التسجيل الصوتي لظريف: لعبة النظام أم المعارضة؟

التسجيل الصوتي لظريف: لعبة النظام أم المعارضة؟

مشاهدة

28/04/2021

هادي طرفي

موجة التفاعل التي سببها تسريب التسجيل الصوتي لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في البلاد، يبدو أنها تعود إلى طبيعة الإدارة المنغلقة لنظام "الجمهورية الإسلامية" والحرص الذي يبديه المسؤولون الإيرانيون لإبقاء الخلافات حول إدارة الحكم في أروقة ضيقة لا ترشح تفاصيل كثيرة منها.

أتى ذلك في وقت تبدي نسبة كبيرة من المواطنين احتجاجاً على التدخلات الإقليمية للحرس الثوري في العراق وسوريا واليمن وفلسطين ولبنان من خلال إطلاق شعارات في التجمعات الاحتجاجية تطالب بضرورة الاهتمام بالمعاناة اليومية للمواطنين بدلاً من الانخراط في ساحات قتال يدفع تكاليفها الإيرانيون.

ويزداد السخط الشعبي أكثر عندما تكشف هذه التسريبات عن أن خلافات ظريف وسليماني تعرقل التقريب بين البلاد والمجتمع الدولي في ما يتعلق بإزالة العقوبات التي تؤثر بشكل مباشر في حياتهم اليومية.

ظريف تحدث بوضوح أن قاسم سليماني طلب منه قبل اجتماعه مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف طرح مطالب متعددة في ما يتعلق بالتدخل الإيراني في سوريا وفي حلب تحديداً، بدلاً من بحث قضايا عالقة في ما يرتبط بالملف النووي. وعبّر عنها وزير الخارجية الإيراني بـ"التضحية بالدبلوماسية على حساب ساحات القتال".

سعت إيران خلال السنوات الماضية خلال حياة قاسم سليماني وبعد مقتله إلى تقديم قائد فيلق القدس السابق على أنه بطل قومي رفع راية الفرس في الأوطان العربية، وذهب بعضهم أكثر بالتشدّق بأن إيران تحتل حالياً عدداً من العواصم العربية.
تناغمت مع هذه التوجهات محافل عنصرية معارضة للنظام تحمل ضغينة تاريخية ضد العرب في ظاهرة عمل النظام كثيراً للترويج لها من خلال إبراز وئام شعبي بين أنصاره ومعارضيه حول المواقف الوطنية.

لكن التسريب الأخير وضع أمام المواطنين مقارنة بين جزرة سعى ظريف إلى قطفها من طاولة المفاوضات وعصا بيد قاسم سليماني ضرب بها على الطاولة لبعثرة أي اتفاق قد يعود بالنفع على المواطنين الذين ذاقوا الأمرّين بسبب العقوبات الدولية.

ولم يخفِ المحافظون غضبهم مما اعتبروه تشويهاً لصورة قاسم سليماني، منهم رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف الذي أكد أنه لن يسمح بنسف "الأدوار التاريخية" لقاسم سليماني من خلال العمل الانتهازي الرامي إلى تحقيق منافع سياسية".
 

أما وكالة "فارس" التابعة للحرس الثوري، فاعتبرت أن ظريف من خلال التسجيل الصوتي "اتخذ موقفاً معارضاً لبطل الساحات (قاسم سلمياني) وأنه اقترب إلى حد النهاية السياسية والاجتماعية بسبب هذا الموقف".

روّج المحافظون خلال السنوات الماضية بأن قاسم سليماني هو من أقنع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتدخل العسكري في سوريا وانخرط في هذا الترويج زعيم "حزب الله" اللبناني حسن نصر الله الذي قال في مقابلة مع التلفزيون الإيراني في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2020: "إن قاسم سليماني توجّه إلى روسيا واجتمع مع بوتين لمدة ساعتين وقال لي سليماني إنه شارك عدد من الجنرالات الروس في الاجتماع ووضع أمامهم خرائط عن وضع المعارك...".

 وهناك قال له بوتين "إنك أقنعتني..."، طبقاً لما ينقله نصر الله على لسان سليماني.

لكن ظريف يذكر في التسجيل الصوتي: "إننا ندّعي أن السيد سليماني أتى ببوتين للحرب، في حين أن بوتين كان قد اتخذ قراره. إنه كان قد خاض الحرب بواسطة القوة الجوية وإنه جعل إيران تشارك بالقوة البرّية على الأرض. قبل ذلك، لم تكن لنا قوات برّية هناك. المتطوعون السوريون والعرب والأفغان هم من كانوا يخوضون القتال".
 

تأثير التسريب في الانتخابات
 

لا يمكن إغفال توقيت تسريب التسجيل الصوتي لظريف، إذ ينشر في وقت تقترب البلاد من عقد دورة أخرى من الانتخابات الرئاسية في یونيو (حزيران) المقبل وجرت العادة أن تقتصر هذه الانتخابات على التنافس بين المحافظين والإصلاحيين وسط رقابة مشددة يفرضها مجلس صيانة الدستور التابع للمرشد الأعلى خلال بتّ أهلية المرشحين للانتخابات.
 

ويطرح النظام دائماً أنه من أكثر البلدان المهتمة بإجراء انتخابات لتولّي المسؤوليات الحكومية، منها الانتخابات الرئاسية وانتخابات مجلس الشورى ومجالس البلديات ومجلس خبراء القيادة ولا تدّخر وسائل إعلام النظام جهداً في الترويج لأن البلاد تتمتّع بالديمقراطية وتولي اهتماماً بالمشاركة الشعبية في الانتخابات.

لكن تجارب الانتخابات السابقة قد أثبتت أن المشاركة الشعبية الواسعة في الانتخابات رهن بحدة الغضب الشعبي من السلطات وجرت العادة في الانتخابات الرئاسية السابقة أن يخوض المواطنون الانتخابات ضد "مرشح المرشد".

هذه التوجهات بدأت في انتخابات عام 1997، إذ لم يكن يخفى على الناخبين أن مرشد الجمهورية علي خامنئي كان يدعم ترشيح ناطق نوري ضد محمد خاتمي، مما سبب في إيجاد أجواء شعبية عارمة للسعي لهزيمة مرشح المرشد أي مرشح السلطة، فأعلن فوز محمد خاتمي بـ 20 مليون صوت.

وفي انتخابات عام2009 ، لم يخفِ مرشد الجمهورية دعمه لأحمدي نجاد مقابل مير حسين موسوي، المعروف بخلافاته مع خامنئي، وشهدت البلاد أكبر نسبة مشاركة على الإطلاق سبقتها دعوات ممن يُعرفون بـ"المقاطعين لأي انتخابات يعقدها نظام الجمهورية الإسلامية" لإعلان رغبتهم بالمشاركة في التصويت ضد "مرشح السلطة".
 لكن أعلن في نهاية المطاف فوز أحمدي نجاد واتهم المحتجون على النتائج، النظام بالتلاعب في أصوات الناخبين، لكن القائمين على الانتخابات رفضوا هذه الاتهامات، وفرض الأمن، الإقامة الجبرية على قيادة الحركة الخضراء بعدما واجه النظام أكبر حركة احتجاج منذ تأسيسه ولا يزال يقبع مير حسين موسوي وزوجته زهراء رهنورد ومهدي كروبي قيد الإقامة الجبرية.

بعد سنوات ومع هيمنة المحافظين على مفاصل الحكم بحملات إقصاء شملت حتى المعتدلين من التيار الإصلاحي، عرفت الانتخابات عزوف الناخبين عن المشاركة في العملية الديمقراطية وظل التنافس بين المحافظين ومَن باتوا يُعرفون بالمعتدلين بدلاً من الإصلاحيين.

ومع تنامي العزوف عن المشاركة في الانتخابات، يبدو أن التسجيل الصوتي المسرب أدى إلى تنشيط الساحة السياسية في إيران قبل عقد الانتخابات الرئاسية.

وبينما لم يجِد المناصرون لمواقف ظريف منابر للتعبير عن دعمهم له في الداخل بسبب القدسية التي يضفيها النظام على قاسم سليماني وبسبب امتلاك أدوات القمع، يرى المحافظون أنفسهم أمام فضاء رحب لمهاجمة ظريف.
 

واختارت صحيفة "وطن إمروز" المحافظة عنوانها بكلمة واحدة لصفحتها الرئيسة هي "الحقير"، مطبوعة على صورة عريضة لظريف. أما زينب سليماني، فنشرت صورة للكفّ المبتور لأبيها الذي قضى بضربة أميركية استهدفته في مطار بغداد وكتبت: "هذا ثمن الميدان للدبلوماسية..."، في ردّ على ظريف الذي قال إنه ضحّى بالدبلوماسية من أجل ميدان الحرب.
أما صحيفة "كيهان" المحافظة، فقالت إن النمط الغربي في إدارة الأمور، جعلت ظريف ينتحر بهذا الأسلوب في إشارة إلى ضرورة إنهاء خدماته للنظام.


لكن مهما تكن نتائج الانتخابات والمشاركة الشعبية، لا يبدو أنها تترك تأثيراً كبيراً في مواقف النظام داخلياً وخارجياً، إذ يهيمن التيار المحافظ بشدة على جميع مفاصل الحكم تحت عباءة مرشد الجمهورية علي خامنئي، وقد عبّر ظريف عن أسلوب الإدارة هذه بتأكيده على أن البلاد لا توجد فيها ازدواجية في الحكم، بل هناك حكم أحادي الجانب بيد أصحاب "الميدان"، في إشارة إلى العسكر.

عن "اندبندنت عربية"

الصفحة الرئيسية