حوار مع فوكوياما: هل يمكن للديمقراطيات الليبرالية أن تنجو من سياسات الهوية؟

6830
عدد القراءات

2018-10-18

ترجمة: كريم محمد


الإيكونمست: كانت الهويّة جزءاً من السياسة على الدوام، فلماذا ظهر فجأة حديث كثير عن سياسة الهويّة الآن؟

فوكوياما: لقد تغير المحور الرئيس للسياسة في أوروبا، على مدار العقد الماضي؛ فخلال معظم القرن العشرين، ارتكزت الانقسامات الأساسية إلى الإشكالات الاقتصادية الدائرة حول مدى إمكان الدولة أن تتدخل لتعزيز المساواة، في مقابل قدر الحرية التي تسمح به للأفراد أو القطاع الخاص.

هناك ثورة شعبوية منتشرة معادية للعولمة، مستندة جزئياً إلى عواقب العولمة الاقتصادية غير المتكافئة

تتمركز السياسة اليوم، بصورة متزايدة، حول توكيدات الهوية؛ لقد كانت هناك ثورة شعبوية منتشرة معادية للعولمة، مستندة جزئياً إلى عواقب العولمة الاقتصادية غير المتكافئة، لكن أيضاً على التهديدات التي تلاحق الهويات الوطنية التقليدية الناجمة عن معدلات الهجرة العالية.

غالباً ما كان الناخبون على مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي قادرين على تحمّل العواقب الاقتصادية لقراراتهم؛ لأنّهم شعروا بأنّ حماية الهوية البريطانية التقليدية كانت أكثر أهمية بالنسبة إليهم، وتشعر الأنظمة القومية الشعبوية في المجر بأنّ لديها الكثير من القواسم المشتركة مع روسيا بوتين، أكثر من القواسم المشتركة بينها وبين ألمانيا الليبرالية، رغم الانقسام الأيديولوجيّ الذي وضع ليفصلها عن الاتحاد السوفييتي السابق، والكثير من ناخبي الطبقات الوسطى الذين اعتادوا على دعم الأحزاب يسارية التوجه في أوروبا والولايات المتحدة، إنّما بدلوا تحالفاتهم نحو ثائرين شعبويين قائمين على أسس هوياتية.

فوكوياما

الإيكونمست: لقد كتبتَ في كتابكَ الأخير أنّ "صعود النموذج العلاجي ساعد في ولادة سياسات الهويّة"، ماذا تعني بذلك؟

فوكوياما: إنّ المفهوم الحديث للهويّة مبنيّ حول تبجيل الذات؛ أي على تلك الفكرة بأنّ لدينا ذواتاً خفيّة يُبخَّس قدرها من قبل الآخرين، ما يجلب شعور الغضب والامتعاض والاحتجاب (عن الآخرين)، وبحلول منتصف القرن العشرين، كان هناك قليل من المدراء والكهنة الذين توجّه الناس إلى طلب التعزية منهم، إنّما توجّهوا إلى الأطباء النفسييين الذين يسعون إلى الزيادة من تبجيل الناس لأنفسهم، وانتشرت هذه المهمّة العلاجية في كافة أرجاء المجتمع، والمدرسة، والجامعات، والمستشفيات، بل وفي جميع الخدمات التي تقدّها الدولة نفسها.

المفهوم الحديث للهويّة مبنيّ حول تبجيل الذات ما يجلب شعور الغضب والامتعاض من الآخر

تزامنت هذه الانعطافة العلاجية مع الحركات الاجتماعية الكبرى في الستينيات، التي رأت، بازدياد، تدنياً لتبجيل الذات مرتبطاً بتهميش الأمريكيين الأفارقة، والنساء والمثليين ومن شابههم. إنّ المعارك التي نواجهها اليوم، على إشكالات العرق والتوجّه الجندريّ، وخلافه، غالباً ما تكون معارك حول الكرامة المهانة أكثر من كونها معارك على الموارد الماديّة.

الإيكونمست: هل الديمقراطيات الليبرالية (بتركيزها على الحريات الفردية) وسياسات الهوية (بتركيزها على الحقوق الجماعية) متناغمتان؟

فوكوياما: يتوقف ذلك على طبيعة المجموعات المعنية؛ فحركات الاستقلال، مثل تلك التي في أسكتلندا وكيبيك وكاتالونيا، قد تقود إلى انفصال منطقةٍ/ إقليم ما، وقيامها بدولة سيادية منفصلة، لكنّ الدول الوريثة ستكون، على الأرجح، ديمقراطيات ليبرالية تحمي الحقوق الفرديّة، في هذه الحالات؛ فإنّ الديمقراطية، بما هي كذلك، ليست محلّ تهديد، رغم أنّ الإجراءات التي تؤدي إلى الانفصال يجب أن تكون ديمقراطية.

اقرأ أيضاً: فوكوياما للغارديان: قرائي أخطأوا فهم "نهاية التاريخ" وترامب عنصري

من الناحية الأخرى؛ فإنّ بعض المجموعات الثقافية نفسها تنتهك الحقوق الفردية، كما هو الحال عندما تقوم أسرة مسلمة بإجبار بناتها على الزواج من شخص لا ترغب به، أو عندما لا تسمح لها بأن تعمل، في حالات كهذه؛ يقوّض حقّ المجموعة بشكل خاطئٍ (في رأيي) الحقّ الفردي، ولا خيار أمام الديمقراطيات الليبرالية سوى أن تحابي الأفراد على المجموعات، إذا أرادت أن تظلّ وفية بمبادئها.

الإيكونمست: تكتب أنّ "الأمة القومية العقيدية، تحتاج إلى إعادة التوكيد عليها وحمايتها بقوّة من الهجمات المسلطة عليها من كلّ من اليمين واليسار"،  ما هي "الهوية القومية العقيدية"؟ وماذا يمكن لها أن تكون عملياً؟

فوكوياما: الهوية القومية العقيدية؛ هي هوية مستندة إلى عقيدة أو فكرة، لا على أيديولوجيا، وأحد الأمثلة على الأخيرة (أي الهوية الأيديولوجية)، هي هوية فيكتور أوربان للمجر، الذي قال: إنّ الهوية القومية المجرية قائمة على الإثنية المجرية، تلك هوية استبعادية لا تفسح المجال للمواطنيين الذين يعيشون في المجر، لكنّهم ليسوا مجريين.

على النقيض؛ طورّت فرنسا والولايات المتحدة، في أواخر القرن العشرين، هويّات عقيديّة؛ في حالة فرنسا: تمثّلت هذه الهوية في مثل الحرية والمساواة والأخوة، تلك المثل التي نجمت عن الثورة الفرنسية؛ حيث يمكن للمرء أن يصبح مواطناً فرنسياً إذا كان موالياً لتلك المُثل، بغضّ النظر عن العرق أو الإثنية. الأمر نفسه بالنسبة إلى الولايات المتحدة؛ ففي أعقاب الحرب الأهلية، أصبحنا نرى الهوية الأمريكية ولاء للدستور، وحكم القانون، ومبادئ المساواة المجسّدة في إعلان الاستقلال.

ومن وجهة النظر؛ فإنّ الديمقراطيات الليبرالية المعاصرة، التي أصبحت، في واقع الحال، متعددة ثقافياً، يجب عليها أن تتطور عقدياً، في مقابل الهويات الوطنية المرتكزة على أساس الدم، إذا أرادت أن تبقى ديمقراطيات.

الديمقراطيات الليبرالية المعاصرة يجب أن تتطور عقدياً في مقابل الهويات الوطنية المرتكزة على أساس الدم

الإيكونمست: هل دفعت سياسات الهوية بعض الناخبين بعيداً عن السياسات التقدمية؟ وإذا كان، فكيف يمكن لأصواتهم أن تكسَب دون التقليل من محنة الأقليات؟

فوكوياما: كان الناخبون البيض من الطبقات العاملة في قلب الدعم لترامب، وهم هؤلاء الناخبون الذين أحسّوا بأنّ الحزب الديمقراطي أصبح حزباً للأقليات وللنساء المهنيات، ولم يعد يتكلم عما يقلقهم بجديّة، مثل فقدان الوظيفة من الاستعانة بمصادر خارجية. يمكن أن يُقال الشيء نفسه عن الناخبين الأوروبيين من الطبقة العاملة، الذين تجنّبوا اليسار على حساب دعم التعددية الثقافية مؤخراً.

اقرأ أيضاً: فوكوياما: لا بدّ من توفر العدالة حتى في عصابة اللصوص

يجب أن يكون ممكناً تماماً كسب أصوات هؤلاء الناخبين، وذلك على أساس الدعوة إلى وضع اقتصادي واسع النطاق، بدلاً من الدعم الضيق لمجموعة من مجموعات المصالح الخاصّة.

يجب أن يتمّ التعامل مع اللامساواة من خلال السياسات الاجتماعية، كقانون أوباما للرعاية، مما يقدّم الرعاية الصحية للناس كافة، بغض النظر عن الشروط القائمة سلفاً، وبصرف النظر عن العرق والجندر، وحالة الزعزعة، وما شابهها، وإنّه لمن المهم من التقدميين ألّا يسمحوا بأن تغدو الوطنية ملكية حصرية لليمين، أو أن يتركوا التآزر المسوّغ مع المهاجرين يتحول إلى تجاهل لتطبيق قوانين الهجرة القائمة.


المصدر: ?Can liberal democracies survive identity politics

اقرأ المزيد...

الوسوم: