الناشطة التونسية ضحى عيادي: تغيير المجتمعات لا بد أن يمرّ بالمرأة

الناشطة التونسية ضحى عيادي: تغيير المجتمعات لا بد أن يمرّ بالمرأة
صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
3810
عدد القراءات

2019-06-11

أجرى الحوار: عيسى جابلي


قالت الباحثة والناشطة التونسية، ضحى العيادي، إنّ أنشطة المجتمع المدني في مجال مكافحة التطرف والإرهاب ضرورية لمساندة الدولة التي تبقى المسؤول الرئيس عن الحد من هذه الظاهرة الخطرة.
وأكدت العيادي، في حوارها مع "حفريات"، أنّ أنشطة الجمعية التي تديرها "تونس لينا الكلّ" ترتكز أساساً على الفن والثقافة عموماً بوصفهما أداتين فعّالتين للحد من ظاهرتي التطرف والإرهاب في تونس.

اقرأ أيضاً: الجهاديات.. هكذا تغير دور المرأة في صفوف التنظيمات المتطرفة
ونوّهت الباحثة في القانون بهيئة الحقيقة والكرامة، بدور المرأة الناجع في الوقاية من التطرف العنيف والإرهاب وذلك لـ "مدى التزامهنّ بالقضايا العادلة في الوقت الذي فقد فيه الشباب الثقة في العمل الميداني، والثقة في إمكانية التغيير".
وهنا نص الحوار:

جمعية "تونس لينا الكل" (تونس لنا جميعاً)

ما هي أبرز المشاريع والأنشطة التي تشتغلون عليها في إطار مكافحة التطرف والإرهاب؟
جمعية "تونس لينا الكل" (تونس لنا جميعاً) هي جمعية شبابية في بداية نشاطها عملت على التشبيك مع جمعيات أخرى في مجال مكافحة الإرهاب ونبذ كل أشكال التطرف العنيف. فكان أول أنشطتها في هذا المجال تنظيم تظاهرة ثقافية صحبة جملة من منظمات المجتمع المدني بالقيروان تحت عنوان "نجاوبوكم فن" (نجيبكم بالفنّ) لما للفن من أهمية في مكافحة السلوكيات الخطرة عموماً، والإرهاب والتطرف خصوصاً.

نركز أساساً على علاقة الفن بالحد من الإرهاب وكيف يمكن للثقافة أن تقلص من هذه الظاهرة

اشتغلت الجمعية أيضاً في مجال العنف السياسي مع منظمات وطنية وجهوية إثر تطور الأحداث في تونس، والوصول الى التصفية الجسدية لقيادات حزبية، ليتم تأسيس منتدى الحوار الذي تمكنا من خلاله من تنظيم عدة ورشات للدفع تدريجياً نحو التثقيف بأهمية الحوار كوسيلة للتصدي للإرهاب، مشرّكين في هذه الورشات الإعلاميين والأمنيين والحقوقيين والأئمة وأكاديميين ومربين باعتبار أنّ مساهمتهم ضرورية في مقاربة القضاء على الإرهاب؛ لأنهم ببساطة العناصر الأكثر ارتباطاً وتأثيراً في المجتمع.
في نفس الإطار قامت الجمعية ببعث نوادي المواطنة وحقوق الإنسان ببعض المؤسسات الجامعية والشبابية على غرار نادي الوطن والمواطنة ونادي الحوار بدار شباب حفوز.

اقرأ أيضاً: كيف تستخدم التنظيمات الإرهابية المرأة كسلاح سري؟
نفذت جمعية "تونس لينا الكل" مشروعين تم تمويلهما من طرف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الأول؛ العام 2016 متوجهين لشباب معتمدية حفوز من ولاية القيروان بمشروع أطلقنا عليه اسم "محبة تونس تجمعنا"، والذي يهدف أساساً إلى الحد من ظاهرة التطرف لدى الشباب، والثاني؛ هو مشروع تمت تسميته "نساء قادرات" توجهنا به إلى النساء الريفيات في المنطقة نفسها العام 2018 والذي يهدف إلى دعم قدرات المرأة الريفية في الوقاية من التطرف العنيف وكيفية الحد من ظاهرة التطرف بالجهة.
من مشروع "محبة تونس تجمعنا"

إذن يبدو أنّكم تركزون أساساً على الفن والثقافة عامة في مقاومة التطرف والإرهاب؟
نعم، في أغلب الأنشطة والمشاريع التي نفذناها تم التركيز أساساً على علاقة الفن بالحد من الإرهاب وكيف يمكن للثقافة أن تقلص من هذه الظاهرة، كما كان أغلب تركيزنا في أنشطتنا على دور الحوار والتماسك الاجتماعي في الحد من التطرف، لما للحوار من أهمية في فض النزاعات مع تنفيذ دورات تكوينية في هذا المجال. ويعتبر - في تقديري - تشريك الأئمة ضرورياً لما للخطاب الديني من تأثير إيجابي في حال استخدم النص القرآني والسنة النبوية في محلها ودون إخراجها من سياقها.
لماذا استهدفتم المرأة تحديداً؟ وأي أدوار يمكن أن تلعبها في مقاومة الإرهاب والتطرف؟
في إجابتنا عن هذا السؤال نستشهد بمقولة لبرنارد شو حين اعتبر أنّ "المرأة هي نصف المجتمع، وهي التي تلد وتربي النصف الآخر".

المرأة مهما بلغت درجة الوعي لديها لا يمكن أن تحقق استقلاليتها دون أن تكون مستقلة مادياً

في عملنا مع النساء اكتشفنا مدى التزامهن بالقضايا العادلة في الوقت الذي فقد فيه الشباب الثقة في العمل الميداني، والثقة في إمكانية التغيير، نظراً لحالة اليأس المرتبطة بالوضع العام لوطننا. فاخترنا العمل مع النساء اللاتي بدورهن سيقمن فيما بعد بتوعية الشباب.
إضافة إلى أنّ النساء هن اللاتي طالبننا بتكوينهن في مجال التوقي من التطرف العنيف، وكيفية التدخل للحد من هذه الظاهرة. وللأمانة، في اختيارنا للمشاركات المنتفعات بالتدريب في مشروع "نساء قادرات"، فضّلنا أن لا نقصي الأميات منهن، وأن نجعل المشاركة مفتوحة لكل الفئات العمرية على أن يتم اختيار 20 منهن. ونظراً لإلحاحهن وإبداء الرغبة في الالتزام بالحضور بجميع مراحل المشروع مع القيام بنقل المعارف التي يلقينها إلى نساء أخريات قمنا بتوسيع قاعدة المشاركات ليصل عددهن إلى 35 امرأة ريفية وسفيرة للحوار.

اقرأ أيضاً: المرأة والثورة.. لماذا تتصدر الصورة؟
إن تركيزنا على المرأة عائد إلى إيماننا بأنّ التغيير يبدأ أولاً من داخل المجتمع المصغر وهو العائلة، ونظراً إلى الدور الذي تلعبه المرأة داخل الأسرة وخارجها، وبأنّ النساء هن صانعات قادة المستقبل والأكثر التزاماً، كما ثبت من خلال عديد التجارب المقارنة أنّ تدخل المرأة يساهم في الحد من ظاهرة التطرف والإرهاب وأنهنّ يؤثرن بشكل إيجابي على مفاوضات السلام ومبادرات بناء السلم وفرص النجاح معهن أنجع.
إنّ النساء يلعبن دوراً تثقيفياً وتربوياً وأدواراً أخرى في المجتمع وكل ما ينقصهن هو الدفع نحو دعم قدراتهن في هذا المجال وتمكينهن من فرص فعلية للتدخل.
 هناك بعض الخلط في المفاهيم وخاصة في مفهوم التطرف والتطرف العنيف والإرهاب

من خلال ملامستكم عن قرب لهموم النساء الريفيات ومشاغلهن، هل وجدتم فيهن وعياً بخطورة ظاهرة التطرف؟
في الحقيقة مسألة الوعي تبقى دائماً نسبية، إذ كان هناك بعض الخلط في المفاهيم وخاصة في مفهوم التطرف والتطرف العنيف والإرهاب ومفاهيم أخرى مشابهة، مع تخوف جدي من الخوض في الموضوع لارتباطه، أحياناً، بالدين.

اقرأ أيضاً: المرأة والحداثة: سقوط وهم الأمومة المثالية
على مستوى الوعي بخطورة الظاهرة يمكننا أن نجزم أن ما جعل المنتفعات بالمشروع يتمسكن بالمشاركة هو من منطلق إيمانهن بخطورة الإرهاب، ما سهل علينا كجمعية كسر الجليد مع المشاركات، والتعامل مع الظاهرة كغيرها من الظواهر والسلوكيات الخطرة الأخرى، أضف إلى ذلك أنّه من بين المشاركات أم متضررة من الجماعات الإرهابية تمت "دمغجة" ابنها والتغرير به وتسفيره إلى سوريا عبرت عن رغبتها في توعية النساء حول خطورة الظاهرة وكيفية التعامل معها في حال ظهور سلوكيات تنم على إمكانية وجود تصرفات مشبوهة.
ما أبرز النتائج التي توصلتم إليها بعد نشاطكم مع النساء؟
مقارنة بنقطة البداية التي انطلقنا منها، والمتمثلة في غياب شبه تام لثقافة الحوار في الفضاء العائلي وخارجه، وغياب شبه تام لثقافة احترام الآخر المختلف عنهم، وما توصلنا إليه بعد ستة أشهر عمل، وبعد ثماني ورشات عمل متتالية تمكنا من تكوين نساء قادرات على القيام بحملات مناصرة وتحسيس انتفعت بها نساء أخريات. كما أنّ المنتفعات بالمشروع قمنَ بتأسيس نادٍ ببلدية حفوز للتصدي لظاهرة التطرف والإرهاب ولنشر ثقافة الحوار والاختلاف.

اقرأ أيضاً: 5 كتب تناولت وضع المرأة داخل تنظيم داعش
إنّ مشروع "نساء قادرات" جمع بين تمكين المرأة الريفية اقتصادياً ودعم قدراتها في مجال التوقي من التطرف العنيف، وذلك من منطلق وعينا بأنّ المرأة مهما بلغت درجة الوعي لديها لا يمكن أن تحقق استقلاليتها دون أن تكون مستقلة مادياً، ليتم تخصيص جزء من ميزانية المشروع للمشاركات كدعم لهنّ لتحقيق استقلالهن المادي.
ما أهم الأسباب التي تدفع المرأة نحو التطرف العنيف والإرهاب برأيك؟
في تقديري الأسباب التي تجعل المرأة تنخرط في المنظومة الإرهابية هي ذاتها التي تدفع بالرجل، وتتمثل أساساً في الجهل بالدين، الرغبة في إثبات الذات، الفقر والتهميش، غياب العدالة الاجتماعية..
كل هذه الأسباب كانت المحدد الرئيسي في استراتيجية العمل التي وضعناها لتنفيذ المشروع.

من أسباب الإرهاب والتطرف الجهل بالدين والرغبة في إثبات الذات وغياب العدالة الاجتماعية

في علاقة بالدين كنّا قد شركنا إماماً شاباً من ثقات الجهة في ورشات العمل التي قمنا بتنفيذها، كي نتجاوز إشكالية الجهل بالدين، والذي قام بدوره بإبراز خطورة التطرف والغلو في الدين. وما يمكن أن ينجر عنه من أضرار مبيناً سماحة الدين.
في علاقة بالرغبة في إثبات الذات تم منح المشاركات فرصة التدخل في الشأن العام من خلال التنسيق مع السلطة المحلية لتشريكهن ودعوتهن للإدلاء بمقترحاتهن ضمن الجلسات التي تعقدها لجنة المرأة بالمجلس البلدي.
وفي ما يخص الفقر والتهميش والبطالة تم تخصيص جزء من ميزانية مشروع "نساء قادرات" من أجل دعمهن اقتصادياً كي يتمكنّ من ممارسة حرف يدوية بسيطة تساهم في مساعدتهن اقتصادياً.
المرأة مسؤولة من أي موقع هي به على دعم المقاربة الوقائية للتصدي إلى التطرف

إذن كيف يمكن للمرأة عموماً أن تكون صمام أمان ضد التطرف والإرهاب؟
المرأة مسؤولة من أي موقع هي به على دعم المقاربة الوقائية للتصدي إلى التطرف والإرهاب والسلوكيات الخطرة عموماً لارتباطها الوجداني وقدرتها على التركيز على التفاصيل.
على المستوى التربوي يجب على المرأة منذ البداية أن تكرس فكرة الاختلاف وتغرس ضرورة احترام الآخر المختلف لدى الناشئة مكرسة قيم الاعتدال والتسامح.

اقرأ أيضاً: مفارقة الراعي ودونية المرأة
على مستوى دور المرأة التثقيفي فإنّ الحضور الفعلي لها، ومنحها الثقة من خلال دعم قدراتها يجعلها صمام أمان وحزام صد ضد ظاهرة التطرف العنيف والإرهاب.
ما تقييمكم لأداء المجتمع المدني في مقاومة التطرف والإرهاب خصوصاً أنّ الجمعيات والمنظمات المهتمة بهذا الشأن كثيرة في تونس؟

إنّ المنظمات التي تعمل في مجال مكافحة الإرهاب وكل أشكال التطرف على كثرتها لا يمكنها إلّا معاضدة جهود الدولة في مقاومة هذا السرطان الذي نخر بلدنا، خاصة في غياب الاعتمادات المالية الكافية التي تمكنها من التدخل الفعلي للوقوف حزام صد لهذه الظاهرة. ما يجعل من دورها محدوداً في مجال التوعية والتحسيس والتثقيف ضد هذه الظاهرة.

تركيزنا على المرأة عائد إلى إيماننا بأنّ التغيير يبدأ أولاً من داخل المجتمع المصغر وهو العائلة

وفي تقديري لا يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تحل محل الدولة في مقاومة الإرهاب، لينحصر دورها في الوقاية من الظاهرة، والعمل على الحد منها، بعيداً عن كل ما يتعلق بالجانب الأمني لحساسية الموضوع وخطورته.
أضف إلى ذلك فإنّ عديد المنظمات اشتغلت على وضع مقترحات وبرامج جدية تم تشريك عديد المتدخلين في الشأن العام بها، إلا أنّها بقيت حبراً على ورق ما يعكس حقيقة إرادة الدولة ومدى التزامها بالعمل مع منظمات المجتمع المدني.
وكي لا نحمل منظمات المجتمع المدني ما لا يمكنها أن تحتمل، فإنّ الدولة هي الطرف المطالب بتشريك الجمعيات في برامجها، واعتماد سياسة تشاركيّة، والنأي عن كل أشكال الإقصاء، كما هو الشأن بالنسبة للظواهر الأخرى التي تعول فيها الدولة على جهود المجتمع المدني.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



محمد علال: رصدت مسيرة الحاكم القوي العاجز عن قراءة استقالته

2020-01-23

أجرى الحوار: محمود أبو بكر


أصدر الكاتب والصحفي محمد علال كتاباً بعنوان "بوتفليقة والزنزانة رقم 5"، يحكي قصة الحراك الشعبي، والعهدة الرئاسية الأخيرة للرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة
افتُتح في الجزائر.

اقرأ أيضاً: لماذا فشل لوبي أردوغان في "توجيه" القرار السياسي الجزائري؟
الكتاب يسرد، كيف انتهت مسيرة ذلك الرجل عاجزاً عن قراءة رسالة استقالته، وكيف أصبح بعدها أثراً بعد عين؛ حيث انشغل الجزائريون في مهمة استرداد الوطن من بقايا نظامه، أو من أضحوا يلقّبون بـ "العصابة".
"حفريات" التقت، مؤلف الكتاب، الصحفي محمد علال، وأجرت معه الحوار التالي:

كتاب "بوتفليقة والزنزانة رقم 5"

الكتابة عن فترة نظام الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، يعدّ أمراً في غاية التعقيد في هذه المرحلة، فلماذا اخترت أن تكتب في هذه الفترة؟

الكتاب عبارة عن تلخيص لنهاية رجل حكم الجزائر عشرين عاماً، كان بالأمس يوصف بأنّه الرجل القوي، فصيح اللسان، الذي استطاع أن يزيح من طريقه أعتى جنرالات الجزائر، قبل ذلك شغل مناصب مهمّة، منها أصغر وزير في تاريخ الجزائر المستقلة، (كوزير للشباب)، ثم وزير للخارجية، في العهد الذهبي للدبلوماسية الجزائرية، ثم أصبح رئيساً للجمهورية، لعقدين كاملين، لكنّه في نهاية المطاف، خرج بخفي حنين، بعدما ثار شعبه ضدّه، الذي رفض أن يمنحه تأشيرة المرور إلى العهدة الخامسة.

محمد علال: الحراك، بسلميته المشهودة أذهل العالم، وفنّد كلّ الصور النمطية المضللة والمروجة عن نزوع الجزائريين للعنف

في هذا الكتاب؛ أحكي كيف سقط هذا الرجل في فخّ أطماع السلطة، وكيف راح ضحية أخيه السعيد، كيف تحوّلت أحلام العهدة الخامسة إلى لعنة، جرّت كلّ رموز نظامه إلى السجن، منهم شقيقه السعيد. الكتاب يسرد، كيف انتهت مسيرة ذلك الرجل عاجزاً عن قراءة رسالة استقالته، وكيف أصبح بعدها أثراً بعد عين؛ حيث انشغل الجزائريون في مهمة استرداد الوطن من بقايا نظامه، أو من أضحوا يلقّبون بـ "العصابة".
الكتاب أيضاً "شهادة توثيق" للحراك الشعبي في الجزائر.

هذا الحراك الشعبي ما يزال قائماً، ولم تتضح بعد ملامح نجاحه أو فشله، ألا تخشى أن يعدّ إصدارك بمثابة كتابة متعجلة لظاهرة ما تزال متفاعلة؟
أتفق معك، لو أنّ الكتاب عبارة عن تحليل ودراسة تاريخية، لكن ما قدّمته ليس كذلك، بل هو محاولة لسرد "حكاية الحراك" كما عشتها، فالرهان هنا ليس على عامل الزمن، بل على توثيق المشاهد والتفاصيل اللحظية للحراك، وبالتالي حتى لو كتبت المادة بعد مئة عام، سأكتبها على النحو ذاته؛ لأنّها محاولة لرواية ما عشناه في الشارع، بصرف النظر عن مآلات هذه الأحداث لاحقاً.  

اقرأ أيضاً: الجزائر: إرسال أردوغان للمرتزقة السوريين فاقم أزمة ليبيا
في هذا الإصدار؛ سيجد القارئ ستة أشهر من توثيق الأحداث والمشاهدات؛ حيث حاولت تدوين المشاهد الأكثر تأثيراً، من وجهة نظري، وأتصوّر أن يمثّل الكتاب "وثيقة لوقائع الحراك"، وإصدار لحفظ الذاكرة، دون تزييف أو تصنّع.
وفي النهاية؛ لم يكن من الممكن كتابته إلا بعد رحيل بوتفليقة، وهذا يكفي، في تقديري، لسرد المشاعر والحكايات.

 

أين يمكن تصنيف الإصدار؟ هل هو يوميات الحراك، أم قراءة لعهدة انتهت باستقالة الرئيس، أم هو محاولة لتحرير شهادة ما؟
أترك الإجابة للقرّاء، ليشكّلوا تصنيفاً يناسبهم، لكن -كما ذكرت سابقاً- بالنسبة إلي، هو عبارة عن "سردية اللحظة التاريخية التي عاشتها الجزائر"، بعيداً عن أيّة تصنيفات؛ فهو أشبه ما يكون بالظاهرة التي عاشتها الجزائر، لا هي "ثورة مكتملة"، ولا هي "ربيع عربي"، ولا هي "مجرد مسيرات"، هي "ظاهرة" متجاوزة للتصنيف، سميت "الحراك"، وظلت مستمرة بشكل غير منقطع، وبمنتهى السلمية! 

يلاحَظ أنّك اشتغلت صحفياً على المتابعة الميدانية لوقائع الحراك، لكن في الوقت ذاته، تعمّدت، كما يبدو، استحضار قصائد نزار قباني ومقولات أدباء ومفكّرين بين فصول الكتاب؛ هل كنت تحاول إضفاء صبغة أدبية على الإصدار؟
لم أرد أن يكون الكتاب عبارة عن سرد روتيني مملّ، أو كتابة أكاديمية تفترض شروطاً معرفيّة معينة، فبحكم أنّني مولع بالأدب والثقافة والسينما، فقد حاولت أن يبدو الكتاب كأنّه حكاية أو سيناريو فيلم.
في الواقع؛ تصوّرت نفسي كأنّني أحكي ما حدث بعد أعوام طويلة لأحفادي، أو أهديهم تذكرة للسفر إلى زمن جميل مليء بالآمال والتطلعات، والنضال المشترك لملايين الجزائريين.

هل يمكن توقّع إصدارات أدبية وسينمائية تجسّد قصة الحراك الشعبي؟
بلا شكّ، أتمنى حدوث ذلك، لأنّ قصصاً وحكايات رائعة رافقت الحراك، قصصاً إنسانية يمكن أن تتحول إلى مشاريع أفلام، وكتاب "بوتفليقة والزنزانة رقم 5" يتضمّن عدداً مقدَّراً من القصص، وهي الآن متاحة لأيّ سيناريست أو مخرج، كي يحوّلها إلى عمل سينمائي، وهذا حلمي.

اقرأ أيضاً: هل زرت وادي ميزاب في الجزائر من قبل؟.. شاهد أبرز معالمه
السينما تعشق القصص الإنسانية شديدة العمق، عفوية التعاطي، إنسانية النزوع، وهذا الحراك أبهر العالم بسلميته، ولم تقع خلاله أعمال تخريب، ولا ضحايا، كما حدث في العديد من الدول، لم يقع شهيد واحد، حتى نتيجة التدافع، في حراك يقوده الملايين من الناس! ألا يستدعي ذلك الذهول والتأمّل بالكتابة والعمل السينمائي؟

 هناك انتصارات تحققت، من قبيل؛ إسقاط بوتفليقة، وحبس رموز نظامه، وتحرير الصحافة نسبياً

لوحظ حضورك المكثف في القنوات الفضائية، للحديث عن الأحداث السياسية؛ هل حوّل الحراك محمد علال من ناقد سينمائي وصحفي ثقافي إلى محلل سياسي؟
صحيح أنّني أعمل في القسم الثقافي، وبشكل أساسي أكتب عن السينما، لكنّ الكتابة في الشأن السياسي ليست أمراً جديداً عليّ، فقد قمت بتغطية ثورات الربيع العربي وكتبت عشرات المقالات حولها، في مصر وتونس وليبيا وسوريا، وهي مقالات ميدانية، لهذا لم أشعر أنني غريب على المناخ السياسي يوماً، خاصة ما يتعلق منها بحركة الشعوب.

اقرأ أيضاً: رئيس الجزائر يشارك بمؤتمر برلين حول ليبيا في أول زيارة خارجية
ورهان الصحفي، في تصوري، يتمثل في مدى اطلاعه ومتابعته، ومدى التزامه بعاملَي الموضوعية والحياد في النقل.
وبالتالي؛ أقبل دعوة القنوات الفضائية التي تضع الثقة فيّ وفيما أنقله، وذلك في إطار ما أراه مساهمة في النقاش العام مع غيري، حول هذه الفترة التاريخية التي تمرّ بها بلادنا.
كمتابع لوقائع الحراك كيف تتوقع مآلاته؟
لقد حقّق الحراك الكثير، وأعظم شيء حقّقه؛ الثبات على خيار السلمية، وهو ما يعكس حالة الوعي المتّقد لدى الجزائريين، على عكس الصور النمطية الخادعة والمضللة، التي ظلت مرتبطة زوراً بالشباب الجزائري، ولم يكن من المصادفة أنّ النظام السابق كان من أكبر مروجيها؛ حيث سبق لرئيس الوزراء السابق، أحمد أويحيى، أن كرّر مراراً فرية "أنّ حدوث أيّة مظاهرات ستحوّل الجزائر إلى ساحة حرب وخراب"، باعتبار أنّ نسبة كبيرة من الشباب تميل للعنف، بحسب تصوّره!

تصوّرت أنّني أحكي ما حدث بعد أعوام طويلة لأحفادي، أو أهديهم تذكرة للسفر إلى زمن جميل مليء بالآمال والتطلعات

وهذا ما كذبه الحراك عملياً، بل أصبح أمثولة في السلمية عالمياً، ألا يستدعي هذا الكثير من الفخر، ويمنح الوفير من الأمل لتحقيق ما تبقى من المطالب.  
إنّ استمرار الحراك لكلّ هذه الفترة وحفاظه على ديناميكيته ومطالبه، يعدّ إنجازاً في حدّ ذاته، وجزءاً من البناء الديمقراطي المأمول، فالشعب كسر حاجز الخوف تماماً، وكسر معه كلّ القوانين المقيدة لحقّ التظاهر، وبالتالي لن يتراجع عن تحقيق كلّ مطالبه في بناء جمهورية ديمقراطية. 
على المستوى الآخر؛ هناك انتصارات تحققت، من قبيل؛ إسقاط بوتفليقة، وحبس رموز نظامه، وتحرير الصحافة نسبياً، وغيرها من الإنجازات، ولا أعتقد أنّ الشعب سيتراجع عن أيّ مطلب من المطالب.

للمشاركة:

سناء هاشم: لماذا فشلت السينما المصرية بكشف حقيقة الإسلاميين؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2020-01-15

أجرت الحوار: منى يسري


قالت أستاذ السيناريو بالمعهد العالي للسينما في القاهرة، الدكتورة سناء هاشم، إنّه بالرغم من التاريخ الطويل للسينما المصرية، إلّا أنّها منذ بداية السبعينيات قد أخفقت في دورها التنويري، واكتفت بمناقشة قضايا اجتماعية، و"تشويه صورة النظام الناصري، بعد أن منحها السادات الضوء الأخضر".

السينما في جوهرها خطاب للمجتمع وليس لمجتمع متخيل في أذهان المحافظين تحت شعار السينما النظيفة

وأكدّت هاشم، في حوارها مع "حفريات"، أنّ السينما في مرحلة لاحقة منذ الثمانينيات والتسعينيات ناقشت قضايا الفكر المتطرف الذي سيطر على المجتمع و"لكن بسذاجة وسطحية، وجعلت من أبناء التيارات الإسلامية ضحايا للنظام السياسي الذي يحاول بشتى الطرق تشويه صورتهم، وهو ما وصل لأذهان البسطاء من المصريين".
وذهبت إلى أنّ "السينما بدلاً من أن تصبح حائط صد ووقاية من الفكر المتطرف، ساهمت في زيادته"، مؤكدةً أنّ الإخوان المسلمين لم يحركوا ساكناً أمام الموجة التكفيرية في التسعينيات، بل "استخدموها للمقايضة، ليعلم النظام والنخب المجتمعية، أنّهم البديل الأمثل عن التكفيريين".
ولفتت هاشم إلى أنّ ما تشهده الساحة السينمائية في مصر، منذ مطلع الألفية من انتشار أفلام الكوميديا "غير الهادفة" على حد وصفها، "ليس سوى نوع من أنواع الملهاة وغض للطرف عن الهزيمة التي تلاحق المصريين منذ نكسة 1967".
وهنا نص الحوار:

بداية تراجع السينما

تعد السبعينيات فترة حاسمة في تاريخ مصر والمنطقة، برأيك ما هو الدور التنويري الذي قدّمته سينما السبعينيات وما بعدها؟
الحقيقة أنّ السينما المصرية في السبعينيات لم تتطرق إلى أي قضايا تنويرية، ودعيني في البداية أفك الارتباط الحاصل بين السينما والسياسة؛ لأنّهما كما أرى وجهان لعملة واحدة، وكلاهما ينعكس على الآخر، وسأبدأ منذ الخمسينيات في الفترة التي بدأ فيها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر جعل صناعة السينما جزءاً من مهام الدولة، فتأسست الهيئة العامة للسينما المصرية في الستينيات، والتي أخذت على عاتقها الاهتمام بالصناعة، وترسيخ قضايا بعينها في نفوس الشعب، وامتزجت فيها السينما بالأدب، فصنعت العديد من الأفلام المأخوذة عن روايات مصرية مثل؛ روايات توفيق الحكيم وعبدالحميد جودة السحار وطه حسين ونجيب محفوظ ويوسف السباعي والكثير.

اقرأ أيضاً: السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه
آنذاك أخذت الأفلام تؤكد على القضايا الوطنية الراهنة، مثل؛ ترسيخ قيمة العمل لبناء الدولة الحديثة، كما رأينا في أفلام مثل؛ اللص والكلاب، مراتي مدير عام، وأصبحت تتطرق لقضايا الصراع الطبقي كما رأينا في فيلم الأيدي الناعمة، ورُدّ قلبي، إلّا أنّ الانهيار جاء سريعاً وتحديداً منذ منتصف العام 1971، حين أعلن السادات دعوته للانفتاح الاقتصادي، ثم تلاها بالقضاء على الهيئة العامة للسينما صاحبة الفضل في معظم تراثنا السينمائي.

توظيف سياسي للفن

تأسست الهيئة العامة للسينما المصرية في الستينيات
إذن، لماذا فعل السادات ذلك رغم ولعه المعروف بالسينما ولماذا لم يستخدمها لدعم قضيته كما فعل عبدالناصر؟

هذا لأنّ السادات لم يكن يحمل قضيّة متماسكة يمكنه البناء عليها، فمرحلة السبعينيات عالمياً حملت الكثير من التحولات بعد انتهاء ثورات التحرر الوطني في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأصبح الاستعمار عن طريق الانفتاح الاقتصادي، الذي قطع أوصال الدولة وارتباطها بمواطنيها، فكان على السادات أن يتخلى عن السينما، ويتركها مساحة مفتوحة لكل من يريد ارتيادها دون قيود، فبدأت مرحلة جديدة من السينما التي انقسمت إلى شقين: إمّا أنّها تطعن نظام عبدالناصر مثل؛ فيلم الكرنك، وعودة الابن الضال، أو مجرد هزل خالٍ من الطرح الفني.

اقرأ أيضاً: سينما "عامر" تنقل البهجة لأهالي غزة بعد توقف ربع قرن
لم يكن في تلك الحقبة شيء يذكر عن التحولات التي تجرى داخل المجتمع المصري من انتشار التيارات الإسلامية التي أطلق سراحها السادات في 1977 أعقاب انتفاضة الخبز، ليجد دروع أمنه تحميه من انتفاضة اليسار المصري، وبذلك كما يقولون "ضرب عصفورين بحجر واحد"، قضى على الشيوعيين، وروجّ لانفتاحه بقناع ديني، مرتدياً عباءة "الرئيس المؤمن"، كما أطلق على نفسه.

على ضوء ما أوضحت من فقدان القضية الاجتماعية، ماذا قدّمت سينما السبعينيات إذن لذاكرة المصريين؟

اتسمت سينما السبعينيات بالطابع السياسي، وكانت متفرغة لذم النظام السابق، فقد أطلق السادات العنان وقتها للناقمين على عبدالناصر وصلاح نصر، فرأينا فيلم الكرنك، زائر الفجر الذي سحب من دور العرض بعد بضعة أيام من عرضه نظراً لحساسية الفترة، حيث عرض في بداية كانون الثاني (يناير) 1973 قبل الحرب مع إسرائيل.

السينما المصرية في السبعينيات لم تتطرق إلى أي قضايا تنويرية وتفرغت لذمّ النظام السابق بتشجيع من السادات

كان المصريون ما زالوا مترنحين من وقع الهزيمة، ولم تُشفَ جراحهم من نكسة 1967، ولم نرَ أي تأثير لخطاب الإسلام السياسي إذ لم يكن ذا أهمية أو ثقل، فكان نطاقه محصوراً في جماعات صغيرة داخل القرى والمدن البعيدة عن المركز، حتى بدأت الحركة الطلابية الإسلامية في الإنتعاش داخل جامعة القاهرة، وأعلنت عن نفسها وأفكارها، ولم يكن هنا سوى إرهاصة واحدة بتغيرات المصريين ظهرت في فيلم "الحب قبل الخبز أحياناً"، العام 1977 للمخرج سعد عرفة، حين وجدنا الفتاة المتحررة التي تنخدع في حبها الأول، ثم تعود لرحاب شقيقتها المتدينة، التي تضع حجاباً على رأسها في نهاية الفيلم ليكون هذا الفيلم جرس الإنذار المقبل بالقادم الذي احتدم ظهوره في سينما التسعينيات.
السينما والإسلاميين
لماذا التسعينيات؟ ألم تشارك سينما الثمانينيات في رصد ما يحدث داخل المجتمع؟

بالطبع شاركت، ولكن إلى هنا لا تزال المشاركة محدودة، خاصة بعد ظهور موجة الواقعيين الجدد، في مقدمتهم عاطف الطيب ومحمد خان، الذين ركزوا على تفاصيل الإنسان المصري، واهتموا بمعاناته، فشاهدنا أعمالاً مثل البريء، وزوجة رجل مهم، وكذلك مساهمات محمد خان في الاهتمام بسينما المرأة وتصدير بطلات نساء.
كل هذا أضفى طابعاً مميزاً على سينما الثمانينيات، ولم يبدأ طرح قضايا الإرهاب الفكري الذي تعيشه مصر في السينما إلا في التسعينيات، وكان وحيد حامد وشريف عرفة ونادر جلال حاملي تلك الراية، من أفلام عزّزت من تواجد الإسلاميين، وجلبت تعاطف المجتمع لهم أكثر منها سينما تنويرية.

المخرج المصري محمد خان

ماذا كان السبب الرئيسي لتلك الموجة السينمائية في مرحلة التسعينيات التي تناقش قضايا الإرهاب التي تم التغافل عنها لعقود؟
إنّه نظام مبارك الذي فشل في إدارة العملية السياسية أكثر مما فشل السادات، فشاهدنا في بداية التسعينيات العنف الصريح ضد النخبة الثقافية بدأت باغتيال المفكر فرج فودة، ثم محاولة الاغتيال الفاشلة للأديب الكبير نجيب محفوظ، تبعها حادث الأقصر الذي كشف الستار عن العنف الممنهج الذي يمارسه الإسلامويين ضد المجتمع، ثُم باغتونا بحرق مقرات نوادي الفيديو في القاهرة والإسكندرية وقتل البعض من أصحاب تلك المحلات، فأعلنوا بذلك موقفهم الصريح من السينما والفن برمته.

اقرأ أيضاً: كيف حطمت سينما الواقعية الجديدة المحظورات في مصر؟
بالتوازي مع هذا فقد انسلخ تواجد الدولة بشكل كلي عن المجتمع، فتركته نهباً مباحاً أمام قوى الظلامية، ودعيني أقول إنّ السبب الرئيسي كان برنامج الإصلاح والتكيف الهيكلي الذي قدمّه صندوق النقد وبدأ تطبيقه في العام 1991، تبعه المزيد من الإفقار والتجهيل للمصريين؛ فالدولة أصبحت بحاجة لملهاة الناس للانصراف عنها، وعدم خروجهم للمطالبة بحقوقهم، ووفّر لها تيار الإسلام السياسي ذلك الدرع الواقي من غضب الناس، فاستطاع مبارك استخدامهم بحرفية أكبر من استخدام السادات لهم.

ألا  يمكن مراجعة موقف الإسلاميين من السينما مع أدبيات الإخوان المسلمين ورسائل حسن البنا التي لم تنكر السينما ولكن وضعت لها شروطاً؟
صحيح ما ذكرت، ولكن دعيني أوضح أنّ الفن لا يخضع لشروط، والإبداع لا يحتاج سوى للحرية كي يتدفق، ولكي نكون منصفين، فإنّ موقف الإخوان "المعلن" من السينما كان يبدو إصلاحياً بشكل كبير ولم يرفضها في المطلق، ولكن ماذا عن الجماعة الإسلامية التي ولدت من رحم الإخوان، أليست هي من حملت راية التكفير، وإباحة الدماء في تلك الفترة؟ إنها وبلا منازع من قتل المصريين والأجانب، وكفّر كل مَن لم يشبهها.

أفلام الثمانينيات والتسعينيات ناقشت بسذاجة وسطحية قضايا الفكر المتطرف الذي سيطر على المجتمع

لم يحرك أفراد جماعة الإخوان ساكناً أمام تلك الموجة التكفيرية، بل استخدموها للمقايضة، ليعلم النظام والنخب المجتمعية، أنّهم البديل الأمثل عن التكفيريين، لا سيمّا بعد استمالتهم للشرائح الأكثر فقراً وتهميشاً بإقامتهم لمشاريع خيرية، فأصبحت المجمعات الطبية، والتعليمية كلها تحت إشراف الإخوان ومريديهم، وأقيمت منافذ بيع سلع مخفضة لتخفيف العبء عن الأسر المتضررة، وخاصة في الريف والنجوع الصعيدية، الضحية الأولى لسياسات التهميش والدافع الأكبر لكلفة الصراع الطبقي في مصر. فلا يمكننا أن نلوم تلك الطبقات التي دانت بالولاء للجماعة، وهرعت إلى صناديق الاقتراع بعد ثورة يناير لانتخابهم في مجلس النواب، ظناً منهم أنّهم سيجنون ثمرة انتهاء فترة القمع والفقر الذي شهدوه.

انفصال عن الواقع
هل كان هذا إيذاناً بفشل سينما التسعينيات وما بعدها، بعد كل الموجة الهجومية التي قدّمتها السينما على مدار عقدين؟

بالطبع، هو كان نتيجة عكسية لمبتغى الفنانين، والسبب الرئيسي هو التسطيح والمبالغة والطرح المباشر بفجاجة في الأفلام، بدءاً من تقديم الإسلاميين بملابس بهلوانية لا وجود لها على أرض الواقع، إلى جانب طريقة حوارهم الفظة والتي تبدو من عصور أخرى، هذا لم يكن واقع الإسلاميين كما قدّمته السينما، ولكن كانت تصورات خيالية لصانعي تلك الأعمال، وهذا يعكس مدى انفصال المبدعين عن المجتمع، فلم يصبح الفن مرآة للمجتمع ولا شرائحه المتباينة، وإنّما مجرد أفكار سردية من خيال المبدع.
ويمكننا رؤية هذا من فيلم الإرهابي وطيور الظلام والإرهاب والكباب، كلها برأيي جعلت الناس مفتقدين للثقة في أي طرح سينمائي مقدّم، بل وصل إلى حد أنّ البسطاء اقتنعوا أنّ الدولة تحارب الدين والمتدينين، وتشوه صورتهم، ما جعل التعاطف معهم يتزايد، وبالطبع نجحت السينما في هذا الدور، حين اعتلى مقاعد البرلمان مع اقتتاحية الألفية مقاعد البرلمان المصري لأول مرة، ورأينا صور حملاتهم الانتخابية تحت شعارهم الشهير "الإٍسلام هو الحل"، في كل أركان البلاد، وشاهدنا احتفاء الناس بهم، كان على تلك النتائج أن تكون صيحة نذير للسينمائيين لتغيير خطتهم وما يقدمونه من محتوى.

السينما فن وصناعة لا يمكن أن تخضع لأطروحات البنا أو غيره

لكن يرى بعض النقاد أنّ أفلام مطلع الألفية قدّمت صورة أكثر واقعية للإرهاب، ألا تتفقين مع هذا الرأي؟
قد تكون أقل سذاجة من نظيرتها في التسعينيات، وأحسنها كان ما قدّمه المخرج محمد ياسين في دم الغزال العام 2006، لأنّه تطرق لدوافع الإرهاب القادم من الأحياء المهمشة، والإفقار والرفض الإجتماعي، ولم يكن هناك ترهل في الحوار أو الطرح كما أفلام وحيد حامد ونادر جلال.

معظم الأفلام التي عالجت الإرهاب صورت الإسلاميين ضحايا للنظام السياسي الذي يحاول بشتى الطرق تشويههم

بخلاف ذلك لم نملك تجربة ناضجة لسينما تنويرية حقيقية، تكشف ألاعيب الإسلام السياسي، حتى الطرح الذي قدّمه يوسف شاهين في أفلام مثل المصير، والآخر، كان أشبه بطرح سيريالي، لم يفهمه الناس، ولم يصل إلى الشريحة المشتبكة مع الإسلام السياسي، التي بوصولها إلى حقبة الألفينات، هجرت دور السينما، بل لم تعد تبالي بأي شيء سوى قوت يومها، الذي قدّمته لهم الجماعة الإسلامية.
ومع تزايد عنف نظام مبارك، والمجاهرة بمشروع التوريث، كانت السينما قد أفلست، وقدمت تجربة جديدة في فيلم عمارة يعقوبيان عن التطرف الإسلامي، الذي جسده الفيلم كرد فعل على قمع النظام، ولكن مُنع من العرض بعدها مباشرة، بسبب تسليط الضوء على وحشية الداخلية في التعامل مع المتأسلمين، ولدينا أيضاً تجربة عاطف حتاتة في فيلم الأبواب المغلقة، الذي جمع كل الأسباب من الفقر والتهميش وفشل الدولة، والحروب الإقليمية التي دفع كلفتها الأكثر فقراً فعززت بذور التطرف في نفوس النشء وجعلتهم فريسة سهلة للقيادات الإسلامية.

طرح أصحاب التوجه الإسلامي، خاصة بعد ثورة يناير، تقديم سينما نظيفة، مستشهدين بما تفعله السينما الإيرانية، هل هذا ممكن التحقق في مصر؟
لا مجال للمقارنة بين السينما المصرية والإيرانية، فالإيرانيون تحت سطوة قيود معقدة، يحاولون الفكاك منها، فينشغلون بتقنيات أخرى غير ما يصنع في مصر، ومصطلح "السينما النظيفة" مضلل للغاية، ولا شيء يسمى هكذا، السينما فن وصناعة، لا يمكن أن تخضع لأطروحات البنا أو غيره، وأي محاولة للعمل بهذا الشيء، فالناتج سيكون مسخاً وليس فناً؛ لأنّ السينما في جوهرها خطاب للمجتمع، وليس خطاباً لمجتمع متخيل في أذهان المحافظين.

للمشاركة:

الزغول: إيران عاجزة عن إنتاج أنموذج وشعبها تعب من الإسلام السياسي

2020-01-14

أجرى الحوار: عاصف الخالدي
قال الباحث الأردني محمد الزغول إنّ نجاحات إيران في المنطقة، ليست ناتجة بالأساس عن عوامل القوة الذاتية، بل هي حاصل استثمارها في أخطاء الآخرين، وأنّ مَكْمَن قوتها يتمثل في انتهازيّتها لا في جاهزيتها للهيمنة، وأشار في حواره مع "حفريات" إلى ضرورة إعادة تعريف الدور القطري تجاه العالم العربي بعد المتغيرات الأخيرة منذ "الربيع العربي" وظهور محور اعتدال عربي يحاول استعادة منظومة الدولة العربية.
وأكد رئيس وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات، أنّ معظم الشعب الإيراني تعب من الإسلام السياسي على النمط الخميني الذي لم يتمكن من تجسيد قدرات وطموحات الإيرانيين، "مع ذلك ثمة أطراف وفئات عربيّة لا تزال -للأسف- تراهن على المشروع الإيراني".

لم تنجح محاولات فرض الاعتدال والديمقراطية داخل إيران لأن أزمة النظام بنيوية تكمن في منظوره لنفسه وللعالم

يذكر أن الزغول مهتم بالشؤون الإيرانية والإقليمية، وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة طهران عام 2004، يكتب باللغتين العربية والفارسية. وله عدد من المصنفات والترجمات العربية والفارسية، وعدد كبير من المقالات والدراسات والأبحاث في الأدب السياسية والشؤون الثقافية في إيران والعالم العربي، وعمل خبيراً في الشؤون الإيرانية مع عدة مؤسسات عربية ودولية.
وهنا نص الحوار:

في ظل الأزمة الخليجية الحالية، كيف ترى الجهود العربية اليوم  خاصة الخليجية لمواجهة الخطر الإيراني؟
تشهد منطقة الخليج العربي اليوم أزمتين كُبرَيَيْن، من المُرجَّح أنْ ترسم نتائجُهما ملامحَ مستقبل المنطقة جيوسياسياً؛ التصعيد الأمريكي-الإيراني، والأزمة القطرية. وتتفاعل هاتان الأزمتان بطبيعة الحال مع باقي أزمات الشرق الأوسط وصراعاته التي يُغذي كل منها الآخر، أو يؤثر فيه.
ويتمثّل التحدي الأبرز في الأزمة القطرية بمسألة "إعادة تعريف الدور القطري" وفق المتغيرات الخليجية، والإقليمية، والدولية الجديدة، وهي مسألة معقّدة، تتطلب إحداث تغييرات جذرية في ديناميّات صناعة القرار القطري، وإعادة هيكلة المؤسسات القطرية التي تشكَّلت في أعقاب احتلال الكويت 1990، وساهمت في دخول الدوحة لاحقاً تحت مظلة الحماية الأمريكية المباشرة، واضطلاعها بدورها الحالي.

صفقة القرن مزعومة ولا يمكن التوصل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية في عهد إدارة ترامب

أما أزمة النظام الإيراني، فهي داخلية أكثر من كونها إحدى إفرازات النظامَيْن الإقليمي والدولي، أو الاختلالات الكبرى في خريطة توازنات القوة العالمية؛ فقد ثبت بعد أربعة عقود تقريباً على "الثورة الإسلامية في إيران" أنها غير قادرة على تقديم أنموذج سياسي أو اقتصادي قابل للاستمرار، لا في محيطها الإقليمي المباشر، ولا في الفضاء العالمي الأوسع.
إن الرّغبة الإيرانية في التوّسع والنفوذ على مستوى الإقليم، ليست ناتجة عن فائض قوة اقتصادية وعسكرية لم يعد الداخل الإيراني يتّسع لها، بل عن إدراك صُنّاع القرار في طهران لوجود هشاشة في المحيط الإقليمي، وخاصة العربي، تسمح لهم بالتوسع، وتحقيق مكاسبهم ، أو تتطلّب منهم التدخُّل لحماية مصالحهم من تدخلات قوى أخرى.
وكل ذلك على الرغم من تفاقُم نقاط الضعف الذاتية في الداخل الإيراني. وبعبارة أخرى فإنّ نجاحات إيران في المنطقة، ليست ناتجة بالأساس عن عوامل القوة الذاتية، بل هي حاصل استثمارها في أخطاء الآخرين. وبالتالي فمَكْمَن القوة الإيرانية يتمثل في انتهازيّتها لا في جاهزيتها للهيمنة.
لكنّ الإقليم يشهد منذ ثلاث سنوات تغيُّرات في هذه المعطيات، فهناك محور اعتدال عربي (سعودي-إماراتي-أردني-مصري-بحريني-كويتي) تشكّل، وهو يعمل على استعادة "الدولة" العربية، وترميم "المنظومة" العربية.

رغم أزماته إلا أن النظام الإيراني سيصمد لوجود إرادة هائلة للقمع وتطوير قدرته على ممارسته

واليوم، يستشعر النظام الإيراني كذلك خطراً وجودياً بعدما قامت الولايات المتحدة بإعادة تعريف علاقتها معه وفقاً لمعادلة صراع واضحة، ولعلها المرة الأولى التي تعلن فيها الولايات المتحدة الأمريكية عن استراتيجية واضحة المعالم تجاه المسألة الإيرانية منذ العام 1979.

وبالنظر إلى المعادلات الإقليمية الناشئة عن تفاعُل الأزمتين؛ القطرية والإيرانية، في سياق المشهد الإقليمي والدولي، فإنّه من المرجح أن تتواصل الضغوط الأمريكية على مختلف أطراف الأزمة للوصول إلى حلول وسط، دون أن تصل هذه الضغوط إلى حدّ التأثير على استمرار العلاقات الأمريكية بهذه الأطراف.
لكنّ حقيقة أن الأزمة هي في قطر، وليست مع قطر، تفرض نسقاً معيناً من المسارات المستقبلية التي تتطلب درجة عالية من المرونة، ولذلك تعتمد خيارات طرف الأزمة الرئيس (قطر) على مدى الواقعية والعقلانية التي تتمتع بها القيادة السياسية، في الوقت الذي تعتمد فيه "واقعيةُ استجابات هذه القيادة" على حجم المحفزات والتسهيلات التي يقدمها باقي الأطراف (الدول المقاطعة)، بموازاة الضغوط السياسية والاقتصادية.

تؤثر الأزمة الخليجية ودور قطر فيها على التوافق العربي

إيران واستثمار الأزمة الخليجية

هل لمست أي محاولاتٍ إيرانية واضحة لاستغلال الأزمة الخليجية أو دعم طرفٍ من أطرافها؟
جاء استثمار إيران في الأزمة القطرية انطلاقاً من كون الأزمة وفرت فرصة مجانية لتحقيق أهداف إيرانية غير مرتبطة مباشرة بجوهر الأزمة، لكنها متعلقة بصراع الهيمنة الإقليمي. فقد وجدت طهران فرصة لإضعاف المنظومة الخليجية المتمثلة في "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، ولذلك تركزت جهودها على إطالة أمد الصراع.
وبطبيعة الحال،حاولت إرباك المملكة العربية السعودية، وإشغالها بأزمات مُتعددة تُضعِف قدرتها على عرقلة الجهود الإيرانية للهيمنة الإقليمية، واتسعت خريطة الأهداف الإيرانية لتشمل أيضاً الحصول على التمويل القطري، خاصة في ظل النقص الحادّ في التمويل الذي تعاني منه إيران، والسعي لتحقيق مكاسب اقتصادية وتجارية متعلقة بزيادة التبادل التجاري، والخدمات اللوجستية بين قطر وإيران، هذا علاوة على الرغبة في تحقيق مكاسب سياسية في الملف السوري، أبرزها التقارب مع تركيا، وإضعاف الدور السعودي في الملف السوري.

يخطئ من يُفسّر تنسيق إيران مؤخراً مع تركيا وروسيا في المنطقة كإعادة نظر في سياستها الخارجية

ففي بداية الأزمة، حاولت طهران استكشاف فرص تحقيق مكاسب استراتيجية مثل الحصول على موطئ قدم داخل المنظومة الخليجية، لكنّ هذه المحاولة أخفقت، فقد فرضت الولايات المتحدة قيوداً صارمة على وتيرة التقارب الإيراني-القطري، وأُلزمت قطر بإبقاء العلاقات مع إيران في حدود احتياجات قطر اللوجستية للجانب الإيراني.
وبالنظر إلى خريطة الأهداف السابقة، يتضح أنّ طهران لم تحقق مكاسب سياسية أو اقتصادية مهمة نتيجة الوقوف إلى جانب قطر في الأزمة؛ إذْ فرضت الولايات المتحدة حدوداً ضيقة على التقارب القطري-الإيراني، ومنعت خروج قطر من "مجلس التعاون"، فاستأثرت تركيا بالحضور العسكري، واستأثرت عُمان بمعظم المكاسب الاقتصادية الناتجة عن تغيُّر حركة الملاحة والنقل بعد قرار المقاطعة.

اقرأ أيضاً: أنس القصاص: الأزمة السورية مغلقة حتى إشعار آخر

وما قيل ويقال عن ارتفاع التبادل التجاري الإيراني مع قطر بنسبة 60 بالمئة هو مجرّد تضخيم للواقع، ويتحوّل إلى أرقام صغيرة عند النظر إلى ميزان التبادل التجاري المتواضع جداً بين الطرفين قبل الأزمة. أما الموانئ الإيرانية التي خُصصت لنقل البضائع إلى قطر فهي هزيلة، وتعاني من ضعف القدرة الاستيعابية حتى قبل الأزمة، و"ميناء تشابهار" لا يزال تحت الإنشاء، وغير جاهز للاستخدام. وقد أظهر السوق القطري اهتماماً أكبر بالمنتجات التركية، وخاصة المحمولة جواً؛ ما جعل إيران مجرّد طريق عبور محدود الأهمية.
كيف تنجح إيران بتكريس سردية "محور المقاومة" في المنطقة على الرغم من تدخلها العنيف والصريح في مختلف الصراعات الإقليمية؟
دشَّنت ثورة 1979 حقبة من الصراعات الطائفية الحادة والاضطرابات في المنطقة. وفي حين ظهرَ أن معظم الشعب الإيراني تعب من الإسلام السياسي على النمط الخميني الذي لم يتمكن من تجسيد قدرات وطموحات الإيرانيين، مع ذلك، نلحظ اليوم أن هناك أطرافاً وفئات عربيّة لا تزال -للأسف- تراهن على المشروع الإيراني.
وأزعم أنّ الرهان على ما يسمى "النهضة الخمينية" في المنطقة العربية ينطلق من عُقدتين متجذّرتين في بعض الأوساط العربية؛ الأولى متعلقة بالكرامة، والأخرى متعلقة بالبقاء.

اقرأ أيضاً: إميل أمين: أمريكا لن تتوقف عن اللعب بورقة التطرف
إن شيوع شعور بالامتهان والإذلال نتيجة حقبة الاستعمار والإخفاقات العربية الكبرى طوال القرن الماضي جعل أعداداً كبيرة من الناس مستعدين لمناصرة كل من يحمل شعار استرداد الكرامة المفقودة. ولعل في ذلك تفسيراً لانجراف نسبٍ مرتفعة من المجتمعات العربية لتأييد أنظمة مستبدّة وتنظيمات متطرفة، وذلك قبل اتّضاح المآلات المفجعة لمثل هذا التأييد، التي عمّقت الخسارات العربية. وهناك أيضاً "عقدة أقلويّة" تطورت عند بعض الأفراد والجماعات من أتباع الأقليات الدينية والعرقية وبعض القوى السياسية في المنطقة، نتيجة إخفاقات بناء الدولة الوطنية، وبروز مخاطر الإسلام السياسي، وتنامي انتشار التنظيمات المتطرفة والإرهابية.

تحاول إيران استثمار عدم الاستقرار في بلدان "الربيع العربي"

إيران وحلفاؤها الواهمون

لكن، لماذا لا يمنع هذا قوى سياسية عربية (يسارية مثلاً) ترى في أذرع إيران كحزب الله، حليفاً ضمن ما يسمى محور المقاومة، كيف يمكن تفكيك هذه الرواية؟
لقد صعّدت إيران من الخطاب الطائفي في المنطقة بعد أحداث "الربيع العربي" بهدف الاستثمار في هاتين العقدتين في الشارع العربي، وقدمت طهران نفسها كـ"مركزية شيعية" متحالفة وحامية للأقليات في المنطقة. وعلى سبيل المثال، لم يجد النفوذ الإيراني قبولاً في المناطق ذات الأغلبية السّنية نتيجة لصبغته الطائفية، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، على الرغم من إصرار طهران على التدخل المباشر في هذه المناطق، واستخدامها أوراقاً قبليّة وعرقيّة متفاوتة فيها.

اقرأ أيضاً: خزعل الماجدي: المطلوب وقف الإسلام السياسي الذي يتلاعب بحياتنا ومستقبلنا
من جانب آخر، استفاد النظام الإيراني من انغلاقه، وصدّر أزماته بصورة معقدةٍ تجاه مراكز التفكير في العالم، وتجاه الدول التي تتقاطع بمصالحها وأمنها مع إيران؛ وعليه تمكّن النظام من ترويج قراءاته بالنسبة للمشهد السياسي الداخلي، وكذلك لأزمات منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد العام ٢٠٠١. ويمكن الاستشهاد بمثالين: قراءة اللوبي الإيراني في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية عن الإرهاب، وكذلك قراءته حول خيارات التعاطي مع الملف النووي؛ ما أفضى إلى توقيع الاتفاقية النووية بين إيران و مجموعة "5 + 1".

قدمت طهران نفسها كـ"مركزية شيعية" متحالفة وحامية للأقليات في المنطقة

ولعلّ حقيقة أن إيران دولة بلا أصدقاء في المنطقة والعالم، تُثبت بشكل قاطع أنها ليست مستعدة، أو أنّها ترفض، اتّباع نهجٍ مقبول دولياً في علاقاتها الخارجية. ولا يمكن النظر إلى علاقات إيران بوكلائها في المنطقة على أنّها علاقات صداقة، لأنّها ببساطة قائمة على الاستتباع. ويُخطئ من يُفسّر تنسيق إيران مؤخراً مع تركيا وروسيا في المنطقة كإعادة نظر في سياستها الخارجية؛ إذْ هو ليس إلّا مجرّد تحالف ضرورات لا يلبث أن يضمحلّ بنفس السّرعة التي تشكّل بها.

هل تعاني إيران انقساماتٍ داخلية حادة بعد التحركات الأمريكية الأخيرة ضدها بخصوص الاتفاق النووي؟

تشير الاحتجاجات الأخيرة، وتلك التي سبقتْها في الأعوام 1991 و1995 و1999 و2009، إلى تآكلِ شرعية النظام الإيراني، وتفاقمِ الأزمات الهيكلية الداخلية، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تدللُ على إخفاق "النموذج الإيراني".
وتعاني إيران من ثلاث أزمات مركبة ومتداخلة: أزمة الهوية، وأزمة بناء الأمة-الدولة، وأزمة نموذج بناء القوة. ولا يمكن التوصل إلى فهم دقيق لإيران دون تفكيك هذه الأزمات البنيوية التي تحكم نظرة النظام إلى نفسه وإلى العالم.
ولعلّ أحد مظاهر الأزمة الهيكلية في إيران، حالةُ التصارع بين مراكز القوة المتعددة في النظام، والتضارب في المصالح بين أركانه؛ ومن ذلك التنافس بين مؤسسات الثورة، ومؤسسات الدولة؛ فمؤسسة رئاسة الجمهورية، ممثلةً بحكومة حسن روحاني، تعبّر عن توجهات تكنوقراطية حداثية، وتسعى إلى إعادة انخراط إيران في العالم، وهو ما يتناقض مع توجهات "الحرس الثوري".

تعاني إيران من ثلاث أزمات مركبة ومتداخلة: الهوية وأزمة بناء الأمة-الدولة وأزمة نموذج بناء القوة

وتنعكس أزمة النظام الداخلية، وحالة الصراع بين تياري الدولة والثورة، على السياسة الخارجية التي تتسم بالتناقض والتعقيد؛ ففي السنوات الأخيرة تراجع دور وزارة الخارجية في صنع هذه السياسة، ودخل "الحرس الثوري" كطرف فاعل فيها، وهيمن على ملفات إقليمية (كالعراق وسوريا ولبنان واليمن)، ومن تداعيات هذه الازدواجية في مراكز اتخاذ القرار بين مؤسسات الثورة والدولة غياب ثقة الدول بالحوارات والتفاهمات والاتفاقيات مع الحكومة الإيرانية.
لقد مثّلت الاحتجاجات الأخيرة تجلياً لمركب الأزمات في إيران، وبيّنت خطأ كل الرهانات على أنّ حل أزمة الملف النووي ستتبعه بالضرورة حلول لأزمات إيران الداخلية، وأنّها ستساهم بإعادة رسم المشهد الداخلي نحو الاعتدال والانخراط البناء مع النظام الدولي، وبرأيي أن كل تلك الافتراضات كانت مُسيّسة وموجهة، وبعيدة عن واقع المشهد داخل إيران؛ لأنّ أزمة النظام الإيراني أزمة بنيوية تكمن في منظوره لنفسه وللعالم.

عنف إيران ليس إلا تضخماً لأزمة داخلية

كيف تنعكس أزمات النظام الإيراني الداخلية على سياسته الخارجية؟ وهل يتأثر الداخل الإيراني بالصراعات الطائفية التي يخوضها النظام إقليمياً؟

هناك علاقة تبادليّة بين سلوك إيران الخارجي وأزمتها الداخلية، فكما يجب النظر إلى سلوك إيران الخارجي على أنه انعكاس لـ"أزمة الهوية والنموذج"، ليس من شك في أن صراعات الإقليمية، وبخاصة الصراعات ذات الصبغة الطائفية منها، كان لها انعكاساتها الداخلية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بما يعمق هذه الأزمة؛ وصحيحٌ أن اقتصاد إيران لم يدخل مرحلةً حرجةً بعدُ بسبب مواردها الغنية، لكنّ كُلفة الصراعات الإقليمية تمنع رخاءها الاقتصادي، وتُضعِف قُدرتَها على إرضاء الغاضبين والمهمّشين في الداخل، وهم كثيرون.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: الإسلام السياسي دمر مفهوم الوطن بشعارات دينية جياشة
وبالنتيجة يمكن القول إنّ سياسات إيران الخارجية لا تخدم بالضرورة الاستقرار الداخلي الذي تقول قيادتها السياسية إنّه يتعرّض للتهديد، وإنّها تريد أن تدافع عنه، ولا شكّ أنّ الاستقرار شرط أساسي لتحقُّق الازدهار الاقتصادي سواء في إيران أو غيرها.
في المقابل، على الرغم من كل الأزمات التي يمرّ بها النظام الإيراني والاحتجاجات المتتالية التي شهدها، إلّا أنّه يملك قدرة على البقاء والتحايل على تلك الأزمات، لأسباب موضوعية عدة، أهمها وجود إرادة هائلة لدى النظام للقمع، وتطوير قدرته على ممارسة هذا القمع، وعدم وجود انشقاقات جذرية داخل طبقة الحكم، فضلاً عن غياب الدعم الخارجي لأيّ تغيير داخلي.
ويزدادُ التحالف الحاكم المكوّن من مؤسسة "بيت القائد"، ومؤسسة "الحرس الثوري" سطوةً، مع سيطرته على كل مفاصل البلاد العسكرية والاقتصادية والمالية والإعلامية، فضلاً عن حالة التمدُّد الإقليمي للنظام، ومع ذلك فهذا لا يعني أن إيران أضحت أكثر قوة أو منعة.. لقد أثبت التاريخ أنّ هذا النوع من الأنظمة لديه قابلية للانهيار بشكل دراماتيكي ومفاجئ جداً في أحيان كثيرة.

لو ابتعدنا عن إيران قليلاً، لا تنفك وسائل إعلام مختلفة وسياسيون من بعض الدول يلوحون بـِ"صفقة القرن" ويربطون دولاً عربية بها، ما رأيك؟
لا شكّ بأن هناك إرادة أمريكية صلبة، وموافقة ضمنية من القوى الدولية الكبرى، على حفظ التفوُّق (الإسرائيلي) في الإقليم، وأيُّ طرف إقليمي يسعى إلى تغيير هذا الوضع، سيحتاجُ إلى كسر هذا الإجماع أولاً، وهو ما لم يتحقق لغاية الآن. ولا توجد مؤشرات على إمكانية تحقُّقه في المدى القريب. هناك من يذهب إلى الاعتقاد أنّ المنظومة العربية التي عرفناها بعد الحرب العالمية الثانية في طور التلاشي والزوال، وأنّ هناك "شرق أوسط جديداً" بدأ يتشكل وفق مفاهيم جديدة؛ ولذلك فإنّ أيّ حلول في ظل هذا الاختلال الكبير في موازين القوة لن تكون "عادلة بما يكفي" لاستدامتها، كما أنّ الأطراف التي يُعتقد أنّها معنية بتوقيع هذه الصفقة المزعومة تفتقر إلى الكفاءة أو الجاهزية للوصول إلى مثل هذه الصفقة.

تنعكس أزمة النظام الإيراني الداخلية على السياسة الخارجية التي تتسم بالتناقض والتعقيد

أزعم أنّه لا يمكن التوصل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية في عهد إدارة ترامب لأسباب عدة؛ أهمها الأزمات الداخلية التي يعاني منها أطراف الصفقة المفترضة؛ فالإدارة الأمريكية الحالية مأزومة في الداخل الأمريكي، وغير قادرة على فرض حلول قاسية على إسرائيل، كما أنّ نتنياهو يواجه أزمته الداخلية هو الآخر، وكذلك الأطراف العربية، فهي في وضع هشّ، لا يسمح لها بتاتاً بتقديم تنازلات بحجم "صفقة قرن" أو إلزام الشارع العربي بها.

كيف تقرأ الواقع العربي حالياً؟ وهل ثمة حلول ممكنة في المدى المنظور بخصوص الأزمتين السورية واليمنية؟
هناك متغيرات مهمة في الإقليم؛ لاعبون دوليون جدد في المنطقة، فروسيا أصبحت لاعباً ذا أهمية كبيرة في الشرق الأوسط، ولم تعد الولايات المتحدة ساذجة فيما يخص إيران بعد ذهاب إدارة باراك أوباما.. اليوم أمريكا أكثر دهاء، وفاعلية، وجرأة في المنطقة، وأيضاً أكثر انحيازاً للقراءة (الإسرائيلية) للمشهد. وإيران باتت في حالة ضعف مقارنةً بما كانت تشعر به من قوة على المسرح العالمي، بصرف النظر عن تشنجات زعمائها وتصريحاتهم النارية. (إسرائيل) أيضاً لديها مشكلاتها وإن كانت تبدو في وضع أفضل، لعل أحد أهم إشكالات المنطقة تتعلق بالافتقار إلى "نموذج" جاذب للعيش، أو قابل للاستمرار. المشاريع الإقليمية المتناحرة كلها مأزومة داخلياً فضلاً عن أن تكون قابلة للتصدير خارجياً.

على قطر أن تعيد تعريف دورها في المنطقة والعالم العربي حتى لا تقف في وجه التضامن العربي

ووفقاً للمحددات التي أشرت إليها في إجاباتي السابقة، يمكن القول إنّ مستقبل علاقات التعاون والتنافس، أو الصراع بين الأطراف الإقليمية، تحكمه نتائج "طموحات غير واقعية" لبعض القوى الإقليمية، وبالتالي فإن الطرف الذي يمتلك واقعية وبراغماتية أكثر، وغروراً وأيديولوجيا أقلّ، هو الذي سوف يستمرّ في المنطقة، دون إغفال أهمية عناصر القوة والضعف الذاتية. ويمكن القول إنّه أمام دول "محور الاعتدال العربي" فرصة تاريخية حقيقية للتوسُّع في بناء القوة واستدامتها، وبالتالي منافسة المشاريع الإقليمية الأخرى بقدر أكبر من القوة والفاعلية.

اقرأ أيضاً: الإدريسي: لن تهدأ المنطقة إلا بإسقاط المشروع الإخواني الأردوغاني

للمشاركة:



انتهاكات إيرانية جديدة في القطاع النووي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

أعلنت هيئة الطاقة النووية الإيرانية؛ أنّها الآن في وضع يسمح لها بتخصيب اليورانيوم إلى درجة لا حدود لها.

وقال نائب رئيس الهيئة، علي أصغر زاريان، أمس: إن ّ الهيئة ستقوم بتخصيب اليورانيوم بلا حدود، إذا أعطت القيادة السياسية الضوء الأخضر لذلك"، وفق ما نقلت الوكالة الألمانية عن وكالة "إيرنا" الإيرانية.

وأضافت الوكالة: "الهيئة تنتج حالياً جيلاً جديداً من أجهزة الطرد المركزي تسرع عملية التخصيب بصورة هائلة، وتقوم منذ فترة باختبار أجهزة الطرد المركزي".

هيئة الطاقة النووية الإيرانية تعلن أنّها مستعدة لتخصيب اليورانيوم إلى درجة لا حدود لها

وكانت إيران قد قررت، تخصيب اليورانيوم بلا قيود، في خامس خطوات تخفيض التزاماتها، المنصوص عليها ضمن الاتفاق النووي المبرم مع قوى عالمية عام 2015.

وقالت حكومة الرئيس حسن روحاني، في بيان: "هذه الخطوة هي آخر خطوات تخفيض الالتزامات النووية، التي بدأتها طهران في أيار (مايو) الماضي، ولن نضع قيوداً على عمليات تخصيب اليورانيوم بعد الآن".

وذكر البيان الذي أوردته وكالة "تسنيم"؛ أنّ الخطوة الخامسة تنهي أيضاً القيود التي فرضها الاتفاق النووي على مستوى الاحتفاظ بالمواد النووية المخصبة، وكذلك البحث والتطوير نووياً.

ولفت البيان إلى أنّ هذه الخطوة بمثابة مفتاح للقيود التشغيلية المفروضة في الاتفاق النووي الإيراني، الموقَّع قبل 4 أعوام، وذلك بدعوى الردّ على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وإعادة فرضها عقوبات على طهران، في أيار (مايو) ٢٠١٨.

كما رأى البيان؛ أنّ إيران مستعدة للتراجع عن خفض التزاماتها النووية في حال رفعت واشنطن العقوبات المفروضة عليها منذ العام الماضي.

هيئة الطاقة النووية تنتج حالياً جيلاً جديداً من أجهزة الطرد المركزي لتسريع عملية التخصيب

ويلزم الاتفاق النووي المبرم بين إيران ومجموعة دول "5+1" في العاصمة النمساوية فيينا، الموقّع في حزيران (يونيو) عام 2015، طهران بتقليص مخزونها من اليورانيوم المخصب المستخدم في صنع وقود المفاعلات النووية وأسلحة الدمار الشامل، في غضون مدة تصل لنحو 15 عاماً، وتخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي لديها لـ ١٠ أعوام.

ودخل النظام الإيراني مرحلة جديدة من الانتهاكات النووية، في أيار (مايو) 2019، بدعوى مرور عام على انسحاب الولايات المتحدة أحادياً من الاتفاق النووي المثير للجدل.

ولم يصدر أيّ تعليق عن الدولة الأوروبية، المتشبثة بالاتفاق النووي مع إيران، على اانتهاكها كلّ يوم لبنود ذلك الاتفاق.

 

 

 

 

 

للمشاركة:

هل نجح الصدر في اختراق الحراك العراقي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

أثار قرار الزعيم الشيعي، مقتدى الصدر، بسحب أنصاره من مظاهرات العراق الكثير من ردود فعل الغاضبة من قبل المحتجين؛ حيث هاجمت اللجنة التنسيقية للتظاهرات في العراق، أمس، موقف الصدر بسحب انصاره من ساحات التظاهر في بغداد والمحافظات ووصفته "بالخزي والخيانة".

وذكر بيان للجنة المركزية العليا لتنسيقيات احتجاجات العراق؛ أنّ "مقتدى يغدر بالأحرار"، مضيفاً: "لم نخرج بفتوى دينية، ولم نخرج بتغريدة صدرية، فلا يراهن مقتدى وأنصاره على نفاد صبرنا ونهاية ثورتنا"، وفق ما نقلت وكالات أنباء محلية.

متظاهرون يهاجمون الصدر بسبب سحب أنصاره من ساحات التظاهر ويصفوه "بالخزي والخيانة"

وجاء في البيان: "نحن باقون في الساحات حتى تحقيق أهداف الثورة، ولن نخذل دماء الشهداء، ولن يكونوا ورقة على طاولة المتاجرة السياسة كما فعل الصدر"، وجاء فيه أيضاً: "ما فعله هو خزي وخيانة للثوار وسيكون ثمنه رئاسة الحكومة القادمة، كما وعدته إيران".

من جانبهم، توقّع نشطاء في الحراك الشعبي في السابق أن يتراجع مقتدى الصدر عن مواقفه، التي ادعى فيها دعمه للمحتجين؛ حيث ظهر أنّ تلك الدعوات محاولة لاختراق الحراك من الداخل ما يصبّ في النهاية في مصلحة ايران.

والتقى الصدر في الفترة الأخيرة بقيادات إيرانية عديدة، في مؤشر واضح إلى وجود تقارب بين التيار الصدري والسلطات الإيرانية التي تدعم طبقة سياسية متهمة بالفساد.

نشطاء توقعوا بأن يتراجع الصدر عن مواقفه الداعمة للمحتجين مؤكدين أنّه حاول اختراق الحراك لمصلحة ايران

وكان الزعيم الشيعي، مقتدى الصدر، قد أعطى الأوامر لأنصاره بمغادرة ساحات التظاهر في بغداد والمحافظات؛ مما سهل على القوات العراقية اقتحام ساحات التظاهر وإحراق خيم الاعتصام، وتفريق المتظاهرين واعتقال عدد منهم.

وقد نزل الآلاف من أنصار التيار الصدري في مسيرة في بغداد، الأول من أمس، للضغط من أجل إخراج القوات الأمريكية من العراق، وسط دعم من الميليشيات الموالية لإيران، في وقت هتف فيه المحتجون ضدّ الصدر، على خلفية تقربه مؤخراً من تلك الفصائل وعدم انتقاده للتدخلات الإيرانية.

 

 

للمشاركة:

وثائق سرية تكشف علاقة أردوغان بتنظيم القاعدة في ليبيا.. هذا ما ورد فيها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

كشفت وثائق استخباراتية جديدة، نشرها موقع "نورديك مونيتور" السويدي، وجود علاقة أنقرة بتنظيم القاعدة الإرهابي.

وأوضحت الوثائق السرية، مشاركة مجموعة بن علي الجهادية، بقيادة الليبي المتشدد المقرّب من تنظيم القاعدة، عبد العظيم علي موسى بن علي، في نقل المقاتلين الأجانب والأسلحة من ليبيا إلى سوريا عبر تركيا، حسبما نقلت صحيفة "العرب" اللندنية.

وعمل قائد مجموعة بن علي مع فداء المجذوب، الذي كان على اتصال مع مستشاري أردوغان السابقين، إبراهيم كالين (المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الآن)، وسفر طوران (كبير المستشارين الرئاسيين الآن)، أثناء تنظيم سفر المقاتلين الأجانب وتزويدهم بالأسلحة.

وكان مدير موقع "نورديك مونيتور"، عبد الله بوزكورت، قد تحدث، في نيسان (أبريل) الماضي، خلال جلسة عقدها البرلمان الهولندي في لاهاي، عن دعم أنقرة للجماعات الإرهابية المتطرفة بما في ذلك تنظيم القاعدة وداعش في سوريا والعراق وعدد من دول البحر المتوسط، من خلال تزويدها بالأسلحة والأموال، وتقديم الدعم اللوجستي لها.

وقال بوزكورت: "أردوغان اتبع سياسة خبيثة تقوم على التحذير من التهديد الإرهابي، حيث استخدم المخاوف كورقة ضغط ومساومة في أيّة مفاوضات دولية عن أنقرة وحلفائها وشركائها"، وتابع: "سيكتشف أولئك الذين يتابعون العمليات الإرهابية الكبرى التي يشنها تنظيم داعش في أوروبا وآسيا؛ أنّ معظم المهاجمين والمفجرين الانتحاريين قضوا بعض الوقت في تركيا".

تقرير استخباراتي جديد يكشف علاقة تركيا ببعض القيادات الإرهابية المقربة من تنظيم القاعدة

وبحسب ما جاء في التقرير، الذي نشره "نورديك مونيتور"، بتاريخ 20 كانون الثاني (يناير) 2020، تولّت مجموعة بن علي استقبال المقاتلين الأجانب القادمين من ليبيا، ونقلهم إلى مقاطعة هاتاي التركية الواقعة على الحدود مع سوريا، والاتصال بعائلاتهم إن لزم الأمر.

كما تضمن تقرير الشرطة وثائق سرية من جهاز المخابرات الوطني التركي، فيها معلومات عن علاقات تنظيم القاعدة في ليبيا بتركيا، والتي ترجع إلى تموز (يوليو) 2012.

ووفق التقرير؛ كان بن علي يعمل بمساعدة جهادي ليبي آخر يدعى المهدي الحاراتي.

 ويذكر أنّ الحاراتي كان من بين المتطوعين الذين كانوا على متن سفينة مساعدات إنسانية تركية، كانت متوجهة إلى غزة قبل أن تتعرض إلى هجوم إسرائيلي، عام 2010. ونُقل إلى أحد المستشفيات التركية، وقد زاره أردوغان، وتوثّق صورة متداولة على شبكة الإنترنت هذا اللقاء، ويظهر فيها الحاراتي وهو يقبّل جبهة أردوغان.

بحسب التقرير، كان بن علي يعمل مع فداء المجذوب الذي تعاون مع عدد من مساعدي أردوغان، لتنسيق أنشطته غير القانونية مع حسين أوروك، الذي يترأس مجموعة خيرية تركية مثيرة للجدل (هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات)، ومنسق عمليات شرق الأناضول وجنوبه التابعة لهيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات صلاح الدين أوزر، وقائد الجيش السوري الحر، مالك الكردي.

وتُعرف هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات كأداة يوظفها جهاز المخابرات التركي، وساهمت الهيئة في نقل مقاتلي الدولة الإسلامية والقاعدة المصابين بسيارات إسعاف من سوريا إلى تركيا.

بوزكورت تحدث عن دعم أنقرة للجماعات الإرهابية المتطرفة بما في ذلك تنظيم القاعدة في سوريا والعراق وليبيا

ويذكر التقرير؛ أنّ روسيا قدمت تقريراً استخباراتياً يؤكّد ضلوع تركيا في دعم الجهاديين، إلى الأمم المتحدة، في 10 تشرين الثاني (فبراير) 2016، هذا إضافة إلى سرد العديد من الحوادث التي توضح كيفية تورط جهاز المخابرات الوطني التركي مع الجماعات الجهادية، وتولّى التقرير الروسي تفصيل أنشطة الحاراتي غير القانونية التي تمكن من تحقيقها بمساعدة جهاز المخابرات.

وجاء في التقرير: "في آذار (مارس) 2014، عمل رئيس جهاز المخابرات الوطني التركي، هاكان فيدان، على تنسيق نقل وحدة كبيرة تابعة لتنظيم داعش بقيادة الحاراتي، وهو مواطن ليبي، وجرى نقل المقاتلين من ليبيا إلى سوريا بحراً عبر المعبر الواقع على الحدود التركية السورية".

وأشار تقرير سابق نشره موقع "نورديك مونيتور"، عن علاقات تركيا بالجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، إلى اجتماع قيادتها مع قادة الجيش السوري الحر في إسطنبول، وعلى الحدود التركية السورية، عام 2011.

 

 

 

للمشاركة:



تركيا تُحوّل عفرين إلى ساحة للجريمة المُنظّمة والتطهير العرقي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

جنكيز أكتار

حلّت قبل أيام الذكرى الثانية لبدء احتلال عفرين. هذه المنطقة التي يعيش فيها شعب لم يُلحق أي ضرر بتركيا منذ اندلاع الحرب الأهلية في سورية عام 2011، لكنّها تعرّضت للعدوان من قبل تركيا نفسها.
إن الأنباء التي استطاعت أن تتسرب من المنطقة الخاضعة لتعتيم إخباري أنباء مخزية؛ فوفقًا للمعلومات التي يجمعها باستمرار المرصد السوري لحقوق الإنسان، ومقره لندن، تحولت عفرين الخاضعة لسيطرة تركيا إلى ساحة للجريمة المنظمة.
وعلى حين كان تعداد السكان الأكراد في المنطقة التي يعيشون فيها منذ تاريخ طويل 92 في المئة قبل الاحتلال، فقد أصبح اليوم 18 في المائة. صارت جرائم الغصب والسلب والنهب وطلب الفدية والابتزاز والاغتصاب والدعارة والضرب والقتل والدمار البيئي جزءًا من الحياة اليومية.
التطهير العرقي وإعادة تشكيل الديموغرافية السكانية والإبادة الجماعية الثقافية كلها تتنامى معًا، وبأقصى سرعة. وقد نشر بيان حول هذه الأوضاع المخزية الراهنة من قبل مركز معلومات روجافا.
بالطريقة نفسها، دعونا نختار بعض المعلومات الواردة في دراسة بعنوان "عفرين تحت السيطرة التركية: التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية"، نشرها في يوليو الماضي الباحث العربي السوري خير الله الحلو من جامعة فلورنسا الأوروبية. الأقسام الأربعة الرئيسية في هذه الدراسة كما يلي: "إنشاء نظام عسكري وأمني جديد"، و"إنشاء مؤسسات حكومية محلية جديدة وتكوين نخبة سياسية محلية جديدة"، و"التحول الديموغرافي"، و"تحول النظام الاقتصادي".
يصف الباحث الأعمال غير القانونية التي ذكرناها أعلاه بأنها "فوضى منضبطة". أي إن كل هذه الإجراءات، التي تُعتبر جريمة كاملة في أية دولة طبيعية، صارت شرعية في ظل عملية "غصن الزيتون" التركية، وأصبحت الوضع الطبيعي الجديد في عفرين.
دعونا ننظر إلى المؤسسات التي أرادت تركيا إقامتها بدلًا من الموجودة، وذلك من خلال تدميرها النظم العسكرية والأمنية القائمة: "قوة المهمات السورية"، وهي القوة التركية الأمنية الرئيسة التي تتكون من 12 وحدة في عفرين، وتُعرف محليًا باسم "القوات الخاصة التركية". غير أن هؤلاء الجنود مرتبطون بوحدات الأمن في أنقرة وأنطاكيا وعنتاب وكيليس وأضنة.
بالإضافة إلى ذلك، هناك وحدة القوات الخاصة السورية، والمعروفة باسم "الكوماندوز السوري"، والتابعة للاستخبارات العامة التركية، وتتألف من السكان المحليين. المهمة الرئيسة لكل هؤلاء الكوماندوز هي ملاحقة الأكراد ومضايقتهم. وبالإضافة إلى وحدات الكوماندوز، هناك جهاديون من الجيش السوري الوطني، يفترض أن يكون عددهم 15000. وخلال الأسبوعين اللذين أعقبا 23 مارس 2018، حيث تم احتلال المنطقة، تمنح تركيا اللصوص الحقَّ في نهب عفرين. وإلى جانب هذا الوجود العسكري هناك قوة شرطية تم تدريبها في تركيا، إلا أنه من غير الواضح كم يبلغ عددها.
ويبين الباحث أن الوضع في عفرين، على عكس ما هو موجود في المناطق السورية الأخرى الخاضعة للاحتلال التركي؛ حيث أن جميع الوحدات العسكرية والأمنية تقريبا تتألف من أشخاص ليسوا من عفرين، ولذلك بات التحكم فيهم والسيطرة عليهم أسهل. بينما الانتماء المحلي في المناطق الأخرى يمنع هذا التحكم الكامل.
أما بالنسبة لإنشاء مؤسسات جديدة للحكم المحلي وتكوين نخبة سياسية محلية جديدة، فإن عفرين ترتبط مباشرة بولاية أنطاكيا (هطاي)، والمسؤولون الأتراك في المحافظة هم الرؤساء الأساسيون للمجالس المحلية التي أنشئت هناك بعد الاحتلال. وعلى الرغم من أن المجالس المحلية تابعة للحكومة السورية المؤقتة، إلا أن أنقرة منعت تمثيل هذه الحكومة في عفرين، وفقًا لتعليمات روسيا.
توجد في المجالس المحلية مجموعة من الشخصيات المحلية، لم يُسمَعَ بأسمائها قط سابقًا، تتلقى التعليمات والأوامر من ممثلي تركيا تمامًا. لكن الأغلبية الساحقة في حكومة عفرين تتمثل في المدنيين والجنود الذين جُلبوا من خارج عفرين.
إن المنطقة التي قُصقص جناحاها اقتصاديًا بسبب احتلالها ونهبها يتم إبقاؤها على قيد الحياة عن طريق الموارد المنقولة من تركيا. وتعتبر "جمعية إدارة الكوارث والطوارئ التركية "آفاد" و"وقف المساعدات الإنسانية، والهلال الأحمر التركي، وجمعية أطباء عبر القارات من أجل الحياة العناصر الرئيسية لنظام المساعدات. إضافة إلى ذلك، من الضروري الإشارة لعدد قليل من منظمات المجتمع المدني السورية مثل "الأمين" التابعة مباشرة للإخوان المسلمين. منظمات المجتمع المدني هذه، التي تنشط أكثر في مجال الصحة والتعليم، هي أعضاء في نظام الصحة والتعليم الموجود على أنطاكيا.
ومن الناحية الإدارية، توفر أنقرة هنا المناهج التركية وشبكة الكهرباء والبريد والبرق وبنك الزراعة وجميع الخدمات التي يمكن تصورها كما هو الحال في مناطق الاحتلال الأخرى.
أما ما يجب مراعاته بشأن الهندسة الديموغرافية هو أن عفرين أراض كردية منذ زمن طويل جدًا، على عكس كذبة أنقرة بأنها "محتلة من قبل الأكراد". الاسم الآخر لعفرين هو "جبل الكرد" منذ عصور قديمة.
بالإضافة إلى القبائل الكردية الخمس الرئيسة في المنطقة، كان يعيش فيها غالبية السكان اليزيدين، والأكراد العلويون، والأرمن والسريانيون. أما الأقلية العربية فتتكون من عشائر بوبان والحميرات. هذه العشائر الرحل، التي جاءت هذه المنطقة الخصبة في وقت من الأوقات واشتغلت بتربية الحيوانات، تتحدث لغتين، ومتوافقة تمامًا مع الأكراد.
إدارة الاحتلال، التي تقضي على الأكراد والعناصر السكانية الأخرى في عفرين بإجراءات متنوعة، توطن مكانهم العائلات التي فرت من الغوطة الشرقية والعائلات الفارة من غيرها من المناطق التي خرجت عن سيطرة الجهاديين، وكذلك التركمان الذين لم يعيشوا في عفرين قط. وقد كان عدد هؤلاء 88000 لغاية شهر مايو الماضي.
اليوم، يقدر عدد من اضطروا للهرب من عفرين بـِ 300000 شخص، وبقي هناك نحو 50.000 كردي فقط، ومعظمهم من كبار السن. كما قامت إدارة الاحتلال بحظر بطاقات الهوية الممنوحة لهؤلاء السوريين الذين جُلبوا من خارج المنطقة، وذلك من قبل المجالس المحلية حتى مايو 2019، والتي كانت تُسجل فيها الأماكن التي أتوا منها. الهدف واضح، إنه البقاء الدائم في عفرين!
وعلى حين كان خمسة وسبعون في المائة من سكان عفرين يشتغلون بزراعة الزيتون بشكل كبير من الناحية الاقتصادية منذ القدم، تراجع هذا النشاط بدرجة كبيرة نتيجة الاحتلال. وقد وردت أخبار في الصحف الدولية بأن شركات تركية باعت في الأسواق الأوروبية عام 2018، بحوالي 70 مليون يورو من زيت الزيتون المسروق من عفرين. ولا شك أن هذه البضاعة الرابحة لا تزال مستمرة هذا العام أيضًا.
لقد ظهر تجار ووسطاء جدد في صناعة زيت الزيتون؛ السمة المشتركة بينهم هي الانتهازية والتعاون مع قوات الاحتلال. والبنية التحتية الصناعية المحدودة لعفرين، والتي تضررت في الحرب، قد أغرقت بالمنتجات المتدفقة من تركيا، تماما كما هو الحال في شمال قبرص.
بالطبع، يجب أن يُضاف إلى هذه التبعية الاقتصادية قطاع الإنشاءات أيضًا، المجال الوحيد الذي تعرفه أنقرة جيدًا؛ فأعمال رئاسة إدارة الإسكان الاجتماعي التركية تتقدم بسرعة هناك كي يتم توطين عشرات الآلاف من العرب والتركمان الذين ينتقلون إلى المنطقة.
خلاصة القول، توجد في عفرين أيضًا نفس الممارسات الاستعمارية التي في مناطق الاحتلال الأخرى. تركيا تمارس سياسة المستعمرات عيانًا بيانًا على المناطق المحتلة، وتسير دون فتور ولا توانٍ في الطريق الذي تحفظه وسبق أن رسمته. وخلافًا للمستعمرات تجهز البنية التحتية في تلك المناطق ليتم ضمها إلى تركيا عبر تتريكها، وإقامة جدار بين عفرين وباقي سورية بقدر المستطاع. ويحظى هذا المخطط بدعم كامل من الخارج، أما من الداخل فلا أحد يهتم بذلك.

منذ أيام أيضا كانت الذكرى الثالثة عشرة لمقتل هرانت دينك. ولم تتحقق العدالة بعد، لقد تأخرت. كانت دعوة هذا العام هي "لم يفت الأوان بعد من أجل الخجل".
دعونا نكرر الدعوة للخالق إزاء كل الوحشية والاضطهاد الذي تمارسه حكومة أنقرة في عفرين. ودعونا لا ننسى أنه إذا كانت دوامة العنف الدفين التي عصفت مع قتل هرانت تستطيع أن تلف البلاد وجيرانها اليوم بهذه السهولة؛ فذلك لأن جذورها تمتد إلى اقتلاع شعب هرانت من تلك الأرض. أجل، لم يفت الأوان بعد من أجل الخجل!

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

من يتحرك لمحاكمة أردوغان والسراج بعد تجنيد المرتزقة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

محمد طعيمة

قانونيا وأخلاقيا.. وسياقا عالميا، شبكة اصطياد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس حكومة الوفاق (كراغلة ليبيا)، فائز السراج، جاهزة لمحاكمتهما بتهمة تجنيد مرتزقة، في انتظار من يملك إرادة تحريك الأدوات.

الأساس القانوني للأدوات رسخته قواعد القانون الدولي عبر أكثر من قرن، أولاها اتفاقية لاهاي الخامسة لعام 1907، المتعلقة بحقوق وواجبات الدول المحايدة والأشخاص المحايدين في حالة الحرب، حيث نصت مادتها الرابعة على أنه «لا تشكل هيئات مقاتلين ولا تفتح مكاتب لتوطينهم على أرض دولة محايدة لمساعدة المتحاربين». ورغم تجاهل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 للجريمة، إلا أنها تداركت فجوتها القانونية في ملحقها الأول عام 1977.

وكان الاتحاد الأفريقي، الذي تخضع ليبيا لولايته الجغرافية، الأسبق في إقرار اتفاقية خاصة بمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، عام 1977 لتدخل حيز النفاذ عام 1985. وبعد أربع سنوات أقرت الأمم المتحدة اتفاقية مماثلة تغطي العالم كله. وضمن الأدوات.. القانون الدولي الإنساني، كنظام الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر وأقرانه.

وتنص المادة الثانية من الاتفاقية الدولية، الأشمل، على أن “كل شخص يقوم بتجنيد أو استخدام أو تمويل أو تدريب المرتزقة، وفقا لتعريف المادة (1)، يرتكب جريمة في حكم هذه الاتفاقية”. وسبقتها الديباجة مشددة على “أن أي شخص يرتكب أيّا من هذه الجرائم ينبغي إما أن يُحاكَم أو يُسلّم”، وعلى إلزامية “تعزيز التعاون الدولي في ما بين الدول لمنع هذه الجرائم وملاحقتها قضائيا والمعاقبة عليها”.

والتعريفان للمادة الأولى من الاتفاقية الدولية، وكذلك الأفريقية، يتماهيان مع تعريف البروتوكول رقم 1 من الملحق الأول لاتفاقيات جنيف، الذي سبقهما إلى تعريف المُرتزق بأنه: (أ) يجند خصيصا محليّا أو في الخارج. (ب) يشارك مباشرة في الأعمال العدائية. (ج) حافزه للاشتراك في الأعمال العدائية الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويُبذل له فعلا من قبل طرف في النزاع أو نيابة عنه وعد بتعويض مادي يتجاوز ما يوعد به المقاتلون في القوات المسلحة لذلك الطرف أو ما يدفع لهم. (د) ليس من رعايا طرف في النزاع أو متوطنا بإقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع. (هـ) ليس فردا من القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع. (و) ليس موفدا من قبل دولة ليست طرفا في النزاع بوصفه فردا في قواتها المسلحة.

وتجمع القواعد القانونية الدولية على حرمان المرتزقة من حقوق المقاتلين وأسرى الحرب، وإن أقرت لهم، وهذا طبيعي، بحق العلاج إن كانوا جرحى وضمان المحاكمة العادلة.

وتتوالى أحكام الاتفاقيات مضيفة للتجريم والعقاب الشركاء ومجرد فعل الشروع في الجريمة، وأن “تعاقب الدول الأطراف على الجرائم المنصوص عليها بعقوبات تأخذ في الاعتبار الطابع الخطير لهذه الجرائم”. وتلتزم الدول كافة بـ”اتخاذ جميع التدابير، كل في إقليمها، لمنع التحضير لارتكاب تلك الجرائم داخل أقاليمها أو خارجها، بما في ذلك التشجيع أو التحريض أو تنظيمها أو الاشتراك في ارتكابها”، سواء بريا أو بحريا أو جويا، وإبلاغ المنظمة الأممية، والاتحاد الأفريقي، إذا كان “لديها سبب يحملها على الاعتقاد بأن جريمة من الجرائم المنصوص عليها قد ارتكبت أو ترتكب أو سترتكب”.

ويصل التشديد القانوني الدولي إلى حد إلزام الدول بـ”إقامة ولايتها القضائية على الجرائم المنصوص عليها (..) في حالة وجود الشخص المنسوب إليه ارتكابها في إقليمها”.. “سواء ارتكبت الجريمة أو لم ترتكب في إقليمها”، وأن تحل الاتفاقية محل اتفاقيات تبادل المجرمين، حال عدم وجودها، فيما يتعلق بجرائم المرتزقة، وأن تختص محكمة العدل الدولية، توازيها المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بالفصل في أي نزاع ينشأ بين دولتين أو أكثر حول تفسير أو تطبيق الاتفاقية.

من حيث الوقائع المادية، وقبل ليبيا، لتركيا تسع سنوات على الأقل عملت خلالها على توظيف المرتزقة في سوريا والعراق، وإن برعاية غربية، وعربية جزئية.

لم يتجاوز عدد الأجانب في أفغانستان، طوال 14 عاما، خمسة آلاف، حسب مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، (مايو 2014). لكن نظرة بسيطة على منافذ اختراق حدود “الهلال الخصيب” تكشف أن أنقرة، مررت ما بين 20 ألفا وفق بي.بي.سي (2 أغسطس 2015)، و30 ألفا حسب دراسة للكونغرس (29 سبتمبر 2015)، أو “أكبر حشد للمقاتلين الإسلاميين الأجانب في التاريخ”، كما قال توماس هيجهامر، المدير بمؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية. ووثائق تسليح أردوغان لداعش مسجلة بالصوت والصورة، وبحمايته له ولقرنائه، حتى الآن في إدلب.

في ليبيا، لم يعد اتهام تجنيد تركيا للمرتزقة، هذه المرة بمشاركة فريقها من الكراغلة، يحتاج إلى إثبات، لتواتر التقارير الإعلامية والاستخبارية. وتتناغم الأدلة التي نشرتها الغارديان والمرصد السوري لحقوق الإنسان، لإثبات أركان الجريمة وفق تعريف القانون الدولي. مرتزقة أجانب مقابل مغانم مالية ووعد بالجنسية التركية. والوقائع المرصودة تصل بالعدد إلى ستة آلاف يفترض أن ينضموا إلى ميليشيات الوفاق، وصل 2400 منها حتى 17 يناير الجاري، وتحت التجهيز 1700 في معسكرات جنوب تركيا.

وتتولى شركة صادات للاستشارات الدفاعية الدولية، التي يديرها العميد المتقاعد عدنان تانري فردي، القيادي في حزب العدالة والتنمية التركي، اختيار وتدريب وتوريد المرتزقة لحساب حكومة فائز السراج، وفق عقود، قالت الغارديان والمرصد السوري، إنها مكتوبة! وبدأت نشاطها آخر فبراير 2012، مع بواكير تدويل الحرب على سوريا.

صحيح أن اتهامات تجنيد المرتزقة تطول كافة نزاعات الشرق الأوسط، لكن الاتهام الأساسي للجيش الوطني الليبي، وفق المزاعم القطرية والتركية بالاستعانة بمرتزقة سودانيين من “قوات الدعم السريع”، هدمته الأمم المتحدة بإعلان لجنة خبرائها، في 20 يناير 2020، غياب أي أدلّة موثوقة تثبت صحة الاتهام، والأهم اعتراف الطرف الآخر، أردوغان والسراج، مرارا، بتجنيدهما للمرتزقة.

جريمة أردوغان لن تقف، حسب ما صرح به هو نفسه، عند ليبيا ومحيطها. فبعد تهديده في مقال نشرته مجلة بوليتيكو، (18 يناير 2020)، لأوروبا بأن المنظمات “الإرهابية” (التي جندها وأرسلها!) ستجد طريقها للقارة العجوز إذا سقطت حكومة الكراغلة، كشف المرصد السوري، في 20 يناير الجاري، أن 17 مقاتلا سوريا وصلوا إيطاليا بدلا من ليبيا وتواصلوا مع أقارب لهم هناك، وأن آخرين وصلوا الجزائر ولم تتحدد وجهتهم.. أوروبا أم ليبيا.

بالتوازي، تباهى أحمد كرمو الشهابي، القيادي في “الجيش الوطني السوري” العميل لأنقرة، على قناة Akit tv التركية، في 19 يناير 2020، قائلا “سنقدم أرواحنا فداء للخلافة العثمانية، مستعدون للجهاد في أي مكان، لن نتوقف”. وردا على سؤال المذيع “هل سترسلون مقاتلين إلى ليبيا؟” أجاب “إن شاء الله، وحين نتخلص من ظلم الأسد، سنتوجه لمحاربة الظلم أينما وجد، وكما سنتخلص من قمع الأسد، سنخلّص أخوتنا في تركستان من القمع”.

من العراق وسوريا إلى ليبيا ومحيطها، إلى أوروبا والصين! جنون متوهم الخلافة العثمانية تجاوز كل الأسقف. وأركان الجريمة ثابتة وعلنية، فمن يشد خيوط شبكة اصطياده لمحاكمته دوليا

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

يقظة أمنية ووعي شعبي.. فشل دعوات الإخوان للفوضى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

رشا عمار

فشلت آلة التخريب الإخوانية في مصر في تحقيق مآربها بنشر دعاوى الفوضى والتخريب في ربوع البلاد، بفضل يقظة الأجهزة الأمنية ووعي الشعب المصري.

وعلى مدار ست سنوات لم تتوقف خلالها محاولات التنظيم الإرهابي لبث الفوضى بالداخل المصري، واستغلال الأحداث لإعادة الجماعة المطرودة بأمر الشعب إلى المشهد السياسي. 

وبالتزامن مع ذكرى أحداث الخامس والعشرين من يناير، سعت الجماعة الإرهابية بكل قوة لاستعادة أجواء الفوضى لخدمة مصالحها والضغط على المصريين، أملا في العودة.

ويقول مصدر أمني مصري إن بلاده رصدت تحركات لعناصر إخوانية موجودة بالخارج تحاول تقويض حالة الاستقرار التي تشهدها مصر حاليا.

وأوضح المصدر الذي تحدث لـ"العين الإخبارية"، شريطة عدم ذكر اسمه، أن الجماعة حاولت خلال الفترة الماضية تغيير مخططاتها، بالاعتماد على تسييس المطالب الاقتصادية لبعض الفئات، وتحويلها إلى أزمات من خلال نشر الشائعات وقلب الحقائق باستخدام عشرات اللجان من عناصر "الذباب الإلكتروني".

وتابع المصدر أن الجماعة دشنت صفحات عدة لاستقطاب الشباب على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تحمل أسماء ليس لها أي صلة بالتنظيم مثل صفحتي "الجوكر، الحركة الشعبية، الثورة المصرية، الحراك الثوري".

وكلفت الجماعة الإرهابية، حسب المصدر، شباب التنظيم باستقطاب أكبر عدد من الشباب خاصة ممن يعانون من أوضاع اقتصادية غير مستقرة، ودعوتهم للمشاركة في المظاهرات.

وكشفت وزارة الداخلية المصرية، في بيان لها، الأسبوع الماضي، مخطط الجماعة لإثارة الفوضى بالبلاد بالتزامن مع ذكرى 25 يناير، يدار من تركيا.

وأكد البيان أن العناصر مهمتها استقطاب وفرز العناصر المتأثرة بتلك الدعوات يعقبها ضمهم لمجموعات سرية مغلقة على تطبيق "تليجرام" تتولى كل منها أدوارا محددة تستهدف تنظيم المظاهرات وإثارة الشغب وقطع الطرق وتعطيل حركة المواصلات العامة والقيام بعمليات تخريبية ضد منشآت الدولة".

وأقر الإرهابي سامي جمال جاد الرب، أحد عناصر الخلية، بأنه تلقى تعليمات هو ومجموعته من قيادات الإخوان الموجودة في تركيا، بالتحرك على مواقع التواصل الاجتماعي، استعدادا للنزول في مظاهرات يوم 25 يناير المقبل، وبدأت بالفعل استقطاب الشباب من خلال صفحة الحركة الشعبية على "فيسبوك".

وأضاف، خلال اعترافاته أمام النيابة المصرية، أن الصفحة الشعبية هي من صنع الإخوان، ويدخل عليها الشباب والمهتمون، وتم تكليفنا بالدخول عليها واختيار الشباب الذين يتأثرون بالكلام السلبي الذي يتم ترويجه عن أوضاع البلد ونبدأ في ضمهم إلى مجموعات أخرى على موقع "تليجرام".

ويواصل في اعترافاته: "نقوم بتقسيمهم إلى مجموعات ونحدد هدف ودور كل شخص فيهم في حالة نزولنا للشارع في يناير، فهناك مجموعة تكون مسؤولة عن قذف الحجارة، ومجموعة تقوم بقطع الطرق، ومجموعة تقوم بأعمال الشغب، وأخرى تقوم باستعمال أسلحة الخرطوش".

وأكد الإرهابي الإخواني أن دور جماعته في حالة النجاح يتم النزول للشارع والمشاركة وتوزيع الأموال والسيطرة على هذه المجموعات، وفي حالة الفشل وإلقاء القبض على أي منهم تضمن الجماعة عدم وقوع عناصرها في قبضة الأمن.

وشهدت مصر خلال السنوات الست الماضية موجة من أشرس موجات الإرهاب الإخواني، وجهت ضد الأشخاص والمؤسسات، وطالت يد الغدر المدنيين ورجال الأمن والقضاء، حتى الأطفال ومرضى السرطان الذين لم يسلموا من نيران التنظيم.

وخلال السنوات الماضية فشلت جميع دعوات التنظيم الإرهابي في دعوة المصريين للتظاهر.

ويرى المفكر الإسلامي المنشق عن التنظيم ثروت الخرباوي أن الجماعة تعيش حالة من الإفلاس الكبير، وهي غير قادرة على الحشد لثلاثة أسباب، الأول أنها فقدت السيطرة المركزية على قواعدها بعد أن تكشفت قيادات التنظيم أمام الشباب بعد وقائع الاختلاس والفساد المالي المتكررة، وعصيان الشباب لأي قرارات أو تعليمات تصدر عن الإدارة المركزية، وانشقاق المئات منهم خلال الفترة الماضية.

والسبب الثاني، بحسب حديث الخرباوي لـ"العين الإخبارية"، هو حالة الارتباك والانهيار التي يعيشها التنظيم الدولي بعد تساقط أوراقه في مصر وتونس، وفشل المشروع التركي "الأردوغاني" في تحقيق أهدافه، وتراجع شعبيته بشكل غير مسبوق في تركيا.

ويرى أن السبب الثالث في فشل قدرة تنظيم الإخوان على الحشد هو قدرة الأمن المصري على إحباط مخططات التنظيم الإرهابي كافة وتوجيه الضربات الاستباقية له، ووأد أي محاولة لإثارة الفتنة أو إشعال الأزمات.

ووصف الخرباوي دعوات الجماعة للتظاهر بأنها ضجيج خارجي ليس له أي تأثير على الأرض أو في الداخل المصري، وأن التنظيم يعاني من هشاشة كبيرة وفقدان تام لقدرته على توجيه قواعده وهو ما دفعه للدعوة للتظاهر من خلال وسائل الإعلام بشكل علني وهو ما يختلف مع قواعد العمل التنظيمي القائم على توجيه الأفراد عبر قنوات داخلية سرية.

ويرى المفكر الإسلامي أن تفكك التنظيم الهرمي المحكم هو أخطر ما يواجه جماعة الإخوان، لافتا إلى أنه: "عائق محوري أمام إمكانية التأسيس الثالث للتنظيم، بل يمثل عائقا أمام استمرارية الجماعة أصلا".

ويقول الخرباوي: "جماعة الإخوان الإرهابية فقدت صمام أمانها بعد انهيار مؤسسية التنظيم وفقد الثقة في قياداته".

وأضاف: "حاول القائمون على الأمور من إخوان مصر وأقرانهم بالتنظيم الدولي استعادة السيطرة على الأمور بكل الطرق لكنهم فشلوا، وبالتالي أصبحت الجماعة مختنقة بين قيادات غير معترف بشرعيتها وشباب لا يملكون سلطة أو شرعية، والطرفان منبوذان من المجتمع المصري".

واستطرد "التنظيم الدولي رغم محاولات قطر وتركيا المستميتة لتقويته يعاني حالة انهيار غير مسبوقة، لذلك أرى أن الجماعة لن تصمد أمام أزمتها وعاجلا ستعلن حل نفسها في مصر وربما تتبعها دول عدة، وليس أمامها خيار بديل".

واعتبر الخرباوي أن خطاب الجماعة الإعلامي موجه بشكل كبير لنساء التنظيم، لاستغلالهن بالعاطفة لتصدر مشهد المظاهرات، لأنهن ورقة رابحة للمتاجرة أمام المجتمع الدولي، كما أن الشباب والرجال أعلنوا العصيان على القيادة التاريخية للجماعة الإرهابية ولن يستجيبوا لدعوات الجماعة.

وأضاف "أما المصريون، فيعلمون ألاعيب الجماعة جيدا ولم يستجيبوا لأي دعوات سابقة ولن يحدث ذلك أبدا، لأنه من غير المعقول أن يتعاون المصريون مع من حمل السلاح في وجههم".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية