العنف متخفياً في التاريخ

العنف متخفياً في التاريخ
2678
عدد القراءات

2019-05-29

يمكن تقصي العنف منذ اللحظة التي أدرك فيها الإنسان أنّ هذه الظاهرة تكمن في غرائزه وطبيعته البيولوجية، وتتيح له ممارسة أفعال أو ردود أفعال عنيفة، سواء كفرد أو جماعة عبر التاريخ، ولعلّ التاريخ يبرع في تقديم مسارات عديدة لهذا العنف، اجتماعياً كان أم سياسياً (الحروب أو القمع)، وغالباً ما يتم تبرير العديد منها؛ إذ يمكن ربط العنف بالحق، أو ربطه حتى بالسيطرة واستخدامه أدواتياً، من أجل فرض سلطة ما، أو حقيقة اجتماعية، أو أي شيء آخر، فردياً كان أم جماعياً.

اقرأ أيضاً: "دماء راهب".. قيامة العنف والدم

وبصورة عامة؛ يمكن للأيديولوجيات، ومعظم الطائفيات، إضافة إلى مفاهيم أخرى تتعلق بالسلطة والفرد، أن تتنصل جميعاً من تبعات ممارسة العنف؛ حيث يمكن تقنين هذا العنف، أو منهجته، أو تبريره ثقافياً أو أيديولوجياً (دوغمائياً)، أو حتى قيَمياً، وهنا تقوم فكرة الحرب، التي يمكن لها أن تقدم تمثيلاً منظماً وسريعاً ومدمراً لتبعات العنف في الحياة البشرية.

يمكن قيادة حرب مقدسة كاملة لا يهم مقدار ما يراق فيها من دماء لأنّ العنف فيها مكرس لهدف ما أسمى

وماذا تفعل الحرب بالتحديد؟ إنّها تهيمن على الثقافة اليومية، وتعمل على تشويه الذاكرة والمكان، كما أنّها تفسد اللغة، ليدور مضمون الحياة واللغة بألفاظها، حول القتل والأحداث القذرة، ثم يتم تدوير أيّ معنى ممكن للحياة ليتمحور حول الموت؛ النجاة منه، أو فرضه على الغير من أجل النجاة منه أيضاً، مما يذكّر بمقولة أفلاطون: "لا أحد يعرف نهاية للحرب، إلا الموتى"، ممن لا يعودون قادرين على الفعل، فلا هم قتلة، ولا هم ضحايا، أما كيف لا يكونون ضحايا، فهذا يعود إلى قدرة الإنسان على تسويغ نوعٍ من (اعتيادية العنف)؛ أي محاولة تبريره؛ لأنه جزء من طبيعة الإنسان، فيمكن استغلاله خارج أطره الطبيعية (الدفاعية غالباً)، وبالتالي، يمكن قيادة حرب مقدسة كاملة، لا يهم مقدار ما يراق فيها من دماء؛ لأنّ العنف فيها مكرس لهدف ما أسمى، بينما تتم ممارسة ذلك أيديولوجياً كذلك، وهكذا تتولد الحروب؛ حيث يمكن أن نعدّ العدو شبحاً، لا يمكن تحديده؛ لأنّ الأمر لا يقتصر على هزيمة عسكرية هنا أو هناك، أو تحقيق مصالح اقتصادية أو سواها، بقدر ما يمكن تلخيص ذلك بعبارة لمفكرٍ مجهول: "الحرب هي أن يتم توجيه العنف، لنفرض على الآخر ما لا يريده".

من ناحية أخرى؛ يبقى العنف على نفسه محبوباً من خلال التاريخ، المحتشد بسير الأبطال، فشيبيو مثلاً، بطل روماني واجه هانيبال وأوقفه عند حدود روما، لكنه سفك الدماء في إفريقيا حتى شبع. فيما هانيبال، بطل قرطاجة العظيم، سفك من دماء أبناء عرق شيبيو ما يكفي لتسيير نهر طويل يشقّ مسار التاريخ. وكلّ من شيبيو وهانيبال، بطلان؛ لأنّهما، وفق التاريخ، دافعا عن أوطانهما، لكنّ المؤسف أنّه لم يكن لأيّ منهما وطن واحد له معنى؛ بل كانت المسألة تتعلق بتوسيع الوطن على حساب الآخرين، ومساحات عيشهم، ولا وسيلة لذلك إلا الحرب التي تتقلد العنف كسيف.

اقرأ أيضاً: هل تجتمع الإنسانية مع العنف في الثقافة العامة؟.. مسلسل الهيبة نموذجاً

وهنا بالذات؛ تبدأ مشكلة المصطلح، تلك التي تكثفت منذ نهاية القرن الثامن عشر؛ حيث كثّف البشر مراقبتهم لكلّ شيء، وساعدتهم التكنولوجيا التي بزغت في حياتنا شيئاً فشيئاً على أن نراقب ونتقصى ونؤطر، ثم نقرّر ونحاسب، أو نعاقب، كما يرى فوكو، وبالتالي؛ تصبح لدينا القدرة على خلق المصطلح، ومن ثم البحث عن إمكانيات التثبت منه في الواقع، لكن هذا لم يمنع أبداً من انسيابية المصطلحات وسيولتها في القرنين العشرين والحادي والعشرين؛ حيث الوطن، كمفهوم، لا يوجد معنى محدّد له في ظلّ الاستعمار مثلاً، إلا من خلال ممارسة العنف المشروع للردّ على العنف المتمثل في احتلاله؛ أي احتلال مساحة العيش، وكذلك الصراع على مصادر الطاقة، أو استخدام المعرفة في الهيمنة بكلّ بساطة، فيصبح التنظيم والتقدم العلمي أو العسكري، وسواهما، دافعاً لممارسة عنف قوي، وربما مضمون النتائج (مثلما حصل في إبادة سكان أمريكا الأصليين)، وذلك من أجل إنتاج حضارة جديدة لها دينها وثقافتها وقيمها وأمجادها، كلّ هذا الخير الذي كان يمثل أرض الأحلام والمستقبل، لم يتحقق سوى من خلال العنف.

للعنف قدرة على إنتاج الخير في عيون من يمارسه من أجل السطوة والقوة من خلال تغيير عناوينه وماهيته

فالعنف إذاً؛ تم تبريره في حال تمت ممارسته ضدّ الجاهل، المتخلف، البربري، من الواضح إذاً أنّ للعنف قدرة على إنتاج الخير في عيون من يمارسه من أجل السطوة والقوة، من خلال تغيير عناوينه، وبالتالي ماهيّته، ويبدو أنّ التاريخ البشري قليلاً ما سمّى العنف باسمه مباشرة، وإلا كان ليخلو من معظم أبطاله وقادته ومحاربيه العظماء، وأبطاله الأيديولوجيين بالطبع.

يتمحور السؤال الأساسي إذاً، في مقالة لا تتسع لنقاش كلّ ما يتعلق بالعنف، حول الحق في ممارسة العنف: متى وكيف وأين، ثم لماذا؟

ولا تكفي للإجابة عن هذا السؤال، شروحات ماركس حول العنف المنظم الذي ربما تمارسه سلطة ما، أو أنّ الصراع محرك للتاريخ. ورؤية فرويد في تنظيراته حول قتل الأب، وكذلك إريك فروم في النزعة التدميرية للجنس البشري؛ فهؤلاء جميعاً ركزوا على أفكار نفسية وسوسيولوجية وسياسية تتعلق بمشروعية ممارسة العنف، لأسباب مثل؛ الشعائر، الطقوس، التقاليد، النفسية والشخصية الكاريزمية التي تمتلك بظنها أنها مميزة، حق ممارسة العنف، ...إلخ.

اقرأ أيضاً: بشهادة "القاعدة".. العنف خرج من رحم "الإخوان"

العنف يتخفى في طيات الممارسات الفردية والجماعية للبشر عبر التاريخ، كما يتأصل في الطبيعة البيولوجية، وخلال القرنين الماضيين، ادعت الثقافة أنّها يمكن أن تكون هي اللاعنف. وكذا المعرفة. غير أنّ تكريس هاتين الاثنتين في تدعيم العنف تحت ركاميات من المصطلحات والأفكار والقيم ازداد، وهو ما يظهر حتى خلال ممارسة البشر حديثاً لحقهم في الاقتراب من قيمهم الطوباوية؛ ففرض السلام احتاج الكثير من الحروب، وهذا يشبه ما يقوله تشومسكي عن أنّ الولايات المتحدة التي راحت إلى فيتنام لتدافع عنها "كانت تهاجمها كلّ لحظة بالتأكيد"، ويشبه احتلال فلسطين، الذي يتم الدفاع عنه بشراسة، ليس بالقوة والعنف فقط، بل ومن خلال التخفي بشرعية دولية لم تفرضها إلا قيم ما، لا تتضح معالمها أبداً.

