اللغة بين نمطين من التفكير.. هل "العربية" استثناء؟

صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
1766
عدد القراءات

2019-01-10

إنّ تصوّرنا حول كيفية عمل اللغة هو سبيلنا للخروج من هُوّة السقوط الحضاري؛ فاللغة وسيلتنا الوحيدة لاكتشاف العلاقة بين الله والإنسان والعالم، ولن نستطيع بناء تصورات فاعلة في علاقتنا بالكون، دون إعادة النظر في طريقة تعاملنا مع اللغة، وبناء تصورات علمية حول طريقة عملها.

اقرأ أيضاً: نحو منهاج يُخرج تعليم اللغة العربية من جمود التقليد

في أجواء تجمع بين معاني التمجيد والتباكي، والاحتفاء والرّثاء يمرّ اليوم العالميّ للغة العربية، كلّ عام، بعد عدد من الفعاليات التي تركّز على مزايا وإعجازات العربية من جانب، وتردّيها في الأوساط التعليمية والثقافية والاجتماعية من جانب آخر، دون أن نُفكّر، بعيداً عن المظلومية ونظرية المؤامرة أو الاستعلاء والنرجسية، في سُبل الخروج بالعربية من تلك الهوّة التي تعيشها على مختلف المستويات؛ فنتحرّك من واقع تصورات علمية، لا عواطف لحظية؛ للتعرّف إلى أسباب التراجع، ومواجهة الكثير من التصورات المغلوطة حول نشأة وطريقة عمل اللغة.

إن المشاركة في نشر الثقافة البدائية وإضعاف العقلانية يتعارض مع تعزيز الفكر أحد تكليفات الإسلام

فالثقافة العامة تعجّ بالكثير من المسلّمات المزيفة للوعي، نحتاج في معالجتها إلى الإجابة عن أسئلة من قبيل: هل اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم هي لغة إسماعيل بن إبراهيم أو آدم، عليهم السلام، كما شاع بين المسلمين من كثرة الترديد، أم أنّ هذا تصوّر أسطوري للاستعلاء باللغة العربية عن أن تكون نشأت كغيرها من اللغات من رحم عدّة لغاتٍ متأثرة بالزمان والمكان؟ هل اللغة العربية التي نعترف بعراقتها السامية وخلودِها القرآنيّ تمتلك استثناء يُخرجها عن الخضوع لسنن وقوانين النّمو والتّطور والعمل الذي تقوم عليه سائر اللغات؟

اقرأ أيضاً: تاريخ اللغة القبطية في قاموس المصريين

الإجابة عن مثل هذا السؤال تُقدّم نموذجاً لنمطين من أنماط التفكير؛ الأول منهما يرى أنّه بإمكانه الإجابة عن سؤال: مَن أول من نطق بالعربية؟ فيراه تارة آدم، عليه السلام، وتارة إسماعيل بن إبراهيم، عليهما السلام، وتارة يعرب بن قحطان حفيد هود، عليه السلام، وينطلق هذا النمط في أحكامه من مأثورات وأخبار أُسند بعضها، بضعف، إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ورغم بساطة هذا النمط من التفكير، وعدم استناده إلى بُرهانٍ علمي أو وحي قطعي، إلا أنّه الشائع ليس بين العامة فحسب؛ بل في بعض الأروقة العلمية التي ترى في نشأة العربية استثناء؛ فهي ليست كغيرها من اللغات، ظاهرة اجتماعية وثقافية تشكّلها البيئة.

اقرأ أيضاً: "عبقرية اللغة" نصوص تشتبك بالأرض والثقافة والسياسة والتاريخ

ويستند هذا النمط من التفكير إلى فهمٍ مغلوط تداولته كتب تفسيرٍ تراثية اعتمدت على المأثور في تفسيرِ قول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ تفسيراً حرفياً؛ بأنّ اللهَ علّم آدم جميع الكلمات العربية قبل أن تُوجد البيئة العربية، متجاهلين أنّ العربية لو كانت توقيفاً وإلهاماً لآدم وبنيه ما اختلفت اللغات، وتعددت اللهجات، وما تفاوت الناس في الكفاءة اللغوية، وما دخل اللغة كلمات جديدة عرفها الإنسان المعاصر، وجهلها أسلافه في العصور السابقة.

اقرأ أيضاً: اللغة العربية حبيسة في صورتين للعروبة

فالأولى تأويل "علّم" في الآية بمعنى أقدر الله تعالى الإنسان بالعقل، وجهاز النطق على اختراع المعاني ونطق الألفاظ، أو أن "الأسماء" في الآية ليست من السمة بمعنى "العلامة المميزة"، وإنما مشتقة من لفظ "السمو" بمعنى "القيمة المميزة"، فمعنى الآية أنّ الله علّم آدم قيم الفطرة الإنسانية السويّة؛ ليبني عليها أعماله وتصرفاته في الدنيا.

اقرأ أيضاً: العربية لغة عالمية وتعليمها يحارب التطرف

النمط الثاني من التفكير؛ يرى أنّ نشأة اللغة العربية لا تخلو من الغموض الذي يكتنف النشأة الأولى للظواهر الاجتماعية، بما في ذلك اللغة، ويُؤسس دراسته ليس على أوّل من نطق بالعربية؛ بل على أقدم ما كُتب بها؛ لأن الكتابةَ أثرٌ ملموس يُمكن الاستدلال به، فيُميّزون بين ثلاثة أنواع من الكتابة العربية؛ اثنين منها تلاشت؛ إذ لا وجودَ لها إلا في بعض النقوش الأثرية، ولا تُشبه الكتابة العربية المعاصرة التي ارتبطت في نشأتها وتطوّر علومها بالقرآن الكريم، وتعود أقدمُ مخطوطاتها إلى القرن السابع الميلادي/ الأول الهجري.

يعود أقدمُ لوح عربي كُتب بأبجدية قبائل جنوب شبه الجزيرة العربية إلى القرن الثامن قبل الميلاد

ويعود أقدمُ لوح عربي كُتب بأبجدية قبائل جنوب شبه الجزيرة العربية إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وهو "لوح من المرمر يعود لمملكة سبأ باليمن محفوظ في متحف اللوفر، ويتحدث عن إله القمر لدى الجنوبيين"، ومن أشهر ما وصلنا منها ستة ألواح كُتبت عن حياة أبرهة الذي هاجم الكعبة في عام ميلاد النبي، صلى الله عليه وسلم، أربعة منها كتبها أبرهة بنفسه، أطولها حديثه عن تحالف قبلي قاتل إلى جانب جيشه في معاركه مع يزيد بن كبشة سيد قبيلة كندة، بينما يعود أقدم لوح عربي كُتب بأبجدية قبائلِ الشمال إلى القرن الثاني الميلادي، وهو "نقش النّمارة"؛ الذي يبدأ بافتتاحية تضمّن قسماً برُوح ملك الحيرة، امرئ القيس بن عمرو (الأول).

اقرأ أيضاً: لماذا تحارب تركيا اللغة العربية؟

وتُشير النقوش العربية التي عُثر عليها داخل الجزيرة العربية، وتعود إلى القرن الأول قبل الميلاد إلى أنّ قبائل العرب في الشمال استخدمت الكتابة الجنوبية فترة من الزمن، قبل أن تعرف الكتابة النّبطية التي وُلدت في تُخوم شبه الجزيرة العربية، مع العراق وبلاد الشام، من رحم اللغة الآرامية المتأثّرة بالكتابة الفينيقية، ومنهما اكتسبتْ عربية الشمال سمات اللغات السامية، وعنها أخذت قريش أبجديتها فتعلّم قلّة معدودة من أبناء قبائل نجد والحجاز الكتابة، فرغم أن رحلات "قريش" التجارية كانت تتحرك بين الجنوب والشمال، وأنّ عربية قبائل الجنوب وصلت مبكراً إلى أعماق شبه الجزيرة العربية مهْد الرسالة إلّا أنَّ عربية قبائل الشمال كانت الأقدر على التأثير في "لهجة قريش"، التي سينزل بها القرآن الكريم، وهذا يُفسّر قول أبي عمرو بن العلاء أحد القُرّاء السبعة: "ما لسان حمير بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا".

اقرأ أيضاً: اللغة العربية "السوداء"!

في القرنين السابع والثامن الميلادي/ الأول والثاني الهجري، أخذت الصورة التي استقرّ عليها الصوت العربي اليوم في الكتابة تتشكّل؛ فبعد أن تفشّى اللَّحن في قراءة القرآن الكريم على ألسنة غير العرب، كلّف أميرُ المؤمنين، عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، أبا الأسود الدؤلي بوضع علاماتٍ تُساعد على القراءة الصحيحة، ففكّر في الحركات التي أخذت هيئة نقاطٍ بحبرٍ أحمر قبل التفكير في وضْع النقاط على الحروف المنقوطة، فيروى أنّ أبا الأسود قال لكاتبه: "خذ صبغاً أحمر فإذا رأيتني فتحت شفتي بالحرف فانقط واحدة فوقه، وإذا كسرت فانقط واحدة أسفله، وإذا ضممت فاجعل النقط بين يدي الحرف (أي أمامه) فإذا اتبعت شيئاً من هذه الحركات غنّة، فانقط نقطتين"، وأخذ يُملي القرآن بتأنٍ، والكاتب يكتب، حتى وصل إلى آخر المصحف، وكان أبو الأسود يُدقّق في كلِّ صحيفة حال انتهاء الكاتب منها.
لم يضع أبو الأسود علامة للسكون؛ إذ رأى أنّ إهمال الحركة يكفي، وانتشرت علامات أبي الأسود الدؤلي التي يُؤرخ بها لبداية ظهور النحو العربي.

اقرأ أيضاً: تعرّف إلى أول من أهدى المنطقة العربية حرفاً مطبوعاً بلغة الضاد

وزاد الناس على طريقة أبي الأسود علامة التنوين، فوضعوا له نقطتين فوق بعضهما، وزاد أهل المدينة علامة التشديد، فجعلوها قوسين فوق المشدد المفتوح، وتحت المشدد المكسور، وعلى يسار المشدّد المضموم، ووضعوا نقطة الفتحة داخل القوس والكسرة تحت حدبته والضمة على يساره، ثم استغنوا عن النقطة، وقلبوا القوس مع الضمة والكسرة، وأبقوه على أصله مع الفتحة، وزاد أهل البصرة السكون، فجعلوه شرْطة أفقية فوق الحرف منفصلة عنه.

لم تكن هذه التغييرات كافية، فكلّف الحجاج بن يوسف الثقفي نصر بن عاصم (ت٨٩هـ) تلميذ أبي الأسود الدؤلي بمزيد من التقنين للكتابة العربية، توسلاً إلى صواب النطق بالقرآن الكريم، فوضع نصر بن عاصم النّقاط على بعض الحروف؛ تمييزاً لها عن غيرها.

اقرأ أيضاً: خليل السكاكيني: تربوي منفتح أحب لغة الضاد وجاهر بآرائه العلمانية

وبعد أن شاعت طريقة نصر في التمييز بالنّقاط بين الحروف المتشابهة، مثل: الجيم والحاء والخاء، اختلط الأمر على القارئ مرة ثالثة، وجد المسلمون أن تغيير لون الحبر لم يعد كافياً في التمييز بين النقاط التي تُشير إلى الحركات والنقاط التي تُميّز الحروف، وهذا ما دفع الخليل بن أحمد (ت١٧٠هـ)، وتلميذه سيبويه (ت١٨٠هـ)، في القرن الثاني الهجري، إلى مزيد من التقنين لقواعد الكتابة العربية، فغيّر الخليل من صورة الحركات، فجعل الفتحة ألفاً صغيرة مائلة فوق الحرف، والكسرة ياءً صغيرة تحت الحرف، والضمة واواً صغيرة فوقه، وكرّر الحركة إذا كان الحرف منوناً، واخترع شكل الشدّة، وهي من أول حرف من اسمها (سـ) غير مكتملة.

أخذت الصورة التي استقرّ عليها الصوت العربي اليوم بالكتابة تتشكّل بالقرنين الأول والثاني الهجري بعد تفشّي اللَّحن بقراءة القرآن

واخترع الخليل بن أحمد "حروف العلة"؛ لتجنّب الغموض الناشئ من اختلاط كَتَب بكلمة كَاتب، واخترع شكل الهمزة عيناً (عـ) غير مكتملة؛ وذلك لتقاربهما لفظاً، إلى غير ذلك من القواعد التي انتقلت بالكتابة العربية إلى صورةٍ مختلفة تماماً عن الصورة التي بدأت بها عند قبائل الجنوب أو الشّمال.
فالكتابة المعاصرة نِتاج جهود علماء القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، لمواجهة صعوبات الكتابة العربية، وتقديم إجابات لتساؤلات عصرهم التي دارت حول كيفية التواصل مع القرآن الكريم، فالتراث الذي بين أيدينا نشأ بدافع منهم لفهم القرآن.

وهذا ما نحتاج إليه اليوم، أن نُفكّر في مشكلات العربية، وطرق معالجتها، ونُجيب عن تساؤلات عصرنا حول كيفية التواصل التأويلي مع القرآن الكريم في ضوء ما وصلت إليه الدراسات اللغويّة.

اقرأ أيضاً: العالم يحتفل باللغة العربية.. وموطنها تمزّقه الحروب

أخيراً؛ لا يعيب تراث الأسلاف ما يكتنفه من اللامعقول، مثل تصوّر أن العربية المعاصرة نشأت مكتملةً منذُ آلاف السنين، لكن يعيبنا نحن اليوم؛ أن نتجاهل ما انتهت إليه الدراسات والحفريات، ونسعى إلى تبرير اللامعقول لمجرد أنّه جاء به بعض كُتب التراث، فهذه جناية نرتكبها، لا ضدّ أنفسنا وواقعنا وحاضرنا فقط؛ بل ضدّ التراثِ نفسه الذي جمع إلى جانب اللامعقول/ الأسطوري تصورات أخرى معقولة، ينبغي أن نبني عليها، فلن نكون ورثة جديرين بتراثنا العريق إلا إذا اتّبعنا منهج تعميق "المعقول" في تراثنا، وليس إعادة نشر اللامعقول وتبريره، فالمشاركة في نشر الثقافة البدائية وإضعاف العقلانية يتعارض مع تعزيز الفكر أحد تكليفات الإسلام.

اقرأ المزيد...

الوسوم: