الخلافات السياسية الفلسطينية تؤخر عملية إعادة إعمار غزة؟

الخلافات السياسية الفلسطينية تؤخر عملية إعادة إعمار غزة؟

مشاهدة

06/07/2021

بعد انتهاء الحرب الأخيرة على قطاع غزة، والتي استمرت أحد عشر يوماً، وخلّفت دماراً كبيراً بالمنازل والأبراج السكنية والمنشآت الاقتصادية والصناعية، كثر الحديث عن عملية إعادة الإعمار، وهناك عدة جهات تعهّدت بتقديم الأموال اللازمة للإعمار، لتعود غزة أفضل من السابق، وتنتهي معاناة المتضررين الذين خسروا كلّ شيء بفعل الصواريخ الإسرائيلية.

وعلى الرغم من وجود جهات مانحة لإعادة إعمار غزة، إلا أنّ هذا الملف يواجه عقبات وتحديات سياسية، فالاحتلال الإسرائيلي يربط عملية الإعمار بملف إعادة الأسرى المحتجزين لدى حركة حماس منذ حرب عام 2014، ويفرض قيوداً كبيرة على إدخال الأموال والمواد اللازمة للبناء.

وأعلنت السلطة الوطنية الفلسطينية أنّها ستتولى عملية الإعمار، وبدأت فعلياً بعملية حصر الأضرار التي أصابت البنية التحتية، والمباني السكنية، والأبراج، إضافة إلى حصر الأضرار التي لحقت بجميع القطاعات، خصوصاً الصحة والكهرباء والمرافق الاقتصادية والزراعية ومؤسسات الحكم المحلي.

يخشى سكان قطاع غزة من تكرار سيناريو بطء الإعمار كما حدث بعد انتهاء حرب عام 2014؛ إذ إنّ عدداً كبيراً من أصحاب المنازل والمصانع والشركات ينتظرون التعويضات

وظهرت الخلافات حول ملف إعمار قطاع غزة، بعد أن تبنت مصر طلب الفصائل الفلسطينية تشكيل لجنة للإشراف على هذه العملية، لكنّ  السلطة الفلسطينية رفضت هذا الأمر، وأصرّت على أن تكون عملية الإعمار من خلالها.

وتسبّب العدوان الإسرائيلي، وفق الإحصائية الأخيرة لوزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة بتدمير كلّي لنحو (1800) وحدة سكنية، فيما تضرر نحو (16.8 )ألف وحدة سكنية بشكل جزئي، مع تدمير خمسة أبراج مدنية، وتدمير (74) مقراً ومنشأة عامة ومرفقاً حكومياً، وتدمير 3 مساجد، وتضرر كنيسة.

خلافات داخلية

في هذا السياق يحدد مدير مركز مسارات، الدكتور صلاح عبد العاطي، في تصريح لـ "حفريات" عدة أسباب "تقف عائقاً أمام إعادة إعمار ما دمره الاحتلال الإسرائيلي خلال أحد عشر يوماً، ومنها الخلاف الفلسطيني الفلسطيني حيث إنّ السلطة الفلسطينية ترغب في أن تتم عملية الإعمار من خلالها، وحركة حماس ترفض ذلك، وهذا الأمر سوف يؤخّر عملية الإعمار، ومن الصعب البدء بها قريباً إذا ما تمّ الاتفاق بأسرع وقت، وإنهاء كافة الخلافات".

 الدكتور صلاح عبد العاطي

ويضيف: "هناك سبب آخر لتأخر الإعمار، وهو رفض  الاحتلال الإسرائيلي لعملية الإعمار وإدخال الأموال التي تقدمت بها الدول المانحة، وذلك من أجل ضمان الضغط على حركة حماس، وألا تظهر منهزمة بالمعركة، بالتالي، تحاول فرض شروط جديدة في إطار الصراع السياسي، والذي كان دائراً بين نتنياهو وبينيت، وحتى بعد تشكيل الحكومة الجديدة، والتي تريد إعادة القطاع إلى مربع سابق وتشديد الحصار.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تستهدف مواقع في غزة... وحماس تعلق

وسيكون لتأخر عملية إعادة الإعمار تأثيراً كارثياً على المدنيين وأصحاب المشاريع، "لأنّ التأخر بعملية إعادة الإعمار سيعيد إلى الذاكرة تجارب سابقة من التأخر في بناء مجموعة من المنازل التي لم يتم  بناؤها  منذ عدوان (2014)؛ حيث إنّ هناك عدداً كبيراً من العائلات لم تتمّ إعادة إعمار منازلهم، وهذا يتطلب تقديم الدعم والمساعدة للذين هدمت منازلهم خلال الحرب الأخيرة والحروب السابقة".

تحكّم إسرائيلي

ويبين عبد العاطي؛ أنّ نظام "GRM"، والذي وضعته الأمم المتحدة، ساهم في إعاقة الإعمار عام (2014)؛ إذ إنّ الاحتلال الإسرائيلي يتحكم من خلاله بنوعية وكميات المواد والمعدات اللازمة للإعمار، وفي حال استمرار العمل به ستكون عملية إعمار ما دُمّر خلال الحرب الأخيرة بطيئة جداً، ولن تتم على أكمل وجه نتيجة التحكم الإسرائيلي.

المواطن محمد صفوة  لـ"حفريات": بعد أن كنت مليونيراً أصبحت متسولاً، ولا أمتلك شيئاً من المال، بعد أن فقدت مصنعي في القصف الإسرائيلي على قطاع غزة

وينوّه إلى أنّ السلطة الفلسطينية تستفيد بشكل كبير من تولي مهام عملية الإعمار، إذ إنّها خصصت قرابة 50% من الأموال التي رصدت لإعادة الإعمار عام 2014 لدعم موازنتها العامة، وهذا بدوره أثّر في سير عملية الإعمار.

ومن جهته، يبين الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي، هاني حبيب؛ أنّ تعمد الاحتلال الإسرائيلي بربط ملف إعادة إعمار غزة، والتسهيلات الاقتصادية لسكان القطاع، بملف الجنود المفقودين في غزة منذ حرب عام 2014، هدفه ابتزاز حركة حماس والتأثير عليها، وإقناع الرأي العام الإسرائيلي بأنّ الأخيرة هي الخاسر الأكبر في جولة القتال، وأنّ شروطها لن تتحقق.

لماذا يربط الاحتلال إعمار غزة بملف الجنود الأسرى؟

ويشير، في حديثه لـ "حفريات "، إلى أنّ ربط إعمار غزة بملف الجنود الأسرى له علاقة مباشرة بالوضع الداخلي لدولة الاحتلال، خاصة بعد الفشل العسكري الكبير خلال المعركة الأخيرة، التي أطلقوا عليها اسم "حارس الأسوار"، وعدم تمكنهم من تحقيق أيّ إنجاز، سواء القضاء على قدرة حماس العسكرية، أو استعادة الجنود دون مقابل.

الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي، هاني حبيب

ويوضح أنّ الحكومة الإسرائيلية تعرضت لضغوط كبيرة من قبل أهالي الأسرى المفقودين؛ لذلك أرادت الضغط على حركة حماس، ومساومتها بهذا الملف مقابل السماح بإدخال الأموال التي تبرعت بها الدول المانحة لإعادة الإعمار، ورفع القيود عن مواد البناء.

ويخشى سكان قطاع غزة من تكرار سيناريو بطء الإعمار كما حدث بعد انتهاء حرب عام (2014)؛ إذ إنّ عدداً كبيراً من أصحاب المنازل والمصانع والشركات ما يزالون ينتظرون حصولهم على التعويض، حتى يتمكنوا من إعادة إعمار ما دمّره الاحتلال قبل سبع سنوات.

اقرأ أيضاً: هل تصادق الحكومة الإسرائيلية على شنّ عدوان آخر على غزة؟

"بعد أن كنت مليونيراً أصبحت متسولاً، ولا أمتلك شيئاً من المال"؛ بهذه الكلمات عبّر المواطن محمد صفوة عن همومه بعد أن فقد مصنعه في القصف الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، ويقول لـ "حفريات": "أمتلك مصنعاً لصناعة الحديد منذ عام (2002)، ومنتجاتنا تصدَّر للضفة الغربية، ودول أخرى نظراً لجودتها العالية".

خسائر كبيرة

يضيف: "عام 2008 قُصف المصنع بشكل غير مباشر، بعد استهداف أحد المنازل المجاورة له، وتكبدت خسائر مادية كبيرة، فسارعت لإعادة الإعمار من مالي الخاص حتى لا يتوقف العمل، وعام 2014 تكرّر الأمر، وتم تدمير المصنع مرة أخرى بعد استهداف أحد الأهداف المجاورة، ورغم الوعود الكثيرة بإعادة الإعمار وصرف الأموال المستحقة؛ إلا أننا لم نحصل على شيء".

اقرأ أيضاً: لماذا يسود اعتقاد بأنّ حماس وإيران جعلتا غزة مقبرة للأطفال؟

وبعد معاناة كبيرة والحصول على قروض من البنوك، ومؤسسات الإقراض، تمكّن صفوة من إعادة افتتاح المصنع من جديد بعد توقف دام عامين بسبب تأخر الإعمار، "لكن خلال الحرب الأخيرة استهدفت الطائرات الإسرائيلية  المصنع بأربعة صواريخ بشكل مباشر، مما أدّى إلى تدميره بالكامل، وتسويته بالأرض، وحرق البضائع داخل المخازن، والتي يقدر ثمنها بعشرات ملايين الدولارات".

ويبين أنّه في المرات السابقة تمكّن من إعادة الإعمار والعودة للعمل بالمصنع دون أن يحصل على التعويض؛ لأنّ الاستهداف لم يكن بشكل مباشر، على عكس المرة الأخيرة، التي أدّت إلى تدمير كافة الأدوات والمواد، لافتاً إلى أنّ تأخر عملية الإعمار سيزيد معاناته.

أما محمد الطبطيبي، من سكان حي الشجاعية شرق مدينة غزة؛ فقد استطاع، بشقّ الأنفس، إعادة ترميم منزله الذي قصف عام 2014، فاضطر للاستدانة وبيع مصاغ زوجته بعد تأخر عملية الإعمار، ليعاد قصف منزله مرة ثانية، وتدميره بشكل كامل خلال الحرب الأخيرة، بعد أقل من عام على ترميمه.

ويقول لـ "حفريات": "للمرة الثانية على التوالي دُمّر منزلي خلال سبع سنوات، دون أن أحصل على أيّ مبلغ من أية جهة كانت؛ إذ تلقيت وعوداً كثيرة، سواء من وزارة الأشغال أو من مؤسسات أخرى، لكن كانت الذريعة عدم وصول الأموال، فبعد أن أعدت بناء منزلي على نفقتي الخاصة أعيد تدميره، وأصبح أثراً بعد عين لا يصلح للسكن نهائياً"

اقرأ أيضاً: بماذا يشعر فلسطينيو غزة بعد كلّ حرب؟

بعد تدمير المنزل لم يبقَ لي مأوى، أنا وعائلتي المكونة من سبعة أفراد، ولم أتمكن من إعادة بنائه مرة أخرى، نتيجة تراكم الديون، لذلك يطالب الطبطيبي الحكومة في غزة، وكافة الجهات المعنية، بضرورة الإسراع بإعادة الإعمار؛ "لأنّ أوضاعنا تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، فرغم مرور أكثر من شهر على انتهاء الحرب لم نتلقَّ أيّ نوع من المساعدات".

الصفحة الرئيسية