إخوان سوريا: من تأييد "ربيع دمشق" إلى تجميد الخلافات مع النظام

في 10 حزيران (يونيو) عام 2000؛ رحل الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، وفي 17 تموز (يوليو)؛ تولى ابنه، بشار الأسد، منصب رئاسة الجمهورية، وما بين وفاة الأب واستلام الابن السلطة، نشرت جريدة "الحياة" اللندنية، بتاريخ 27 حزيران (يونيو) 2000، خبراً تحت عنوان "إخوان سوريا يدعون القيادة الجديدة إلى فتح صفحة جديدة"، وجاء فيه: "دعت جماعة "الإخوان المسلمين" في سوريا القيادة السورية، إلى فتح صفحة جديدة تعيد إلى الشعب السوري لحمته ووحدته الوطنية في إطار من الحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان، والعمل على إزالة كل أسباب الاحتقان السياسي والسير بالبلاد نحو الحرية والتعددية والديمقراطية والمشاركة الشعبية".

اقرأ أيضاً: حرص إماراتي على دور عربيّ في سوريا.. والكويت ترحب بعودتها
وقال بيان أصدره المراقب العام لـ "الإخوان المسلمين" في سوريا، علي صدر الدين البيانوني: إنّ الجماعة تؤكّد، رغم تحفظها على الطريقة التي عدل بها الدستور وانتقلت بها السلطة، أنّ أمام القيادة السورية فرصة تاريخية لإعادة النظر في السياسات القائمة، والعودة بالبلاد إلى شاطئ الأمان، وإلى أجواء الحرية والديمقراطية"، وأكد البيان أنّ الجماعة من منطلق حرصها على المصلحة الوطنية العليا ستتعامل بإيجابية مع كل خطوة في هذا السبيل". 
الترك: لن أصوّت لبشار الأسد
وبعد أيام قليلة، وتحديداً بتاريخ 30 حزيران (يونيو) 2000؛ أجرت صحيفة "اللوموند" الفرنسية، حواراً مع المعارض والمناضل الشيوعي السوري، رياض الترك، تحت عنوان "رياض الترك: الأمين العام للحزب الشيوعي السوري... لن أصوت لبشار الأسد"، كان السؤال الأخير في المقابلة؛ لا توجد اليوم معارضة حقيقية في سوريا، هل تعتقدون أنّ هذا الوضع سيتغير في المستقبل؟

الأمين العام للحزب الشيوعي السوري، رياض الترك
وأجاب رياض الترك: إنّ التغيير في حاجة دائماً إلى حامل سياسي واجتماعي، وهذا الحامل غير موجود حتى الآن في سورية، لكن الأزمة الاجتماعية التي نجتازها، هي من الحدة والخطورة، مرشحة لازدياد، كذلك الهوة بين السلطة والشعب.

عن مجزرة حماة عام 1982 ومسؤولية الإخوان المسلمين كان خطاب الإخوان يقول إنّ السلطة دفعت الإخوان إلى العنف

وفي الفترة التي تلت استلام بشار الأسد السلطة، شهدت سوريا انفتاحاً سياسياً واجتماعياً وثقافياً، لم يدم طويلاً، وأطلق على تلك فترة "ربيع دمشق"، وأبرز ما شهدته تلك الفترة؛ فتح المنتديات والصالونات التي تجري فيها نقاشات سياسية واجتماعية وثقافية، لشخصيات معارضة للنظام، كان أبرزها: منتدى الحوار الوطني، الذي أسسه النائب البرلماني السابق، والمعارض السوري، رياض سيف، المنتدى الثقافي لحقوق الإنسان، بقيادة المحامي خليل معتوق، وهو أحد قادة الحزب الشيوعي السوري (جناح يوسف فيصل)، منتدى جمال الأتاسي للحوار الوطني الديمقراطي، وغيرها من المنتديات التي فتحت في تلك الفترة.
ورغم أنّ جماعة الإخوان أبدت استعدادها لفتح "صفحة جديدة" مع الإخوان المسلمين، إلا أنّها كانت تراقب من بعيد، ومن قريب، من خلال خلاياها النائمة في سوريا، تحركات القوى المعارضة في الداخل، لكن يبقى السؤال عن دور الجماعة قائماً، وتفاعلهم مع ما حدث في ربيع دمشق، وما تلاه من أحداث سياسية في سوريا، كإعلان دمشق 2005، الذي تزامنت ولادته مع تداعيات حرب العراق 2003 على سوريا، واغتيال رفيق الحريري 2005، وما تلاه أيضاً من تغيرات في بنية النظام؛ كحادثة انتحار اللواء غازي كنعان (رئيس سابق لشعبة المخابرات السورية في لبنان، ووزير داخلية أسبق في سوريا، من تشرين الأول (أكتوبر) 2003 حتى انتحاره بتاريخ 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2005)، وصولًا إلى الحرب على غزة، عام 2008.

اقرأ أيضاً: المنطقة العازلة: هل يدعو الإخوان المسلمون أردوغان لتمزيق شمال سوريا؟
في القاهرة؛ التقت "حفريات" بخبير الاقتصاد الزراعي السوري في منظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة، الدكتور أحمد سعد الدين، وقد كان بين عامَي 2001-2007، ناشطاً سياسياً في حزب العمال الثوري العربي، والذي كان أحد الأحزاب المنضوية في إطار التجمع الوطني الديمقراطي في سوريا، وهو تجمّع من خمسة أحزاب يسارية صغيرة، لكنها كانت، وحتى 2011، أحد أهم تشكيلات المعارضة السورية والتي استطاعت الاستمرار في العمل السرّي بعد البطش الذي تعرضت له كافة حركات المعارضة في الثمانينيات.
توقف نشاط سعد الدين السياسي نوعاً ما، عام 2007، مؤقتاً، بسبب ظروف الدراسة في الخارج، لكنّ نشاطه المحموم (ولو في الصفوف الخلفية) للمعارضة السورية مكنته من الاطلاع القريب على الكثير من خفايا وتفاصيل المرحلة بين 2000 و2007.
الدكتور أحمد سعد الدين

دور الإخوان المسلمين في "ربيع دمشق"
ولدى سؤاله عن دور الإخوان المسلمين في "ربيع دمشق"، قال إنّ كلّ ما حدث من وقت وفاة حافظ الأسد، إلى بدايات 2002، لم يكن للإخوان المسلمين فيه أيّ حضور في ذهن المعارضة السورية في الداخل، حتى على مستوى اللاوعي إذا صحّ التعبير. حين أصدر الإخوان بياناً، أواخر الـ 2001، كانت المعارضة الداخلية في سوريا على تنوع توجهاتها السياسية والفكرية، وقد قطعت شوطاً كبيراً في الحراك السياسي؛ من بيان الـ 99، وبيان الألف، إلى افتتاح المنتديات، والصراع مع السلطة الحاكمة، لبقاء المنتديات، واعتقال رموز ربيع دمشق؛ كرياض الترك، ورياض سيف، وحبيب عيسى. الإخوان أصدروا بياناً أسموه "ميثاق الشرف الوطني" (في الثالث من شهر أيار (مايو) 2001)، ومن الطبيعي لتنظيم كحركة الإخوان المسلمين، أن يعيش بحالة ترقب لنوايا الحكم الجديد في تلك الفترة، ومن غير المعقول، أن هناك سلطة تنقل الحكم من الأب، إلى الابن، وتحديداً من الأب الذي ارتكب بحقهم مذبحة، وتلقى ترحيباً على الفور بعقد جديد، لكن في اعتقادي؛ أنهم تريثوا فترة قليلة، ومن ثم أصدروا بياناً، على الأرجح، جاء نتيجة قراءتهم لأحداث "ربيع دمشق"، وقد اتضح لنا في ذلك الوقت، أنهم حاولوا اختراق "ربيع دمشق" عبر خلاياهم النائمة، وكانوا على علم بما يحدث، ولو على مستوى الإطار العام، وبحذر شديد، وهذه التفاصيل كشفت لنا لاحقاً.

اتّباع لغة جديدة

ويتابع سعد الدين أنّ الإخوان المسلمين وجدوا فرصة، بهذا البيان، بتقديم أنفسهم بلغة جديدة، تصدر عن جهة إسلامية، مارست العنف في فترات سابقة، وكانت منبوذة من قبل المعارضة السورية ذات التوجه اليساري، أو القومي، إما لأسباب أيديولوجية أو لأسباب مبدئية.

د. أحمد سعد الدين لـ"حفريات": الاتصال المباشر الفعلي بين الإخوان المسلمين والمعارضة الداخلية في سوريا كان في عام 2004

ويروي الدكتور أحمد؛ أنّ أول مرة سمع بها شخصياً ذكر الإخوان المسلمين في اجتماعات المعارضة، كان متواجداً في اجتماع داخل إطار حزب العمال الثوري العربي، كان قد حضره أمينها العام، الراحل محمد سلام، آنذاك، وجرى نقاش حول ورقة "ميثاق الشرف الوطني".  يقول سعد الدين: كان في الميثاق كلام عن التعددية، والمجتمع الأهلي، وعن الدولة المدنية، وبالطبع كانت لديهم مفرداتهم الخاصة؛ ففي حين كنا نقول: "مجتمع مدني ودولة علمانية"، كانوا يقولون: "دولة مدنية ومجتمع أهلي"، لكن كان واضحاً من خلال البيان، أنهم مع نبذ وإدانة العنف، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وكان ذلك كلاماً جديداً.
وكانت التساؤلات المطروحة في الاجتماع؛ كيف سيتم التعامل مع هذا البيان؟ هل نتجاهله، أم بإمكاننا محاولة دفع أوساط المعارضة، للحديث إيجابياً عن هذا الكلام، ونشجعهم، لاتخاذ خطوات أكثر ضمن هذا الإطار؛ لأنّهم في النهاية هم أيضاً جزء من هذا المجتمع، لكن لم تكن هناك متابعة حقيقية للبيان، ولم تكن له حتى آذان مصغية، كانت ما تزال هناك حساسية تجاه التعامل مع الإخوان من جهة المعارضة السورية.

اقرأ أيضاً: هل سهّلت حركة النهضة سفر تونسيين متطرفين للقتال في سوريا؟
وسألت "حفريات" سعد الدين: ألم تكن هناك ثقة من قبل المعارضة في جماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت؟  فأجاب: لم تكن مشكلة ثقة، بل عدم معرفة، نحن لا نعرفهم، لم يكن لهم وجود حقيقي داخل البلد، هم اختفوا من سوريا منذ بداية الثمانينيات. وحتى في حال تواجد البعض، لن يقولوا لك إنهم إخوان مسلمون.
ويعتقد سعد الدين أنّ الأسباب التي دفعت المعارضة السورية في الداخل، إلى إعادة النظر في موقفها من الإخوان المسلمين، كانت عندما بدأت في فقدان الأمل من أن يحدث إصلاح من داخل السلطة الحاكمة، وإن كانت هناك أوهام حول ذلك، فقد تبددت مع الوقت. كما يرى أنه في ذلك الوقت كان لدى الإخوان المسلمين "امتياز" لم يكن للمعارضة الداخلية، وهو الظهور الإعلامي؛ إذ إنّهم أشخاص يعيشون خارج سوريا، ولم يكن لديهم الخوف الذي من الممكن أن يتملك أيّ شخص يعيش في سوريا، حين يظهر في حديث سياسي على إحدى القنوات العربية.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن قراءة إعادة العلاقات العربية مع سوريا؟
حتى خبرة الظهور الإعلامي لم تكن موجودة، وكنا دائماً نقول هذه العبارة بين الأصدقاء: "السياسي السوري، لم يكن يملك ملعباً ليتدرب فيه"، فكان هناك قصور بالخبرات السياسية، قصور في عملية الظهور الإعلامي، ولا توجد هناك إمكانيات للتدريب حتى.
واستمر هذا الوضع مع الظهور الإعلامي المتكرر للإخوان المسلمين في تلك الفترة، وأبرز شخصيتين ظهرتا إعلامياً حينها، هما: علي صدر الدين البيانوني، المراقب العام للإخوان المسلمين، وزهير سالم.
كان الخطاب الإعلامي لزهير سالم في ذلك وقت موضوعياً نوعاً ما، بعكس خطاب علي صدر الدين البيانوني، الذي كان "يلف ويدور كتير".

اقرأ أيضاً: هل تنسحب فرنسا من سوريا أيضاً؟
ومتى حدث الاتصال المباشر بين المعارضة والإخوان المسلمين؟ قول سعد الدين: إنّ الاتصال المباشر الفعلي بين الإخوان المسلمين والمعارضة الداخلية في سوريا، كان في عام 2004، في ذلك الوقت ظهر تصريح لحسن عبد العظيم، والذي كان آنذاك الناطق الرسمي باسم التجمع الديمقراطي السوري، وأمين عام حزب الاتحاد الاشتراكي، وصف فيه عبد الحليم خدام بالشخصية الإصلاحية في النظام السوري، وأثار هذا التصريح وقتها عاصفة من الانتقادات بأوساط المعارضة، باعتبار عبد الحليم خدام صاحب مصطلح "الجزأرة"، نسبة إلى تصريحه الذي هاجم به رموز "المجتمع المدني"، الذي ظهر في سياق "ربيع دمشق"، عام 2000، الذي قال فيه: "لن نسمح بجزأرة سوريا"، إشارة إلى "العشرية السوداء في الجزائر".

أحد الدوافع التي دفعت المعارضة، لتنفتح على الإخوان المسلمين، شعورها بضعفها الداخلي
وبحسب المعلومات التي توفرت لسعد الدين من بعض الأصدقاء؛ فإنّ خلفيات تصريح حسن عبد العظيم، تعود إلى عام 2001 عندما كُلف عبد الحليم خدام بإدارة ملف المعارضة الداخلية، إذ حصل لقاء بينه وبين حسن عبد العظيم، ويبدو أن عبد الحليم الخدام حذر عبد العظيم "تحذيراً ودّياً"، من التصعيد غير المدروس مع النظام السوري؛ لأنّه لا الظرف الدولي، ولا الظرف الإقليمي سيساعدكم، أي باختصار سيضعكم النظام بالسجن، وهذا الكلام أكده عبد الحليم خدام في أحد لقاءاته فيما بعد، ويبدو أنّ حسن عبد العظيم كانت تقديراته أنّ هذا الرجل جيد، ضمن هذا النظام الذي كانت أغلب شخصياته فاسدة، وتفتقر أفعالها للحكمة والعقلانية.
فتح قناتين بين المعارضة والإخوان
يقول سعد الدين: فُتحت آنذاك قناتان مع الإخوان المسلمين؛ كانت الأولى قناة علنية تقريباً، فتحها رياض الترك، عندما سافر عام 2005 برحلة إلى أوروبا، وأثناء رحلته تلك، التقى علي صدر الدين البيانوني علناً، ومن ثم عاد إلى سوريا، ولم يُعتقل، وكان سعد الدين من بين الأشخاص الذين استقبلوه في المطار.

اقرأ أيضاً: هل أدرجت سوريا أردوغان على قائمة الإرهاب؟
ويتابع سعد الدين: "في تصوري أنّ أحد الدوافع التي دفعت المعارضة، لتنفتح على الإخوان المسلمين، شعورها بضعفها الداخلي، وبحاجتها لأيّ صوت (ينغّم) معها، والدافع الآخر، والذي رآه خطوة ذكية على الصعيد السياسي؛ هو كسر خطّ أحمر، من خطوط السلطة؛ إذ إنّه من المعروف أنّ مجرد التواصل مع الإخوان المسلمين في سوريا، هو في حدّ ذاته تهمة تؤدي إلى غياهب السجون".
وعن الخط الثاني، والسرّي، الذي فتح مع الإخوان المسلمين، يقول سعد الدين "شاءت الصدف أن أكون أنا، بمثابة الباب الرئيس له؛ ففي عام 2001 تعرفت على شقيقين، كانا يحضران المنتديات في تلك الفترة، وتطورت علاقتي معهما بشكل تدريجي، لم أكن أظنهما إسلاميَّيْن؛ بل متدينَيْن بطريقة خاصة، فهما ملتزمان في فروضهما، كالصلاة والصيام، وكلّ منهما أطلق لحية خفيفة، لا يدخنان، ويلبسان الأطقم الرسمية، وهما إلى ذلك قارئان جيدان، وتوطدت علاقتي معهما بشكل كبير".

اقرأ أيضاً: بقايا "داعش" في العراق وسوريا... الخطورة مستمرة
وعن النقاشات التي فتحت مع الشقيقين؟ أجاب سعد الدين إنّهما صرحا لي بأنّهما ينتمين لجهة سياسية، وبأنهما ليسا وحدهما. وأثناء النقاشات التمهيدية والدردشات الودّية معهما كأصدقاء، اتضح لي أنّهما يعرفان الإخوان المسلمين جيداً، وكانت النقاشات التي تمّ تداولها في تلك الفترة بشكل عام، عمّن هو المسؤول عن مجزرة حماة عام 1982؟ ما هي مسؤولية الإخوان المسلمين؟ ما هي مسؤولية السلطة؟ كان الخطاب الرسمي للإخوان المسلمين في ذلك الوقت، عندما يجري فتح هذه الملفات، يصدر على لسان علي صدر البيانوني دائماً؛ هو أنّ السلطة هي التي دفعت الإخوان المسلمين إلى العنف الذي مارسوه كدفاع عن النفس، وأنّ "الطليعة المقاتلة" لم يكن لها علاقة مع الإخوان بل كانوا منشقين عنهم، بالتالي؛ لا علاقة للإخوان المسلمين بالمجزرة التي ارتكبتها الطليعة المقاتلة في مدرسة المدفعية بحلب، عام 1979. باختصار؛ كان الكثير من كلام البيانوني دفاعياً بشكل غير موضوعي في غالب الأحيان، بعكس خطاب زهير سالم، الذي كان يرفض الدخول في هذه النقاشات، وكان يعدّها جزءاً من الماضي، قائلاً: عندما يصبح في سوريا نظام ديمقراطي، ومحاكمات عادلة، نحن على استعداد بأن نُحاكم.

الأقسام: