العنف متخفياً في التاريخ

العنف متخفياً في التاريخ

مشاهدة

29/05/2019

يمكن تقصي العنف منذ اللحظة التي أدرك فيها الإنسان أنّ هذه الظاهرة تكمن في غرائزه وطبيعته البيولوجية، وتتيح له ممارسة أفعال أو ردود أفعال عنيفة، سواء كفرد أو جماعة عبر التاريخ، ولعلّ التاريخ يبرع في تقديم مسارات عديدة لهذا العنف، اجتماعياً كان أم سياسياً (الحروب أو القمع)، وغالباً ما يتم تبرير العديد منها؛ إذ يمكن ربط العنف بالحق، أو ربطه حتى بالسيطرة واستخدامه أدواتياً، من أجل فرض سلطة ما، أو حقيقة اجتماعية، أو أي شيء آخر، فردياً كان أم جماعياً.

اقرأ أيضاً: "دماء راهب".. قيامة العنف والدم

وبصورة عامة؛ يمكن للأيديولوجيات، ومعظم الطائفيات، إضافة إلى مفاهيم أخرى تتعلق بالسلطة والفرد، أن تتنصل جميعاً من تبعات ممارسة العنف؛ حيث يمكن تقنين هذا العنف، أو منهجته، أو تبريره ثقافياً أو أيديولوجياً (دوغمائياً)، أو حتى قيَمياً، وهنا تقوم فكرة الحرب، التي يمكن لها أن تقدم تمثيلاً منظماً وسريعاً ومدمراً لتبعات العنف في الحياة البشرية.

يمكن قيادة حرب مقدسة كاملة لا يهم مقدار ما يراق فيها من دماء لأنّ العنف فيها مكرس لهدف ما أسمى

وماذا تفعل الحرب بالتحديد؟ إنّها تهيمن على الثقافة اليومية، وتعمل على تشويه الذاكرة والمكان، كما أنّها تفسد اللغة، ليدور مضمون الحياة واللغة بألفاظها، حول القتل والأحداث القذرة، ثم يتم تدوير أيّ معنى ممكن للحياة ليتمحور حول الموت؛ النجاة منه، أو فرضه على الغير من أجل النجاة منه أيضاً، مما يذكّر بمقولة أفلاطون: "لا أحد يعرف نهاية للحرب، إلا الموتى"، ممن لا يعودون قادرين على الفعل، فلا هم قتلة، ولا هم ضحايا، أما كيف لا يكونون ضحايا، فهذا يعود إلى قدرة الإنسان على تسويغ نوعٍ من (اعتيادية العنف)؛ أي محاولة تبريره؛ لأنه جزء من طبيعة الإنسان، فيمكن استغلاله خارج أطره الطبيعية (الدفاعية غالباً)، وبالتالي، يمكن قيادة حرب مقدسة كاملة، لا يهم مقدار ما يراق فيها من دماء؛ لأنّ العنف فيها مكرس لهدف ما أسمى، بينما تتم ممارسة ذلك أيديولوجياً كذلك، وهكذا تتولد الحروب؛ حيث يمكن أن نعدّ العدو شبحاً، لا يمكن تحديده؛ لأنّ الأمر لا يقتصر على هزيمة عسكرية هنا أو هناك، أو تحقيق مصالح اقتصادية أو سواها، بقدر ما يمكن تلخيص ذلك بعبارة لمفكرٍ مجهول: "الحرب هي أن يتم توجيه العنف، لنفرض على الآخر ما لا يريده".

من ناحية أخرى؛ يبقى العنف على نفسه محبوباً من خلال التاريخ، المحتشد بسير الأبطال، فشيبيو مثلاً، بطل روماني واجه هانيبال وأوقفه عند حدود روما، لكنه سفك الدماء في إفريقيا حتى شبع. فيما هانيبال، بطل قرطاجة العظيم، سفك من دماء أبناء عرق شيبيو ما يكفي لتسيير نهر طويل يشقّ مسار التاريخ. وكلّ من شيبيو وهانيبال، بطلان؛ لأنّهما، وفق التاريخ، دافعا عن أوطانهما، لكنّ المؤسف أنّه لم يكن لأيّ منهما وطن واحد له معنى؛ بل كانت المسألة تتعلق بتوسيع الوطن على حساب الآخرين، ومساحات عيشهم، ولا وسيلة لذلك إلا الحرب التي تتقلد العنف كسيف.

اقرأ أيضاً: هل تجتمع الإنسانية مع العنف في الثقافة العامة؟.. مسلسل الهيبة نموذجاً

وهنا بالذات؛ تبدأ مشكلة المصطلح، تلك التي تكثفت منذ نهاية القرن الثامن عشر؛ حيث كثّف البشر مراقبتهم لكلّ شيء، وساعدتهم التكنولوجيا التي بزغت في حياتنا شيئاً فشيئاً على أن نراقب ونتقصى ونؤطر، ثم نقرّر ونحاسب، أو نعاقب، كما يرى فوكو، وبالتالي؛ تصبح لدينا القدرة على خلق المصطلح، ومن ثم البحث عن إمكانيات التثبت منه في الواقع، لكن هذا لم يمنع أبداً من انسيابية المصطلحات وسيولتها في القرنين العشرين والحادي والعشرين؛ حيث الوطن، كمفهوم، لا يوجد معنى محدّد له في ظلّ الاستعمار مثلاً، إلا من خلال ممارسة العنف المشروع للردّ على العنف المتمثل في احتلاله؛ أي احتلال مساحة العيش، وكذلك الصراع على مصادر الطاقة، أو استخدام المعرفة في الهيمنة بكلّ بساطة، فيصبح التنظيم والتقدم العلمي أو العسكري، وسواهما، دافعاً لممارسة عنف قوي، وربما مضمون النتائج (مثلما حصل في إبادة سكان أمريكا الأصليين)، وذلك من أجل إنتاج حضارة جديدة لها دينها وثقافتها وقيمها وأمجادها، كلّ هذا الخير الذي كان يمثل أرض الأحلام والمستقبل، لم يتحقق سوى من خلال العنف.

للعنف قدرة على إنتاج الخير في عيون من يمارسه من أجل السطوة والقوة من خلال تغيير عناوينه وماهيته

فالعنف إذاً؛ تم تبريره في حال تمت ممارسته ضدّ الجاهل، المتخلف، البربري، من الواضح إذاً أنّ للعنف قدرة على إنتاج الخير في عيون من يمارسه من أجل السطوة والقوة، من خلال تغيير عناوينه، وبالتالي ماهيّته، ويبدو أنّ التاريخ البشري قليلاً ما سمّى العنف باسمه مباشرة، وإلا كان ليخلو من معظم أبطاله وقادته ومحاربيه العظماء، وأبطاله الأيديولوجيين بالطبع.

يتمحور السؤال الأساسي إذاً، في مقالة لا تتسع لنقاش كلّ ما يتعلق بالعنف، حول الحق في ممارسة العنف: متى وكيف وأين، ثم لماذا؟

ولا تكفي للإجابة عن هذا السؤال، شروحات ماركس حول العنف المنظم الذي ربما تمارسه سلطة ما، أو أنّ الصراع محرك للتاريخ. ورؤية فرويد في تنظيراته حول قتل الأب، وكذلك إريك فروم في النزعة التدميرية للجنس البشري؛ فهؤلاء جميعاً ركزوا على أفكار نفسية وسوسيولوجية وسياسية تتعلق بمشروعية ممارسة العنف، لأسباب مثل؛ الشعائر، الطقوس، التقاليد، النفسية والشخصية الكاريزمية التي تمتلك بظنها أنها مميزة، حق ممارسة العنف، ...إلخ.

اقرأ أيضاً: بشهادة "القاعدة".. العنف خرج من رحم "الإخوان"

العنف يتخفى في طيات الممارسات الفردية والجماعية للبشر عبر التاريخ، كما يتأصل في الطبيعة البيولوجية، وخلال القرنين الماضيين، ادعت الثقافة أنّها يمكن أن تكون هي اللاعنف. وكذا المعرفة. غير أنّ تكريس هاتين الاثنتين في تدعيم العنف تحت ركاميات من المصطلحات والأفكار والقيم ازداد، وهو ما يظهر حتى خلال ممارسة البشر حديثاً لحقهم في الاقتراب من قيمهم الطوباوية؛ ففرض السلام احتاج الكثير من الحروب، وهذا يشبه ما يقوله تشومسكي عن أنّ الولايات المتحدة التي راحت إلى فيتنام لتدافع عنها "كانت تهاجمها كلّ لحظة بالتأكيد"، ويشبه احتلال فلسطين، الذي يتم الدفاع عنه بشراسة، ليس بالقوة والعنف فقط، بل ومن خلال التخفي بشرعية دولية لم تفرضها إلا قيم ما، لا تتضح معالمها أبداً.

يمكن تقصي العنف منذ اللحظة التي أدرك فيها الإنسان أنّ هذه الظاهرة تكمن في غرائزه وطبيعته البيولوجية

كما أنّ العنف، يبرع في التخفي تحت سياسات ثقافية إعلامية متكررة وبالغة الأثر، يمكن تحويلها إلى تذكرة شعبية بحقّ، من أجل ممارسة العنف، تحت شعار كالحرية. ولعلّ القرن الواحد والعشرين شهد فيما يسمى بعد الحداثة، قدرة الأفراد والجماعات على تمثيل تشوهاتهم، وإعادة إنتاجها في الفنّ والعلوم الاجتماعية، وتحويل كلّ ما هو ذاتي إلى موضوع يمكن التعبير عنه صراحةً، هذا أيضاً، يسمح للعنف بأن يقدم نفسه، ليس كثورة على أكبر تقدير، بل وبجمالية أيضاً، مهما كانت مثيرة للرعب، إلا أنّها تتجلى في لعبة حاسوب رقمية، أو في نشوة انتصار من أجل (الحرية)، أو من خلال رسم لوحة سينمائية أو تشكيلية فظيعة، تؤكد العنف المتأصل.

إنّ أيّة محاولة للتخلص من العنف، تشبه دعوة إلى حرب أخرى، أو تبرير جديد، فكثيراً ما تمّ التعبير تاريخياً عن الهدوء والمساواة والحرية والمعرفة، بأنّها أشياء لا يملكها سوى العنيف، الذي لا يفرض سلامه العظيم هذا وتقدمه، إلا بقوته.

الصفحة الرئيسية