المجتمعات، واستفادت إيران من تعاطف الطرق الصوفية في السنغال، وقامت بدعم العديد من المؤسسات الدينية والتعليمية، وأنشأت جامعة "المصطفى" الإيرانية، في العاصمة داكار، التي تخضع لإشراف المرشد الأعلى في إيران، إلى جانب العديد من المشاريع الاقتصادية، أبرزها افتتاح مصنع لتصنيع السيارات الإيرانية عام 2007.

اقرأ أيضاً: كيف يتحوّل أطفال نيجيريا إلى إرهابيين؟!
تعمل إيران في إفريقيا، لتحقيق العديد من الأهداف، أهمها: تصدير الثورة المنصوص عليه في الدستور الإيراني، إلى جانب الخروج من العزلة السياسية الدولية، والبحث عن أسواق ومنافذ اقتصادية، ويظلّ الهدف الأهم؛ هو استخدام بعض الدول الإفريقية كمهدِّد إستراتيجي لبعض الدول، خاصة المملكة العربية السعودية، ورغم ذلك، فقد خسرت إيران الكثير من علاقاتها في إفريقيا؛ بسبب تدخلها في الصراعات المسلحة والنزاعات الأهلية، وكشفت تقارير "مركز بحوث تسليح الصراع"؛ أنّ الفترة من 2006 حتى 2010، شهدت تورّط إيران في نزاعات إفريقية، وأنّ كلّ 14 حالة كشف أسلحة ايرانية هنالك 4 حالات مع الجيش الحكومي، و10 حالات مع جماعات غير نظامية؛ حيث كانت إيران تدعم الانفصاليين في منطقة "كاسامانس" في السنغال، ومتمردي ساحل العاج وغامبيا، الأمر الذي تسبب لاحقاً بقطع علاقات تلك الدول مع طهران.

اقرأ المزيد...

الوسوم: