المسرح بوصفه هادماً للشرور ومفككاً للنفس الإنسانية

290
عدد القراءات

2019-01-08

إنه الخيال لمن يفتقدونه، والعرض الذي يُصنع ليتجاوز الواقع، هو طريق لتعزيز الأخلاقيات والأفكار أو تغييرها، ويقال كذلك عن المسرح الكثير؛ حيث يُعدّ مرآةً للمجتمع بثقافته ومشاكله وأحداثه.

اقرأ أيضاً: مخرج مصري شاب يجابه التيارات التكفيرية بسلاح المسرح

قبل وجود وسائل الإعلام والتكنولوجيا، وانتشار التلفزة والهواتف المحمولة وتضخم صناعة السينما، كان الممثل يقف على خشبة المسرح، ناسجاً عالماً كاملاً أمام المشاهدين، منطلقاً من ذاته، محدثاً تأثيراً في خيالهم وآرائهم تجاه أي موضوع، وكانت المقولة الشهيرة: "أعطني خبزاً ومسرحاً، أعطك شعباً مثقفاً" مقولةً رائجة، ولها امتدادها الواقعي في أنحاء مختلفةٍ من العالم. فكيف نشأ المسرح، وما هو تأثيره؟

عالم من التراجيديا والكوميديا

قبل أي شيء، أراد الإنسان أن يرى انعكاسه في هذا العالم، ولم تكن المرايا التي يرى شكله فيها كافيةً، إذ إنّها مجرد انعكاس للشكل لا المضمون، وهو ما حرك الرغبة الكامنة لديه، من أجل التمثيل، و"مسرحة الحياة".

المسرح إعادة إنتاج للعالم والذات والخيال والأحداث والمشاعر والانفعالات والجنون والثورة والسخرية

ويتحدث الروائي والكاتب المصري، إدوار الخراط، بهذا الشأن، فيقول "إنّ الإنسان أدرك مبكراً كيف تنقطع علاقاته بالماضي وهو يعيش في حاضره، وكان السبب الأساسي بدايةً هو الموت، مما جعل الدراما تنشأ بصورةٍ طبيعية ربما، كمحاكاة للموت ومن ثم العودة، والميلاد".

وفي كتابه الذي حمل عنوان "دراسات في نشأة المسرح العالمي"، الصادر عن دار البستاني عام 2003، يوثق الخراط بداية الدراما والتمثيل مع ظهور الكهنة في الحضارات القديمة، امتداداً إلى حضارة الفراعنة؛ حيث كان هؤلاء "يمثلون رؤاهم الدينية وأحداثهم الخارقة للموت أو القادمة من تصوراتهم الخارجة عن العالم الطبيعي".

ومع انبلاج فجر حضارات الإغريق واليونان، بدأت الدراما تنقسم على نفسها في فن التمثيل، وأخذ يتوضح أنّ المسرح ليس مجرد إعادة تمثيلٍ لطقوسٍ دينية أو طبيعية فقط، بل هو مكان (المسرح) وزمان (المدة التي تحصل فيها الأحداث) يتم اقتطاعه من حياة البشر اليومية؛ أي إنّ المسرحية بحد ذاتها، قطعةٌ من مسرحية الحياة البشرية كلها بتراجيديتها وكوميديتها.

غلاف كتاب "دراسات في نشأة المسرح العالمي"

كان الفيلسوف أرسطو أول من وضع في كتابه "فن الشعر" قواعد صارمة للتراجيديا المسرحية المبنية على الشعرية وسير الآلهة والمآسي التي تحيق بالإنسان؛ حيث بدأ المسرح في القرن السادس للميلاد يتطور على يد سوفوكليس وغيره من المسرحيين، ثم شهد القرن الخامس للميلاد وفقاً للخراط، ظهور الكوميديا التي برع فيها مسرحيون مثل أرستوفان، الذي بدأت من عنده فكرة السخرية، ونقد الشخصيات العامة، وإعادة قراءة أحداث اجتماعية وسياسية بطريقة ناقدة أو من زوايا نظرٍ مختلفة.

اقرأ أيضاً: الفنون إذ تخترق أسيجة الأصولية

وفي نهاية العصور الوسطى، انفصل المسرح بسخريته وتراجيدياته عن الأمور الدينية، وأصبح كما يقول الباحث المصري جمال حمداوي في دراسته "تاريخ موجز للمسرح": "دنيوياً، مدنساً بخطايا الإنسان وآلامه الوجودية". ثم أخذ معناه يتسع، فهو المعلم والأداة السياسية للنقد والتغيير، كما إنه أحد وسائل "التربية الأخلاقية"، إن صح التعبير، وأيضاً؛ أصبح المسرح انعكاساً للنفس والذات بما فيهما من عقد وأمراضٍ فردية أو عامة.

المسرح هادماً للشر

اختلف العالم في القرون الثلاثة الأخيرة، وكان القرن العشرون، قرن التحولات السريعة، لم يعد مفهوم الشر بعيداً عن الإنسان، كأنه عدو، بل اعترفت الإنسانية بأنّ جزءاً من تركيبتها يكمن فيه الشر، وهو شر سياسي وسلطوي وثقافي تنميطي، متطرف أحياناً، وكذلك نابع من غرائز الإنسان. مما جعل المسرح يختلف في طريقته بطرح الأفكار، وبعد مدرسة شكسبير التي رسخت التكاليف الباهظة لنزعة الشر داخل الإنسان، بدت الوظيفة المسرحية أداة أساسية لمقاومة الشر، حيث نادى مسرح شكسبير بالحب والإخلاص ونبذ الطمع من خلال مسرحياته العظيمة كهاملت وتاجر البندقية وروميو وجولييت.

من التراجيديا والكوميديا بدأ المسرح ليصور ملذات الإنسان وأحزانه العظيمة معاً

وحاول مسرحيون في مرحلةٍ لاحقة، مثل موليير من فرنسا، وبعده هنريك إبسن من النرويج، التمرد على التقاليد الاجتماعية التي ترسخ كل أنواع الشرور كفعلٍ طبيعي وقانوني داخل المجتمع. وهكذا، بدأت وظيفة المسرح تتضح، فهو كما يرى الباحث والمسرحي العراقي عباس عبد الغني، في قراءةٍ له عن المسرح بمجلة دراسات إنسانية عام 2006 " يدرب النفس الإنسانية على إعادة تقدير مواقفها واعتماد العقل والمنطق أساساً للرأي والموقف، إنه يثير الإنسان ليتخذ الموقف السليم ويزوده بالحافز السليم لبناء موقفه".

منذ شكسبير وحتى إبسن اختلف مفهوم الشر واختلف دور المسرح بوصفه هادماً للشرور ومفككاً للنفس الإنسانية وآلامها الوجودية

يتجه مسرحيون وباحثون آخرون مثل الروسي ستافنسلافسكي، والبريطاني تشارلتون، إلى أنّ المسرح  "يلقن الشعب وطلاب العلم ما تلقنه المعاهد والجامعات، وإذا كان من المقطوع به أنّ أثر المسرح في تنمية الوعي وتطوير الملكات لا يقل بأي حال عن أثر المدرسة والجامعة فإنه إحدى الدعامات الأساسية في بناء نهضتنا".

ورغم أنّ هذه الرؤية لوظيفة المسرح وضرورة حضوره وممارسته واهتمام الناس به تبدو دعوةً صارمة، إلا أنّها تلقى صداها إلى اليوم من خلال المسرح المدرسي ومسرح الأطفال أيضاً، والدعوة إلى القيم الأخلاقية والعقلانية.

اقرأ أيضاً: لماذا ما تزال تهم التحريم تلاحق فنون النحت والتصوير؟

وحديثاً، أخذ المسرح مناحي مختلفة، أكدت على ضرورة أن يشاهده الناس، فكان المنحى الأول وطنياً وثورياً، كما في مسرح الألماني برتولد بريخت، وساخراً عميقاً ضد المؤسسات والفساد والفانتازيا المؤلمة والمضحكة التي تنتج عن الروتين والقمع في آن، كما في مسرح الإيطالي "داريو فو".

ووفقاً للمسرحي "جروتوفسكي"، أخذت ضرورة أن يشاهد الناس المسرح تكمن في "أن يقدم الممثل لهم نموذجاً للقدرة على الدخول إلى النفس وسبر غور الذات، ومحاولة قراءتها بكل علاقاتها ورغباتها ومشاكلها ووعيها، في مواجهة العالم من حولها، للبحث عن خلاصٍ فردي، أو جماعي، أو للتمهل في قراءة الواقع والحب والجنون والأحداث، دون أن يكون هناك أي شرطٍ للتطهر من الشرور أو التوجه نحو العقلانية والخير". وتكمن فكرة أن يحضر المرء مسرحيةً هذه الأيام، ليس للمتعة فقط كما في الكوميديا الخالصة، بل من أجل أن يأخذ شحنة مكثفة من الانفعالات والإيحاءات التي يقدمها الممثل والإضاءة والنص إليه، حتى يتمكن من التعمق في أفكارٍ وتخيلاتٍ وتأويلاتٍ محددة، بعيداً عن تشويشات الأحداث المتراكمة بسرعةٍ ويوميةٍ في مجتمعه ومحيطه والعالم.

تطور المسرح ليتعمق في ذات الإنسان وآلامه الوجودية وخلاصه فردياً أو جماعياً

يلقّبُ المسرح بـ"أبو الفنون" وهو أول مرآةٍ فنيةٍ مكثفة، أمكن لها أن تكشف عن بعض مكنونات الإنسان، وهو كما رأى إبسن وآرتورو وغيرهما من مسرحيين كبار، جعل الفلسفة والفكر والمشاعر والانفعالات البشرية والقضايا الأخلاقية والثقافية جميعها في خدمته؛ أي إن قوة المسرح وأهميته تكمن في قدرته على توظيف كل شيء، وأي شيء، في مساحةٍ محدودةٍ من المكان والزمان، وهو فنٌ لم يندثر إلى اليوم، ولا تزال مهرجانات المسرح تنتشر في معظم دول العالم، متناولةً معظم ما تشاؤه من هذه القضايا. كما أنّ جانب الجمال في رؤية الإنسان كيف أنه يعمل ضد نفسه، أو يهدمها ويعيد بناءها، أو يفكك واقعه ويعيد إنتاجه بالخيال والمشاعر، كلها قدراتٌ وحالاتٌ يدعمها المسرح، الذي يخرج ممثلوه من خلف الكواليس، إلى خشبة مسرح فارغة سوى من النور، لينسجوا أمام أعين المشاهدين عالماً كاملاً، كأنه نتج فجأة من الفراغ، ويحتمل الكثير من المفاجآت والجرأة والحب والشر والخير والجنون.

اقرأ المزيد...

الوسوم: