حزب الله يبني مصانع صواريخه بين السكان. فكيف سترد إسرائيل؟

34212
عدد القراءات

2018-10-10

في الأسبوع الأخير من الشهر الأول من العام الحالي، تحدثت صحيفة "هآرتس" العبرية عما سمّته "تقديرات" المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأنّ إيران تتجه لإقامة مصنع لإنتاج السلاح الدقيق في لبنان. واستندت الصحيفة لمقال نشره المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، ذكر فيه أنّ لبنان تحوّل عملياً "بسبب فشل السلطات اللبنانية، وتجاهل الكثير من أعضاء المجتمع الدولي إلى مصنع صواريخ كبير لإيران".

وبحسب "هآرتس" فإنّ هذا الخطاب موجه إلى سكان لبنان، لكنّ جزءاً مهماً منه موجّه أيضاً إلى حكومة لبنان ودول أخرى في الساحة، وعلى رأسها إيران وسوريا.

بعد قصف مخابئهم في سوريا الإيرانيون يريدون أن يلتفوا على هذا العائق عبر نقل وسائل الإنتاج إلى لبنان

وقبل ذلك بنصف عام، اتهم مسؤولون إسرائيليون كبار، من بينهم رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الأركان، إيران بأنها بدأت بإقامة مصانع لإنتاج السلاح في لبنان. وهددت إسرائيل عدة مرات بأنها ستقوم بقصف هذه المصانع التي تشتبه بأنها في طور البناء.

ووفقاً للتحليل الإسرائيلي الذي نشرته "هآرتس"، فإنّ إيران تريد أن تفعّل جهودها لتحسين مستوى الدقة لصواريخ وقاذفات حزب الله.

وكتب عاموس هرئيل في الصحيفة "وسائل إعلام دولية، ذكرت أنّ طائرات سلاح الجو الإسرائيلي استهدفت جزءاً من قوافل تهريب السلاح الدقيق من سوريا إلى لبنان، وهو أمر اعترفت به إسرائيل في عدة مناسبات، وعليه فإنّ الإيرانيين يريدون أن يلتفوا على هذا العائق عبر نقل وسائل الإنتاج إلى لبنان نفسه".

تهريب للسلاح الدقيق من سوريا إلى لبنان

مصانع الأسلحة الإيرانية بين المنازل اللبنانية

بيْد أنّ التقديرات المتصلة بمصانع الأسلحة الإيرانية في لبنان أخذت سياقاً جديداً يتصل بأنه يجري بناؤها في الأماكن السكنية بالقرب من المساجد والمنازل والمدارس والمطار الدولي. وفي حديثه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 27 من الشهر الماضي، اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حزب الله ببناء مواقع لإنتاج الصواريخ في حي الأوزاعي في بيروت. وتفيد بعض التقارير بأنّ الحزب يعتزم تحويل الصواريخ العادية في هذه المنشآت السرية الواقعة في قلب منطقة حضرية. ومن غير الواضح ما إذا كانت هذه المواقع قد بدأت تعمل بالفعل أم لا.

اقرأ أيضاً: لبنان يتبرأ من أفعال حزب الله... لماذا؟!

في غضون دقائق من خطاب نتنياهو، نشر الجيش الإسرائيلي، مقاطع فيديو وصوراً لثلاثة مواقع في بيروت، التي أنشئت وفقاً لبعض التقارير لتحسين دقة صواريخ حزب الله، وهو هدف ربطه رئيس الوزراء الإسرائيلي مباشرة بإيران. كما أنّ كشفه لهذه التطورات أمام الأمم المتحدة، هو ليس بأي حال من الأحوال المرة الأولى التي تشير فيها إسرائيل إلى أنها تتابع مثل هذه الجهود عن كثب، حسبما أفاد تقرير أعدته الصحفية والباحثة اللبنانية في معهد واشنطن، حنين غدار بمعاونة زميلها ماثيو ليفيت، مدير برنامج "ستاين" للاستخبارات ومكافحة الإرهاب في المعهد.

اقرأ أيضاً: بهذه الطريقة تهرّب إيران الأسلحة لحزب الله اللبناني

ويذكر التقرير أنه عندما اجتمع نتنياهو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو في كانون الثاني (يناير) الماضي، ناقش الاثنان منشآت الصواريخ التي كان يبنيها حزب الله في لبنان. وفي ذلك الوقت، حذّر نتنياهو من أنّ تلك البلاد "أصبحت مصنعاً للصواريخ الموجهة بدقة التي تهدد إسرائيل".

لماذا حلّقت "الشبح" فوق بيروت؟

وبعد ذلك، وفي أيار (مايو)، أثناء استضافة قائد سلاح الجو الإسرائيلي الجنرال عميكام نوركين لاجتماع لنظرائه الأجانب، عرض صورة لمقاتلة الشبح من طراز "أف-35" وهي تحلق فوق بيروت في وضح النهار. وكانت التداعيات المترتبة على ذلك الاستعراض للقوة، ذات شقين: أولاً، بإمكان إسرائيل ضرب أهداف في بيروت متى شاءت، ثانياً، هناك أهداف في العاصمة شعرت إسرائيل بأنها قد تضطر إلى ضربها. وقد جعل نتنياهو هذا التهديد صريحاً وواضحاً عندما أظهر في الأمم المتحدة صوراً جوية لمواقع الصواريخ في بيروت، محذراً: "إسرائيل تعلم ما تفعلون، وإسرائيل تعرف أين تقومون بذلك. وإسرائيل لن تسمح لكم بالإفلات من دون عقاب".

اقرأ أيضاً: مقاومة مرنة: كيف يُصلح "حزب الله" و"حماس" ذات البين؟

وفي حديث لنائب رئيس الموساد السابق نفتالي غرانوت، في مؤتمر لمحاربة الإرهاب في أوائل الشهر الماضي، أشار إلى أنّ حزب الله "تلقى مؤخراً عدداً قليلاً من الأنظمة الدقيقة التوجيه التي تعتمد على نظام تحديد المواقع والتي ستساعده على تحويل بعض الصواريخ الثقيلة إلى صواريخ دقيقة".

شبكة من الأنفاق تحت الأرض في أسفل المنازل والمباني المدنية

شبكة من الأنفاق تحت الأرض في أسفل المنازل

لا يمثل الكشف الخاص ببيروت المرة الأولى التي يُضبَط فيها حزب الله مستخدماً المدنيين اللبنانيين كدروع بشرية للأسلحة أو منشآت الإنتاج. ففي تموز (يوليو)  العام 2017، على سبيل المثال، نشرت إسرائيل صوراً جوية لأماكن في القرى الجنوبية تُظهر أنّ الحزب قام ببناء مصنع للصواريخ ومخزن للأسلحة. وكانت إحدى البنايات تقع على بعد حوالي 110 أمتار من مسجدين. وقد أفاد الجيش الإسرائيلي في ذلك الوقت بأنّ حزب الله يقيم بشكل اعتيادي مواقع إطلاق الصواريخ ومواقع إطلاق نار أخرى في وسط مناطق مأهولة بالسكان، إلى جانب تشييده "شبكة من الأنفاق تحت الأرض في أسفل المنازل والمباني المدنية للسماح لمقاتليه بالتحرك بحرية بين المواقع".

معنى تحليق طائرة الشبح الإسرائيلية فوق بيروت يعني إمكان ضرب أهداف في بيروت متى شعرت إسرائيل أنها مضطرة لذلك

ويدرك الحزب، بحسب تقرير غدار وليفيت، مدى خطورة هذا التكتيك على مواطني البلاد؛ إذ استخدم عن قصد مواقع مدنية حساسة كمرافق عسكرية خلال حرب 2006 بعلمه أنها ستتعرض للهجوم؛ إذ كان يعتقد على ما يبدو أنّ ذلك سيزيد من صعوبة العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان. وعندما سُئل بعد ذلك جندي معتقل من حزب الله، محمد عبد الحميد سرور، ما إذا كان يعلم أن إطلاق صاروخ على دبابة إسرائيلية من منزل مدني سيؤدي حتماً إلى تدمير ذلك المنزل، أجاب بأنّ إطلاق النار لا يزال يصب "في المصلحة الإسلامية العامة"، و"إذا تم تدمير المنزل، فسيتم، بكل بساطة، إعادة بنائه بعد الحرب". كما أنّ ادعاءه بأنه كان من المفترض أن يتم إخلاء جميع المنازل قبل بدء القتال يبدو بمثابة عزاء مريب بالنسبة للمتضررين، حتى لو كان ذلك صحيحاً.

اقرأ أيضاً: الكشف عن معتقلات حزب الله السرّية... صور مسرّبة

وتساعد هذه الطريقة من التفكير في تفسير سبب تكثيف جهود الحزب على ما يظهر على إنشاء بنية تحتية خاصة بإنتاج الأسلحة داخل لبنان في السنوات التي أعقبت تلك الحرب المدمرة. ففي تموز(يوليو) العام 2017، نشرت المجلة الفرنسية "إنتلجنس أونلاين" معلومات تؤكد أنّ حزب الله يقوم ببناء مصنعين محليين جديدين للأسلحة: أحدهما بالقرب من البلدة الشمالية الهرمل ويهدف إلى إنتاج صواريخ "فاتح - 110" الأبعد مدى، وآخر بين مدينتي صيدا وصور الجنوبيتين الساحليتين ويرمي إلى إنتاج ذخائر أقل عياراً.

وفي وقت سابق من ذلك العام، ذكرت صحيفة "الجريدة" الكويتية نقلاً عن نائب لرئيس الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، لم تكشف عن اسمه، أنّ إيران أنشأت مرافق متعددة على عمق خمسين متراً تحت سطح الأرض وقامت بحمايتها من القصف الإسرائيلي من خلال وضع طبقات متعددة من الدفاعات.

اقرأ أيضاً: أزمة فساد "حزب الله" عميقة

ويرى مراقبون أنّ فترة الهدوء الطويلة نسبياً (2006 - 2018) على طول الحدود، شجعت على بدء العديد من الشيعة بالتفكير في المستقبل، على النقيض من طريقة تفكيرهم السابقة التي ركزت على قيام حروب دائمة. وفي الآونة الأخيرة، انتشرت أعمال تجارية جديدة في معاقل شيعية مثل ضاحية بيروت الجنوبية والمناطق الجنوبية منها. وتم افتتاح الفنادق والمطاعم والمقاهي الحديثة في كل بلدة رئيسية، بدعم من المستثمرين الشيعة داخل البلاد وخارجها. وقد استمرت هذه العقلية من تنظيم المشاريع على الرغم من الحرب الدائرة في سوريا المجاورة. وفي الوقت نفسه، سيستفيد الاقتصاد الوطني بشكل كبير من الاستكشاف المزدهر لمصادر الطاقة في البحر المتوسط.

يدرك الحزب، بحسب تقرير غدار وليفيت، مدى خطورة هذا التكتيك على مواطني البلاد

إفراط حزب الله بالثقة بنفسه

ويبدي حزب الله حالياً ثقة بالنفس لم يسبق لها مثيل، كما أفاد تقرير نشره في آذار (مارس) الماضي، موقع "دويتشه فيله". فبلباس مدني قامت الميليشيا، حسب تقرير لصحيفة Arab Weekly  بقياس المنطقة مباشرة على الحدود الإسرائيلية. وتم تسجيل كل القياسات بدقة.

وظهر قبلها زعيم حزب الله السيد حسن نصر الله في مظهر قتالي؛ إذ أوضح أنه لا توجد "خطوط حمراء" بالنسبة إلى حزبه. وفي حال نشوب حرب مع إسرائيل، فيمكن لحزب الله أن يهاجم المفاعل النووي ديمونا في صحراء النقب. كما أوضح بأنّ مخزن الأمونياك بالقرب من حيفا يمكن استهدافه.

اقرأ أيضاً: اليمن للبنان: اكبحوا جماح حزب الله

وإسرائيل من جانبها تهدد بعدم الاقتصار على حزب الله في الحرب، بل تعتبر كل لبنان منطقة معادية. ويقول غيورا إيلاند الرئيس السابق لمجلس الأمن الإسرائيلي بأنّ هذه الحرب ستجبر المجتمع الدولي بعد ثلاثة أيام فقط على طلب وقف لإطلاق النار، وليس بعد 33 يوماً. واستمرت الحرب الأخيرة في 2006 بين الطرفين 33 يوماً.

وليس من المؤكد أن تستمر الحرب لوقت وجيز، فبخلاف إسرائيل ليس لدى حزب الله مصلحة في تقليص مدة الحرب. فحزب الله غير مجبر على رد الاعتبار للسكان المدنيين مثل حكومة دولة، كما أنه يمكن أن يراهن على أنّ حرباً طويلة قد تؤثر على الرأي العام لصالحه. وكل هذه الأمور تجعل من الصعب على إسرائيل، بحسب الموقع الألماني، خوض غمار تحرك مسلح جديد.

اقرأ المزيد...

الوسوم: