المثقف والسلطة.. هل ما يزال الرقيب يتحسس مسدسه؟

الثقافة

المثقف والسلطة.. هل ما يزال الرقيب يتحسس مسدسه؟

مشاهدة

23/02/2019

"التاريخ يعيد نفسه مرتين؛ في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة".
هذه العبارة بدأ بها ماركس كتابه: "الثامن عشر من برومير"، واستعيدت في العديد من المواقف والأحداث، وتردّدت بشكل شائع ومتكرر؛ فتحوّلت من فرط ابتذالها إلى واحدة من "الكليشيهات" الجاهزة، حتى فقدت حمولتها ودلالتها المعرفية والتاريخية، ومع ذلك فتلك العبارة، تبدو خارج هيمنة الصيغ السحرية للكلام، وحصرها ضمن المقتنيات القديمة، التي يتم عرضها في المناسبات، كأثر باهت، يتقاطع مع عناصر وشروط الواقع الثقافي العربي، ومآلاته المريرة، التي لا تكف عن المراوغة والمكر داخل دوائره المغلقة.
التفكير بين دوائر الخوف
حالة الانسداد في التاريخ العربي، تعكس مشهدية كافكاوية بامتياز؛ فذلك الواقع الجامد والمتداعي، يشير إلى أنّه ليس ثمة تغيير حدث في مستوى العلاقة بين المثقف والسلطة، والصراع التقليدي بينهما، كما لم تتغير طبيعة وجوهر الأسئلة المعرفية وخطاباتها، التي ما تزال تركن إلى جدل قديم، ومناهج تقليدية، يتناوبون عليها دون إنتاج علمي جاد، ورؤية موضوعية لحركة التاريخ، بينما تسفر عن خط ارتدادي ليس فيه تقدم.

شيطنة الإبداع وفرض وصاية على العقل والضمير الإنساني يتصل بشكل عضوي مع ذهنية الخوف والجمود والاستبداد

في نيسان (إبريل) عام 1988؛ صدرت رواية "مسافة في عقل رجل"، للروائي المصري علاء حامد، وقامت مباحث المصنفات الفنية، في آذار (مارس) عام 1990، بمصادرة الرواية. وفي 25 كانون الأول (ديسمبر) عام 1991، أصدرت محكمة أمن الدولة (طوارئ)، حكماً يقضي بسجن مؤلف العمل، لمدة ثمانية أعوام، وغرامة مالية قدرها 2500 جنيه.المحكمة دانت الرواية؛ باعتبارها تشكل تهديداً لما سمي بـ "الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي"، بينما أصدر القاضي حكماً ضدّ الناشر المصري المعروف، محمد مدبولي، أحد موزعي الرواية، وفتحي فضل، المتهم بطبعها.

اقرأ أيضاً: أدهم الشرقاوي: هل يمكن أن يتحول طالب مثقف وثري إلى لص وسفاح؟

رواية "مسافة في عقل رجل"

المثقف العربي... فصول من سيرة القهر والعدوان
تلك المجموعة من الاتهامات التي لاحقت الروائي المصري، كغيره من المفكرين والأدباء، سواء في ذلك التاريخ أو قبله، والتي تتشابه في كل مراحلها، تكشف سياقاً عاماً وفضاءّ يحاصره الخوف والتربص، ضدّ الإبداع ومحاولات الخروج على طاعة التقاليد، والفكاك من أسر السلطة الأبوية والبطريريكية، التي تفرض هيمنتها على المجتمع ومؤسساته وتكبح الفرد داخلهما.
نال كثير من المثقفين والمبدعين جزاءهم بسبب كتاباتهم، في صور شديدة القتامة والقبح والدموية أحياناً؛ فمنهم من تعرض للسجن والطعن في إيمانه، أو النفي والتشريد والتفريق عن زوجته، برعاية قضايا "الحسبة"، التي تقضي ببطلان الزواج من "ملحد"، ومرتد عن دينه، بحسب دعاوى التيارات المتشددة وخطابها.

اقرأ أيضاً: المثقفون العراقيون.. قتلة ومقتولون
وفي ظلّ هذه الأجواء التي عمّت المجتمع، وبعد أقل من عام على صدور الحكم القضائي، ضدّ مؤلف الرواية، نفّذ مسلحان ينتميان للجماعة الإسلامية، حادث اغتيال الدكتور فرج فودة، إثر فتوى أهدرت دمه، وفي منتصف التسعينيات؛ تمّ تكفير الدكتور نصر حامد أبو زيد، ومنعه من التدريس في جامعة القاهرة، ما جعله يختار هولندا منفى له حتى وفاته.
وقبل ثلاثة أعوام؛ تعرض الروائي الشاب، أحمد ناجي، للحبس لمدة عامين، على خلفية نشر أجزاء من روايته "استخدام الحياة"، وتغريم رئيس تحرير جريدة "أخبار الأدب" المصرية، مبلغ 10 آلاف جنيه، بسبب قيام أحد المواطنين برفع دعوى قضائية ضدّه، رأى فيها أنّ الرواية "تخدش حياء المجتمع".

فرج فودة

إذاً، ثمة عقلية سلطوية تفرض هيمنتها وآلياتها على التفكير داخل المجتمع، تتحرى كبح دور المثقف النقدي، وعدم تخطي دوره كظل للسلطة، وتابع لها؛ حيث يظل يمارس دوره التبريري في شرعنة سياستها وحكمها، وينحصر إنتاجه في "الآداب السلطانية"، وحماية دولة الخليفة والسلطان، وبالتالي، لا تنفك السلطة تتعقب أيّ دور للمثقف، خارج هذا الإطار المحدود والنفعي، خاصّة إذا تعلق الأمر بـ "الخيال" المحرّض على التغيير، والقلق المستمر ضدّ البنى التقليدية التي تكرسها السلطة.
ذبح العقل النقدي
يعمد المثقف النقدي إلى طرح الأسئلة والنبش خلف المسكوت عنه، واستعادة مركزية الهامش لاسترداد كثير من القيم المهدرة، والأفكار المحرمة، التي تستبعدها السلطة من دائرة نفوذها، وتسحب منها بطاقات المرور والشرعية.
كما أنّ سعي المثقف إلى بناء عوالم مغايرة وجديدة، بما تعكسه من غموض وعدم توقع، هو ما تخشى حدوثه السلطة، كشكل من أشكال الثورة عليها، والخروج على طاعتها، والتحرر من الواقع الذي تراكمه، فضلاً عن عدم التسليم بقيوده، وتقديم صورة غير مرئية، تتسلل إلى أفراد المجتمع.
لذلك، تسعى السلطة إلى تأبيد الفكر دون إعادة تأويله ونقده وتفكيكه، وفرض العقل الأسطوري، الذي يصبح من السهل استسلامه وخضوعه وانقياده؛ فيعضد الجهل ويخلق ثقافة هشّة دون طرح نظام معرفي جديد.

اقرأ أيضاً: موت المثقف العمومي: هل يمثّل المثقف الناس حقاً؟
"سلمان رشدي آخر يظهر في مصر"، هكذا وصف أحد الكتاب في صحيفة "الأهرام" المصرية، الروائي علاء حامد، وكأنّ ثمة إدانة تنطوي، بشكل تلقائي، على اسم واحد من أهم الكتاب العالميين، في الأدب والرواية، لكنّه تخطّى ذلك إلى اتهام مباشر يصف فيه الروائي المصري بـ"الإلحاد والتعدي على الذات الإلهية".

اقرأ أيضاً: هل يلزم أن يكون المثقف متسقاً مع أفكاره؟
فالموقف من صاحب "الآيات الشيطانية"، كان شديد التوتر والاحتقان ومفتعلاً؛ حيث سرت هجمة شديدة ضدّه من مثقفين معتبرين، لم يقرأوا العمل أو يطالعوه، بأيّ حال من الأحوال، فلم يختلف موقف النخبة عن الآراء الصادرة عن المرجعيات الدينية في العالم الإسلامي، كمثل الإمام الخميني في إيران، الذي أصدر فتوى فورية بإهدار دم رشدي.
لم يختلف موقف النخبة عن الآراء الصادرة عن المرجعيات الدينية في العالم الإسلامي

خطاب العنف يلتهم المثقف
لكنّ الموقف الأكثر فداحة لدى المثقفين العرب؛ هو أنّهم اكتفوا بالقراءة حول العمل، والاطلاع على بعض الترجمات المتواضعة، التي صدرت كاستجابة سريعة تحت وطأة الانتشار اللامحدود للرواية، والهجوم عليها، وهو ما أسفر عن حالة تلفيقية وقراءة مبتسرة للكتاب، ترتب عليها نقاشات وانطباعات متعسفة ومبتورة للعمل الأدبي؛ لا تضعه في سياقه الفني والإبداعي، وتحليل بنيته الداخلية، ناهيك عن التعاطي مع النصّ وفق آليات اشتغاله الخاصة.

يعمد المثقف النقدي إلى طرح الأسئلة والنبش خلف المسكوت عنه واستعادة مركزية الهامش لاسترداد كثير من القيم المهدرة

بيد أنه، على العكس من ذلك، تمّ وضعه في منزلة كتاب "التاريخ"، ومن ثم، جرى اعتبار نصوصه وفصوله حوادث حقيقية، ووقائع مروية ومقصودة.
شيطنة الإبداع، وفرض وصاية على العقل والضمير الإنساني، يتصلان بشكل عضوي بذهنية الخوف والجمود والاستبداد، الذي أضحى يتحكم في بنية العقل العربي وثقافته، التي تعتمد مرجعية واحدة، تحدد من خلالها جملة القيم والأفكار والسلوكيات، كما تفرضها السلطة، دون مقدرة اجتماعية وسياسية، على الخروج من هذه المنظومة وطاعتها القسرية، فضلاً عن محاولة نقدها وإصلاحها.

اقرأ أيضاً: لماذا ينسحب المثقفون والناشطون من السجال العام؟
وفي ظلّ ذلك الزمن الراكد والعقل الغيبي والأسطوري، يختبئ الفكر خلف دوامات التعصب والطائفية، ورفض التعددية وشرعية السؤال، والانفتاح على التجربة الإنسانية، والمبادئ الكونية، وعدم القدرة على التخلص من التبعية للماضي، ورموزه المقدسة، إضافة إلى التردد بين مقولتَي الـ "أنا" والـ "نحن"، في مقابل "الآخر و"هم"، التي تجعل إحداهما في الجنة والأخرى في النار، التي تطابق عقيدة الولاء والبراء، وأدلجة العقل الإنساني، التي تخلق مناخاً مشحوناً بالكراهية والعنف، وتجعل من النقد ومسار التحديث ومنهج التنوير عملاً تخريبياً وفلسفة هدامة.

اقرأ أيضاً: المثقف اللامنتمي: مواجهة الفكر والسلطة في التاريخ الإسلامي
ويشير الكاتب السوري، محمد كمال اللبواني، في دراسته المنشورة تحت عنوان "الذل الأبدي... التنافس على القمع"، إلى أنّ "مرض العنف أصبح هو الحاكم الأساسي للاجتماع السياسي العربي؛ حيث يطرح هذا العنف كعلاج وحيد لحل المشكلات للمجتمع؛ ليس فقط من قبل السلطات التي قامت عليه وعاشت به، بل أيضاً من قبل المعارضة التي تتبنى العنف وسيلة أساسية في معارضتها، والوصول إلى السلطة وممارستها أيضاً، وهذا يعني، بداهة، زيادة وتيرة التدهور نحو البربرية والاندثار".

الصفحة الرئيسية