غربة الراعي: محمود شاكر والتلقي الجائر

غربة الراعي: محمود شاكر والتلقي الجائر

مشاهدة

03/08/2019

يُنظر إلى الأستاذ محمود محمد شاكر(1909-1997) دائماً بين الأكاديميين ومن لا يعرفون "حقيقة" إنتاجه وإسهامه على أنّه مجرّد محقّق علميّ لنصوص تراثيّة، شعريّة (كتحقيقه مع الأستاذ عبدالستّار فرّاج لأشعار الهذليين)، أو نقديّة (كتحقيقه لكتاب ابن سلّام الجمحي، طبقات فحول الشعراء)، أو دينيّة (كالأجزاء التي اشتغلَ عليها من تفسير ابن جرير الطبري).

اقرأ أيضاً: اللغة كترياق: هل يمكن تأسيس فلسفة دين استناداً إلى اللغة؟

نسمعُ في المحاضرات الجامعية اسم محمود شاكر، لكنه يجيء خافتاً، وموغلاً في الاختزال. أحياناً يأتي كـ"شيخ" مُدافع عن حصون الهوية الإسلامية (بشكلٍ دعوي مبسّط لأصحاب الأيديولوجيات الإسلامية المبسطة والدعوية، رغم موقفه الحادّ من الإسلام السياسي ممثلاً في الإخوان المسلمين)، أو كـ"محقّق" يعرف قراءة المخطوطات، ويُجيد السير بين الخطوط، وفك ألغازها.

كان محمود محمد شاكر يرى أنّ العربية كتاب واحد وأنّ كل علم هو موصول بالعلوم الأخرى بارتباط وثيق

هذا التلّقي ليس وليد اللحظة، بل إنّه ليمتد إلى زمان الأستاذ شاكر نفسه. وربما كان هذا الشكل من تلقّيه بسبب عزلته عن الحياة الأدبية، التي يصفها "بالفاسدة" دائماً، ومحاولته إعادة قراءة علوم الأمة الإسلامية، علماً علماً؛ من اللغة إلى الفقه إلى الحديث إلى التفسير، وغيرها من العلوم. أذكرُ، في هذا الصدد، ما ذكره الأستاذ شاكر نفسه حين قال إنّه كان يقرأ كتاب "الأمّ" للشافعي، ليس لفقههِ، وإنّما لبيان الشافعي.

أريد أن أوضح، بشيءٍ من الاختصار، ما قدّمه هذا الأستاذ الفهّامة لكلام العرب، والذي يسبر الكلمات ليجيء بسرّ قد أودعه القائل بين ثنايا قوله، بعلم أو بغير علم. لا أريد بالطبع ذكر "بيبلوغرافيا" لأعمال الأستاذ شاكر، فهذا أمر يجيده البحث الإلكتروني اليسير؛ وإنّما أريد أن أوضّح كيف يمكن أن نستنبط من مجمل ما كتبه الأستاذ شاكر في المنهج الذي اتبعه وفي معرفة المستشرقين وتأويلهم للثقافة العربيّة.

اقرأ أيضاً: التراث كعائق تاريخي: نظرة على الإحياء والتحديث الإسلامي

استبصرَ الأستاذ شاكر طريقاً طريفاً منذ وعيه المبكر بعلوم الثقافة العربية، ألا وهي الطريق التي تعني أنّ العلوم الإسلامية مؤطّرة ببنية معرفية واحدة، وبخيط ناظم يجمعها كلها من علوم اللغة إلى علوم الدين، إلخ. أدركَ شاكر الوحدة التي تجمع العلوم كلها، ولذلك فقد "قرأ العربية على أنّها كتابٌ واحد"، وأنّه "ليس هناك كتابٌ يغني عن كتاب"؛ لأن العقل الفاعل هو عقلٌ مشدود بنظامٍ معرفي واحد، يتبدّى في مفترق الفروع العلمية، لكنّه مؤطّر بها دائماً.

تُفيد هذه الإشارة، وهذا الوعي المبكّر منه، إلى الخلل الذي يُصيب دارسي الثقافة الإسلامية والتراث الإسلامي، سواء من المستشرقين أو من الدارسين المسلمين أنفسهم، حيث ينطلقون من فرضية "التجزيء" كما سمّاها الفيلسوف المغربي، طه عبد الرحمن، لا من "التكاملية" لهذه العلوم، وذلك كما في كتابه المهم: "تجديد المنهج في تقويم التراث"، وهو الكتاب الذي أقامه لفهم وإفهام كيف أنّ العلوم الإسلامية علوم تكاملية وليست تجزيئية.

اقرأ أيضاً: عبد الوهاب المسيري وحدود نموذجه المعرفي

نظنّ دائماً أن العقل الفقهي له "براديغم" -وأعتذرُ عن كتابة هذه الألفاظ في حضرة شيخ العربيّة محمود شاكر- منفصل عن "براديغم" العقل اللغوي أو البلاغي، منفصل عن "براديغم" العقل الكلامي؛ في حين أنّ هذا الفصل ليس سوى متخيّل منهجي يصنعه الباحث الذي يدرس الظواهر/العلوم الإسلامية باعتبارها متبابينة فيما بينها. ولهذا، كان المرحوم الأستاذ شاكر، يكرّر دائماً أنه لربّما حصل على شاردةٍ لغوية طريفة في كتاب تاريخ، أو في كتاب لا يُعنى باللغة لا من قريب ولا من بعيد.

كان الأستاذ محمود محمد شاكر يرى أنّ العربية كتاب واحد، وأنّ كل علم هو موصول بالعلوم الأخرى، بارتباط وثيق، وفي علاقة متينة. ويدخل تحت مسمّى "العربية" جملة العلوم التي أنتجها هؤلاء الذين ينطقون العربية ويتكلمون ضمن إطارها الرمزي والفكري. وفي هذا إشارةٌ جليلة، وهي تعبيره عن العلوم الإسلامية بمسمّى جامعٍ هو "العربية". فماذا يمكن أن نفيد منه بهذه التسمية؟

اقرأ أيضاً: خالد زيادة: مشكلتنا أنّ الكل يدّعي امتلاك التفسير الصحيح للإسلام

يمكن الاستفادة من هذه الإشارة المهمة أنّ التهمة الاستشراقية حول "عدم عربية العلوم الإسلامية" باعتبار أنّ أهم العقول التي ساهمت في إنشاء هذه المعرفة كانت عقولاً غير عربية تهمة غير مفسِّرة، بل تهمة ناقصة. وذلك، لأنّ انتقال العقل من لغةٍ إلى لغة هو انتقال رمزي هائل لبنية التفكير، بحيث يغدو يفكر ضمن ما تسمح به هذه اللغة من نظامٍ للمعرفة، ومن مجال رمزي للتفكر والعالَم والإله والإنسان.

بذلك، فالذين أبدعوا في التراث الإسلامي هم ليسوا عرباً كانتماء هشّ لحدود محلية حول مساحة جغرافية ممتدة تسمى العرب، لكنّه عربي وجودياً ونظرياً وتصورياً، فإنّ دخوله في اللغة العربيّة بما هي شرط إنتاج الحقيقة المعرفية ضمن آفاقها الرمزية هو توقيع مسبق بعربيته الميتافيزيقية التي انتمى إليها منذ أن وعى ثقافياً.

اقرأ أيضاً: الفلسفة الإسلامية: مشروع النسيان والنبذ

ويمكن أن أدلّل على هذا الهوس الاستشراقي مثلًا بـ"عدم عربية العلوم الإسلامية" لما أشار إليه مارجليوث بأنّ أبا تمام، الشاعر العباسي، هو يوناني الأصل، وليس طائياً. نلمح من هذه الإشارة عدة أمور: أولاً، أنّ محاولة مارجليوث، وهو مستشرق كان يكرهه الأستاذ شاكر كرهاً شديداً، في إثبات يونانية أبي تمام فيها نوعٌ من الاستعلاء اليوناني على الثقافة العربية، فلأنّ أبا تمام كان هو المجدد والذي خرج على "عمود الشعر"، وهو الذي جدّد القول الشعري بالفعل، فمن الغريب، بالنسبة إلى مستشرقٍ كمارجليوث، أن يكون عربياً. ثانياً، أنّ ذلك فيه استبطان بأنّ الثقافة العربية هي ثقافة اتباعية لم تُنتج الحقيقةَ ضمن آفاقها، ولم تستطع احتمال نمطٍ من التقاليد التي خلقتها لنفسها ليس بمعزلٍ عن الآخر، وإنما بالتحاور معه.

لا يتوقّف إسهام شاكر عن حدود الكشف عن محدوديّة العقل الاستشراقيّ، وربّما كان مدخله غير الذي ذكرتُ، فقد حاولتُ استنباط ما يمكن أن نستفيده منه.

اقرأ أيضاً: محمد عابد الجابري: مثقف المشروع

ويمكن بقراءة متفحّصة لشاكرٍ أن نبصرَ، من ناحيةٍ ثانية، الروح النقدية التي كان يمتلكها تجاه النقّاد القدامى والعلماء. دائماً ما نصرّ على استقبال شاكر كـ"سلفي" حديث، أو كـ"سلفي" يمكن توظيفه في حروبنا الداخلية. الأستاذ شاكر ليس سلفياً، إنّه ناقدٌ جريء، ويفكّر فيما يقرأ من التراث. أكتفي هنا بنقلِ شاهدٍ كان قد علّق به على بيت امرئ القيس الشهير: "وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سدوله عليّ بأنواعِ الهموم ليبتلي"، حيث يوضّح شاكر، بطرافة لغوية وذكاء بلاغي حادّ، ما قام به نقّادنا القدامى من تحريف لمعنى البيت. يقول شاكر في نصّ طويل:

"وهذا البيت أيضاً مما (زعم) الشراح أنه شبّه الليل فيه بموج البحر في ظلمته ووحشته وهوله، وأن قوله: "بأنواع الهموم" متعلق بـ"أرخى عليّ". والتشبيه الذي زعموه هو هنا (فاسد) فيما أرى. والموج في البيت مصدر لا اسم، وأصل سياقة البيت: "وليل يموج بأنواع الهموم ليبتلي، موجاً كموج البحر أرخى عليّ سدوله". فظلمة الليل في قوله "أرخى عليّ سدوله"، أما التوحش والهول فهو توحش الهموم الطاغية المتضرّبة عليه في ظلام الليل. (وهذا أحقّ بامرئ القيس ونبالة معانيه). ومن تأمل عرف ما فيه من الروعة والإيجاز واللمح البعيد القريب للمعاني المختلفة. وههنا أمرٌ مهمّ، ذلك أنّ الحذف الطويل في شعر امرئ القيس خاصة وفي شعر غيره كثير، فمن ذلك قول امرئ القيس:

يمكن بقراءة متفحّصة لشاكر أن نبصرَ الروح النقدية التي كان يمتلكها تجاه النقّاد القدامى والعلماء

إذا قامتا تضوع المسك منهما = نسيم الصبا جاءت بريّا القرنفلِ

ومعناه: تضوع تضوعاً مثل تضوع نسيم الصبا.

وفي كتاب الله سبحانه: "فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت"، قال العز بن عبد السلام: تقدير: ينظرون إليك دائرة أعينهم دوراناً كدوران عين الذي يغشى عليه من حذر الموت. (فهذا بابٌ ينبغي إحكامه لمن أراد أن يستوعب ذكاء العربية)".

وضعتُ بعض كلمات النص بين قوسين، عمداً، كي أبيّن للقارئ هذه الرّوح النقديّة، التي نجدها في تحقيقاته وتعليقاته على النقّاد القدامى بكثرة، ولأوضّح أن الأستاذ شاكر ليس محققاً، إنّه متذوّق وعارف كبير ببيان العرب وطرائق كلامهم. ليس هذا مدحاً فيه؛ لأنه لا يحتاجه، لكنه طرفٌ لبيان ما يمكن أن يمدّنا هذا الرجل العظيم في إعادة تدبير قراءتنا ونظرتنا للعلوم الإسلامية العربية.

الصفحة الرئيسية