غربة الراعي: محمود شاكر والتلقي الجائر

5058
عدد القراءات

2019-08-03

يُنظر إلى الأستاذ محمود محمد شاكر(1909-1997) دائماً بين الأكاديميين ومن لا يعرفون "حقيقة" إنتاجه وإسهامه على أنّه مجرّد محقّق علميّ لنصوص تراثيّة، شعريّة (كتحقيقه مع الأستاذ عبدالستّار فرّاج لأشعار الهذليين)، أو نقديّة (كتحقيقه لكتاب ابن سلّام الجمحي، طبقات فحول الشعراء)، أو دينيّة (كالأجزاء التي اشتغلَ عليها من تفسير ابن جرير الطبري).

اقرأ أيضاً: اللغة كترياق: هل يمكن تأسيس فلسفة دين استناداً إلى اللغة؟

نسمعُ في المحاضرات الجامعية اسم محمود شاكر، لكنه يجيء خافتاً، وموغلاً في الاختزال. أحياناً يأتي كـ"شيخ" مُدافع عن حصون الهوية الإسلامية (بشكلٍ دعوي مبسّط لأصحاب الأيديولوجيات الإسلامية المبسطة والدعوية، رغم موقفه الحادّ من الإسلام السياسي ممثلاً في الإخوان المسلمين)، أو كـ"محقّق" يعرف قراءة المخطوطات، ويُجيد السير بين الخطوط، وفك ألغازها.

كان محمود محمد شاكر يرى أنّ العربية كتاب واحد وأنّ كل علم هو موصول بالعلوم الأخرى بارتباط وثيق

هذا التلّقي ليس وليد اللحظة، بل إنّه ليمتد إلى زمان الأستاذ شاكر نفسه. وربما كان هذا الشكل من تلقّيه بسبب عزلته عن الحياة الأدبية، التي يصفها "بالفاسدة" دائماً، ومحاولته إعادة قراءة علوم الأمة الإسلامية، علماً علماً؛ من اللغة إلى الفقه إلى الحديث إلى التفسير، وغيرها من العلوم. أذكرُ، في هذا الصدد، ما ذكره الأستاذ شاكر نفسه حين قال إنّه كان يقرأ كتاب "الأمّ" للشافعي، ليس لفقههِ، وإنّما لبيان الشافعي.

أريد أن أوضح، بشيءٍ من الاختصار، ما قدّمه هذا الأستاذ الفهّامة لكلام العرب، والذي يسبر الكلمات ليجيء بسرّ قد أودعه القائل بين ثنايا قوله، بعلم أو بغير علم. لا أريد بالطبع ذكر "بيبلوغرافيا" لأعمال الأستاذ شاكر، فهذا أمر يجيده البحث الإلكتروني اليسير؛ وإنّما أريد أن أوضّح كيف يمكن أن نستنبط من مجمل ما كتبه الأستاذ شاكر في المنهج الذي اتبعه وفي معرفة المستشرقين وتأويلهم للثقافة العربيّة.

اقرأ أيضاً: التراث كعائق تاريخي: نظرة على الإحياء والتحديث الإسلامي

استبصرَ الأستاذ شاكر طريقاً طريفاً منذ وعيه المبكر بعلوم الثقافة العربية، ألا وهي الطريق التي تعني أنّ العلوم الإسلامية مؤطّرة ببنية معرفية واحدة، وبخيط ناظم يجمعها كلها من علوم اللغة إلى علوم الدين، إلخ. أدركَ شاكر الوحدة التي تجمع العلوم كلها، ولذلك فقد "قرأ العربية على أنّها كتابٌ واحد"، وأنّه "ليس هناك كتابٌ يغني عن كتاب"؛ لأن العقل الفاعل هو عقلٌ مشدود بنظامٍ معرفي واحد، يتبدّى في مفترق الفروع العلمية، لكنّه مؤطّر بها دائماً.

تُفيد هذه الإشارة، وهذا الوعي المبكّر منه، إلى الخلل الذي يُصيب دارسي الثقافة الإسلامية والتراث الإسلامي، سواء من المستشرقين أو من الدارسين المسلمين أنفسهم، حيث ينطلقون من فرضية "التجزيء" كما سمّاها الفيلسوف المغربي، طه عبد الرحمن، لا من "التكاملية" لهذه العلوم، وذلك كما في كتابه المهم: "تجديد المنهج في تقويم التراث"، وهو الكتاب الذي أقامه لفهم وإفهام كيف أنّ العلوم الإسلامية علوم تكاملية وليست تجزيئية.

اقرأ أيضاً: عبد الوهاب المسيري وحدود نموذجه المعرفي

نظنّ دائماً أن العقل الفقهي له "براديغم" -وأعتذرُ عن كتابة هذه الألفاظ في حضرة شيخ العربيّة محمود شاكر- منفصل عن "براديغم" العقل اللغوي أو البلاغي، منفصل عن "براديغم" العقل الكلامي؛ في حين أنّ هذا الفصل ليس سوى متخيّل منهجي يصنعه الباحث الذي يدرس الظواهر/العلوم الإسلامية باعتبارها متبابينة فيما بينها. ولهذا، كان المرحوم الأستاذ شاكر، يكرّر دائماً أنه لربّما حصل على شاردةٍ لغوية طريفة في كتاب تاريخ، أو في كتاب لا يُعنى باللغة لا من قريب ولا من بعيد.

كان الأستاذ محمود محمد شاكر يرى أنّ العربية كتاب واحد، وأنّ كل علم هو موصول بالعلوم الأخرى، بارتباط وثيق، وفي علاقة متينة. ويدخل تحت مسمّى "العربية" جملة العلوم التي أنتجها هؤلاء الذين ينطقون العربية ويتكلمون ضمن إطارها الرمزي والفكري. وفي هذا إشارةٌ جليلة، وهي تعبيره عن العلوم الإسلامية بمسمّى جامعٍ هو "العربية". فماذا يمكن أن نفيد منه بهذه التسمية؟

اقرأ أيضاً: خالد زيادة: مشكلتنا أنّ الكل يدّعي امتلاك التفسير الصحيح للإسلام

يمكن الاستفادة من هذه الإشارة المهمة أنّ التهمة الاستشراقية حول "عدم عربية العلوم الإسلامية" باعتبار أنّ أهم العقول التي ساهمت في إنشاء هذه المعرفة كانت عقولاً غير عربية تهمة غير مفسِّرة، بل تهمة ناقصة. وذلك، لأنّ انتقال العقل من لغةٍ إلى لغة هو انتقال رمزي هائل لبنية التفكير، بحيث يغدو يفكر ضمن ما تسمح به هذه اللغة من نظامٍ للمعرفة، ومن مجال رمزي للتفكر والعالَم والإله والإنسان.

بذلك، فالذين أبدعوا في التراث الإسلامي هم ليسوا عرباً كانتماء هشّ لحدود محلية حول مساحة جغرافية ممتدة تسمى العرب، لكنّه عربي وجودياً ونظرياً وتصورياً، فإنّ دخوله في اللغة العربيّة بما هي شرط إنتاج الحقيقة المعرفية ضمن آفاقها الرمزية هو توقيع مسبق بعربيته الميتافيزيقية التي انتمى إليها منذ أن وعى ثقافياً.

اقرأ أيضاً: الفلسفة الإسلامية: مشروع النسيان والنبذ

ويمكن أن أدلّل على هذا الهوس الاستشراقي مثلًا بـ"عدم عربية العلوم الإسلامية" لما أشار إليه مارجليوث بأنّ أبا تمام، الشاعر العباسي، هو يوناني الأصل، وليس طائياً. نلمح من هذه الإشارة عدة أمور: أولاً، أنّ محاولة مارجليوث، وهو مستشرق كان يكرهه الأستاذ شاكر كرهاً شديداً، في إثبات يونانية أبي تمام فيها نوعٌ من الاستعلاء اليوناني على الثقافة العربية، فلأنّ أبا تمام كان هو المجدد والذي خرج على "عمود الشعر"، وهو الذي جدّد القول الشعري بالفعل، فمن الغريب، بالنسبة إلى مستشرقٍ كمارجليوث، أن يكون عربياً. ثانياً، أنّ ذلك فيه استبطان بأنّ الثقافة العربية هي ثقافة اتباعية لم تُنتج الحقيقةَ ضمن آفاقها، ولم تستطع احتمال نمطٍ من التقاليد التي خلقتها لنفسها ليس بمعزلٍ عن الآخر، وإنما بالتحاور معه.

لا يتوقّف إسهام شاكر عن حدود الكشف عن محدوديّة العقل الاستشراقيّ، وربّما كان مدخله غير الذي ذكرتُ، فقد حاولتُ استنباط ما يمكن أن نستفيده منه.

اقرأ أيضاً: محمد عابد الجابري: مثقف المشروع

ويمكن بقراءة متفحّصة لشاكرٍ أن نبصرَ، من ناحيةٍ ثانية، الروح النقدية التي كان يمتلكها تجاه النقّاد القدامى والعلماء. دائماً ما نصرّ على استقبال شاكر كـ"سلفي" حديث، أو كـ"سلفي" يمكن توظيفه في حروبنا الداخلية. الأستاذ شاكر ليس سلفياً، إنّه ناقدٌ جريء، ويفكّر فيما يقرأ من التراث. أكتفي هنا بنقلِ شاهدٍ كان قد علّق به على بيت امرئ القيس الشهير: "وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سدوله عليّ بأنواعِ الهموم ليبتلي"، حيث يوضّح شاكر، بطرافة لغوية وذكاء بلاغي حادّ، ما قام به نقّادنا القدامى من تحريف لمعنى البيت. يقول شاكر في نصّ طويل:

"وهذا البيت أيضاً مما (زعم) الشراح أنه شبّه الليل فيه بموج البحر في ظلمته ووحشته وهوله، وأن قوله: "بأنواع الهموم" متعلق بـ"أرخى عليّ". والتشبيه الذي زعموه هو هنا (فاسد) فيما أرى. والموج في البيت مصدر لا اسم، وأصل سياقة البيت: "وليل يموج بأنواع الهموم ليبتلي، موجاً كموج البحر أرخى عليّ سدوله". فظلمة الليل في قوله "أرخى عليّ سدوله"، أما التوحش والهول فهو توحش الهموم الطاغية المتضرّبة عليه في ظلام الليل. (وهذا أحقّ بامرئ القيس ونبالة معانيه). ومن تأمل عرف ما فيه من الروعة والإيجاز واللمح البعيد القريب للمعاني المختلفة. وههنا أمرٌ مهمّ، ذلك أنّ الحذف الطويل في شعر امرئ القيس خاصة وفي شعر غيره كثير، فمن ذلك قول امرئ القيس:

يمكن بقراءة متفحّصة لشاكر أن نبصرَ الروح النقدية التي كان يمتلكها تجاه النقّاد القدامى والعلماء

إذا قامتا تضوع المسك منهما = نسيم الصبا جاءت بريّا القرنفلِ

ومعناه: تضوع تضوعاً مثل تضوع نسيم الصبا.

وفي كتاب الله سبحانه: "فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت"، قال العز بن عبد السلام: تقدير: ينظرون إليك دائرة أعينهم دوراناً كدوران عين الذي يغشى عليه من حذر الموت. (فهذا بابٌ ينبغي إحكامه لمن أراد أن يستوعب ذكاء العربية)".

وضعتُ بعض كلمات النص بين قوسين، عمداً، كي أبيّن للقارئ هذه الرّوح النقديّة، التي نجدها في تحقيقاته وتعليقاته على النقّاد القدامى بكثرة، ولأوضّح أن الأستاذ شاكر ليس محققاً، إنّه متذوّق وعارف كبير ببيان العرب وطرائق كلامهم. ليس هذا مدحاً فيه؛ لأنه لا يحتاجه، لكنه طرفٌ لبيان ما يمكن أن يمدّنا هذا الرجل العظيم في إعادة تدبير قراءتنا ونظرتنا للعلوم الإسلامية العربية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف ابتلعت جماعة الإخوان الدولة الوطنية؟

2019-11-17

لعلّ الفارق بين المجتمع البدائي والمجتمع الحديث، يدور حول جملة من المعطيات التي تميّز الثاني عن الأول، وهو ما انتبه إليه عالم الاجتماع، هنري ماين، في معرض تحليله لتطور المجتمعات الإنسانيّة، وأبرز هذه المعطيات؛ مفهوم التعاقدية، ومفهوم المكانة التي تؤسس لنوعية الدور الوظيفي للأفراد، وفق القدرات والمهارات الشخصية، بالتالي؛ تتحلل المجتمعات المركزية، التي تقوم على أواصر مثل: القرابة والعرق والدين، لصالح الجماعة الوطنيّة الحديثة، التي تقوم، وفق توصيف دور كايم، على التضامن العضوي الحرّ بين أفرادها.

اقرأ أيضاً: رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا
من هنا نشأت فكرة الوطن القومي، وتجلّت في التاريخ الحديث، كمحصلة لتطور الجماعة البشرية على كافة المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ حيث بدأت الجماعة القبلية/ الدينية في الانحسار تدريجيّاً، لصالح فكرة الدولة القائمة على مفهوم العقد الاجتماعي الذي نظّر له روسو. 

اختار الإخوان المسلمون نوعاً آخر من أشكال الانتحار السياسي، بتقسيم العالم دينيّاً إلى أرض حياد وأرض جهاد

وسرعان ما تفجّرت الحالة القومية في التاريخ، مع تراجع دور المؤسسة الدينية التقليدية، ليصبح الانتماء لوطن واحد، تجمع بين أفراده مجموعة جديدة من المعايير، مثل: التاريخ المشترك، والتراث الثقافي/ الاجتماعي الواحد؛ فالقومية تنطلق من وجود مكون نفسي جمعي، في محيط جغرافي تحدده قدرة الجماعة المتسقة عضوياً على تحقيق السيادة فيه، وبظهور ألمانيا الموحدة وإيطاليا الموحدة، ظهرت تنظيرات متعددة لفكرة القومية، احتلت فيها العناصر الإثنية واللغوية صدارة المشهد السياسي، الذي وجهت النخبة البرجوازية عناصر التغيير القومي فيه، وهو ما وصل تأثيره إلى المنطقة العربية، مع تراجع نفوذ الإمبراطورية العثمانية، قبيل سقوطها التدريجي.
وسرعان ما تطورت الفكرة القومية، بصورة أكثر شمولية، لتكرس المزيد من العناصر المكونة لفكرة الوطنيّة، التي أدارت ظهرها لفارق اللغة والعرق، لصالح إدارة التنوع في الدولة الواحدة، طالما اجتمعت الجماعة في بقعة جغرافية، اتفقت على بسط سيادتها وتحقيق مصالحها فيها، بالتالي؛ تحللّت مركزيات أخرى متعددة، وظهرت أنماط اقتصادية أكثر تعاونية وميلاً نحو اليسار، عن تلك التي أسّست لها النخبة البرجوازية في مرحلة التأسيس، كما ظهرت الأدوار الفرديّة بصورة أكثر تأثيراً، وهو ما ساعد في انطلاق القدرات الكامنة في الأشخاص.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" تحارب الجيش الليبي بـ850 ألف حساب وهمي
في هذا السياق المفاهيمي المفعم بالوطنية القومية، ذات القدرة على الانتشار الشعبي، كان لدى جماعة الإخوان المسلمين تصورات مغايرة، أدارت من خلالها ظهرها لحركة التاريخ، فيما يتعلق بتطور الجماعات البشرية، لتستدعي مركزية الدين في غير موضعها، لابتلاع الدولة الوطنية، وتفكيكها مؤسسيّاً، لصالح جماعة ربانيّة، ادّعت امتلاك نوع رديء من الخلاصيّة المطلقة. 
الأمميّة الدينية ووهم أستاذية العالم
على عكس النزعة الذاتية/ الفردانيّة التي قادت عمليات التحول الاجتماعي في العصر الحديث، والتي سرعان ما بدأت تتشكّل في صورة موجات الوحدة القوميّة في أوروبا، وبلورتها في العالم الثالث حركات التحرر الوطني في مواجهة الاستعمار، استدعت جماعة الإخوان المسلمين مجموعة من المفاهيم القروسيطيّة، التي تدور في فلك الانتماء لكيان مفارق، هو الدولة الدينيّة المقدسة ذات الأدوار الوظيفية التي انتهت إكلينيكيّاً، وهو ما يعكس حالة من حالات اغتراب الوعي في تيه الصعود الأيديولوجي، بشكل مضاد تماماً لحركة التاريخ، في محاولة لقلب وتطويع الواقع؛ لصالح تصورات سياسية مغلقة، في قوالب مفعمة بالمقولات الدينيّة، ذات الأفق المحدود، والفقر الواضح في عناصرها المكونة.

أودت تصورات الأمميّة الدينيّة والرغبة المحمومة في أستاذية العالم، بالمشروع الإخواني إلى هاوية تاريخيّة، سبحت به عكس التيار

في ذروة صعود المدّ العروبي، الذي جاء كمحاولة لتأسيس شخصيّة قوميّة مستقلة في محيط تلك الوحدة الثقافية، المتسقة عضوياً من المحيط إلى الخليج، بعيداً عن مساعي الهيمنة الغربية التي دشّنها مشروع أيزنهاور، عام 1957، والاستقطاب السوفييتي الحاد، بدءاً من صفقة الأسلحة التشيكية، عام 1955، وفي سياق واحدة من أشرس معارك التحرر الوطني، اختار الإخوان المسلمون نوعاً آخر من أشكال الانتحار السياسي، بتقسيم العالم دينيّاً إلى أرض حياد وأرض جهاد، وتكفير تيارات نضالية بعينها، رغم وحدة المصير والمعركة، واختلاق نوع آخر من الأمميّة، هي الأمميّة الدينية، رغم صعوبة تخلّق معطياتها أو تشكلها من الناحية السياسيّة، واستحالة هذا الطرح جغرافياً، واللافت أنّ الإخوان الذين حشدوا لمعركة فلسطين، ووظفوها دعائيّاً في إطار الحرب الدينية على اليهود، أداروا ظهرهم لمعركة التحرر الوطني في الجزائر، والتي حمل التيار القومي تبعات دعمها حتى النهاية؛ بل ورأت الجماعة في رموز النضال الأممّي ضدّ الهيمنة الاستعمارية، والرأسمالية الغربية، رموزاً للكفر والإلحاد، رغم ما بذله هؤلاء من تضحيات فائقة.

اقرأ أيضاً: هل تنجح حركة النهضة الإخوانية بالاستفراد بالمشهد السياسي التونسي؟‎
وفي الوقت الذي تطوع فيه عشرات الآلاف من دول الكتلة الشيوعية، للقتال في معركة السويس، إبان العدوان الثلاثي على مصر، عام 1956، لم يُسمع للجماعة صوت! وقد تبدو محنة الحظر والسجن التي مرّت بها الجماعة مبرراً لصمتها المريب آنذاك، إلا أنّ موقف شحاتة هارون، اليهودي المصري الذي بعث إبان حرب حزيران (يونيو) 1967، رسالة من سجنه، يطلب فيها التطوع للقتال ضدّ إسرائيل، يفضح الجماعة ويكشف مبرراتها الواهية، لتفسير تخاذلها في واحدة من أبرز المعارك الوطنية.
لقد أودت تصورات الأمميّة الدينيّة، والرغبة المحمومة في أستاذية العالم، بالمشروع الإخواني إلى هاوية تاريخيّة، سبحت به عكس التيار، في دوائر تيه أبدية داخل مدارات المستحيل.
الاقتصاد الريعي وطبقية التنظيم
منذ لحظة التأسيس؛ احتفى الإخوان المسلمون بنمط الاقتصاد الريعي القائم على التجارة، وفق قاعدة "تسعة أعشار الرزق في التجارة"، وكثيراً ما احتفى المرشد الأول حسن البنا بالأثرياء، وسعى إلى التقرّب إليهم، وضمّ من يستطيع منهم إلى الجماعة، والمدقِّق في البنية الاقتصادية عند الجماعة، يلاحظ وجود هيكل رأسمالي بدأ بسيطاً، وانتهى كبنية شديدة التعقيد، تراعي في مساقاتها تراتبية طبقية صارمة، متقاربة هرمياً عند القاعدة، شديدة الاتساع صعوداً نحو القمة.

كثيراً ما احتفى المرشد الأول، حسن البنا، بالأثرياء وسعى إلى التقرّب إليهم وضمّ من يستطيع منهم إلى الجماعة

ذلك النهج الطبقي، بغطاء ديني لتبرير الفوارق الفجّة، جعل الجماعة في بُعد آخر، بينما الإصلاحات الاقتصادية تكتنف العالم من الشرق إلى الغرب، وقد ظهرت إبان ثورة الشباب عدة تنظيرات سياسيّة أخذت الرأسمالية الغربية، وبشكل متفاوت نحو اليسار، بصعود الأحزاب والتيارات الاشتراكية، وتدشين طروحات الطريق الثالث، والاشتراكية الاجتماعية، مع سنّ قوانين الرعاية الاجتماعية، وحقوق العمال، وغير ذلك من المتغيرات، التي حركت وطورت من كافة النظريات الاقتصادية حول العالم.
وحدها الجماعة ظلّت تدير ظهرها للسياسات الاشتراكية، وتكرس للمزيد من التوجهات اليمينة في بنيتها الداخلية، وهو ما جعل الفجوة تتسع، والقدرة على ممارسة الأدوار الاقتصادية بشكل سياسي تتضاءل، وهو ما تجلّى في مشروعها للنهضة، إبان ثورات الربيع العربي، القائم على المتاجرة في النقد السائل، والهيمنة الرأسمالية على الأنشطة الاقتصادية، وافتقد لأيّ بعد إنساني يدعم الطبقات الفقيرة.

للمشاركة:

دراسة جديدة تبحث أوضاع النساء في العالم.. من أسوأ الدول؟ ولماذا؟

2019-11-17

قام بعض الناشطين والناشطات بدراسة إحصائية لمؤشر "المرأة والسلام والأمن" لعام 2019/2020 (wps)، من حيث المتغيرات التي طرأت على العالم، وقد تناولت الدراسة وضع المرأة في مئة وسبع وستين دولة في العالم، وتضمّنت الإحصائية المذكورة مؤشرات: العمالة والأمن والتمثيل السياسي، وصولاً إلى الاستقلال المالي والحسابات المصرفية.

اقرأ أيضاً: المرأة اللبنانية تحطم الصورة النمطية وتصنع أيقونة الثورات العربية
احتلّ اليمن المرتبة الأخيرة، لما يشهده من تدهور في أوضاع النساء في جميع جوانب الحياة، تلته أفغانستان، ثم سوريا، ليس مفاجئاً أن تكون سوريا ثالث أسوأ دولة في العالم يمكن أن تعيش فيها المرأة، تليها الباكستان، ثم جنوب السودان.
فما هي القواسم المشتركة بين صنعاء وكابول ودمشق وإسلام آباد وجوبا؟
أحالت الدراسة تردّي أوضاع المرأة، أو تحسّنها، إلى جملة من العوامل أو الأسباب، كان النزاع المسلح الذي لم تنطفئ ناره في أفغانستان، ويتفاقم يوماً بعد يوم في كلّ من اليمن وسوريا، في مقدمة هذه العوامل، التي تؤدي إلى تدهور نوعية حياة المرأة، في ظلّ تدهور عام لشروط الحياة الإنسانية.

سوريا ثالث أسوأ دولة في العالم يمكن أن تعيش فيها المرأة تليها الباكستان ثم جنوب السودان

أما على الجانب الآخر؛ أي الدول الأفضل لوضع المرأة، تأتي النرويج في المرتبة الأولى؛ إذ حصلت على درجة مثالية في الإدماج المالي للمرأة، وحققت مكاسب كبيرة في التطبيق والإدراك لأهمية حماية المرأة وتعزيز أمنها، وسويسرا في المرتبة الثانية، ثم فلندا والدنمارك وآيسلندا.
يتضح من خلال تلك الإحصائية، أنّ العالم مهتم بشؤون المرأة، ويعمل على الحدّ من التمييز ضدّها، لكنّ الإحصائية نفسها تبيّن أنّه من بين جميع الدول التي شملتها الدراسة لم تحصل أيّة دولة على درجة الامتياز لوضع المرأة فيها، ما يعني أنّ أوضاع المرأة في العالم بوجه عام ليست على ما يرام، وغالبية نساء العالم لسنَ بخير، لكنّ درجة الاختلاف والتفاوت كبيرة جداً، بين وضع المرأة في الدول المتقدمة ووضعها في الدول المتخلفة، والأسوأ في الدول التي تخضع لنزاعات مسلحة؛ فهل تتأثر المرأة بالنزاعات أكثر مما يتأثر الرجل؟ وما هو السبب وراء ذلك؟

اقرأ أيضاً: "النسوية".. المرأة الغربية ماتزال تعاني التمييز
لو كانت الدراسات والإحصاءات دورية، تجري كلّ عام أو أكثر، لتبيّن أنّ أوضاع النساء في سوريا وغيرها من البلدان العربية تتدهور عاماً بعد عام، وأنّ الحياة الإنسانية تتدهور عاماً بعد عام، لا بسبب الحجر على النساء وتقييد حريتهن واضطهادهن واستغلالهن وحرمانهن من الحقوق فقط، بل بسبب فساد الأنظمة الاجتماعية والسياسية، الذي أدّى إلى تفكّك المجتمعات وتدهور القيم الأخلاقية، علاوة على تنامي الفقر والجهل والمرض والبطالة ونهب قوت الناس وقوة عمل المجتمع وثروات الوطن.

بالنسبة للدول الأفضل لوضع المرأة تأتي النرويج في المرتبة الأولى ثم سويسرا تبعتها فلندا والدنمارك وآيسلندا

الأسوأ في أوقات النزاع؛ هو زجّ النساء في الأعمال الحربية والاستخبارية، تحت عناوين مختلفة، منها مساواة النساء بالرجال، وقدرة النساء على القيام بالأعمال التي يقوم بها الرجال، فصارت النساء مقاتلات وبطلات وشهيدات،... إلخ.
لقد كانت سوريا من أوائل الدول التي أقرّت حقوقاً سياسية للنساء؛ إذ أُقرَّ حقّ المرأة في الاقتراع العام 1949؛ أي قبل أن يقرّ في فرنسا، أو في العام نفسه، وكانت النساء، في خمسينيات القرن الماضي، تشارك في الاحتجاجات الشعبية، وتخرج من الحارات الدمشقية التي صارت في الوقت الحاضر أكثر تعصباً، دينياً واجتماعياً، حيال النساء؛ ذلك لأنّ دور المرأة كان فعّالاً في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، وكانت النهضة التعليمية للفتيات والنساء في أوج حماستها، وكان الاستبداد الديني أخفّ وطأة على النساء، مما هو اليوم، ولم تكن السلطة السياسية مستبدة، كما هي في الوقت الحالي، مع أنّ القوانين السورية الخاصة بالمرأة في تلك الفترة لم تختلف عن القوانين الحالية، خاصّة قانون الأحوال الشخصية.

اقرأ أيضاً: المرأة الإماراتية في قطاع الفضاء .. قصص نجاح ملهمة عنوانها التمكين
لا يقتصر تأثير النزاعات المسلحة، وغير المسلحة، على وضع المرأة في البلدان النامية فقط، ففي المجتمعات المتقدمة أيضاً تتأثر المرأة أكثر من الرجل في النزاع، والدليل على هذا التأثر؛ القرار رقم 1325، الذي أصدره مجلس الأمن لحماية النساء والأطفال من النزاعات، العام 2000، وقد أضاف إلى موضوع الحماية إشراك النساء في حلّ النزاعات وبناء السلام، نظراً إلى دورها الفاعل في بعض المجتمعات وعدم فاعليتها في مجتمعات أخرى، فهو تحفيز للدول والمجتمعات التي تُغفل دور المرأة في صنع السلام*.
في كتابها "بنيان الذكورة"؛ تبيّن الدكتورة رجاء بن سلامة، انبناء الثقافة التقليدية على ثنائية الذكورة والأنوثة، وترصد مظاهر عملية البناء الثقافي على هذه الثنائية المركزية بقولها: "... أصبحت الثقافة التقليدية المركزية وإعادة بنائها في العصر الحديث، وما يصحب البناء وإعادة البناء من أنظمة تبريرية وآليات تفكير، تحوّل الهيمنة التاريخية إلى بديهيات ومسلمات غير قابلة للنقاش".

من بين جميع الدول التي شملتها الدراسة الدولية لم تحصل أيّ منها على درجة الامتياز لوضع المرأة فيها

إذاً، ليست النزاعات وحدها ما تؤثر في فاعلية دور المرأة في المجتمع، أو تجعلها متأثرة في النزاعات أكثر من الرجل؛ فالنظرة الاجتماعية التقليدية للمرأة، التي جعلتها أقلّ منزلة من الرجل، تجعل تأثّرها بالنزاع مسألة حتمية؛ فالأطراف المتنازعة تستغل النساء للضغط على الرجال على أنهنّ الحلقة الأضعف في تلك المجتمعات المتنازعة، فعلاقات الهيمنة واللامساواة تجعل الوعي بالمسلّمات أكثر قصوراً وأكثر تخلفاً، فلم تعد المرأة نفسها تنظر إلى الاغتصاب، على سبيل المثال؛ إلّا بصفته انتهاكاً لشرف العائلة والقبيلة والعشيرة، وليس انتهاكاً لإنسانيتها وحريتها وكرامتها الإنسانية، وهذا الأمر (الاغتصاب) نراه بكثرة أثناء النزاعات.
أما السلطة السياسية التي تحجّم دور المرأة في الحياة العامة؛ فهي الأكثر تأثيراً عليها في حالات الحرب والسلم؛ فالمرأة ليست في حاجة إلا إلى الاعتراف بوجودها كإنسانة حرة، لديها القدرة على حماية نفسها أثناء النزاع، بواسطة قانون يساويها بالرجل في الحقوق والواجبات، فلو كانت المرأة في الدول التي حصلت على أسوأ درجة في الإحصائية السابقة؛ تتمتع بالحرية والمساواة كالمرأة الألمانية التي أعادت بناء ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لما وصلت تلك الدول إلى ما هي عليه الآن، فوضع المرأة في كلّ مجتمع ينمّ عن تطوره ومدى حداثته وتقدمه.


هامش:

* لا مجال لذكر بنود القرار رقم 1325، موجود على موقع الأمم المتحدة.

للمشاركة:

كتاب "الإنسان والمقدّس".. هل نبحث عن استقرار المتناقضات؟

2019-11-16

لست متأكداً إن كنت بهذا العرض سأقدم فكرة تعكس بدقة وأمانة محتوى هذا الكتاب الذي نحن بصدده "الإنسان والمقدّس"، تأليف روجيه كايوا، بترجمة سميرة ريشا، المنظمة العربية للترجمة، ولست متأكداً أيضاً أنّ الترجمة العربية قد استوعبته كما ينبغي، لكن يجب أن نقدّر أيضاً أنّ الدين، بما هو ابتداءً إجابة للأسئلة التي عجزت الفلسفة، ومن قبلها العلم، عن إجابتها، وفي ذلك فإنّ الغموض العميق الذي يلفّ الكون والحياة جرى استيعابه على نحو ما بمنظومة من الأفكار والطقوس والرموز والتصورات التي تشعر بالغموض، وتحاول في الوقت نفسه أن تديره وتنظمه، وتدبّر شأن الإنسان في عبوره.

اقرأ أيضاً: وبَطُل السِّحر "المقدس"!
سأقدّم بعض أفكار الكتاب، التي وإن لم تستوعبه بكفاءة؛ فإنّها تمنح القارئ (ربما) قدراً من التصور لعلاقة الإنسان بالمقدس؛ إذ يفترض أيّ تصور ديني للعالم التمييز بين المقدس والدنيوي، والإنسان المتدين هو من يعتقد بوجود وسطين متكاملين، أحدهما يستطيع الإنسان أن يتحرك فيه بعيداً عن القلق، والآخر يضبط فيه كلّ ميل من ميوله ويحتويه ويوجهه شعور حميم بالتبعية، ويتحدّد العالمان، المقدس والدنيوي، كلّ بالآخر، حتى يستحيل بمعزل عن هذه المقارنة إعطاء تعريف دقيق لأيّ منهما.

الدين ابتداءً إجابة للأسئلة التي عجزت الفلسفة ومن قبلها العلم عن إجابتها

يبدو المقدس إحدى مقولات الإحساس، بل هو في الحقيقة المقولة التي يبنى عليها السلوك الديني، تلك التي تمنحه خاصته النوعية، وتفرض على المؤمن شعوراً مميزاً بالاحترام، يحصّن إيمانه ضدّ روح النقد، كما تجعله بمنأى عن الجدل العقيم بوضعها إياه خارج نطاق العقل وما وراءه.
يقول هنري هوبير: "الدين تدبير المقدس، إنّه الفكرة الأم التي يتمحور حولها الدين، على حدّ قول هنري هوبير، فالأساطير والمعتقدات تحلّل مضمونه على طريقتها والطقوس تستخدم خصائصه، والكهنة يجسدونه والمعابد والأماكن المقدسة والصروح الدينية توطده، وتجذره في الأرض، ومنه تنشأ الأخلاقية الدينية، الدين هو تدبير المقدس".
ليس المقدس صفة تملكها الأشياء في حدّ ذاتها، بل هو عطية سرية متى فاضت على الأشياء أو الكائنات أسبغت عليها تلك الصفة، والمقدس، كما يقول هرتز: "عَدَمٌ فاعل"؛ إذ يشكّل المقدس في صورته الأولية البسيطة طاقة خطرة، خفية على الفهم، عصية على الترويض، شديدة الفاعلية.

اقرأ أيضاً: رواية آلموت.. رحلة أدبية في مجاهل الإرهاب المقدس
ما من نظام ديني، حتى بالمفهوم الأعم، إلا وتمارس فيه مقولتا الطاهر والنجس دوراً أساسياً، ومع تمايز مظاهر الحياة الجماعية وتشكيلها ميادين مستقلة نسبياً (سياسة، علوم، فنّ، ..إلخ)، تكتسب كلمتا الطاهر والنجس معاني جيدة، لئن كانت تفوق المعنى القديم دقة ووضوحاً، فإنّها بالفعل عينه تقصر عنه غنى واكتنازاً، ومن المفترض أن يرسو المجتمع والطبيعة على نظام شامل تصونه عدد من المحظورات التي تؤمن سلامة المؤسسات العامة وانتظام الظواهر، فكل ما يبدو ضامناً لصحتهما وثباتهما يعتبر مقدساً.

يعكس تناقض المقدس والدنيوي النظام الكوني الذي يؤلف بين الاستقرار والتغيير

وتمثل الطقوس استعادة للنظام، كما تمثل "الطواطم" في الميثولوجيا العناصر المنظمة للحياة، وهي المحظورات التي يتقيد الأتباع بها، ويخضعون لنظام ضروري من أجل إرضائها، وهذا النظام يساعدهم على حسن إدارة الازدهار العام والحفاظ التام على الطبيعة والمجتمع ودوام الدفق الحيوي للخير، وتمثل الآلهة النماذج المجيدة التي تولد في نفوس الأتباع الثقة والطموح.
المؤمنون يخصّون المقدس بثمن كبير؛ بإعلاننا (نحن المؤمنين) أنّنا نتخلى لأجله عما يعتبره أغلب الناس أجزل الخيرات نفعاً، فيجدّون في طلبه بضراوة ويذودون عنه بأظفارهم، في هذه الحالة لا يظلّ تقسيم المقدس والدنيوي مرتبطاً بتصور نظام العالم، وهكذا يبقى المقدس ما يثير الخشية ويبعث على الثقة والاحترام، إنّه ينفح بالقوة، لكنّه يورط الحياة، وهو يظهر دائماً بصورة حاجز يعزل الإنسان عن سائر البشر، بصرفه إيّاه عن الاهتمامات المبتذلة ويجعله يستهين بالصعوبات والمخاطر التي يحجم عنها معظم الناس.

اقرأ أيضاً: التاريخ إذ يتعالى على الزمكان فيغدو مقدساً!
يعكس تناقض المقدس والدنيوي النظام الكوني الذي يؤلف بين الاستقرار والتغيير، والجمود والحركة، والمادة والطاقة، والثقل الذي يشدّ إلى أسفل والاندفاع الذي يحثّ إلى الأمام، كي تجعل من هذا التعارض صيرورة أو تاريخاً، أو بالأحرى كي تبث الحياة في الوجود، إنّ قوانين البيولوجيا والكيمياء والفيزياء تقدم على اختلاف مراتب الوجود ما طاب من الشواهد على هذا النظام، ويمكن استخدامهما كمفتاح حقيقي من أجل فهم المسائل الرئيسة المتعلقة بستاتيكا المقدس وديناميكيته.

ليس المقدس صفة تملكها الأشياء بذاتها بل عطية سرية متى فاضت على الأشياء أو الكائنات أسبغت عليها تلك الصفة

يتحدّد الدنيوي كونه بحثاً مستمراً عن التوازن؛ أي عن موقف وسطي يسمح بالعيش في المخافة والحكمة من دون تجاوز حدود المسموح أبداً، مرتضياً وسطية ذهبية تظهر التوفيق المؤقت بين قوتين نقيضتين لا يضمن ديمومة الكون إلا إبطال إحداهما مفعول الأخرى على التوالي، إنّ الكائن، جماداً كان أو متعضياً، شعوراً أو مجتمعاً، ببحثه عن مبادئ الحياة وطاقات المقدس الخالصة، التي يمدّ تداخلاً في أجله يبتعد عن الحياة أكثر مما يقترب منها.
المقدس هو ما يهب الحياة ويسلبها في آن؛ إنّه الينبوع الذي تتدفق منه، والمصبّ الذي فيه تضيع، لكنّه أيضاً ما لا يسعنا في أي حال من الأحوال امتلاكه معها بالكامل، فالحياة تلف وضياع، وعبثاً تناضل من أجل الاستمرار في كينونتها والامتناع عن كلّ إسراف وقاية لذاتها؛ لأنّ الموت يقف لها دوماً بالمرصاد؛ فلا مفرّ من الموت الذي لا ينجع فيه دواء، ذلك ما يدركه أو يحدس به كلّ كائن حيّ، إنّه يدرك الخيار المتاح له، وإذا كان يخشى أن يبذل ذاته ويضحي بنفسه، فذلك لإدراكه أنّه بهذا التصرف يبدّد كيانه ويقضي عليه، غير أنّ احتفاظ المرء بمواهبه وطاقاته وممتلكاته، واستخدامه إياها برويّة من أجل أهداف عملية ونفعية، وبالتالي دنيوية، لا ينجّي أبداً، في النهاية، من عجز الشيخوخة ونومة اللحد، كل ما لا يستهلك يفسد، لذا كانت حقيقة المقدس تكمن في سحر الجمر المتوقد، وهول التعفّن والنتن على السواء.

للمشاركة:



وزارة الدفاع الجزائرية تخاطب مواطنيها.. ماذا جاء في بيانها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

أصدرت وزارة الدفاع الجزائرية بياناً خاطبت فيه المواطنين، بالتزامن مع بدء حملة الانتخابات الرئاسية، اليوم.

وأكد البيان؛ أنّ "القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي أعطت التعليمات الكافية والتوجيهات الضرورية لكل القوات والمصالح الأمنية المعنية لتوفير الشروط الملائمة لتمكين الشعب الجزائري من المشاركة القوية والفعالة في الحملة الانتخابية، وفي الاستحقاق الرئاسي المقبل، بكلّ حرية وشفافية".

الجيش يعطي التوجيهات لتمكين الجزائريين من المشاركة في الحملة الانتخابية وفي الاستحقاق الرئاسي المقبل بحرية

وقالت الوزارة: إنّ "التعليمات المقدمة لوحداتها تهدف إلى تمكين المواطنين والمترشحين من التحرك والتعبير في جوّ يسوده الاطمئنان والأمن عبر مختلف أرجاء الوطن عشية انطلاق الحملة الانتخابية".

ودعت الوزارة "المواطنين الغيورين على وطنهم إلى المساهمة النشيطة، إلى جانب قوات الجيش ومختلف مصالح الأمن التي هي مجندة ليل نهار وبيقظة كبيرة، والوقوف صفاً واحداً لإنجاح هذا الموعد المصيري في حياة ومستقبل البلاد ورفع التحدي الذي يعزز مكانة وسمعة الجزائر".

هذا وتنطلق، اليوم، الحملة الدعائية للمترشحين الخمسة، وسط انقسام في الشارع حيال الانتخابات الرئاسية المرتقبة، في 12 كانون الأول (ديسمبر)، حيث تستمر الاحتجاجات الشعبية الرافضة لها كلّ يوم جمعة.

ويطالب المتظاهرون بتأجيل الانتخابات واستبعاد كلّ شخص كانت له علاقة بنظام بوتفليقة السابق، من ضمن بعض الشخصيات السياسية التي ما تزال على رأس عملها؛ مثل رئيس البرلمان وقائد الجيش.

 

للمشاركة:

الحكومة الصينية تكسب مليار دولار من جثث السجناء.. كيف؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

كشفت دراسة علمية طبية حديثة استخدام الصين أساليب ممنهجة للتستر على عمليات قتل سجناء سياسيين وسرقة أعضاء من جثثهم، خاصة من أقلية الإيغور المسلمة.

واتّهمت الدراسة الصين بالتزوير في بيانات المتبرعين بالأعضاء، مشيرة إلى أنّ البيانات الرسمية تكشف "عملية خداع وتضليل بارعة، حيث تظهر عمليات نقل الأعضاء القسرية وكأنها عمليات تمت عن طريق متبرعين"، وفق ما نقلت شبكة "الحرة".

الصين تتلاعب في بيانات المتبرعين بالأعضاء البشرية للتستّر على عمليات قتل سجناء وسرقة أعضائهم

وقامت الدراسة التي أعدتها ونشرتها مجلة "بي إم سي"، المتخصصة في أخلاقيات مهنة الطب، في 14 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، على مقارنة الإحصائيات الرسمية بالعدد المقدر لعمليات زراعة الأعضاء.

وأجرى الباحثون الدراسة على خمس مناطق، من مجمل 28 منطقة، أتيحت فيها المعلومات لدراسة الحالة، بين عامَي 2010 إلى 2018.

وقالت الدراسة؛ إنّ عمليات تجارة الأعضاء التي تقوم بها السلطات الصينية من السجناء تدرّ على الدولة مليار دولار، مضيفة أنّ هذه العمليات ما تزال مستمرة، رغم ادّعاء السلطات إصلاح تجارة الأعضاء القسرية.

وكانت السلطات الصينية قد أعلنت إصلاح نظام نقل الأعضاء، بدءاً من كانون الأول (يناير) 2015؛ حيث أصبح الحصول على الأعضاء البشرية من خلال المانحين المتطوعين في المستشفيات، وذلك بعد أن كانت تشتري الأعضاء من السجون والأجهزة الأمنية.

وتقول الدراسة: إنّ "الإصلاحات في الواقع كانت بمثابة قناع للاستمرار في استخدام الجهات المانحة غير الطوعية".

الدراسة أثبتت أنّ عمليات تجارة الأعضاء التي تقوم بها السلطات الصينية تدرّ على الدولة مليار دولار

وبذلك، تؤكّد الدراسة ما خلصت إليه نتائج تحقيقات أجرتها محكمة الصين المستقلة في لندن، وعرضتها أمام مجلس الأمم المتحدة في جنيف، في أيلول (سبتمبر) الماضي، ونفتها السلطات الصينية.

ومحكمة الصين هيئة مستقلة مراقبة لأوضاع حقوق الإنسان في الصين، يرأسها جيفري نيس، المدعي العام السابق لدى المحكمة الجنائية الدولية الخاصة، بما كان يعرف بيوغوسلافيا السابقة.

واستمعت المحكمة لعدة شهادات وإثباتات قدمها محققون في شؤون حقوق الإنسان وخبراء وشهود عيان من أقلية الإيغور المسلمة، وكذا أقلية فالون.

وأكدت المحكمة في بيان "وجود دلائل قطعية الثبوت بضلوع بكين، طوال عشرين عاماً، في استخراج أعضاء من أجساد المنتمين إلى تلك الأقليات والمتاجرة بها".

 

 

للمشاركة:

مقتل 3 قياديين حوثيين في محافظتَي صعدة والضالع.. أسماء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

خسر الحوثيون، في محافظتَي صعدة والضالع، خلال الـ 24 ساعة الماضية، ثلاثة من قادتهم، في معارك مع الجيش اليمني الوطني.

وصرّحت مصادر عسكرية يمنية، بأنّ "الميليشيا خسرت 3 من كبار قادتها، الذين تلقوا تدريبات على أيدي قوات "الباسيج" في طهران، خلال الأعوام الماضية، ضمن مجموعة يقدَّر عددها بـ 200 شخص"، وفق ما نقلت صحيفة "عكاظ" السعودية.

الحوثيون خسروا 3 من كبار قادتهم الذين تلقوا تدريبات بطهران وهم: أبو الرضا وأبو طالب السفياني وحسن الوشلي

وأضافت: "قُتل القياديان الإرهابيان، أبو الرضا وأبو طالب السفياني، في مواجهات مع قوات الشرعية في جبهة الملاحيظ، برفقة عدد من مسلحيهما"، لافتاً إلى أنّ "القيادي الحوثي، حسن محمد الوشلي، المكنى "أبو سليمان"، قتل مع نجله، المكنى "أبو حسن"، في الضالع".

وأكّدت المصادر؛ أنّ مستشفى الثورة بذمار يستقبل يومياً عشرات الجثث من القتلى قادمة من الضالع وصعدة، وأنّ غالبية القتلى ينتمون إلى المحافظة.

في الأثناء؛ كشفت مصادر مطلعة في ميليشيا الحوثي الإرهابية، عن مصير وزير دفاع الحوثيين، اللواء محمد العاطفي، بعد شهر من إصابته بطلقات نارية في خلافات داخلية داخل أجنحة المليشيا الحوثية.

مصادر حوثية تكشف مقتل وزير دفاع الحوثيين، بعد شهر من إصابته بطلقات نارية في خلافات داخلية

ونقل "المشهد الخليجي"، عن مصادر مطلعة قولها: إنّ وزير الدفاع في حكومة الحوثيين (غير معترف بها دولياً)، والمطلوب رقم 7 للتحالف العربي، محمد العاطفي، قتل في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، متأثراً بجراحه بعد إصابته من قبل عناصر في الميليشيا الحوثي.

وأوضحت المصادر؛ أنّ العاطفي أصيب بطلقات نارية في أنحاء متفرقة من جسده، نقل إثرها إلى أحد مستشفيات العاصمة، صنعاء، لتلقي العلاج، إلّا أنّه فارق الحياة.

وأشارت المصادر إلى أنّ العاطفي؛ أصيب يوم 12 تشرين الأول (أكتوبر)، ومات بعج أربعة أيام، وهو متخصص في إطلاق الصواريخ الباليستية، ويعزى إليه إطلاق بعضها نحو المملكة العربية السعودية.

وزير دفاع الحوثيين، اللواء محمد العاطفي

للمشاركة:



ماذا بقي لإيران في العراق؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

حسين الشيخ

لم يكن هذا السؤال مشروعاً ومسموحاً به قبل نحو عقدين من الزمن في ذهنية العراقيين شعباً وحكومة وتحديداً قبيل دخول القوات الأمريكية العراق عام 2003 واحتلالها كامل أراضيه، بحجة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل ووجود عناصر لتنظيم القاعدة تعمل من داخل البلاد.

الوضع اليوم مختلف كثيراً لأن واشنطن وطهران تحالفتا على صدام حسين ونجحتا في إسقاط حكمه، ليقتسم البلدان النفوذ على الأراضي العراقية وإن لم يكن الأمر علانية ولكنه أمر ذاقت البلاد مرارته على مر السنوات الماضية، من خلال استغلال كل طرف رجالاته ونفوذه لدفع ثمن فاتورة الحرب التي لا شك كلفت الكثير خاصة الجانب الأمريكي.

منذ دخول القوات الأمريكية العراق برزت إيران على المشهد من خلال رجالات ينتمون للعراق هوية ويتبعون لإيران ولاءً، واستطاعت من خلال هؤلاء تشكيل أحزاب الغطاء فيها سياسي والبنية الداخلية قائمة على المليشياوية والتطرف وحب الانتقام، وهذا ما قامت تجاه أبناء المحافظات الغربية وبدعم من رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي، الذي صنف العراقيين عام 2012 بين من يقف مع "الحسين" قاصداً تياره ومن يساند "يزيد" في إشارة إلى خصومه السياسيين.

في واقع الأمر تمثل حقبتا نوري المالكي في رئاسة الحكومة، التي بدأتا عام 2006 إلى 2014، الأرض الأكثر خصوبة لتنامي النفوذ الإيراني وإرساء دعائم هذا النفوذ في الأرض العراقية، بما يحقق مصلحة إيران في الإبقاء على رئة تستطيع من خلاله التنفس عقب العقوبات الأمريكية والغربية عليها، وعدم توصل الطرفين لاتفاق ناجع تدخل به إيران منظومة الدول السوية غير المثيرة للمشاكل والنعرات الطائفية سواء في إقليمها القريب أو حتى على الصعيد الدولي.

عملت إيران ليل نهار لخلق حالة مجتمعية عراقية تخدم مصالحها من خلال دعم حلفائها من الذين يدينون لها بالولاء مثل المجلس الأعلى الإسلامي العراقي وحزب الدعوة ومنظمة بدر والصدريين مع تذبب موقفهم، لنتخرط في الحياة السياسية وتجميع الأحزاب والشخصيات الشيعية، والعمل على وحدة صفها وعدم ضياع أصواتها في الانتخابات التي تعاقبت على البلاد بعد سقوط النظام السابق، لا لينعم العراق بمستقبل أفضل بل لتبقى إيران مهيمنة على نفط البلاد ومقدراته من تجارة وزراعة وغيرها، وليبقى هذا البلد العربي ساحة تستطيع من خلالها إيران الضغط على خصومها الدوليين عبر رعايتها مليشيات متطرفة تحركها وفق ما تريد التي تريد بما يهدد ليس مصلحة واشنطن فحسب بل المنطقة برمتها.

هذا الوضع الذي كانت تعيشه إيران خلال السنوات الماضية لن تتمكن من الاستمرار به في الوقت الراهن أو حتى في المستقبل القريب على الأقل لعدة أسباب نذكر منها ثلاثة:

السبب الأول يكمن في رفض العراقيين إيران والتظاهر ضد نفوذها، وهي نقطة مهمة جداً إذ يدرك الساسة الإيرانيون جيداً في ذهنيتهم قوة الشعب العراقي وشدة انتمائه لعروبته وعدم رضوخه وقبوله الذل والمهانة، لذلك بات الصوت مرتفعاً ضد شخصيات كانت في الوقت القريب من المحرم المسّاس بها من شدة الذعر الذي رافق ذكرها كقاسم سليماني، قائد فيلق القدس الجنرال الإيراني الأكثر شهرة خلال السنوات العشر الأخيرة، لم يقف الأمر عنده بل وصل إلى المرشد علي خامنئي، ولعلها المرة الأولى التي تُحرق فيها صوره وبشكل في أكثر من منطقة عراقية، دلالة على ضيق ذرع العراقيين بالإيرانيين وسطوتهم.

الثاني يتمثل بعدم قدرة الساسة العراقيين جميعاً بمن فيهم المحابون إيران والذين كانوا يدورون في فلكها على مجاراة الضغوط التي تتعرض لها طهران من الغرب، لذلك بات هؤلاء يبحثون عن نجاتهم أكثر من مصلحة إيران، خاصة أن محكمة الشعب العراقي تلاحقهم واحدا تلو الآخر، واضعة أسماءهم بقائمة المطلوبين للمحاسبة القضائية.

أما السبب الثالث فيعود إلى تبني الدول العربية سياسة جديدة تجاه العراق، والعمل على مساعدته للعودة إلى حاضنته العربية، لذلك باتت العلاقات السعودية العراقية أكثر إيجابية مقارنة بالسنوات العشرين الماضية، إذ تعمل الرياض جاهدة من أجل عدم السماح لإيران باستغلال العراق البلد العربي، مدعومة بقرار وتأييد عربي من مصر والإمارات ودول عربية أخرى.

ليس من المبالغة القول إن نفوذ إيران في العراق بات من الماضي ولم يبق الشيء الكثير باستثناء بعض المليشيات ورجال دين معممين بعصائب ممزوجة برائحة دم أبرياء من العراقيين، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا في زمن هكذا عصابات.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

عمرو التهامي
مع نهاية خمسينات القرن الماضي، ولد حسن مالك لأب مسجون بتهمة الانضمام إلى جماعة «الإخوان المسلمين» وربة منزل تتولى مسؤولية سبعة أبناء آخرين، في حي المنيل القاهري.

ومع بلوغ حسن عامه الثاني عشر، اختار له والده الخارج من السجن لتوه مساراً مُشابها له، عبر إلزامه بقراءة قصص حياة قيادات الجماعة وكُتب مؤسسها حسن البنا، وحضور «اجتماعات الأشبال» في مسجد قريب من منزل العائلة، إلى أن صار عضواً منتسباً داخل التنظيم.

لكن على خلاف الوالد الذي كان «فرداً عاديا في التنظيم، مُتفقاً مع أفكارهم، ولا دور مُحدداً له»، كما قال مالك في تحقيقات النيابة، تحول الابن إلى لاعب أساسي في مسيرة الجماعة التي بنى ذراعها المالية مع شاب آخر التقاه في جامعة الإسكندرية وقدم نفسه له باعتباره «المسؤول عن المحاضرات التربوية والعمل الطلابي». كان اسم ذلك الشاب خيرت الشاطر الذي أصبح فيما بعد الرجل الأقوى في الجماعة.

بعد سنوات من هذا اللقاء، وتحديداً في العام 1985، تقاطعت رغبة الشاطر بدخول عالم المال مع قرار مالك ترك العمل في مصنع والده للغزل والنسيج في مدينة شبرا الخيمة العمالية وبدء نشاطه التجاري الخاص. أثمرت شراكة الرجلين سريعاً عن تأسيس أربع شركات، هي «الفجر» لتجارة الخيوط و«سلسبيل» لبيع البرمجيات وأجهزة الكومبيوتر، و«رواج» للتجارة العامة والاستيراد، و«المستقبل» لتجارة السلع المعمرة، كما تشير عقود عثرت عليها قوات الأمن خلال تفتيش منزل مالك.

هذه الشراكة شبه السرية اعتبرت الغطاء لتدوير أموال «الإخوان»، خلال عقدي الثمانينات والتسعينات، رغم تأكيد الرجلين أن أنشطتهما المالية لا تخص الجماعة. ويعزو عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعة الأميركية بالقاهرة، غلبة «النشاط التجاري» على استثمارات قادة «الإخوان»، إلى «وعي التنظيم بخطورة الاستثمار في الأصول الثابتة، تحسباً لمصادرتها أو سهولة تتبعها». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الاستثمار في الأنشطة التجارية ذات رأس المال النقدي أو المتوزع على بضائع في أنشطة متنوعة «كان الخيار الآمن لهم».

كان الاستثناء الوحيد من هذا التوجه العام هو الاستثمار في قطاع التعليم عبر تأسيس مدارس خاصة مملوكة لقيادات من الجماعة، «كترجمة لأيديولوجية التنظيم المتصلة بالجانب التربوي والدعوي للنشء»، وفقاً لعادلي.

مع توسع أنشطة الرجلين الاستثمارية وبلوغ أرباحها «مستويات كبيرة»، اعتبر الشاطر نفسه «الأحق والأكفأ» بإدارة أموال التنظيم، بديلاً للقيادي نبيل مُقبل، المسؤول السابق عن أموال الجماعة، كما يقول عضو سابق في «الإخوان» عمل مع مقبل لسنوات قبل أن ينشق عن الجماعة.

اتفق الشاطر ومالك على فصل استثماراتهما الخاصة عن أموال التنظيم التي «أدخلاها في قطاعات استثمارية بنسبة أقل بكثير من استثماراتهما الخاصة»، وفقاً لموظف سابق عمل في مكتب الشاطر الخاص بعد الثورة في 2011.

وتتفق تقديرات الموظف السابق في مكتب الشاطر مع شهادات ثلاثة أعضاء في التنظيم، أحدهم لا يزال فاعلاً، في الذهاب إلى أن استثمارات الجماعة «ليست كبيرة» في المؤسسات التي شملتها إجراءات لجنة حصر وإدارة أموال «الإخوان» التي شكلتها الدولة المصرية في 2014.

وتخالف الرواية السابقة ما ذكره مالك الذي نفى أن تكون للتنظيم أي أنشطة تجارية «على حد علمي»، وفقاً لتعبيره. ويشير مالك إلى أن شراكته مع الرجل الذي أصبح الممسك بخيوط التنظيم خلال سنوات من علاقتهما، كانت دافعاً للكثيرين للتعامل معه كقيادي تنظيمي. وقال: «أنا لم أقرأ حتى لائحة الإخوان المسلمين أو اختصاصات مرشد الجماعة، وكل الناس تصورتني قائداً لمجرد أنني شريك الشاطر».

وبعد الثورة في 2011. توسعت صلاحيات الشاطر، نائب المرشد، عقب الإفراج عنه من محبسه، وأدار من خلال مكتبه في شرق القاهرة، الكثير من المهام التنظيمية ثم أصبح لاعباً أساسيا في حكم البلاد، عقب وصول الجماعة للحكم في 2012.

ويلقي موظف عمل في مكتب الشاطر عقب الثورة الضوء على بعض الإشارات لنفوذه الواسع، إذ تصفه بـ«الأخطبوط». وتوضح: «كان متداخلا في كل الأمور، سواء في البيزنس أو الأمور الداخلية للتنظيم. كان يحرك الجميع لأنهم يخافونه». ومبعث هذا الخوف «بطش» الشاطر المعهود عنه تجاه «أي شخص يغضبه أو ينازعه صلاحياته»، وفقاً للموظف السابق في مكتبه.

امتدت هذه السطوة خلال فترة حُكم الجماعة إلى مؤسسات الدولة، إذ يقول مساعد سابق في إحدى الوزارات الاستثمارية لـ«الشرق الأوسط» إن «الوفود الأجنبية كانت دائماً تلتقي الشاطر قبل لقاء الوزير المُختص، وهو ما كان يستدعي استغراب الوزير غير السياسي الذي كان يغيب عنه دور الرجل»، على حد قولها.

«حدة وتحكمات الرجل» أدت بمرور الوقت إلى تبدل العلاقة بينه وبين مالك إلى «خلاف دائم»، انعكس على العلاقات الأسرية وصلات أبناء الرجلين ببعضهما البعض، كما يقول مصدر آخر عمل مع مالك وعلى صلة مصاهرة بعائلته.

لكن عادلي يُفسر هذا الخلاف من منظور آخر له صلة بتباين الخلفية الاجتماعية للرجلين، والمسار الذي سلكه كل منهما للصعود. ويشرح قائلاً: «الشاطر رجل تنظيمي قطبي (نسبة إلى التيار المتشدد الذي يتبع أفكار سيد قطب) انتهى به التنظيم إلى لعب دور اقتصادي، خلافاً لمالك الذي كان تاجراً في الأساس هو وعائلته وانتهى به المطاف للانتماء إلى الإخوان من دون الانخراط في تفاصيلهم».

وأقر مالك بهذا الخلاف خلال تحقيقات النيابة العامة، مشيراً إلى أنه بدأ عقب صعود الشاطر إلى منصب نائب المرشد في 2006. ثم انفصال شراكة الرجلين عقب خلافات كان محورها الرئيسي تجاهل الشاطر رأي مالك بإبعاد الاجتماعات التنظيمية عن مقار الشركات المملوكة لهما، ما أدى إلى «انقطاع» علاقتهما، وإنهاء الشراكة بينهما بحلول 2011.

لاحقاً، عادت العلاقة بين الرجلين في تنسيق المهام بينهما، بعدما تنازل نائب المرشد عن «القليل» من سطوته النافذة. ويقول مصدر قريب من الرجلين مقيم خارج مصر إن «الشاطر كان مضطراً للتعامل مع مالك، لأن الأخير كان معروفاً وسط النخبة المالية في مصر التي تفضل التعامل معه كوجه مقبول ولديه حضور».

هذا التفضيل يظهر في مُراسلات رجال أعمال مصريين لمالك بهدف تسوية مشاكلهم مع النظام الحاكم آنذاك، كحال رجل الأعمال البارز هشام طلعت مصطفى الذي راسل مالك من محبسه على ذمة قضية جنائية، بخطاب منسوب إليه عثرت عليه قوات الأمن خلال القبض على مالك. وأبدى مصطفى في الخطاب استعداداً للتنازل عن جزء من أمواله نظير الخروج من محبسه. وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع مصطفى الذي أفرج عنه لاحقاً بعفو صحي، لكن لم يتسن الحصول على رد رسمي منه حول نسبة هذا الخطاب له.

وتعززت مهام مالك، عقب صعود «الإخوان المسلمين» إلى الحكم في يونيو (حزيران) 2012. بعدما أسس جمعية «تواصل» بهدف التنسيق بين رجال الأعمال ومؤسسة الرئاسة آنذاك، وجمعية «ابدأ» التي ضمت أكثر من ألف رجل أعمال وانطلقت في أغسطس (آب) 2011 بهدف «مساندة النظام وتحقيق المصالح الخاصة»، كما جاء في بيان تأسيسها.

مع صعود التنظيم إلى الحكم، بدأ مالك وعدد آخر من قادة التنظيم الاستثمار في قطاعات استراتيجية ذات أصول ثابتة كالحديد والإسمنت. ويقول عادلي: «كانت هناك محاولات لـ«الإخوان» للتحول من النشاط التجاري إلى القطاعات الاقتصادية الكبيرة، لكن قصر مُدة الحكم لم يسعفهم».

ظهرت جهود مالك سريعاً في تشكيل نخبة مالية جديدة ترافق الرئيس السابق محمد مرسي في زياراته الخارجية، ضمت بين أسمائها وجوهاً جديدة على عالم المال من المنتمين للتنظيم وآخرين محسوبين على نظام الرئيس السابق حسني مبارك.

اضطلاعه بهذه المهام يظهر في نوعية المضبوطات داخل منزله، أثناء القبض عليه. وبين الملفات المضبوطة التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط» ملف بعنوان «الرؤية الاستراتيجية للتنمية الشاملة في مصر حتى عام 2050»، وآخر بعنوان «بيع أعمال القطاع العام - رؤية إسلامية»، ومُذكرة بعنوان «قراءة في الموقف الاقتصادي: هل يستطيع الدعم الخليجي إنقاذ الاقتصاد المصري؟».

غير أن مهام مالك تلك لم تستمر طويلاً، بعدما أطيح حكم الجماعة في 3 يوليو (تموز) 2013. وأعلن تجميد أنشطة جمعية «ابدأ» بعد استقالة أعضائها كافة من رجال الأعمال.

تبعت إطاحة الجماعة سلسلة حملات أمنية طالت قادة الصف الأول في التنظيم، ومنهم شريكه الشاطر، بينما ظل مالك حراً في منزله بالقاهرة حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2015، ساعياً إلى التواصل مع المسؤولين لتجنب مسار السجن كحال المئات من قادة التنظيم.

كان واحد من هؤلاء المسؤولين هو اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية آنذاك، الذي ذهب مالك للقائه بمقر الوزارة، فاستقبله ممثل لإبراهيم أبلغه بانشغال الوزير «في اجتماع هام»، قائلاً إن الوزير سيطلبه إذا أراد، وفقاً لمالك.

بعد هذا اللقاء انقطعت صلات مالك بالمسؤولين، وانحصرت صلاته مع ثلاثة من قادة «الإخوان» خارج السجن آنذاك، هم الوزير السابق محمد علي بشر قبل القبض عليه، وحلمي الجزار عقب إخلاء سبيله، ورجل الأعمال الراحل أسامة خليل.

كان الجانب الأكبر من هذه اللقاءات يتطرق لتبادل وجهات النظر في الكثير من قضايا التنظيم وخيار العنف الذي انخرط فيه عدد كبير من شباب التنظيم، بشهادة مالك ونجله الذي راسله حول هذا الأمر من مقر محبسه، وأقر مالك بصحة المراسلات.

«ملاحظات على مشروع الخطة الجديدة للجماعة»، هي واحدة من هذه الأوراق التي تسلمها مالك من بشر الذي كان يلتقيه بشكل دائم، قبل القبض عليه في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 بتهمة «التخابر مع دولة أجنبية»، فيما عكست خلفية خليل الاقتصادية نوعية الأوراق التي أمد بها مالك، مثل «واجبات الأفراد في التصعيد الثوري الاقتصادي».

وخلال هذه الفترة، صدرت بحق مالك وقادة الجماعة قرارات التحفظ على أموال التنظيم وممتلكاته، بعدما أصدر مجلس الوزراء المصري في أكتوبر 2013، القرار رقم 1141 لسنة 2013، بتشكيل لجنة ﻹدارة أموال التنظيم وقادته.

تبع ذلك صدور العشرات من قرارات التحفظ، من جانب اللجنة، على ممتلكات قادة الجماعة بملايين الجنيهات، قبل أن تتوسع صلاحيات اللجنة في يونيو 2014. عبر قرار وزاري من رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب الذي حولها بموجب هذا القرار إلى لجنة دائمة.

وتضُم قائمة أملاك «الإخوان» التي شملتها قرارات التحفظ وضمتها السلطات لاحقاً إلى الخزانة العامة للدولة في 11 سبتمبر (أيلول) 2018. نحو أموال 1589 عنصراً من المنتمين والداعمين لتنظيم «الإخوان» و118 شركة متنوعة النشاط و1133 جمعية أهلية و104 مدارس و69 مستشفى و33 موقعاً إلكترونياً وقناة فضائية، حسب تقدير اللجنة.

كان تشكيل هذه اللجنة، وقبلها حملات القبض المستمرة على قادة الجماعة المعروفين من أصحاب رؤوس الأموال، دافعاً لبناء «شبكة جديدة من الاستثمارات في دول خارج مصر، على رأسها دول شرق أفريقيا وجنوبها»، حسبما يشير مستثمر مقرب من الجماعة. ويُضيف أن «حجم بيزنس الجماعة زاد داخل هذه الدول، لسهولة الحصول على جنسياتها وتمتع قادة التنظيم بعلاقات جيدة مع مسؤولين بارزين فيها».

وترسم أوراق قضية «الإضرار بالاقتصاد القومي» صورة أعم وأشمل للوسائل التي لجأ إليها رجال المال في التنظيم للتعامل مع قرارات مصادرة ممتلكاتهم، وتحديداً في طرق نقل الأموال إلى خارج البلاد خلال هذه الفترة.

فمع توسع قرارات المصادرة والقبض على قادة التنظيم، ظهرت أسماء أقل شهرة من مالك والشاطر في مجال المال، وتبلورت أدوارها في نقل الأموال للخارج، تجنباً للتعامل من خلال البنوك والبُعد عن الرصد الأمني.

على رأس هؤلاء رجل الأعمال الهارب محمد صلاح محمود الذي يملك شركة تعمل في استيراد وتصدير المفروشات، وهو لعب «دوراً كبيراً في استخدام شركته لنقل ملايين الجنيهات لحسابه أو لحساب شركات أخرى مملوكة لقادة في التنظيم»، بحسب شهادات وملفات قضائية.

لا تتوافر معلومات عن الرجل الصادر بحقه حُكم من محكمة جنايات القاهرة بإدراج اسمه ضمن قائمة الإرهابيين لثلاث سنوات، في 29 أغسطس 2017. عدا كون أنه رجل أعمال «مُحب» للتنظيم، قدم تبرعات من فترة لأخرى، وفقاً لمصدر في «الإخوان».

وبمساعدة ثلاثة من أمناء الشرطة (مساعدي الضباط) في ميناء القاهرة الجوي، مقابل 10 آلاف جنيه للمرة الواحدة لكل منهم، نجح صلاح في نقل نحو مليار جنيه تقريباً (أكثر من 130 مليون دولار بأسعار الصرف آنذاك)، عبر ثلاثة عاملين في شركته تناوبوا على السفر للخارج لنقل نحو 50 إلى 100 ألف دولار أسبوعياً.

«ما الطريقة التي كانت تتم من خلالها نقل الأموال؟»، يجيب مصطفى همام (31 عاماً)، أحد هؤلاء العاملين واسمه مدرج في قوائم الإرهابيين، خلال التحقيقات معه: «تم الاتفاق مع أفراد الميناء الثلاثة على تسلم واحد منهم المبالغ المالية المراد تمريرها داخل أظرف كبيرة الحجم وإدخالها عبر الدائرة الجمركية من دون تفتيش، وتسليمها لواحد منا بعد ذلك، عقب إنهاء إجراءات السفر».

وتمثلت الطريقة الأخرى في تسهيل السفر باستخدام صالة كبار الزوار، وقيام أحد عناصر الشرطة الثلاثة بتمرير حقائب الأموال على جهاز الكشف على الحقائب بالأشعة الخاصة، من دون الإشارة لمحتوياتها، وفقاً له.

بدأ نقل هذه الأموال في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، إلى الصين ودول عربية وتركيا، عبر عاملين في شركة الاستيراد والتصدير، ليصل إجمالي المبلغ الذي انتقل خلال تلك الفترة إلى نحو مليار جنيه، وفقاً لهمام.

ويُقر همام الذي ألقت السلطات المصرية القبض عليه في المطار في 8 يناير (كانون الثاني) 2016، حين كان في طريقه إلى الأردن، وبحوزته عملات أجنبية بما يعادل نحو مليون و650 ألف دولار، بنقل هذه الأموال مع عاملين في الشركة خلال استجوابه أمام جهات التحقيق، قائلاً: «تلخيصاً لموضوعي، أنا أعمل في تهريب العملة فقط لا غير في إطار الأعمال التجارية وأعمال الصرافة، ولا علاقة لي بأي جماعات».

ويؤكد المصدر «الإخواني» أن «القطاع الأكبر من رجال المال داخل التنظيم استخدم طرقاً تقليدية لتهريب الأموال، بينما رجال المال المنخرطون في استثمارات بمليارات نجحوا في ذلك بطرق أكثر تطوراً من فكرة نقل الأموال السائلة».

وكان تحقيق صحافي محلي نشر في أغسطس 2015. كشف أن رجل الأعمال صفوان ثابت، وهو أحد قادة الجماعة الماليين الصادر بحقهم قرار تحفظ وحفيد مرشد «الإخوان» السابق مأمون الهضيبي، نجح في نقل ملكية شركته إلى شركة أخرى تقع في جزر العذراء البريطانية، وهي ملاذ ضريبي شهير، كوسيلة لحماية ممتلكاته من خلال الامتيازات التي تتيحها هذه الجزر لأصحاب الشركات من «امتيازات ضريبية وسرية تامة، إضافة إلى سهولة التأسيس».

وسبقت هذه المحاولات مساعٍ بطرق أخرى من جانب قادة التنظيم المنخرطين في عالم الأعمال لنقل أموالهم إلى الخارج، وتحديداً قبل وقوع مظاهرات 30 يونيو (حزيران) 2013 ضد حكم الجماعة ببضعة شهور، بالتزامن مع انتشار دعوات حركة «تمرد» لسحب الثقة من مرسي.

ويقول مستشار قانوني لشركة مملوكة لرجل أعمال منتمٍ إلى «الإخوان»، إن «قادة التنظيم المنخرطين في النشاط التجاري لجأوا إلى التعاقد مع خبراء في القطاع البنكي لنقل أموالهم إلى الخارج، وتعيين ممثلين قانونين غير محسوبين على الجماعة لإدارة شركاتهم، وتمثيلهم في المنازعات القضائية».

هذا التفاوت في طرق نقل أموال قادة «الإخوان» إلى الخارج «مرتبط بتباين قدرات كل واحد منهم وصلاته، وحجم البيزنس»، كما يقول عادلي الذي يعزو تفضيل قادة التنظيم نقل أموالهم إلى دول أفريقية إلى ثلاثة أسباب، أولها أن «هذه الدول فيها مساحة أكبر للتهرب من القيود المرتبطة بتمويل الإرهاب، خصوصاً للمستثمرين المحسوبين على تنظيمات الإسلام السياسي حول العالم»، فضلاً عن أن أفريقيا «مساحة تقليدية لتوطين الأنشطة غير الرسمية وغير القانونية، والمراقبة فيها محدودة». والسبب الأخير هو «سهولة إقامة علاقات وثيقة مع مسؤولين في هذه الدول».

لكن هل تنجح مصادرة ممتلكات «الإخوان المسلمين» في كتابة نهاية التنظيم؟ يجيب عادلي قائلاً: «قياساً على تجارب سابقة، سيكون أثر هذه الإجراءات وقتياً وليس ممتداً على المدى البعيد».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

السياحة الحلال: موضوع جدل ساخن في إندونيسيا

2019-11-17

ترجمة: محمد الدخاخني


يبدو أنّ إندونيسيا، الدّولة ذات العدد الأكبر من السّكان المسلمين في العالم، ليست بالمكان المُرجّح لحفلٍ يتعاطى مع أيّ شيء له علاقة بالخنازير.
لكن خلال الشّهر الماضي، على شواطئ بحيرة توبا في سومطرة، تجمّع أكثر من 1,000 شخص لمتابعة سباقات الخنازير وأخذ صور "سيلفي" معها والاشتراك في منافسات مخصّصة لاستدعاء الخنازير ورسمها. كما جاؤوا لتناول لحم الخنزير المشويّ بطريقة محلّيّة شهيّة.

اقرأ أيضاً: منتجات "الحلال" في كندا.. تجارة تغري الجميع
والمهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير. فهو أيضاً وسيلة المجتمع المسيحيّ الكبير في المنطقة للرّدّ على الجهود الّتي أقرّتها الحكومة لترويج نسخة مُحافظة من الإسلام في كافّة أنحاء البلاد، بما في ذلك منطقتهم.
وفي الأشهر الأخيرة، اشتمل هذا الاتّجاه نحو المُحافظة الدّينيّة على قانون وطنيّ مُقترَح يحظر ممارسة أية علاقة قبل الزّواج وانتخاب نائبٍ للرّئيس كان أصدر فتوى فيما سبق ضدّ ارتداء قبّعات سانتا كلوز. وأيضاً، دفع الحكومة إلى تشجيع "السّياحة الحلال"، وهو ما يُقصد به قضاء عطلات قوامها أنشطة وأطعمة مسموح بها بموجب الشّريعة الإسلاميّة.

المهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير
يقول توغو سيمورانكير، وهو عالم أحياء ومُزارِع وصاحب فكرة مهرجان الخنزير: "السّياحة تدور حول السّعادة. السّياحة تتعلّق بالمرح. السّياحة لا علاقة لها بالدّين".
هذا الشّعور يضع السّيّد سيمورانكير في خلافٍ مع المسؤولين الحكوميّين وبعض جيرانه المسلمين في وقتٍ تحاول فيه بحيرة توبا جذب المزيد من الاهتمام.
وتُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا، ومعظمهم من المسيحيّين، وهم يشكّلون واحدةً من أكبر مجموعات الأقلّيّات في البلاد. لكن الحكومة عيّنت المنطقة باعتبارها واحدةً من المناطق السياحيّة السّاخنة في المستقبل.

تُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا ومعظمهم من المسيحيّين

ومن جانبها، تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد من خلال إنشاء "10 جزر على نمط بالي" على أمل تكرار نجاح جزيرة بالي بوصفها وجهةً للعطلات.
وتُعدّ بحيرة توبا إحدى الأولويات العُليا لهذا البرنامج، لكن مع وجود 231,000 زائر أجنبيّ فقط في عام 2018، فإنّ المنطقة أمامها طريق طويل. ويُذكر أنّ الحكومة شيّدت مطاراً إقليميّاً جديداً في عام 2017، لكن انقلاب عبّارة محمّلة بأكثر من طاقتها، وهو الحادث الّذي أسفر عن مقتل 188 شخصاً العام الماضي، لم يساعد في جذب الزّوار.
واجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018. ومن بين 15.8 مليون زائر، كانت أكبر مجموعة من ماليزيا، وهي أيضاً دولة ذات غالبيّة مسلمة. وكانت ثاني أكبر مجموعة من الصّين المُحبّة للحوم الخنزير، حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة.

تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد
ويقول السّيّد سيمورانكير وغيره من مسيحيّي باتاك إنّهم يشعرون بالاستياء من خطّة الحكومة للحدّ من ممارستهم تقاليدهم، بما في ذلك أكل لحم الخنزير، من أجل إرضاء السّيّاح المسلمين.
ويقول سكّان مسيحيّون إنّ الزّعماء المسلمين في البحيرة يستخدمون عباءة السّياحة الحلال للدّفع بسياساتٍ تمييزيّة.
وكان أحد الزّعماء المسلمين دعا إلى حظر تناول لحم الخنزير في الأماكن العامّة وارتداء ملابس السّباحة الغربيّة - خاصّة بدلات السّباحة النّسائيّة -، باستثناء المناطق المخصّصة لذلك.
ويقول هالاسان سيمانغونسونغ، إمام مسجد الهدهوناه في بلدة باليغي المطلّة على البحيرة: "بالنّسبة إلى الأشخاص الّذين يرغبون في تناول لحم الخنزير، سيتمّ منحهم مكاناً خاصّاً. ولكي يفعل السّيّاح الأجانب ما يحلو لهم، امنحهم منطقة خاصّة أيضاً".

اجتذبت إندونيسيا عدداً من السّيّاح عام 2018 أكبر مجموعة كانت من ماليزيا ذات الغالبيّة المسلمة ومن الصين حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة

وربّما من قبيل الصّدفة، يدير هذا الإمام مطعماً للأكل الحلال على شاطئ "بول بول".
مثل هذه القيود المفروضة على الطّعام والملابس، كما يخشى بعض سكّان باتاك، لا تنطبق فقط على الزّوار الأجانب ولكن على السّكّان المسيحيّين المحلّيّين أيضاً.
والخنزير مشحون برمزيّة ما عند كلٍّ من المسلمين والمسيحيّين، وقد استخدمت كلّ مجموعة هذا الحيوان للدّفاع عن تقاليدها.
بالنّسبة إلى المسلمين، الّذين يشكّلون حوالي 90 في المائة من سكّان إندونيسيا، فإنّ تناول الخنازير أو لمسها يُعتبر محرّماً. لكن بالنّسبة إلى مسيحيّي باتاك، تُعدّ الخنازير جزءاً من الحياة اليوميّة، ويُعدّ تقديم لحم الخنزير جزءاً أساسيّاً من كلّ احتفال مهمّ، من الولادة وحتّى الوفاة.

اقرأ أيضاً: هل يحتكر الإخوان المسلمون اقتصاد "الحلال" في أوروبا؟
يقول أوندي سيريغار، وهو مرشد سياحّي في مُتحف باتاك في باليغي ويربّي أيضاً 20 خنزيراً حول بيته: "يُعدّ الخنزير رمزاً للفخر عند أهل باتاك. وفي كلّ حفل، يجب أن يكون لحم الخنزير ضمن قائمة الطّعام".
وحتّى اليوم، يعيش العديد من القرويّين في منازل خشبيّة مرتفعة تضمّ مساحة سفلى لتربية الخنازير.
ويقول مارتونغو سيتينجاك، أحد زعماء كنيسة باتاك البروتستانتيّة، إحدى أكبر المنظّمات الدّينيّة في إندونيسيا: "إنّ حياتنا كلّها مرتبطة بالخنزير. وهذا الأمر لا يأتي من الدّين أو التّعاليم المسيحيّة. بل من الثّقافة".
وظهرت خطّة جذب المزيد من الزّوار المسلمين، خاصّة من ماليزيا المجاورة وبروناي، في آب (أغسطس)، عندما اقترح حاكم مقاطعة سومطرة الشّمالية، إدي رحمايادي، وهو مسلم، بناء المزيد من المساجد بالقرب من البحيرة وإنهاء ذبح الخنازير في الأماكن العامّة.

اجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018
وقال الحاكم في ذلك الوقت: "إذا لم نقم ببناء مساجد هناك، فلن يحضر السّيّاح. وإذا جرى ذبح الخنازير في الهواء الطّلق، فقد يأتي السّياح غداً، لكنّهم لن يأتوا مجدّداً".
وعندما انتشرت إدانة واسعة النّطاق لملاحظات الحاكم على الإنترنت بين ناخبيه المسيحيّين، أصرّ السّيّد إدي على أنّه لم يروّج مطلقاً للسّياحة الحلال.
كان أبرز ما في مهرجان الخنزير الّذي استمرّ يومين مسابقة صيد الخنازير. وفي ستّ جولات من المنافسة، تجمّعت فِرق الرّجال والصّبية معصوبي الأعين في مرجانٍ صغير وحاولوا الإمساك بخنزير صغير. كانت الّلعبة مُشابهة لمسابقات الخنازير المشحّمة المتعارف عليها بين رعاة البقر في أمريكا ومعارض المقاطعات، لكن العصابات الموضوعة على الأعين أضافت بعداً جديداً للكوميديا الهزليّة.

اقرأ أيضاً: "الفنادق الحلال" في تونس: تجارة للربح أم مخطط لأسلمة المجتمع؟
وقد تجمهر مئات الأشخاص حول الحظيرة، وأخذوا يضحكون بصوت عالٍ مع كلّ محاولة لعرقلة الخنازير الثّلاثة الصّغيرة، الّتي لم تتوقّف عن الهروب من المتسابقين وقد غطّاهم الوحل. وأكثر من مرّة، أمسك أحد الرّجال بخنزير وانتهى به المطاف على الأرض مع منافس له، ممّا دفع الجمهور نحو المزيد من الضّحك.
وفي وقت مبكّر، انزلق خنزير أسود صغير خارج الحظيرة المصنوعة من أنصاف أعواد الخيزران، وركض مسرعاً نحو خنزير مشويّ مُعلّق في سيخ، ثمّ قفز في بحيرة توبا وسبح بعيداً.
يقول السّيد سيمورانكير، منظّم مهرجان الخنازير، إنّ ما يُثني السّيّاح عن القدوم ليس لحم الخنزير، ولكن تدمير البيئة.
ويضيف أنّه بعد الحصول على إذن الحكومة المركزيّة، شرعت شركات من خارج المنطقة في تقطيع أشجار الغابات المحيطة بالبحيرة وأقامت عمليّات استزراع سمكيّة واسعة أدّت إلى تلويث البحيرة، الّتي كانت ذات يوم تشتهر بمياهها الصّافية.
ويتابع السّيد سيمورانكير: "إذا كانوا يريدون زيادة السّياحة في بحيرة توبا، فإنّ عليهم عدم المراهنة على السّياحة الحلال. وإنّما إغلاق الشّركات الّتي تدمّر بيئة بحيرة توبا فحسب".


ريتشارد بادوك، النّيويورك تايمز

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.nytimes.com/2019/11/08/world/asia/indonesia-lake-toba-pig-fe...

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية