تفاؤل حذر: مستقبل العلاقات الإيرانية الأمريكية في ظل إدارة بايدن

تفاؤل حذر: مستقبل العلاقات الإيرانية الأمريكية في ظل إدارة بايدن

مشاهدة

23/11/2020

أحمد فاروق - مرفت زكريا

أدى تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية خلال رئاسة دونالد ترامب وتكثيف الضغوط الاقتصادية على الشعب الإيراني، إلى تزايد أهمية الاستحقاق الرئاسي الأمريكي بالنسبة لطهران؛ إذ كان يعتبر البعض هناك استمرار رئاسة ترامب عامل هام لتعزيز وتعميق الضغوط، بينما يقر البعض الأخر بأنه حتى مع مجيء رئيس ديمقراطي للولايات المتحدة الأمريكية، فلن يكون هناك أي تغير ملحوظ في سياسات واشنطن الخارجية  تجاه إيران، في حين يرى تيار ثالث بأنه من شأن مجيء مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية أن يؤدى لتخفيف حدة العقوبات بل ورفعها، فضلاً عن عودة واشنطن للاتفاق النووي مرة أخرى.

وعلى الرغم من إصرار إيران على أن فوز بايدن أو ترامب أي فارق بالنسبة لطهران، كشف استطلاع رأي في إيران عن متابعة ثلث الإيرانيين للانتخابات الأمريكية، وجاءت النتائج بتوقع 56.6% من الشريحة المتابعة للانتخابات بفوز دونالد ترامب بدورة رئاسية ثانية، بينما اعتبر حوالي 36.7% من المواطنين الإيرانيين انتصار بايدن أفضل لإيران، مع إقرار 55% بأن نتيجة الانتخابات الأمريكية ستؤثر كثيرًا على الأوضاع في إيران (1).

ولا ينكر أحد في طهران تأثير العقوبات الأمريكية على الأوضاع الاقتصادية في البلاد، وانخفاض القوّة الشرائية للشعب خلال العامين الماضيين. كما أن الدولار الأمريكي في مقابل التومان الإيراني اتخذ منحًا تصاعديًا منذ فرض العقوبات الأميركية على إيران في أيار/ مايو 2018، إلى أن وصل إلى 16 ألف تومان في آذار/ مارس الماضي، ليستمر في الارتفاع رغم تدخل الحكومة وضخ النقد الأجنبي في السوق. الرئيس الإيراني حسن روحاني، أوضح أن بلاده خسرت 150 مليار دولار من الإيرادات، منذ أن انسحبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من الاتفاق النووي، وأعادت فرض العقوبات على اقتصادها، معترفاً بإضرار الإجراءات الأميركية بواردات البلاد من الأدوية وإمدادات الطعام.

كما انعكس الارتفاع في الأسعار هذا والأوضاع الاقتصادية على حالة الفقر في إيران، ووصل خط الفقر في إيران إلى 10 مليون تومان. في حين أن الضغوط الاقتصادية مثل الزيادة الكبيرة للتضخم، وانخفاض الدخل، وانخفاض القدرة على الشراء وزيادة الفقر من جانب، والتكاليف الناجمة عن تفشي فيروس كورونا المستجد من جانب آخر خلقت تحديات كثيرة أمام المواطن في إيران.(2)

ستلعب الطريقة التي تنظر بها إيران إلى نتيجة الانتخابات دورًا مهمًا في تحديد وضعها الأمني ​​في الأشهر المقبلة: سواء قررت تصعيد التوترات مع واشنطن أو عرض غصن زيتون إما على إدارة بايدن القادمة أو البيت الأبيض ترامب بتفويض جديد.

وعليه، على عكس المتوقع من الممكن أن فوز بايدن إلى زيادة الضغوط على الدولة الإيرانية، ولكن بطريقة غير مباشرة وهو الأمر الذي يتمثل في فرض المزيد من القيود على أنشطتها النووية ونفوذها في الإقليم، فضلاً عن اجبارها على إعادة الاندماج داخل المجتمع الدولى من حيث الانضمام للمؤسسات الاقتصادية الدولية.

أولاً: المكاسب الإيرانية بعد فوز الديمقراطيين

على الرغم من تصاعد الدعوات الإيرانية المعارضة للوجود الإيراني داخل الاتفاق النووي، إلا أنه من الواضح أن القيادة العليا في طهران قد اتخذت قرارها بالمزيد من الصبر الاستراتيجي والامتناع عن اتخاذ أي خطوة متسرعة تجاه الاتفاق لحين انتهاء الانتخابات الأمريكية المزمع عقدها في نوفمبر2020. ومن الواضح أن إيران ترغب في تجنب تهديد علاقاتها مع الدول الأوربية، والإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن (3).

 حيث ترى طهران أن فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن يعني بالضرورة إلغاء العقوبات التي فرضتها إدارة سلفه على إيران، بما يمهّد للعودة التدريجية للاتفاق النووي.  يتوازى ذلك، مع حضور العامل الإسرائيلي، الذي يعد بمثابة أهم العوامل التى من الممكن أن تدفع إيران إلى التعاون مع إدارة بايدن؛ حيث من المتوقع أن تساعد اتفاقات السلام الخليجية مع تل أبيب على سد القنوات المالية السرية وإعاقة بوابات الالتفاف التي تستخدمها السلطات الإيرانية للتهرب من العقوبات الأمريكية، الأمر الذي من شأنه أن يجعل استراتيجية الضغوط القصوى الأمريكية أشدّ قسوة على طهران.

 فلطالما كانت ترى إيران في العداء أو الانفصال بين العرب وإسرائيل بمثابة حصن جيوسياسي طبيعي يحمي المصالح الإيرانية الأساسية من الحملات العدائية الإسرائيلية الأمريكية. لذا، من الواضح أن طهران تفترض أنه سيكون من الأسهل التوصل إلى تفاهمات مع إدارة بايدن حول ما تعتبره آلية معقولة لاستئناف المفاوضات (4).

ثانيًا- خفض التوقعات حيال رئاسة بايدن

على عكس السائد بأن حكومة يرأسها بايدن ستساهم إلى حد كبير في عودة الولايات المتحدة الأمريكية للالتزام بالاتفاق النووي؛ يحمل بايدن رؤية مختلفة بخصوص التعامل مع استراتيجية الضغوط القصوى التي اتبعتها إدارة ترامب مع إيران؛ حيث انتقد بايدن خلال مناظرته الأولى مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الأحادية الأمريكية ردًا على أسئلة تتعلق بمواجهة الإجراءات الإيرانية، مشيراً إلى أنه يتعين تجميع حلفاء واشنطن  والوصول إلى قرار ونهج مشترك، والعمل على تنفيذه، أي عمليًا ما قامت به حكومة باراك أوباما فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني. والجدير بالذكر، أن بايدن ينطلق في سياساته تجاه إيران من التعددية والعمل مع الحلفاء، كما أن عودته للاتفاق النووي مشروطة بالتزام إيران بالاتفاق النووي، فضلًا عن إدخال ملفات أخرى كالبرنامج الصاروخي إلى موضوع المفاوضات.

ويعتبر محلل الشؤون الدولية مرتضى مكي، أن تجربة الديمقراطيين أثبتت أنهم يعتقدون في سياسة التعددية التي يجب أن تشكل. ومن الممكن أن يكون الاتفاق النووي حجر الزاوية لأجل العمل على سياسة التعددية الأمريكية وإعادة ترميم الإجراءات التي قطعها ترامب خلال الأربعة سنوات الماضية في إطار الأحادية الأمريكية. (4)

وبالنظر إلى العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران منذ الثورة الإيرانية نجد أنه تم فرضها من قبل كل من الديمقراطيين والجمهوريين؛ فمنذ بداية الجمهورية في إيران وحتى حكومة أوباما فُرضت عقوبات على إيران 35 مرَّة، منها 24 مرَّة من قبل الديمقراطيين، و11 أخرى من قبل الجمهوريين. ومن الناحية الكمية، سجل أوباما رقم قياسيًا بفرض 11 عقوبة ضد إيران، وحظرها طوال سنواته الـثمانية بنفس قدر حكومات الجمهوريين. على الجانب الأخر، تم فرض أهم وأشد العقوبات ولاسيما كيسادا، ندا 2012، كاتسا، فضلاً عن قانون تقييد التأشيرة جميعها أو تم إقرارها أو تنفيذها خلال حكومة أوباما، كما يشير الواقع إلى أن العقوبات التي أقرها أوباما، هي التي نفذها ترامب ضد إيران (5).

على عكس ترامب، كان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، مدركًا أن الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة يجب ملؤه، على سبيل المثال، من خلال المعاهدة مع إيران، والتي لم تكن تهدف فقط إلى وقف البرنامج النووي لذلك البلد، ولكن قبل كل شيء كانت مهمة الخطوة الأولى نحو التمكن من إطلاق مفاوضات حول العديد من الصراعات الأخرى المتعلقة بسياسات التدخل الإيرانية حول الخليج العربي وفي بلاد الشام. (6)

نوع السياسة هذه، بسبب التعددية وتداخل المصالح وآراء الأطراف المختلفة تفتقر لشدة السياسة الشمولية مثل الحد الأقصى من الضغوط، لكنها على جانب آخر، تتمتع بالتوسع والحمل السياسي الأكبر بسبب تعاون الحلفاء بل والمنافسين مثل الصين وروسيا، وعلاوة على ذلك، فنهج مثل نهج حكومة أوباما سواء بالنسبة لإيران وسواء للولايات المتحدة تدع حلول منطقية ومقبولة للطرفين، من حيث أن الضغط وسيلة وليس هدف.

كما يمكن القول إن العودة إلى الاتفاق النووي تعتبر عملية ليست باليسيرة بالنسبة لإيران أو واشنطن، على خلفية الهندسة المعقدة للعقوبات، كما أن حلحلة هذه الهندسة ستكون صعبة للغاية على إدارة بايدن؛ حيث وسعت حكومة ترامب خلال السنوات الأخيرة من نطاق العقوبات في إطار استراتيجية الضغوط القصوى على إيران. في السياق ذاته، لا يمكن إغفال وجهة نظر المرشد الأعلى علي خامنئي، حيال الولايات المتحدة الأمريكية والديمقراطيين بشكل خاص؛ فلطالما أكَّد خامنئي مرارًا وتكرارًا على أنه لا يمكن إطلاقًا الوثوق في واشنطن؛ حيث يرى أن الديمقراطيين الذين يفضّلون القوة الناعمة على القوّة الصلبة، من الممكن أن يكونوا أخطر من الجمهوريين، لذا، يعتبر خامنئي أن سياسة التشجيع على التفاوض المطروحة من قبل الديمقراطيين والقوّة الناعمة لواشنطن حرب ذكية تهدف إلى إضعاف الأسس المعنوية للجمهورية الإيرانية.

ثالثًا- إستراتجية بايدن تجاه إيران

في مقابلة في 2 أغسطس / آب، قال المنظّر الإصلاحي عباس عبدي، إنه غير مقتنع بوجود فرق كبير بين ترامب وبايدن، بل وأشار إلى أنه من وجهة نظر معينة، فإن سياسة الرئيس ترامب في الشرق الأوسط أفضل من سياسة الديمقراطيين، لأنها لا تسعى إلى تحقيق التدخل العسكري المباشر في المنطقة.[1]

ويتفق الدكتور مرندي أيضًا مع ما ذهب إليه عبدي، ويقول إن ترامب يتمتع بميزة إيجابية رغم سلبياته المتعددة، وهي أنه لا يتمتع بسمعة جيدة على الساحة الدولية، وسيؤدي بأفعاله إلى عزلة أمريكا. كما أن بايدن بإمكانه تحسين علاقات أمريكا مع الدول الأخرى ولاسيما شركاءها التقليديين، بما يمكن أن يشكّل صداعًا لإيران.[2]

يعتبر بايدن مثله مثل العديد من السياسيين الأمريكيين، بأن ترامب فشل في تحقيق الأهداف القصيرة والمتوسطة المدى التي حددها عندما غادر الاتفاق النووي الإيرانى مع دول (5+1)، وبذلك فإنه يسعى إلى استبدال استراتيجية الضغط الأقصى باستراتيجية الضغط الأذكى. وبالتالي، يمكن القول أن مطالب الديموقراطيين هي مطالب إدارة ترامب ذاتها، والتي تتمثل في ضرورة فرض قيود على البرنامج الصاروخي، تفتيش القواعد العسكرية للبلاد من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب استمرار القيود النووية الذي بمثابة المطلب الأهم لدى لدى الديموقراطيين.

ومع ذلك، فإن النهج الحذر داخل الدوائر البراجماتية الإيرانية التي دعمت الاتفاق النووي في الماضي تجاه فوز بايدن يشير إلى أنه لن يكون بالضرورة نذيرًا بحدوث تغيير سياسي كبير؛ حيث يستند هذا التقييم إلى فشل الأمال الاقتصادية التي كانت معلقة على خطة العمل المشتركة الشاملة التي لم تؤتِ ثمارها المرجوة بعد توقيعها في عام 2015. والأهم من ذلك كله، أن انسحاب الرئيس ترامب من الصفقة فسره الكثيرون في إيران على أنه دليل على صحة حجة المرشد الأعلى علي خامنئي بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن الوثوق بها وأن البرنامج النووي مجرد ذريعة أمريكية للضغط على إيران.

ويؤكد أيضًا سفير إيران الأسبق لدى فرنسا صادق خرازي، على خطورة بايدن على إيران وقدرته على بناء إجماع ضد طهران بين حلفاء واشنطن، ورأى أن بايدن والديمقراطيين بإمكانهم بجدية أكبر بكثير من ترامب أن يشكلوا إجماعًا عالميًا. بإمكان بايدن أن يتبع نهج العابر للأطلسي. هذه مخاطر جادة تواجه إيران.[3]

ويمكن أيضًا الإشارة إلى أن التفريق بين أوروبا وأمريكا مبدأ أرساه روحاني خلال السنوات الماضية في أحد كتبه، وذكر أن طهران لن تستطيع مواجهة أمريكا وأوروبا بصورة متزامنة، ويجب العمل على سياسة إيجاد الخلاف بينهما. لذلك وفي أوروبا، تترافق رئاسة بايدن مع رغبة في إحياء الشراكة عبر الأطلسي. على الرغم من الاختلافات الموجودة، فإن الأوروبيين مقتنعون إلى حد كبير بأن السياسة تجاه إيران لا يمكن أن تكون فعالة إلا عندما تعمل أوروبا والولايات المتحدة جنبًا إلى جنب، كما اتضح من عملهما معًا لإبرام خطة العمل الشاملة المشتركة.

ومن هنا، يمكن القول أن استراتيجية بايدن تجاه إيران تتمثل في محوريين رئيسيين، يتمثلان في:-

العودة للاتفاق النووي؛ يشير بايدن إلى أنه لا يختلف مع الأهداف الأساسية لحملة الضغط الأقصى التي يقودها ترامب، بل إنه يعترض فقط على السياسات والأساليب الفاشلة المتبعة لتحقيق تلك الأهداف. وبالتالي، فإنه ينتقد خروج ترامب من الاتفاق النووي، الأمر الذي أدى لعزل حلفاءها من الأوروبيين. لذا، يرى بايدن أن العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة من شأنها أن تمثل أداة للضغط على إيران ولكن من منظور مُختلف.

ولكن يمكن القول أن هناك بعض العقبات التي يمكنها أن تقف حيال العودة الأمريكية للاتفاق النووي تتمثل في أولاً؛ الحاجة إلى إعادة تحديد الجداول الزمنية المنصوص عليها في الصفقة الأصلية، والتي لم تعد ذات صلة، ثانياً؛ رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في إدراج قضية الصواريخ بعيدة المدى وسلوك إيران الإقليمي في أي صفقة مستقبلية، ثالثًا؛ المدة الزمنية القصيرة بين تنصيب الرئيس الجديد (يناير 2021) والانتخابات الرئاسية الإيرانية (يونيو 2021)، والتي قد تؤدي إلى مجيء حكومة محافظة في طهران، رابعًا؛ معارضة مجلس الشيوخ الأمريكي المتوقعة لأي عودة للاتفاق النووي بشكله الحالي.

الحد من النفوذ الإيرانى في المنطقة؛ يستخدم بايدن التهديد الإيراني لتبرير الاستمرار في السياسة الأمريكية المنحازة لبعض دول الخليج، لكنه أشار إلى أن هذه السياسات لا تضع في اعتبارها ما يتعلق بالسعي لتحقيق المصالح الأمريكية، بل ومدى مساهمة ذلك في تعزيز استقرار الشرق الأوسط.

ومن الممكن تفسير بعض الدعوات الإيرانية لخفض التوقعات بالانتخابات الأمريكية كخطوة تكتيكية تهدف إلى تحسين موقف طهران التفاوضي في سبيل مصلحة واضحة للاحتفاظ بأوراق مساومة قوية ولاسيما فيما يتعلق بالمفاوضات المستقبلية مع واشنطن، وعدم إبراز ذاتها على أنها الطرف الضعيف الذي يعول على انتصار بايدن، لتخفيف الضغوط المفروضة عليها في السنوات الأخيرة.

ولكن هذا لا يعني أن إيران سترفض العودة إلى طاولة المفاوضات، وبخاصًة إذا كان ذلك سيؤمن لها على الأقل قدراً من تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، لذا، فإن القرار الإيراني بشأن العودة إلى طاولة المفاوضات سيعتمد على طبيعة العرض الأمريكي المقدم إلى طهران، بما يتضمن المصالح الإيرانية أيضًا، كما تقدرها القيادة في طهران في إطارها الأشمل. ومع ذلك، هناك ما يكفي من الشكوك التي أظهرها الخطاب الإيراني مع اقتراب الانتخابات لتعزيز التقييم القائل بأن فوز الديمقراطيين لن يكون كافياً لضمان استئناف المفاوضات، ناهيك عن تحقيق صفقة جديدة أفضل من نظيرتها الحالية (7).

رابعًا- المحددات الرئيسية للخطة الديمقراطيين بشأن العودة للعلاقات الكاملة مع إيران

وضع الديمقراطيين بعض النقاط الهامة بشأن العودة للعلاقات الكاملة مع طهران بشأن كافة القضايا الإقليمية والنووية، ولكن تمت الإشارة إلى أن هذه المحددات يجب أن تسير في نهج متزامن وليس تسلسلي وهو ما يمكن توضيحه فيما يلي:-

المرحلة الأولى: خفض التصعيد

يجب أن تبدأ الإدارة بإجراءات فورية ومتواضعة لبناء الثقة من جانب واحد، بما في ذلك إلغاء حظر السفر المفروض على الدولة الإيرانية، تخفيف العقوبات الرمزية على المسؤولين مثل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، فضلاً عن اتخاذ خطوات إضافية ملموسة لضمان أن العقوبات لا تتداخل مع الإمدادات الطبية المرتبطة بمعالجة أزمة COVID-19.

ومن المقرر أنه من يوم تنصيب المرشح الديمقراطي جو بايدن  وحتى ربيع عام 2021 التاريخ المقرر لعقد الانتخابات الإيرانية، يجب على الإدارة التركيز على ترتيب أولي يتمثل في  اتباع استراتيجية “التهدئة مقابل التهدئة” في المنطقة ووقف التقدم النووي الإيراني. يجب أن يتضح لإيران أن الهجمات بالوكالة على القوات الأمريكية والهجمات والبنية التحتية الحيوية النفطية في الخليج يجب أن تتوقف. بالإضافة إلى ذلك، سيتطلب هذا الترتيب الأولي من إيران الحد من الأعمال البحرية الاستفزازية في الخليج، بينما يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تمارس ضبط النفس فيما يتعلق بالانتشار العسكري في المنطقة.

أما فيما يتعلق  بالمجال النووي، فيمكن تنظيم مثل هذه الصفقة بإحدى الطرق الثلاث الممكنة: (1) عودة سريعة للولايات المتحدة وإيران إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) مع التراجع المتبادل عن الخطوات المتخذة بما يتعارض مع شروطها، (2) بعض التخفيف المحدود للعقوبات الأمريكية مقابل تجميد أو تراجع معتدل لبرنامج إيران النووي، باستثناء الاستئناف الكامل لخطة العمل الشاملة المشتركة، على غرار ما حاول العديد من الحلفاء – بمن فيهم الفرنسيون واليابانيون – التفاوض مع إدارة ترامب، أو (3) العودة إلى خطة العمل المشتركة الشاملة مع تعديل بسيط لبنود الغروب مقابل تخفيف أكبر للعقوبات (يبدو هذا الخيار أقل احتمالية).

كما يجب تمكين المفاوضين من اختبار خيارات متعددة خلال المراحل الأولى للمفاوضات حتى يظهر الخيار المفضل. من المقرر أن تساهم هذه المرحلة في إزالة أزمة فورية من جدول الأعمال، فضلاً عن العمل على كسب الوقت للإدارة الجديدة فيما يتعلق بالتعامل مع هذه القضية على مدار فترة الولاية الأولى أو الثانية لبايدن، بما ييتجنب الانغماس الكامل في التفاصيل المعقدة للاتفاقيات الجديدة في وقت لن يكون فيه النظامان الإيراني والأمريكي في وضع يسمح له بالدخول في مفاوضات معقدة طويلة الأمد.

المرحلة الثانية: التشاور

ستبدأ هذه المرحلة الثانية في يناير وتكتمل بشكل مثالي بحلول صيف عام 2021 عندما يتولى رئيس إيراني وحكومة جديدة بعد الانتخابات الإيرانية في ربيع عام 2021. ستحدد هذه العملية ما يمكن القيام به خلال استراتيجية المزيد من أجل المزيد. وعليه، سيكون على الولايات المتحدة الأمريكية أن تنظر في الملفات النووية والجيوسياسية والتوازنات الإقليمية بما يتطلب المراجعة للمشاورات المكثفة مع الأعضاء الآخرين في مجموعة 5 + 1 (المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين) والمملكة العربية السعودية وإسرائيل واللاعبين الآخرين في الشرق الأوسط، فضلاً عن الكونغرس الأمريكية. وبالتالي، من شأن هذه المرحلة أن تحل الإشكالية التي مفادها أن خطة العمل الشاملة المشتركة، على الرغم من مزاياها، لم تعالج القضايا الإقليمية، كما ستشمل المشاورات مناقشة التزام الولايات المتحدة الأمريكية بالجهود الدبلوماسية تجاه المنطقة، والأفكار حول كيفية تأطير مثل هذه الجهود، مع الاعتراف بأن إطار العمل الإقليمي أقل وضوحًا بكثير من الملف النووي.

المرحلة الثالثة: تفاوض ثنائي المسار

يمكن أن تبدأ المرحلة الثالثة بعد أن يتولى رئيس إيراني جديد منصبه في صيف 2021 أو في أي وقت بعد ذلك، ومن المقرر أن يشمل المسار النووي إيران ومجموعة 5 + 1، بينما يمكن أن يشمل الإطار الإقليمي إيران والجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية ومجموعة 5 + 1 (أو بعض التمثيل خارج المنطقة). يقر هذا النهج بأن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية تشمل الملفات النووية وغير النووية. كما يجب توخي الحذر للتأكد من أن التقدم على مسار واحد لا يعتمد كليًا على الآخر، وأن معالجة الخلافات الإقليمية الراسخة والمعقدة لا تمنع إحراز تقدم على المسار النووي. في الوقت نفسه، يعترف هذا النهج بأن التركيز على الطاقة النووية فقط سيفتقر إلى الدعم اللازم للتفاوض والنتيجة المستدامة (8).

خامسًا – وجهات نظر صانعى السياسيات الخارجية لدى إدارة بايدن

تعتبر وجهات نظر صانعي السياسات الخارجية من الأهمية بمكان؛ حيث تعد بمثابة الموجه الرئيسي لسياسات الولايات المتحدة تجاه إيران سواء أكان هذا في حالة فوز ترامب بفترة رئاسية ثانية، أو صعود نظيره الديمقراطي جو بايدن، وانطلاقا من  فوز هذا الأخير، سنعرض فيما يلي لأبرز وجهات نظر اثنين من كبار المستشارين التابعين لبايدن، وهما الخبير في السياسية الخارجية والدفاعية وزميل أول ومدير برنامج أمن الشرق الأوسط في مركز الأمن الأمريكي الجديد إيلان جولدنبيرج، نائب مستشار الأمن القومي الأسبق  أنتونى بلينكن.

إيلان جولدنبيرج

يؤكد جولدنبيرج على إنه في حالة فوز بايدن لابد من العمل على تخفيف التوترات مع إيران من خلال اتباع ما يعرف بـ”الدبلوماسية المتجددة” أي فرض بعض الجزاءات مقابل منح بعض الحوافز القابلة للتجديد كل فترة ليست بالطويلة حيث يجب أن تبدأ الولايات المتحدة الأمريكية هذه العملية،  بالتفاوض على اتفاقية لخفض التصعيد تتضمن البرنامج النووي الإيراني والحد من التوترات الإقليمية. فعلى الرغم من أن السياق الذي ستتولى فيه الإدارة الديمقراطية الجديدة السلطة في عام 2021 مختلفًا تمامًا عن السياق الذي تفاوضت فيه إدارة الرئيس باراك أوباما على الاتفاق النووي الإيراني. لكن يمكن للإدارة الأمريكية القادمة أن تأخذ دروسًا قيمة من تجربة إدارة أوباما في التفاوض على تلك الاتفاقية، وكذلك من انهيار الاتفاقية بعد انسحاب إدارة ترامب منها.

وفي هذا السياق، يشير جولدنبيرج إلى أن الخطوة الأولى لعودة العلاقات بين واشنطن وطهران تتمثل في خفض التصعيد، ولبناء مزيد من الثقة بين الطرفين يجب على الإدارة الأمريكية الجديدة أن تتخذ بعض الإجراءات الهامة في هذا الإطار من قبيل حظر السفر على إيران وتوسع الاستثناءات من العقوبات الأمريكية التي تسمح لإيران بتلبية الاحتياجات الإنسانية الناشئة عن أزمة COVID-19. كما يمكن إعادة ضبط دورة التصعيد من خلال عقد اتفاقية “تهدئة مقابل تهدئة” غير رسمية، بما يتضمن وضع حد للهجمات بالوكالة التي تقوم بها القوات الأمريكية في العراق، والهجمات على ناقلات النفط والبنية التحتية الحيوية في الشرق الأوسط.

من ناحية أخرى، يشير جولدنبيرج إلى ضرورة اتباع مسار موازي فيما يتعلق بالتفاوض حول اتفاق نووي جديد، سيتعين على الولايات المتحدة الأمريكية إقناع إسرائيل ودول الخليج (خاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة) والكونغرس الأمريكي بلعب أدوار بناءة، بما يتضمن بناء صفقات عملية، مدعومة بالدبلوماسية الأمريكية، تعمل على تهدئة التوترات.

تأسيسًا على ما سبق، يمكن أن يوفر الانتقال السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2021 فرصة حاسمة للقيام بذلك، ولكن سيتعين على كل منهما الانفصال عن الماضي؛ سيحتاج بايدن إلى إبعاد الديمقراطيين عن الإستراتيجية النووية فقط والتركيز بشكل أكبر على المنطقة، مع ضرورة وضع الإطار الدبلوماسي في المقدمة(9).

أنطوني بلينكن

يشير بلينكن إلى أن الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق النووي  تسبب في عزلة كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية، بل وفصلها عن شركائها المفاوضين الأوروبيين، الروس والصينيين لذا، فإن هذه الخطوة تسببت في ضرر للولايات المتحدة الأمريكية أكبر من إيران. ونظرًا للجهود التي بُذلت للتوصل إلى الاتفاقية وتعقيدها، فمن غير المرجح أن يدعم الشركاء الآخرون عملية إعادة التفاوض، ما لم تقدم الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة جوبايدن المزيد من المنافع الاقتصادية مقابل المزيد من القيود الإضافية على البرنامج النووي الإيراني.

كما يشير بلينكن إلى أنه يمكن اتباع نهج آخر يتمثل في زيادة الضغط على إيران في الملفات غير النووية، مما يؤدى إلى التخفيف من حدة المعارضة الداخلية في طهران، وهو الأمر الذي من شأنه أن يتضمن تجارب الصواريخ الباليستية، دعم جماعة الحوثي اليمنية، ونظام بشار الأسد في سوريا، جماعة حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين، فضلاً عن بعض الميليشيات الشيعية في العراق (10).

سادسًا – المكاسب والخسائر الإيرانية المتوقعة بعد فوز بايدن

أدى تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية خلال رئاسة دونالد ترامب وتكثيف الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية على الشعب الإيراني، إلى تزايد أهمية الاستحقاقات الرئاسية الأمريكية بالنسبة لإيران؛ حيث اتبعت طهران سياسة الصبر الاستراتيجي طيلة أربع سنوات وعانت خلالها من تصاعد حدة التدهور الاقتصادي الناتج عن فرض العقوبات الأمريكية. وعليه، على الرغم من مجيء رئيس ديمقراطي إلى البيت الأبيض، الأمر الذى يشير إلى إعادة التفاوض مع طهران حول بعض القضايا العالقة، مما يؤدى إلى حدوث انفراجه اقتصادية كبيرة بالنسبة لطهران، إلا أن وجهة النظر الإيرانية تشير إلى  وجود بعض المخاطر التي من المتوقع أن تعترى سياسة بايدن تجاه طهران.

الفرص المحتملة

يحمل فوز مرشح الحزب الديمقراطي الأمريكي جوبايدن عدد من الفرص الحقيقية بالنسبة لطهران يمكن توضيحها فيما يلي:

عودة متوقعة؛ من المرجح أن تقوم إدارة جو بايدن بدفع دبلوماسي مبكر لتخفيف التوترات مع إيران؛ حيث أشار بايدن إلى أنه يفضل عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاتفاق النووي إذا عادت إيران أيضًا إلى الامتثال الكامل لالتزاماتها المتعلقة بالاتفاق النووي. وعليه، كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية في 10 نوفمبر الجاري عن تشكيلة الطاقم الأمريكي في إدارة الرئيس الأمريكي الجديد، لاستئناف المفاوضات مع إيران، وبحسب الصحيفة تتكون الأقطاب الرئيسية لفريق المفاوضين من مستشار بايدن للأمن القومي أنطوني بلينكن، ومنسق السياسية الخارجية جاك سوليفن، فضلاً عن خبيرة ومنسقة الأمن القومي ميشيل بلورنوي.

ولكن على الرغم من الرغبة الكبيرة لكلا الطرفين في العودة إلى الاتفاق النووي، يبدو أن هناك بعض المعوقات التي ستقف حيال ذلك، والتي تتمثل في صعود تيار المتشددين في إيران خلال العامين الماضيين، الأمر الذى لا يوفر شروطًا مواتية لاستئناف المفاوضات والتوصل إلى اتفاق جديد، فضلاً عن منح تفشى فيروس كورونا بشدة في إيران فرصة كبيرة للحرس الثوري لزيادة مشاركته في شؤون الدولة استغلالاً للضعف الذى حل بحكومة روحاني، ولاسيما بعد تكثيف العقوبات الأمريكية خلال الأشهر القليلة الماضية، مما يساهم في تعقد المسار التفاوضي مع واشنطن(11).

تخفيف العقوبات؛ من المتوقع أن تطالب طهران بتخفيف موثوق للعقوبات وتعويضات عن التداعيات الاقتصادية الصعبة للفترة الماضية من العقوبات الاقتصادية، وتقديم الضمانات الكافية لتفعيل هذه الألية على المدى الطويل. ولكن من اللافت للانتباه في هذا السياق، أنه ليس من الواضح ما إذا كان هناك زخم سياسي كافٍ داخل الولايات المتحدة الأمريكية لرفع نظام العقوبات الشامل؛ حيث من المقرر أن تبدأ العديد من القيود المهمة على البرنامج النووي الإيراني في الانقضاء بحلول عام 2023، الأمر الذى يشير إلى التحديات الكبيرة التى من المرجح أن تواجهها إدارة بايدن بعد فترة وجيزة من توليه مهام الرئاسة.

تأسيسًا على ما سبق، أشار بعض المحللين الإيرانيين إلى أنه لابد من الحصول على ضمانات من قبل الكونجرس الأمريكي بشأن أي ترتيبات مستقبلية مع واشنطن؛ حيث أثبتت الصفقات القائمة على اتفاق تنفيذي، مثل خطة العمل الشاملة المشتركة، أنها معرضة للتغير في السياسة الخارجية المصاحب للانتقال الرئاسي، الأمر الذى أدى لضعف اتفاقيات السياسة الخارجية، على خلفية رغبة كل رئيس متعاقب على تغيير نهج سلفه(12).

تعزيز الاستقرار؛ من المحتمل أن يؤدى الرفع التدريجي للعقوبات الأمريكية إلى حدوث انفراجه اقتصادية تؤدى إلى استقرار تدريجي للداخل الإيراني عن طريق تحسين مستوى معيشة المواطن الإيراني؛ حيث أدى تصاعد نفوذ الفصائل السياسية الأكثر تشددًا في طهران من خلال سيطرتهم على العدد الأكبر من مقاعد مجلس الشورى الإسلامي(البرلمان) خلال الانتخابات البرلمانية التي عقدت في فبراير الفائت، على حساب التيار الإصلاحي إلى ارتفاع أسعار غالبية السلع الأساسية، وزيادة معدل البطالة، فضلاً عن مزيد من التدهور في سجل حقوق الإنسان، على خلفية قيام السلطات الإيرانية خلال الفترة الماضية بقمع المتظاهرين المعترضين على الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة في البلاد(13).

خسائر متوقعة

من المحتمل أن يؤدى فوز بايدن وعودته للاتفاق النووي إلى بعض التداعيات السلبية بالنسبة لإيران يمكن توضيحها فيما يلي:

تصاعد التهديدات؛ على الرغم من تعهد بايدن بمحاولة تخفيف حدة التوترات وإنهاء النزاعات الإقليمية بالوكالة بين إيران من ناحية ودول الخليج العربي من ناحية أخرى ، إلا أنه من الواضح أن عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي من الممكن أن تؤدى لتصاعد حدة التهديدات المتبادلة بين طهران وتل أبيب، على خلفية تأكيد وزير المستوطنات اليهودية صخي هانغبي في 6 نوفمبر الجاري على أنه إذا عادت الولايات المتحدة الأمريكية للاتفاق النووى، سيؤدى ذلك إلى حرب كبيرة بين طهران وتل أبيب في المنطقة، قائلاً خلال تصريح له لصحيفة جيروزاليم بوست:” إنه في كثير من الحالات، لا يُقلق من فوز بايدن بالانتخابات الأمريكية، ولكن في حالة إيران، فالوضع مختلف”(14).

يتوازى ذلك، مع إعلان الحرس الثوري الإيراني في 5 نوفمبر الجاري عن منظومة جديدة للصواريخ الباليستية، يمكن العمل من خلالها على إطلاق عدد من هذه الصواريخ بشكل تلقائي ومتتالٍ. وعليه، يشير ما سبق إلى حجم هامش المناورة التي ترغب طهران في اللعب عليه سواء في مواجهة دول المنطقة أو لتعزيز موقفها التفاوضي في مواجهة الإدارة الأمريكية الجديدة، وهو الأمر الذى يأتي بالتزامن مع تعويل طهران على أن الضربة التى تلقتها واشنطن على قاعدة عين الأسد الجوية في العراق بعد اغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني في يناير الفائت، كانت أحد العوامل الرئيسية التى أثرت في خسارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وحرمانه من الفوز بفترة رئاسية ثانية(15).

تجديد الثقة؛ يمكن القول إن إبراز العزلة الكبيرة التى باتت عليها الولايات المتحدة الأمريكية وانفصالها عن حلفاءها الأوروبيين بعد الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي كان أحد الاستراتيجيات الرئيسية لحكومة روحاني في مواجهة واشنطن خلال الفترة الماضية. لذا، فإن مجيء إدارة ديمقراطية من شأنه أن يساهم في ردء هذا الصدع الموجود في العلاقات الأمريكية الأوروبية والعمل على عودة الثقة المتبادلة بين الطرفين، وعليه، أدى ما سبق إلى إحداث تقارب واضح بين طهران وكل من موسكو وبكين، بل وتقويض نزاهة مجلس الأمن.

تأسيسًا على ما سبق، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تقييم مقاربته تجاه إيران، من خلال التحول من القتال من أجل بقاء خطة العمل الشاملة المشتركة إلى تطوير مقترحات ملموسة مدعومة بالإرادة السياسية والموارد لصياغة نهج جديد عبر الأطلسي تجاه إيران. فبما أن الاتحاد الأوروبي هو جهة دولية فاعلة في حد ذاته يُعتبر الموقف المتماسك لأعضائه شرط لا غنى عنه لنجاح أي نهج جديد في السياسة الخارجية، وبخاصًة بعد مغادرة المملكة المتحدة للتكتل الأوروبي في أوائل 2020 (16).

سابعًا – ما هى العقبات المحتملة أمام واشنطن وطهران للعودة للاتفاق النووي؟

على الرغم من الوعود الكثيرة التي قدمها الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن بالعودة للاتفاق النووي وإلغاء حظر السفر الذي فرضته إدارة ترامب على إيران، إذا اتخذت طهران خطوات لإظهار استعدادها للرجوع إلى الالتزامات المفروضة عليها بموجب الاتفاق بعد توليه مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية يناير 2021، إلا أنه اتضح أن هناك عدد من العقبات في مواجهة كلا  الطرفين.

سيطرة المتشددين؛ تشير الأجواء السياسية المتوترة داخل الدولة الإيرانية إلى أنه من المتوقع أن يصل رئيس محافظ إلى سدة الحكم خلال الاستحقاقات الرئاسية القادمة المزمع عقدها في يونيو 2021، اتساقا مع نتيجة الانتخابات البرلمانية التى تم عقدها في فبراير الفائت والتي حظى فيها التيار المتشدد بالعدد الأكبر من المقاعد. وعلى الرغم من أن فوز بايدن يمكنه أن يقلل من صعود مرشح أصولي في إيران، ولكن يمكن القول أن السياسة المتشددة التى اتبعتها الإدارة الأمريكية تجاه طهران، وجهت ضربة قوية لتيار الاعتدال بقيادة الرئيس الحالي حسن روحاني.

ومع الإعلان عن عدم ترشح رئيس السلطة القضائية إبراهيم رئيسي الذي من الواضح أنه يسعى لخلافة خامنئي، تصبح الساحة السياسية مهيئة لمنافسة حادة بين الأقطاب الأصولية، وبخاصًة مع الحرس الثوري الذى بدأ في الترويج لنفسه على أنه تيار ثالث مستفيداً من الأزمة الاقتصادية التى تضخمت في ظل حكومة روحاني.  وعليه، من المحتمل أن يأتي الرئيس الإيراني القادم من تيار فكري ينظر بعين الشك والريبة لأي ترتيبات مستقبلية مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلا إذا حدثت تغيرات كبيرة في الساحة السياسية مهدت الأوضاع لترشح شخصية إصلاحية بارزة مثل وزير الخارجية الحالي محمد جواد ظريف، الذي تحدث خلال مقابلة له مع بعض المنصات الإعلامية الإيرانية عن علاقة قديمة تربطه بجوبايدن عندما كان يعمل بالأمم المتحدة (17).

مخاوف أمنية؛ من المتوقع أن يواجه الرئيس الأمريكي الجديد جوبايدن في مأزق كيفية التوفيق بين العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران وعودة العلاقات الكاملة معها وبين علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بحلفائها في الخليج الذين يعتبرون طهران بمثابة المنافس الرئيسي لهم في المنطقة، فضلاً عن التزامها بضمان أمن إسرائيل. في السياق ذاته، اتجهت طهران خلال الأشهر القليلة الماضية إلى تسريع وتيرة انتاجها للمواد الانشطارية والنووية في إشارة إلى نيتها بالتحلل الكامل من التزاماتها المتعلقة بالاتفاق النووي، وهو الأمر الذى يقلق تل أبيب بشدة وأعلنت على إثره إمكانية اللجوء لتوجيه ضربة عسكرية لطهران في هذا الشأن.

 والجدير بالذكر، أن تل أبيب استخدمت القوة العسكرية مرتين لمنع دولة شرق أوسطية من تطوير قنبلة ذرية؛ العراق عام 1981 وسوريا في عام 2007. وبالفعل فكرت إسرائيل في تنفيذ ضربة مماثلة على المنشآت النووية الإيرانية خلال السنوات السابقة على عقد الاتفاق النووي ولكنها امتنعت عن ذلك، وهو الأمر الذى جددت الإعلان عنه بعد فوز جوبايدن. بالإضافة إلى ذلك، أعلن مدير مؤسسة متحدون ضد إيران النووية جيسون برودسكي لمجلة The Times Of Israel  مطلع نوفمبر الجاري بأنه من المرجح أن تكون إسرائيل مستعدة للعمل عسكريًا ضد طهران إذا اتضح أن بايدن قرر العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة دون وجود خطط ملموسة لمنع إيران تمامًا من تطوير سلاح نووي(18).

إحكام السيطرة؛ أعلن الرئيس الأمريكي جوبايدن خلال حملته الانتخابية أنه من المقرر أن تسير واشنطن في مسارين متوازيين بشأن التفاوض مع إيران على أن يتضمن الأول الاتفاق النووي، بينما يتطرق الأخر إلى نفوذ إيران الإقليمي وبرنامج الصواريخ الباليستية، وهو الأمر الذى رفضه المرشد الأعلى علي خامنئي والتيار المعارض لفكرة التفاوض مع واشنطن، مبررين ذلك بأن أي نية للتفاوض لابد وأن لا تتعدى استهداف القدرة الصاروخية لإيران، ووقف الدعم لجبهة المقاومة؛ حيث أثبتت سياسة ترامب أن ما حفظ إيران هو قدراتها الصاروخية والعسكرية، وأن التعهدات الدولية هى ما ذهبت أدراج الريح.

في السياق ذاته، سيلعب عامل الوقت دوراً كبيراً في تكثيف الصعوبات التي تواجه كلا الطرفين؛ فمن غير المتوقع أن يستطيع روحان خلال الأشهر القليلة المتبقية له في منصب الرئاسة أن يخوض مهمة التفاوض مع واشنطن. من ناحية أخرى، يبدو وكأن طهران ترغب في توسيع هامش المناورة ومطالبات التعويض من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على الخسائر الاقتصادية التى تكبدتها خلال فترة التصعيد السابقة مع إدارة ترامب، وهو الأمر الذى اتضح في عودتها لفتح ملف اغتيال قاسم سليماني مرة أخرى، والتعويل على أنه لا يمكنها التفاوض مع قتلة مهندس عملياتها في المنطقة، وثاني أهم رجل على الساحة السياسية في طهران.

عن "مركز الإنذار المبكر"

الصفحة الرئيسية