يمكن تقصي العنف منذ اللحظة التي أدرك فيها الإنسان أنّ هذه الظاهرة تكمن في غرائزه وطبيعته البيولوجية

كما أنّ العنف، يبرع في التخفي تحت سياسات ثقافية إعلامية متكررة وبالغة الأثر، يمكن تحويلها إلى تذكرة شعبية بحقّ، من أجل ممارسة العنف، تحت شعار كالحرية. ولعلّ القرن الواحد والعشرين شهد فيما يسمى بعد الحداثة، قدرة الأفراد والجماعات على تمثيل تشوهاتهم، وإعادة إنتاجها في الفنّ والعلوم الاجتماعية، وتحويل كلّ ما هو ذاتي إلى موضوع يمكن التعبير عنه صراحةً، هذا أيضاً، يسمح للعنف بأن يقدم نفسه، ليس كثورة على أكبر تقدير، بل وبجمالية أيضاً، مهما كانت مثيرة للرعب، إلا أنّها تتجلى في لعبة حاسوب رقمية، أو في نشوة انتصار من أجل (الحرية)، أو من خلال رسم لوحة سينمائية أو تشكيلية فظيعة، تؤكد العنف المتأصل.

إنّ أيّة محاولة للتخلص من العنف، تشبه دعوة إلى حرب أخرى، أو تبرير جديد، فكثيراً ما تمّ التعبير تاريخياً عن الهدوء والمساواة والحرية والمعرفة، بأنّها أشياء لا يملكها سوى العنيف، الذي لا يفرض سلامه العظيم هذا وتقدمه، إلا بقوته.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف نجعل من متلازمة داون متلازمة محبة؟

2020-02-24

متلازمة داون، التي تصيب نسبة قليلة من الأفراد وهم أجنة، وتسمى أيضاً "التثالث الصبغي"؛ وهي متلازمة صبغوية أو جينية المنشأ، تنتج عن تغيّر في الكروموسومات؛ حيث يتسبب وجود نسخة إضافية من كروموسوم 21 أو جزء منه في الخلايا، بتغيّر في المورثات، حسب ما جاء في الموسوعة الحرة؛ ويكيبيديا. وتتسم الحالة بوجود تغيّرات كبيرة أو صغيرة في بنية الجسم، وكثيراً ما تترافق مع ضعف في القدرات الذهنية.

اقرأ أيضاً: "هدف".. مطعم مغربي يدعم ذوي الاحتياجات الخاصة
ولا يمتلك أفراد هذه الفئة المهمشة في بعض المجتمعات، كالمجتمع السوري، على سبيل المثال، إلاّ بعض الخصائص الفطرية، التي تظهر على سلوكهم مع الأفراد الأصحاء، ومع الأفراد المصابين مثلهم؛ مثل "الحب" والنقاء والصفاء.
وقبل أن أتجه إلى جمعية "أنا أستطيع"، التي تضم مجموعة متفاوتة الأعمار من أطفال وشبان مصابين بمتلازمة داون، في محافظة السويداء السورية؛ كنت أحسب أنّ "الحب" يحتاج إلى ذكاء ليصبح "فناً"، حسب رأي إريك فروم، لكنني أيقنت أنّه يحتاج إلى رعاية واهتمام، كما لاحظت في تلك الجمعية.

كنت أحسب أنّ الحب يحتاج إلى ذكاء ليصبح فناً لكنني أيقنت أنه يحتاج إلى رعاية واهتمام

تعدّدت أنواع الحب، وتعددت الأحاديث عنه واختلفت مقاربات الفلاسفة والمفكرين لـ "الحب اللاهوتي" و"الحب العذري" و"الحب الحسي"، الذي أصبح عيد الحب موسوماً به عند بعض المجتمعات، أما تلك الفئة فإنّ أفرادها لا ينشدون عيداً للحب؛ بل ينشدون عالماً يسوده الحب النقي، المجرد من كل ما يوصف به وكل ما ينسب إليه من أنواع وأنماط، إنهم ينشدون أن يقابلوا بابتسامة تشبه ابتسامتهم، ونظرة مهتمة، بريئة من أمراض التمييز والتباهي والتعالي والتعصب التي يتصف بها كثير من الأفراد العاديين.
لعلّ مبعث الحب الذي يغمر أرواحهم البريئة ويفيض عنها ابتسامات عذبة، أنّهم لا يعرفون الكذب، ولا يستطيع أحدنا أن يكذب عليهم؛ لأنهم يفهمون العالم والناس بحواسهم وفطرتهم، لذلك يمكن أن نتعلم منهم أنّ الحب لا يحتاج إلى ذكاء ليصبح فناً، بل يحتاج إلى صدق، ولا بأس بالذكاء.

اقرأ أيضاً: بمناسبة اليوم العالمي لمتلازمة داون.. شاهد كيف تحتفل أمهات بأطفالهن المصابين
تبعث السيدة "حياة"، التي أسست جمعية "أنا أستطيع"، في كل لحظة، الحياة والحب في قلوب أفراد يعتبرهم المجتمع مرضى "غير عاديين"، وينظر إليهم بازدراء وقسوة، علّمتهم الأعمال اليدوية؛ كصناعة الإكسسوارات النسائية بالخرز والإبرة والخيط، رغم أنّ جميع من في الجمعية ذكور تتراوح أعمارهم بين 10 و20 عاماً، وعلمتهم صناعة ذوات حرة ومستقلة عن التبعية الاقتصادية، كي لا يكونوا عالة على ذويهم وعلى المجتمع الذي يعتبرهم كذلك.
وتساعد الجمعية هذه الفئة، التي تعاني من أشد أنواع الإقصاء؛ ابتداءً من المجتمع وانتهاءً بالمؤسسات الحكومية؛ كمؤسسة التربية والتعليم، ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، والتأهيل الذهني والنفسي، في تحقيق الاندماج في الحياة الاجتماعية على أدنى تقدير؛ فالجمعية قائمة على التبرعات من المجتمع الأهلي والأقارب والأصدقاء.    
تلك الفئة، صاحبة الكروموسوم الزائد في جيناتها، الذي يبدو أنّه يمنحها الابتسامة الدائمة والحب الفطري، الذي لا يعرف التفريق بين إنسان أبيض وآخر أسود، ولا يعرف التفريق بين مسلم أو مسيحي، ولا يعرف التعصب السياسي أو الديني أو الاجتماعي، مع هذا كله فهي فئة تعاني من الإقصاء وأقصى درجات التهميش من قبل المجتمع والدولة.

ليس غريباً أن تكون متلازمة داون مهمشة ومقصيّة في مجتمعات تعاني من الجهل والمرض والتخلف والصراعات

ليس غريباً أن تكون متلازمة داون مهمشة ومقصيّة في مجتمعات تعاني من الجهل والمرض والتخلف، والصراعات السياسية والدينية والاجتماعية، وتعاني أيضاً من نزاعات مسلحة تتآكل خلالها البنى الاجتماعية والبنى التحتية للدولة. هذه العوامل تتسبب في تهميش الأفراد الفاعلين والفاعلات، والمتفاعلين والمتفاعلات، في المجتمع، وتقضي على كل أشكال الحب والتواصل الإنساني؛ ليحل محلها الدفاع البدائي عن النفس من أجل البقاء، فكيف لا تُهمش فئة ساكنة لا تجيد الفعل أو التفاعل في المجتمع.
لكنّ السيدة "حياة"، تجاوزت كل هذا التهميش وعملت على بناء القدرات الذهنية لتلك الفئة وإدماجها في المجتمع والمؤسسة التربوية والتعليمية، لتصبح فئة فاعلة، تجيد العمل والرقص والآداب العامة؛ كإلقاء التحية وآداب الطريق وآداب الطعام واللعب، وتجيد التواصل مع الآخرين، والأهم من ذلك أنّها أصبحت فئة مُنتِجة تستطيع أن تعتمد على ذاتها في الحياة العامة.

اقرأ أيضاً: الإعاقة الحركية لا تمنع ممارسة الكاراتيه في غزة
قبل 6 أعوام، صادقت اليابان على اتفاقية "حقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة"، بعد أن أصدرت قانوناً يحمي هؤلاء الأشخاص، ويعاقب كل من ينظر إليهم نظرة ساخرة أو يعنّفهم جسدياً ونفسياً، كما جهزت لهم تسهيلات في الأماكن العامة، والطرقات ووسائل النقل، وأحدثت مراكز للتنمية الذهنية والتأهيل النفسي، ممّا جعلهم يندمجون في المجتمع بشكل طبيعي، ويشعرون بذواتهم وعدم اختلافهم عن بقية أفراد المجتمع، مع أنّ تلك الخطوة أتت متأخرة بالنسبة لبلدٍ مثل اليابان.

من أخطر الأمراض الاجتماعية؛ التمييز والتفاضل بين الأفراد والتفاوت في الإنسانية والمواطنة غير المتساوية

إذن، الدولة هي المسؤول الأول عن ذوي الاحتياجات الخاصة، فالدولة هي الحياة الأخلاقية للشعب، بحسب تعبير "ماركس"، من ثمّ المجتمع، الذي هو جسم الدولة وروحها الديناميكية، فإذا اعتنت الدولة بجسمها وروحها ستكون بعيدة عن الأمراض الاجتماعية، ومن أخطر هذه الأمراض؛ التمييز والتفاضل بين الأفراد، والتفاوت في الإنسانية، والمواطنة غير المتساوية، كما هي الحال في سوريا، التي تعاني من حرب أنتجت ضعفاً وترهلاً في الحياة الاجتماعية (الإنسانية) وأزمات اقتصادية تسببت في عدم القدرة على احتواء ذوي الاحتياجات الخاصة، وكبار السن وغيرهم من القوى غير الفاعلة في المجتمع، والعاجزة عن إدارة الحياة الطبيعية التي تعطيها الحق بالفعل والتفاعل.
فعندما تنعدم خيارات الأفراد، يزداد منسوب القهر والاغتراب والاستلاب، لينتج هدراً لكرامة الإنسان وحريته وحقه في العيش الكريم، وهذا ما يسميه مصطفى حجازي بالهدر الإنساني أو المعنوي؛ "هو التنكر لإنسانية الإنسان، أو تجاهلها، أو التلاعب بها، أو الحرب عليها"، فإذا كان الفرد هو المحور الأساسي في تنمية المجتمعات ونموها وازدهارها، وتقدمها نحو الحداثة، فكيف لمجتمع أن يخطو خطوة واحدة إلى الأمام ونسبة كبيرة من خلايا جسده مريضة؟ هل سترتقي إنسانيتنا يوماً فننظر إلى المصابين بمتلازمة داون وغيرهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، نظرة إنسانية بعيدة عن التمييز العقلي؟

للمشاركة:

لماذا جعلوا منك وحشاً؟!

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
2020-02-23

في المقال السابق "ضروريات أم كماليات" أشرتُ إلى أنّ المجتمعات التي تُنتِج أنظمتها الفقرَ والجوعَ أو الوفرة المزيّفة، تنغلقُ الكماليات فيها على مضامين مخادعة، تُشتت الانتباه عن معناها الحقيقي، فتبتعد عن كونها ما يجب أن يكمل الوجود الإنساني ويرتقي به، إلى صياغةٍ عارضة، تنحصر في جملة الأشياء الماديّة، والتي لا يشكّل غيابها نقصاً في الحياة، وإنما نقص في كينونة الفرد. إنّ تعميم الفهم الضيّق للكماليات، هو الطريق المختصر للكسب أمام أيّة سلطة، ومهما كان نوعها، فحيث يمكن تحويل الإنسان إلى مستهلكٍ ومستهلكٍ فقط، يصبح بالإمكان بيعه حتى الأوهام والشعارات والكلام الفارغ، وعندما تتمكن القيم الاستهلاكيّة منّا، لن يسفر الوجود سوى عن الوجه العدائي، وهناك سيرافقنا شعورٌ دائمٌ بالخوف والاغتراب.

وهم التملّك يضع الجميع بحلبة صراع داخل فضاء استهلاكيّ كتعويض مجوّف لفراغ وجودي خلقه استلاب المادّة للذات

كيف يصبح الوجود عدائياً عندما تطغى القيم الاستهلاكيّة على الفرد؟ قد تسعفنا اللغة في توضيح ذلك، فليس من قبيل المصادفة أنّ الاستهلاك الذي يسم وجودنا، يصبّ جذره الثلاثي (هلك) في الهلاك، وهنا تتضح الصورة؛ إذ إنّ هناك علاقة مع الوجود ولكنها تقوم على الموت، وهذا ما بيّنه "إريك فروم" في كتابه "الإنسان بين الجوهر والمظهر"، "ففي نمط الملكية لا توجد علاقة حيّة بيني وبين ما أملك، فأنا وما أملك أصبحنا جميعاً أشياء، أنا أملكها لأن لديّ القوّة على امتلاكها، ولكن ثمة علاقة عكسيّة أيضاً، فهي تملكني أيضاً لأن إحساسي بهويتي يتوقف على ملكيتي لها، إنّ نمط الملكيّة لا يقوم على صيرورة حيّة ومثمرة بين الذات والموضوع، وإنما هي علاقة تجعل من الذات والموضوع أشياء، والعلاقة بينهما علاقة موات وليست علاقة حياة".

اقرأ أيضاً: مستقبل مجتمعاتنا في يد "لورا".. هل الأسرار خطيرة حقاً؟
فنمط الملكيّة كما يذهب إليه "فروم" يتجه إلى تشجيع الجوانب الاستهلاكية والأنانية في الفرد، ويجعل من العلاقات التنافسيّة العلاقات الوحيدة التي تربط الأفراد ببعضهم، وهذا ما يتيح للجشع والغيرة والضغينة أن تطفو على وجه العلاقات كافةً، ليُفرد المجال كاملاً للعنف كي يصبح العملة الوحيدة المتداولة بين الجميع، لهذا لا يرى "فروم" فرقاً في تطور الشخصيّة التملكيّة من نمط الاكتناز في الماضي، إلى نمط الاستهلاك الواقع الذي يقوم على شراء الأشياء ليتخلّص منها بعد ذلك بوتيرة سريعة، فليس التناقض بين هذين النمطين، في رأي "فروم"، سوى تناقض سطحيّ، فإذا ما نظرنا إلى الأشياء في كلا النمطين، سنجدها تفتقر إلى الطابع الشخصي في علاقة المالك بما يمتلك، الطابع الذي يمنح الأشياء قابليّة الاستعمال ويحررها من الاستهلاك والنفاد، أو بعبارة أخرى: يعيد الوعي إلى العلاقة بين الذات والموضوع.

اقرأ أيضاً: ماذا ستطلب لو التقيت بجنيّة الأمنيات؟
إنّ وهم التملّك يضع الجميع في حلبة صراعٍ داخل فضاءٍ استهلاكيّ عام، لا يتعدّى كونه تعويضاً مجوّفاً لفراغٍ وجودي خلقه استلاب المادّة للذات، كما يمكن أن يكون مؤشراً على إفلاسٍ روحيٍّ حاد، عندما لا تتحقق ذات الفرد إلّا من خلاله وبه؛ وهنا قد ندرك "لماذا  يعمل الأفراد لساعاتٍ إضافية، ثم  يشترون أشياء ليسوا بحاجتها وقد لا يحتاجونها"، هذا اللهاث المسعور خلف المادة سيضفي على الوجود سمة (الإنهاك)، فالكل يلهث خلف الشيء طالما رغبة التملّك تهرشهم، وبالطبع كلّما ازداد منسوب التملّك، سيزداد منسوب الفقر الإنساني والتوحش، وبهذا تشرّع الملكيةُ الأبواب على العنف، وكل الحروب منذ اللحظة تصبح مبرّرة وشرعيّة طالما أنّ أوهام السيطرة والتملّك تدغدغها وتغلّفها بنكهة العدالة.

اقرأ أيضاً: بماذا حشونا وسائد نوم أطفالنا؟
فتَرافق نمط التملّك، مع بدايات التاريخ الذي دُوّن بأسماء ملوكه، أسس لتراتبيات اجتماعيّة، استندت إلى تقسيماتٍ طبقيّة، حدّدت هويّة الفرد بحجم ملكيته، وبهذا  أخذ التاريخ شكل صيغٍ نهائية قررت بحزمٍ شكل العالم، لقد أصبح العالم عالمين؛ عالم الأغنياء وعالم الفقراء، عالماً مسوّراً بكماليات مزيّفة، وعالماً يرزح تحت وقع الضرورة، وبينما تصبح الملكية مفتاحاً لكل الأبواب لدى الأغنياء، تفقد الكماليات طابعها الجوهري في إكمال الوجود، وتُمسَخ إلى مجرّد صيغة محددة تنحصر في تملّك الأشياء والاستحواذ عليها، وهذا قد يوضح لماذا تحاول أي سلطة على الإطلاق تشييء أفرادها، فليس أسهل من السيطرة على من نُزعت عنه حريته وكرامته الإنسانية، الفرد الذي يمكن وضعه في أي علبة. 

اقرأ أيضاً: صخرة سيزيف.. العقوبة التي ورثتها مجتمعاتنا
في عالم الفقراء يأخذ الفرد صورة متسولٍ للحياة، وتصبح الضرورة  عالمه الوحيد، ففي هذا العالم لا يعني الفرد سوى البقاء على قيد الحياة؛ فالاحتياجات التي لا يميت غيابها وإنما تجعل الحياة أكثر مشقّة تتنحى جانباً، ولا ضير أن يتحمل الفقراء المشقات طالما مُنَّ عليهم بنعمة الحياة، بينما لا مشكلة بتاتاً في هكذا عالم، العيش من دون الكماليات التي تصبح من المنسيات، ويقتصر وجودها على حلمٍ يشطح به النوم. حقاً الحياة صعبةً هنا، ولكن هناك من يريدها كذلك، إنهم المستثمرون الكبار في عالم الخوف والجوع، الذين يعلمون أنّه لا يمكن ترويض الإنسان إلّا إذا أصبح وحشاً، وما الذي يمكن أن يحوّله إلى وحشٍ، أفضل  من صراعه على لقمة العيش؟

يوماً ما سيتفتح أطفالنا على ما قاله تشيخوف: في الإنسان كل شيء يجب أن يكون رائعاً: وجهه، وهندامه وروحه وأفكاره

قد تأخذ هذه القصة منحىً عدمياً إذا سلّمنا بأنّ هذه التقسيمات تقسسيمات نهائية ومطلقة، ستصبح كذلك فقط إذا صدقنا واستسلمنا لذلك، وهو ما أراده التاريخ لنا دائماً، ولكن التجربة الإنسانية تحمل إمكانات مفتوحة على احتمالات شتى، وقد يدعم حدوث الاحتمالات الجيدة وعيٌ جديد ومختلف، وهذا ما بدأ يتشكّل في مساحات واسعة من مجتمعاتنا، فقد تمكّن هذا الوعي من كشفٍ واقعيّ للتناقض الذي مارسته العقائد بفخرٍ وتبجح وغباء، وأنّ القيم الكاذبة التي تحرسها، هي المسؤول الأول عن انحطاط الإنسان وكرامته، لذلك فإنّ الصرخات التي دوّت في معظم ساحات مجتمعاتنا، جاءت لتأكيد هذا الوعي الذي بدأ يدرك ما قصده "فروم"، فما كان يتبنّاه من إرادة، ليست إرادته، ومن رغبات ومشاعر، ليست رغباته ومشاعره، وإنما فرضتها الأنماط الاجتماعية التي جعلت من رغباته رغبات مصنوعة ومكيّفة.
ما دامت رحلة الألف ميل  تبدأ بخطوة ، يوماً ما ستختفي مفاهيم كالضرورة والحاجة والكمالية من معاجم اللغة، هذه التقسيمات التي ترهق كاهل الفقراء ستزول وسيزول معها صيغ التفضيل، ليصبح كل ما يحافظ على الوجود وما يدعمه وما يكمله بنفس ذات الأهمية، فلن يكون هناك ما هو مهم وما هو أهم، الجميع سيحظى بفرحه الإنساني، فقلم حمرة لامرأة وزجاجة عطر لرجل ولعبة بين يدي طفل، ليست بأقل أهمية من لوحة فنية أو قطعة موسيقية أو قصيدة، وجميعها ليست بأقل أهمية من رغيف الخبز، يوماً ما سيتفتح أطفالنا على أغصان ما قاله "تشيخوف" "في الإنسان كل شيء يجب أن يكون رائعاً: وجهه، وهندامه، وروحه، وأفكاره"، وإلى ذلك الحين ستولد كل صرخاتنا من الجملة الشهيرة  "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان".

للمشاركة:

كيف زيّفت الجماعات الإسلامية وعينا بالتراث؟

صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
2020-02-23

لا يُمكن الفصل بين تراث أيّ أمّة وواقعها؛ فالماضي حاضر فينا ومن خلالنا، رضينا أم أبيْنا، غير أنّ الإشكالية في طريقة استدعاء التراث، وما يصحبها من محاولات تفكيك الحاضر وإعادة بنائه من جديد وفق صورة مثالية متخيلة عن الماضي، تكمن في تلك الأفكار التي تسرّبت إلى ثقافتنا من خطاب "جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين"، التي قدّمت الآخر على أنّه الضّال، المغضوب عليه، عدو الله ورسوله، الواجب على المسلمين إنزال الخزي به حتى تُشفى صدور المؤمنين، فاختزلوا سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، في صورة المُحارب الذي يخرج من غزوة ليدخل في أخرى، محاولين منح مشروعية لأفكارهم الصدامية، متجاهلين الأدوار الاجتماعية التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لها أثر كبير في نشر قيم التسامح والعدل والحرية، وأنّ المواجهات العسكرية التي خاضها، صلى الله عليه وسلم، فُرضت عليه فرضاً، من قومٍ رفضوا حقّ المسلمين في الاختلاف، وسَعَوا إلى إبادتهم.

من الاستدعاء الخاطئ للتراث في خطاب جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين تقديم الإسلام كحركة عسكرية ودعوة استئصالية

ومن الاستدعاء الخاطئ للتراث، في خطاب "جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين"؛ تقديم الإسلام كحركة عسكرية ودعوة استئصالية، حيث يرتهن انتشاره باستئصال الآخر واستعادة الأراضي التي حكمها المسلمون زمناً، فتبنّي مثل هذه الفكرة يُدخلنا في صراع ديني لا ينتهي؛ فإن كان للمسلمين، وفق هذا المنطق المغلوط، حقّ تاريخي في إسبانيا تبعاً لتدين أهلها بدين الإسلام في حقبة من الزمن، سيكون لأتباع الديانة البوذية حقّ تاريخيّ في إندونيسيا، أكبر دول المسلمين من حيث تِعداد السكان، استناداً إلى أنّ البوذية ديانتها السابقة على الإسلام.
وأنتج اعتماد الجماعات على الوعاظ في قراءة التاريخ، وعياً زائفاً به، فبدلاً من أن ينظروا بعين الناقد لتراث المؤرخين المسلمين، ساروا على خطاهم متخذين من أسفار العهد القديم والإسرائيليات مصدراً أصيلاً لحكاية التكوين وبداية الخليقة، منذ آدم، عليه السلام، وحتى القرون الأولى للميلاد، وما تخللها من قصص الأنبياء والصالحين والآثمين، بهدف الوعظ، مدفوعين بالفضول لمعرفة تفاصيل ما أجمله القرآن الكريم، ففتحوا باباً للأسطورة والخُرافة لم يُغلق حتى اليوم، فالهوّة كبيرة بين التاريخ الذي يُقدّمه وعّاظ الجماعات، والتاريخ الذي يكتبه الباحثون والعلماء.

اقرأ أيضاً: الحداثيون والتراثيون.. هل الجميع بريء من مشكلاتنا؟
وإذا كان المؤرخون القدامى معذورين، بأنّ لغة العلم في عصرهم لم تعرف الحفريات والوثائق وغيرها من المعطيات العلمية، فلا عذر لوُعّاظ الجماعات اليوم، عندما أغفلوا آثار حضارات الشعوب القديمة؛ من فينيقيين وبابليين وسومريين ومصريين، الناطقة بالكثير من الوقائع والأحداث، التي تناقض الرواية التوراتية للتاريخ، مكتفين بترديد ما نقله التراث من روايات العهد القديم دون تمحيص، فالتسليم بمكانة العهد القديم الدينية والأدبية، لا تجعل منه وثيقة تاريخية يُعتمد عليها في إصدار أحكام علمية.

لا عُذر لوُعّاظ الجماعات اليوم بأن يغفلوا آثار حضارات الشعوب القديمة من فينيقيين وبابليين وسومريين ومصريين

ولا تتوقف الجماعات عن الخلط بين تاريخ الإسلام "الوحي"، الذي بدأ وانتهى بحركة جبريل، عليه السلام، بين السماء والأرض، وتاريخ المسلمين الذي هو أحداث وتجارب بشرية تاريخية غير مقدّسة، فإطلاق الجماعات تاريخ الإسلام على تاريخ المسلمين، أكسبه مثالية وقداسة زائفة، تستعلي به على الدرس النقدي، والسياقات والملابسات التي صنعت أحداثه، وفي الوقت الذي استعلت "جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين" بتراثنا عن النّقد، نجد تراثيين، من أمثال ابن خلدون، الذي شنّ حملة قوية على ما اكتنف التّراث من حكايات وأخبار وأنساب يُنكرها العقل، فيقول؛ "إلا أنّ كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغثّ والسمين والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عن أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونها منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى، وأهل التوراة الذين كانوا بين العرب يومئذ، بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حِمْير الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية، التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء؛ مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض، أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام، فتتحرى في الصحة التي يجب بها العمل. وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها، كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، لا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنّهم بعد صيتهم وعظمة أقدارهم لما كانوا عليه من المقدمات في الدين والملة فتلقيت بالقبول يومئذ" (1).

التسليم بمكانة العهد القديم الدينية والأدبية لا تجعل منه وثيقة تاريخية يُعتمد عليها في إصدار أحكام علمية

لقد زيّفت الجماعات وعينا بالتراث عندما رسخّت في ثقافتنا أننا أمام تُراثٍ بوَجْه واحد، فأخفوا عن عمدٍ أوجه متعددة لتراث المسلمين، وقد التفّ القدامى حول ثوابت العقيدة متمثلة في الإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه، وأركان الإسلام متمثلة في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلا، إلا أنّ ذلك لم يمنعْهم من الاختلاف في الفهم والشرح والتأويل، فتنوَّعَ التّراثُ تبعاً لتنوع اجتهادات المسلمين الأوائل، فاختلفوا حول فهم طبيعة الإيمان، بين من يجعله قاصراً على إيمان القلب ومن يجعله متضمناً للعمل، وتنوّعت تصوّراتهم بين من يرى وجوب الفصل بين الذات الإلهية والصفات، وبين من يُوحّد بينهما، فلم يكن لمجال الاجتهاد في التراث سقف يحدّده، حيث قدّم التراث تفسيرات وتأويلات متعددة للقرآن الكريم، بين متأوّلٍ ينطلق من قواعد اللغة والبلاغة لفهم القرآن الكريم، وبين متمسكٍ بالمعنى الحرفي غير مُنكرٍ لما وراءه من معانٍ.
ولا تتوقف الجماعات عن التصنيف المستمر، والثُنائيات التي لا تنتهي؛ فهم حماة التّراث، المختلف معهم حداثيّ متآمر عليهم، مأجور من الغرب، والإسلام في جانبهم، وغيرهم المنحرف عن صحيح الدين، يُرددون دوماً أنّ الحقّ يُعرف بتضحيات أصحابه، وليس باختبار أفكارهم، حيث يرون التّقدم في تطوير عالم الأشياء، ويسكتون عن تطوير عالم الأفكار، وضرورة استرداد الإنسان المُنتج للأفكار.

اقرأ أيضاً: التراث كان يحكم حتى الحملة الفرنسية.. فما الذي حدث؟
إنّ إحداث نهضة حقيقية، يبدأ من تطوير مناهج الدراسات الإنسانية، بما فيها دراسات الفكر الديني، لا الدراسات الطبيعية فحسب، فطريق تحقيق النّمو الحضاري ليس العمران فقط، بل بناء الإنسان، ولا أمل في استعادة الإنسان الذي يبني الحاضر، ونحن ندين بفكرة أنّ كلّ خير في الدنيا انقضى، وأنّ العصور الذهبية في كلّ شيء قد فاتت، وإذا أردنا أن نمضي إلى المستقبل ونعود إلى التاريخ، فنحن بحاجة إلى الوثوق بمنجزات الحاضر الثقافية والعلمية والفنية، لننطلق منها ونطوّرها.


هامش:

(1) تاريخ ابن خلدون، المقدمة ج١، ص٤٤٠،٤٣٩.

للمشاركة:



آخر تطورات المعارك في إدلب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

قال المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ إنّ قوات النظام تواصل تقدمها جنوب مدينة إدلب بغطاء جوي روسي، وتمكّنت من السيطرة على المزيد من المناطق، ليرتفع تعداد المناطق التي سيطرت عليها خلال الساعات الماضية إلى 7 مناطق، ليرتفع تعداد المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام في محافظة إدلب منذ بدء العملية العسكرية، في الـ 24 من شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، إلى 109.

إلى ذلك، تواصل الطائرات الحربية الروسية قصفها المكثف على حماه وإدلب؛ حيث ذكر المرصد استهداف تلك الطائرات بعد منتصف ليل الأحد – الإثنين وصباح اليوم، لأماكن متعدّدة بريف إدلب، وريف حماه، بالتزامن مع قصف صاروخي تنفذه قوات النظام بشكل متجدّد على المناطق ذاتها.

ووقعت اشتباكات وقصف برّي متبادل بين فصائل مسلحة مدعومة من تركيا من جهة، وقوات النظام من جهة أخرى، على المحاور شرق مدينة إدلب، بالقرب من طريق."m4"

قوات النظام تتقدم جنوب إدلب بغطاء جوي روسي وتسيطر على 7 بلدات بعد الاشتباك مع الفصائل الموالية لتركيا

ووثّق المرصد مقتل 11 عنصراً من الفصائل، بينهم 7 من المتشددين، وذلك خلال الاشتباكات والقصف على محورَي الشيخ دامس وحنتوتين، فيما قتل 8 من قوات النظام خلال الاشتباكات ذاتها.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، قد دعا، الجمعة، لوقف إطلاق النار فوراً في إدلب "لإنهاء الكارثة الإنسانية، وتجنّب تصعيد لا يمكن السيطرة عليه"، مضيفاً: "ليس هناك حلّ عسكري للأزمة السورية، الحلّ الوحيد ما يزال سياسياً"، مؤكداً أنّه "من المهم كسر الحلقة المفرغة للعنف والمعاناة"، ومعرباً عن قلقه مع اقتراب المعارك من مناطق ذات كثافة سكانية.

يذكَر أنّ هجوم قوات النظام في إدلب، منذ بداية كانون الأول (ديسمبر) الماضي، دفع بنحو مليون شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، إلى ترك منازلهم، منهم 170 ألفاً يقيمون في العراء، كما أسفر عن مقتل أكثر من 400 مدني، بحسب المرصد.

 

للمشاركة:

اليمن: كيف وظّف حزب الإصلاح التنظيمات الإرهابية في تحقيق أهدافه؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

يواصل حزب الإصلاح الإخواني في اليمن دعم التنظيمات الإرهابية، كداعش والقاعدة، وتمويلها؛ حيث حوّل مدينة مأرب، وهي قاعدة الإخوان الرئيسة باليمن، إلى إمارة للتنظيمات الإرهابية، وكذلك الأمر بوادي محافظة حضرموت.

 

 

ويستخدم حزب الإصلاح تلك التنظيمات المتطرفة كورقة ووسيلة ضدّ المعارضين له، كالمجلس الانتقالي وقيادات الحزام الأمني والنخبة، في شنّ هجمات إرهابية بتوجيه منه، دون أن يتحمّل مسؤوليتها، فيما يبقي الباب موارباً للاتفاقات السياسية في حال تغيرت الظروف الراهنة، وهو نهج قام عليه حزب الإصلاح الإخواني طوال الفترة الماضية؛ فمن جهة كان يعلن أنّه يقف إلى جانب الحكومة الشرعية في مواجهة الإرهاب ومن جهة أخرى؛ كان يعقد اتفاقيات مع الحوثيين، ويسلمهم مناطق تقبع تحت سيطرته، ويقدّم للقادة الإرهابيين المأوى والسلاح والعتاد، وهو ما تمّ كشفه بعد مقتل زعيم القاعدة، قاسم الريمي، في منزل أحد قيادات حزب الإصلاح، وفق ما نقل موقع "عدن تايم".

حزب الإصلاح حوّل مدينة مأرب وهي قاعدة الرئيسة باليمن إلى إمارة للتنظيمات الإرهابية

وفي سياق متصل بإرهاب حزب الإصلاح الإخواني؛ اتخذ فرع حزب المؤتمر الشعبي العام بمحافظة تعز، أمس، أولى قرارات التصعيد ضدّ هيمنة حزب الإصلاح الذراع السياسية لجماعة الإخوان.

وقرر الحزب تعليق عضويته بالتحالف الوطني للأحزاب السياسية، بسبب عدم التزام حزب الإصلاح بتنفيذ ما تضمنته وثيقة المبادئ الموقعة من قبل فروع الأحزاب والتنظيمات السياسية بالمحافظة.

ونوّه الحزب، في بيان له، كما أورد موقع "اليمن العربي"، إلى أنّ أسباب تعليق العضوية تشمل الإقصاء والتهميش الممنهج بحق كوادر المؤتمر الشعبي العام في الوظيفة العامة.

حزب المؤتمر الشعبي العام بمحافظة تعز يتخذ أولى قرارات التصعيد ضدّ هيمنة حزب الإصلاح

ودعا المؤتمر محافظ تعز إلى سرعة العودة لممارسة عمله في ظل الأحداث التي تشهدها المحافظة على كافة الأصعدة، وكذلك تحمل مسئولياته في متابعة وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين فروع الأحزاب السياسية بالمحافظة.

وكان فرع حزب المؤتمر الشعبي العام في تعز قد أقرّ، في اجتماعه الأخير، الأربعاء الماضي، عدداً من الخطوات التصعيدية رفضاً للإقصاءات التي تتعرض لها كوادره من قبل حزب الإصلاح الإخواني.

اجتماع حزب المؤتمر الشعبي في تعز

 

للمشاركة:

الجيش الليبي يكشف عدد القتلى الأتراك في محاور طرابلس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

كشف الجيش الليبي، أمس، أنّ عدد القتلى الأتراك وصل إلى 16 قتيلاً، من أصل 35 قال أردوغان إنّه أرسلهم كمستشارين لحكومة فايز السراج.

وأكّد مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الوطني الليبي، العميد خالد المحجوب، مقتل 16 عسكرياً تركياً ممن يشاركون بالعمليات في ليبيا، إضافة إلى 105 من المرتزقة الذين جاءت بهم تركيا، وفق ما نقلت "سكاي نيوز".

وقال المحجوب: "المستشارون والضباط الأتراك، الذين كانوا يقودون طائرات مسيرة، يتواجدون في مصراتة وسرت وغيرها"، مشيراً إلى أنّ "الجيش الليبي استهدفهم في أكثر من موقع"، خصوصاً عندما استهدف غرف عمليات الطائرات المسيرة ودمّرها.

وأوضح المحجوب أن "تأخر الأتراك في الإعلان عن مقتل ضباطهم وجنودهم، يؤكد أن الضربات التي وجهت لهم، تتعلق بمواقع العمليات العسكرية".

المحجوب: مقتل 16 عسكرياً تركياً ممن شاركوا في العمليات في ليبيا إضافة إلى 105 من المرتزقة

كما أشار إلى أنّ القوات التركية في طرابلس تقود العمليات ضمن محاور المعارك، موضحاً أنّ الجيش الليبي استهدف مجموعة منهم عند دخولهم إلى العاصمة نحو معسكر الفلاح، وأكّد أنّ المجموعة تضمّنت مستشارين مهمّين ممّن يقودون غرف عمليات في سرت ومصراتة.

ومع تنامي الخسائر البشرية لم يعد الرئيس التركي قادراً على الإنكار، فاعترف بوقوع قتلى في ليبيا دون تحديد العدد، ربما خوفاً من الحرج، لكنّه لم ينسَ تذكير الأتراك بالإرث العثماني الذي ذهب إلى طرابلس ليحييه، لعلّ ذلك ينسيهم مجزرة طائراتهم المسيرة التي يفتخر الجيش التركي بها، وهي تتساقط بنيران الليبيين.

هذا فضلاً عن السفن والمدرعات التي لا تلبث أن تطأ الأرض حتى تحترق، أما المرتزقة الذين كان أردوغان يعول عليهم، فإنّه بالتأكيد لن يهتم بـ 105 قتلوا منهم حتى اليوم، إلا عندما يطالب بفواتير تعويض الوفاة لكلّ منهم، التي تصل بحسب الاتفاق مع ميليشيات طرابلس إلى 35 ألف دولار أمريكي لقاء كلّ مرتزق قتيل.

وما يزيد الأمر سوءاً؛ بما يتعلّق بالسياسة التركية في ليبيا، التسريبات الواردة عن فرار أعداد كبيرة من المرتزقة نحو أوروبا بقوارب المهربين، خاصة أنّهم أدركوا زجّهم في مستنقع لا مفرّ منه؛ فإما الموت أو الأسر.

في سياق متصل  نقلت وسائل إعلام تركية؛ أنّ العقيد السابق بالجيش التركي، أوكان ألتناي، الذي تقاعد بعد انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، قتل في ميناء طرابلس، وتمّ دفنه في مسقط رأسه، في ظلّ تعتيم كبير.

ونشر رئيس تحرير صحيفة "يني شاغ"، باتوهان شولاك، عبر تويتر، تغريدات ذكر خلالها أنّ "العقيد أوكان آلتيناي قتل خلال هجوم شنته قوات الجيش الليبي على ميناء طرابلس".

وأضاف: "تمّ إرسال جثمان آلتيناي إلى مسقط رأسه في مدينة أيضن؛ حيث دفن بدون مراسم وسط تعتيم إعلامي".

وزعم أيضاً أنّ رفقاء آلتيناي في الخدمة من المدرسة الحربية البرية، هم من أجروا مراسم دفنه؛ حيث دُفن في مقبرة الشهداء في منطقة تالي دادا بمدينة أيضن.

 

للمشاركة:



برلمان المواجهة مع روحاني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

حسن فحص

اما وقد وضعت معركة الانتخابات البرلمانية في ايران أوزارها، ولم تفرز جديدا في ما يتعلق بالنتائج المتوقعة التي هندسها مجلس صيانة الدستور بآليات ديمقراطية ودستورية، ورسم الصورة التي ستكون عليها موازين القوى المسيطرة على المقاعد النيابية، فمن غير المجدي التوقف الآن عند توزيع المقاعد وحجم تمثيل القوى السياسية الاصلاحية والمحافظة ومدى تأثيرها على مواقف وسياسات البرلمان المقبل. باستثناء ما يمكن رصده من صراعات داخل البيت الواحد، أي التيار المحافظ والصراعات الداخلية بين اجنحته على نصاب اي منهما يكون صاحب المواقف الاكثر تشددا، من دون أن يكون له القدرة على التأثير في المسارات الاساسية والاستراتيجية للنظام والسلطة والاهداف التي يسعى لتحقيقها او تطبيقها.

وبناء على المؤشر الذي تقدمه نتائج انتخابات العاصمة طهران، والتي تؤكد اكتساح القائمة الائتلافية لأجنحة التيار المحافظ للمقاعد الثلاثين، فالتقديرات الاولية تشير الى سيطرة واضحة واكثر من مريحة للتيار المحافظ بواقع يتعدى 230 مقعدا وقد تتعدى عدد 240 مقعدا من اصل 290 المجموع العام للمقاعد، ما يعني ان التيار المحافظ بات يمتلك اكثر من الثلثين، وبالتالي لن يكون امام السلطة اي مسببات قلق او مخاوف في تمرير اي قانون او موقف تريده يتعلق بالسياسات العامة للدولة والسلطة التنفيذية.

النصر الذي حققه التيار المحافظ في السيطرة على البرلمان باكثرية اكبر من مطمئنة، لا يمكن اعتبارها حصرا بقدرته على حشد الشارع الايراني واقناعه بصوابية مواقفه وسياساته واستراتيجياته، بل ان العامل الاول في هذا الانتصار يعود الى حالة العزوف الواسعة والكبيرة التي سادت المعسكر الشعبي المعارض او المؤيد للتيار الاصلاحي والمستقلين والمعتدلين وحتى تلك الشرائح التي تقف في المنطقة الرمادية بين هذه القوى الا انها ترجح خيار التصويت لصالح المعارضة اذا ما وضعت امام خيار امكانية التغيير، فضلا عن ان القوى الاصلاحية والتغييرية بجميع اطيافها، وجدت ان العمق الاجتماعي لها غير مقتنع بامكانية احداث هذا التغيير وصعوبة تكرار التجربة التي خاضتها قبل اربع سنوات في الانتخابات السابقة، خصوصا بعد ان شاهدت صعوبة اقناع هذه الشرائح بقدرة الاشخاص الذين نجوا من مقصلة مجلس صيانة الدستور على لعب دور مؤثر في الحياة البرلمانية والسياسية.

بناء على هذه الحقائق، فان ما يمكن ان تشهده المرحلة المقبلة من تطورات سياسية في ظل هذا المجلس المرتقب، سيكون محورها التعامل وطبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، اي بين البرلمان المحافظ برئاسة الجنرال محمد باقر قاليباف على الارجح من جهة، والحكومة برئاسة حسن روحاني من جهة اخرى، والامور ستتجه الى مزيد من التصعيد والسلبية على العكس من التعايش النسبي الذي كان سائدا مع البرلمان المنتهية صلاحيته وامتلاك القوى الاصلاحية بمختلف اطيافها كتلة برلمانية مريحة ساهمت في تخفيف الضغط والعبء على الحكومة في السنوات الثلاث الماضية.

المجلس الجديد بتركيبته المحافظة لن يتأخر في اشهار سيف المواجهة مع الحكومة وروحاني، مستفيدا من الدور الرقابي الذي يقع في صلب مهمات العملية التشريعية والبرلمانية، ما يعني ان روحاني سيواجه مرحلة صعبة في عمله التنفيذي والحكومي، ان كان في ما يتعلق بالسياسات الداخلية، الاقتصادية والمالية والادارية، وان كان في السياسات الخارجية خصوصا ما يتعلق بالتعامل مع المجتمع الدولي وتحديدا الولايات المتحدة الامريكية في ظل العقوبات الاقتصادية والحصار الاقليمي الذي يستهدف النفوذ الايراني في المنطقة.

المحافظون الذين رفعوا شعار الهجوم ومعارضة كل السياسات الداخلية والخارجية لروحاني وحكومته، ستكون الفرصة سانحة امامهم لممارسة المزيد من هذه السياسات من دون معارضة جدية، وهذه المواجهة لن تبقى من خارج مؤسسات النظام وتعتمد على المنابر الاعلامية وغير الرسمية، بل ستنتقل وبشكل فاعل الى داخل المؤسسات الرسمية من بوابة البرلمان، وبالتالي لم يعد الاعلام والخطابات والمواقف المتفرقة ساحة الانتقادات للسياسات الاقتصادية وتحميل الحكومة مسؤولية الازمات والاخفاقات التي عانت منها ايران في المرحلة السابقة، ما يعني امكانية ان يعمد هذا المجلس للعودة الى تفعيل الهجوم على الحكومة وآلية استجواب الوزراء وطرح الثقة بهم، خصوصا الوزراء الذين يمثلون القوى الاصلاحية بوضوح والذين حققوا انجازات حقيقية خلال توليهم مواقعهم التنفيذية، وذلك في اطار ما يمكن اعتباره سياسة استباقية يعتمدها المحافظون باستبعاد اي مصدر قد يشكل تهديدا لمسار وجهود تقديم انفسهم المنقذ والقادر على تقديم الحلول في حال توليه السلطة والادارة.

البرلمان الجديد وهويته المحافظة الطاغية ستسمح للتيار الذي يمثله بان يتملص من كل الاتهامات الشعبية والرسمية التي تعتبره العائق والمعرقل الاساس امام السلطة التنفيذية في تطبيق سياساتها الاقتصادية والمالية والخارجية، وبالتالي فان هذا البرلمان سيكون امام مهمة إلقاء المسؤولية على روحاني وفريقه في كل الاخفاقات والتردي الاقتصادي والتضخم والبطالة والفساد، والتأكيد على أنه يشكل "باب النجاة" للشعب الايراني، خصوصا وان هذه الحكومة لن يكون لها خطوط دفاع عن سياساتها داخل البرلمان الذي يمثل "ارادة الشعب والطبقات الفقيرة"، وان رئيس البرلمان الجديد لن يدخل في دائرة دعم سياسات الحكومة كما كان الامر في عهد الرئيس السابق علي لاريجاني.

من المفترض ان يؤسس هذا البرلمان ان كان في اليات العمل التشريعي او في التعامل مع السلطة التنفيذية، لتعزيز الجهود التي تبذلها السلطة والنظام من اجل العودة الى السيطرة على كل مراكز القرار الدستورية، وان يشكل عمل البرلمان الجديد المنصة التي تسمح لهذا التيار في تمهيد الطريق للمنافسة على رئاسة الجمهورية بعد نحو سنة ونصف السنة وايصال مرشح هذا التيار الى هذا الموقع، وبالتالي استكمال عقد السلطات الثلاثة القضائية والتشريعية والتنفيذية في يده، من اجل خلق حالة من الانسجام وعدم احداث اي قلق لدوائره اتخاذ القرارات الاستراتيجية والمصيرية المتعلق بمستقبل النظام وسلطته.

عن "المدن"

للمشاركة:

لماذا لا يمكن الوثوق بالحوثيين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

خيرالله خيرالله

يخطئ من يعتقد أن الحوثيين (أنصار الله) في اليمن تغيّروا. يخطئ أكثر من يتخيّل أن في استطاعتهم أن يتغيّروا أو أنّه يمكن أن يتغيّروا في غياب تبدّل حقيقي وجذري في موازين القوى العسكرية على الأرض. تؤكد ذلك المحاولات الأخيرة التي قاموا بها من أجل إطلاق صواريخ من صنعاء في اتجاه الأراضي السعودية، مستهدفين مواقع مدنية على وجه الخصوص. كشفت هذه الصواريخ مدى عدوانية الحوثيين من جهة، وصدق الذين أكّدوا منذ البداية أنّ ليس في الإمكان الوثوق بهم من جهة أخرى.

المسألة، في نهاية المطاف، في غاية البساطة. المسألة أن القرار الحوثي قرار إيراني ولا شيء آخر غير ذلك، تماما مثل قرار “حزب الله” في لبنان. توجّب على الحزب في مرحلة معيّنة المشاركة المباشرة في الحرب المستمرّة على الشعب السوري منذ العام 2011. لبّى الطلب الإيراني من دون تردّد. ليس “حزب الله” سوى لواء في “الحرس الثوري” الإيراني، عناصره لبنانية. وليس “أنصار الله”، الذين يمتلكون علاقة قويّة إلى أبعد حدود بـ”حزب الله”، سوى لواء آخر في “الحرس الثوري”، عناصره يمنية.

هذه حال “أنصار الله” الذين تظاهروا في مرحلة معيّنة بأنّهم مستاؤون من القرار الإيراني بضرب منشآت “أرامكو” السعودية في أيلول – سبتمبر الماضي عن طريق صواريخ انطلقت من الأراضي الإيرانية. لم يكن الاستياء، الظاهري، من ضرب إيران لمنشآت سعودية، بل من إلباس طهران الحوثيين عملية إطلاق الصواريخ وجعلهم يتبنونها.

تبيّن مع مرور الوقت أن لا استياء من أيّ نوع. هناك فقط سيناريو متفق عليه بين الحوثيين والإيرانيين من أجل تمكين “أنصار الله” من التفاوض مع السعودية بهدف الحصول على مساعدات، هم في حاجة شديدة إليها، في ظلّ تدهور الوضع الاقتصادي الإيراني بسبب العقوبات الاقتصادية الأميركية.

ليس صدفة أنّ تأتي المحاولات الحوثية الأخيرة لإطلاق صواريخ من صنعاء في اتجاه المملكة مع زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو للرياض.

في تلك الزيارة التي قابل فيها بومبيو الملك سلمان بن عبدالعزيز، كما أجرى محادثات مع وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان، حصلت نقلة نوعية على صعيد التقارب السعودي – الأميركي في اتجاه موقف مشترك أكثر عمقا وثباتا في مواجهة الخطر الإيراني بكلّ أبعاده.

كشفت الزيارة مدى استيعاب الإدارة الأميركية الحالية لخطورة المشروع التوسّعي الإيراني من جهة، ومدى استعدادها للتصدّي له. جاءت تصفية قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الإيراني لتظهر أن الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب تعرف تماما أنّ لدى الولايات المتّحدة حسابات قديمة في حاجة إلى تصفية مع “الجمهورية الإسلامية”. حسابات تعود إلى العام 1979 عندما احتجزت السلطات الإيرانية 52 دبلوماسيا أميركيا، كانوا يعملون في سفارة طهران، لمدّة 444 يوما. هناك تذكير أميركي دائم باحتجاز الدبلوماسيين هذه الأيام. هذا ما فعله ترامب لدى تهديده بالرد على أيّ عدوان إيراني يستهدف الأميركيين عن طريق ضرب 52 هدفا في الداخل الإيراني. يرمز كلّ هدف من هذه الأهداف إلى أحد الدبلوماسيين الأميركيين الذين احتجزتهم إيران…

جاء إطلاق الصواريخ من صنعاء بمثابة ردّ إيراني على زيارة بومبيو، والنتائج التي يبدو أنّها أسفرت عنها. أرادت إيران توجيه رسالة فحواها أنّ لديها قاعدة في اليمن، وأنّ الحوثيين ليسوا سوى أداة من أدواتها.

تكفي مراجعة سريعة لكلّ الاتفاقات التي توصّل إليها الحوثيون مع خصومهم في السنوات الست الأخيرة، أي منذ وضع يدهم على صنعاء في الواحد والعشرين من أيلول – سبتمبر 2014، كي لا تعود هناك أي أوهام في شأن كيفية التعاطي معهم واللغة التي يفهمونها.

تخلّل المرحلة التي سبقت السيطرة الحوثية على صنعاء تمدّد حوثي في اتجاه محافظة عمران انطلاقا من صعدة. في سياق هذا التمدّد، استطاع “أنصار الله” تصفية وجود آل الأحمر، أبناء الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر (توفي في العام 2007)، زعماء قبيلة حاشد. كان ذلك تطهيرا لعمران من نفوذ حزب التجمّع اليمني للإصلاح الذي تحوّل بعد وفاة الشيخ عبدالله حزبا يسيطر عليه الإخوان المسلمون كلّيا.

طمأنت خطوات الحوثيين الرئيس الانتقالي عبدربّه منصور هادي الذي لم يتردّد في التوصّل إلى تفاهمات مع “أنصار الله” في وقت كانوا في طريقهم إلى صنعاء. أخذوا بدربهم مواقع مهمّة كان يسيطر عليها اللواء 310 بقيادة العميد حميد القشيبي، المحسوب بدوره على الإخوان المسلمين وعلى اللواء علي محسن صالح الأحمر نائب رئيس الجمهورية حاليا، وهو من أقرباء علي عبدالله صالح وأحد الذين انقلبوا عليه في العام 2011.

فتح التخلّص من اللواء 310 أبواب صنعاء أمام الحوثيين الذين نسوا، فجأة، كل التفاهمات مع عبدربّه منصور هادي الذي أراد ممارسة لعبة التوازنات مع الإخوان المسلمين. ما إنْ وقّع الحوثيون في صنعاء “اتفاق السلم والشراكة” برعاية الأمم المتحدة ممثلة بجمال بنعمر، حتّى انقلبوا على الرئيس الانتقالي وأجبروه على الاستقالة بعد وضعه في الإقامة الجبرية. ما لبث عبدربّه أن استطاع الفرار من صنعاء إلى عدن في شباط – فبراير 2015.

يمكن الحديث طويلا عن الأخذ والردّ بين الحوثيين في مرحلة ما بعد “اتفاق السلم والشراكة” الذي لم تكن له علاقة لا بالسلم ولا بالشراكة من جهة، وعلي عبدالله صالح الذي ائتمنهم من دون أن يأتمنهم من جهة أخرى. لكن الثابت في كلّ مرحلة من المراحل التي تلت يوم 21 أيلول – سبتمبر 2014 أنّ الحوثيين طرف يمتلك حساباته الإيرانية. كلّ ما عدا ذلك مضيعة للوقت لا أكثر وتفاصيل يمكن التوقف عندها للتأكد فقط من أمر واحد. هذا الأمر هو أن لا فائدة من أي حوار مع الحوثيين على الرغم من أنّه لا يمكن تجاهل أنّهم جزء من المعادلة اليمنية، وأن لا مجال لتجاهلهم متى باتت الأجواء جاهزة لتسوية ما على صعيد البلد ككلّ.

لم يوقّع الحوثيون يوما اتفاقا والتزموا به. كان اتفاق ستوكهولم في أواخر السنة 2018 من أجل كسب الوقت ليس إلا. نجحوا وقتذاك، مستخدمين مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، مارتن غريفيث، في وقف المحاولة الجدية الوحيدة من أجل إبعادهم عن ميناء الحديدة الاستراتيجي.

لا جديد على الأرض في اليمن حاليا. المأساة اليمنية مستمرّة. ضحيتها كلّ يمني، بما في ذلك أهل صنعاء الذين عليهم العيش في ظلّ نظام متخلّف لا يمتلك أي مشروع حضاري من أيّ نوع.

كلّ الأبواب تبدو مغلقة أمام أيّ تغيير حقيقي في صنعاء… ما دامت إيران موجودة فيها أكثر من أيّ وقت.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

فصول أردوغانية مآلها الاندثار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

خالد رستم

التصريحات المتلونة التي أطلقها أردوغان حيال موسكو بشأن إدلب تثير كثيراً من التساؤلات حول الأهمية الاستراتيجية لهذه المدينة بالنسبة لتركيا وما يحشد لها من عمليات التدعيم العسكري لجبهة النصرة والفصائل المسلحة.

وثمة تساؤلات أيضاً مبعثها الدور المريب الذي يتلاعب به رئيس النظام التركي بمخاطرته إذا أصر على الدخول في مواجهة مباشرة ضد الحليف الروسي بغية الحفاظ على مرتزقته ونقاط المراقبة التابعة لأنقرة وأن لا تراجع أو انسحاب عن مواقع انتشار قواته، حينها قد تغدو المدينة مسرحاً لعمليات عسكرية بين حليف الأمس وعدو اليوم وملامح التفكك بمؤشراتها واضحة للعيان بتقويض أنقرة كل بنود الاتفاقيات المتعلقة بالسيادة السورية على أراضيها.

أردوغان يتشبث بنقاط المراقبة في إدلب ويعلم تماماً أن الطريق إليها مع مرتزقته لن يكون سهلاً بدليل اندحار التنظيمات المسلحة المتمردة التي جمعتها تركيا بتشكيلة واحدة تحت راية الجبهة الوطنية للتحرير وضمت في صفوفها فصائل مسلحة عديدة أبرزها "أحرار الشام" و"نورالدين الزنكي" و"فيلق دمشق" و"حماية الدين" و"فصائل جيش الأحرار"، فضلاً عن الخلايا المسلحة النائمة والمدعومة من أنقرة والقريبة من مناطق الحدود الشمالية، وهذه الفصائل على تنسيق دائم مع جبهة النصرة الذراع السابقة لتنظيم القاعدة في سوريا.

وبعد هزائم متلاحقة للتنظيمات المسلحة المدعومة أردوغانياً في الميدان، كانت دعوة وزير الحرب التركي خلوصي أكار وبشكل رسمي وعلى هامش اجتماعات الناتو في بروكسل كلاً من الولايات المتحدة ودول حلف الناتو إلى تعزيز دعمها لتركيا في ظل تصعيد التوتر في إدلب.

مطالب خلوصي كانت من نظيره الأمريكي مارك إسبر للمساعدة الملموسة لوقف التحولات التي طرأت لصالح الجيش السوري في الشمال السوري وسيطرتها على عشرات المدن والبلدات التي كانت فصائل جبهة النصرة مهيمنة عليها.

وتنطوي دعوة خلوصي على نزعة عدوانية، إلا أن دول الناتو لن تقدم دعماً استناداً لتفعيل البند الخامس بسبب مقتل عسكريين أتراك في إدلب الشهر الماضي، والناتو لا ينظر إطلاقاً لتقديم مساعدة عسكرية لأنقرة في حال قيامها بعملية عسكرية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن في مؤتمر صحفي، أنه لم تتمخض مباحثات موسكو عن أي نتيجة مُرضية، واعتبر أن موقف الناتو والحلفاء من الأوضاع في إدلب لا يكفي وهم يكتفون بالثناء على الموقف التركي وتشجيعه، وإذا استمر الأمر فإن إدلب ستذهب غداً.

وبالمقابل، فإن إنذار الكرملين يأتي رداً على كلمة أردوغان أمام البرلمان وفي أعقاب انفضاض المباحثات بين الجانبين في موسكو دون التوصل إلى جوانب مقنعة بينهما، وإن تحذيراته النهائية للحكومة السورية حول تشدقه بعملية عسكرية مرتقبة مسألة وقت وتفضي بشكل أو بآخر إلى انهيار مجموعاته المسلحة وستكون إدلب وبالاً عليه وطامة كبرى ضد سياسته الحمقاء.

وبالمحصلة، فإن المباحثات التركية مع موسكو لم تستجب لطموحات أردوغان في الشمال السوري ولم تحقق النتائج المرجوة لصالحه، فالخريطة الجديدة التي قدمها الجانب الروسي لتوزع مناطق السيطرة تظهر فيها المناطق الحدودية تحت سيطرة فصائل المعارضة.

وفي مجلس الأمن، رفضت موسكو إعلاناً يطالب بوقف إطلاق النار شمال سوريا، مؤكدة دعمها لدمشق في حربها ضد الفصائل المسلحة المدعومة تركياً، ويتمسك الروس بدعم الدولة السورية عسكرياً إلى أن تتحقق السيادة الوطنية على كامل الأراضي السورية.

فهل يدرك أردوغان مغبة ما يذهب إليه في معترك الاندحارات التي تشهدها فصائله المتطرفة؟ وهل يعي ما يطرحه من مواقف عنصرية ستلقي باندفاعاته في جحيم لا ينطفئ والويل والثبور لأهوائه؟

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية