كيف جرّنا الإسلاميون إلى بؤرة التخلف؟

كيف جرّنا الإسلاميون إلى بؤرة التخلف؟
9272
عدد القراءات

2017-12-20

في مطلع القرن العشرين، بدأت مصر تستعيد وعيها، وتكتشف كنزها المدفون، وانتعشت روح الوطنية والحس القومي، وتم ترسيخ المنهج العلمي، ومطاردة الوهم والدجل والشعوذة. فبعد أنْ قَتل الانتماءُ المزيف إلى الدولة العثمانية، الإحساسَ بالوطنية أو القومية، وبعد أنْ نشر المتستّرون بالدين الوهمَ والخزعبلات بين صفوف الشعوب، ظهرتْ للمصريين الحقيقة، واكتشفوا الطريق نحو تأسيسٍ جديدٍ لذاتٍ جديدة، فأخذتْ مصرُ تتخلى عن مظاهر التغييب العقلي، ومهّدتْ لتوطين الحياة العقلية المستنيرة، سواء في الفكر الإسلامي "الذي كان مشروع محمد عبده" كأحد تجليات التنوير، أو الفكر القانوني "مشروع السنهوري"، أحد تجليات الدولة المدنية الحديثة، وكان من ثماره أنْ بدأتْ موجةُ التنوير بالوصول إلى دستور عام 1923م، الذي أسّسَ لحياة برلمانية واعدة.

إذا كان الانتصار مكافأة من الله للفئة المؤمنة فهل يمكن القول إنّ المنتصر هو دائماً الأكثر إيماناً؟

ومع أول خطواتنا، في طريق الحداثة، من خلال الأدب والفكر والثقافة، ظهر لنا التيار الإسلامي "كتيار فقهي متشدّد"، وعدّ نفسَهُ ناصحاً أميناً للأمة، فانتدب قادةُ هذا التيار أنفسَهم، ليشخّصوا الدّاء ويصفوا الدواء، زعموا أنّهم سيزيلون غبار التخلف عنّا! فماذا كان تشخيصهم لما تعانيه الأمة؟ هو الابتعاد عن دينهم!!
يقول مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا: "..أعتقد أنّ السرّ في تأخّر المسلمين؛ هو ابتعادهم عن دينهم، وأنّ أساس الإصلاح العودةُ لتعاليم الإسلام وأحكامه، وأنّ ذلك ممكن لو عمل المسلمون، وأنّ فكرة جماعة الإخوان المسلمين تحقّق هذه الغاية)، وأصبحت هذه الجملة هي شعار كلّ فصائل الحركة الإسلامية من بعده، الكلّ يُصرّ على أنّ المسلمين ابتعدوا عن دينهم، وأنّ ما أصابهم من احتلال واختلال، إنّما هو عقاب من الله على هذا التخلي، وأنّ طرد المحتل يحتاج، أوّلاً، إلى العودة للدين الصحيح، التي سيتبعها أنْ يستعيد المسلمون مكانتهم في العالم. ولمناقشة هذه الفرضية، يجب أنْ نسأل أنفسَنا: هل فعلاً ابتعد المسلمون عن دينهم؟ وما المقصود بالدين؟ وهل هناك مظاهر دينية محددة، إذا حدثت في أيّ مجتمع، نقول إنّ هذا هو السبب في الانتصار أو السبب في الهزيمة؟ وإذا كان الانتصار مكافأة من الله للفئة المؤمنة، فهل يمكن القول إنّ المنتصر هو دائماً الأكثر إيماناً؟

التشخيص الخاطئ يؤدّي إلى علاج خطأ وهذا يُعطّل الطاقات ويبدّد المجهود ويشتّت الأنظار عن العلاج الصحيح

إنّ التشخيص الخاطئ يؤدّي، بالضرورة، إلى علاج خطأ، وهذا العلاج يُعطّل الطاقات، ويبدّد المجهود، ويشتّت الأنظار عن العلاج الصحيح، وعلى المدى البعيد، يولّد الحسرةَ وانكسار الأمل، تماماً كما حدث أيام الحملة الفرنسية، عندما قدّم العاجزون حلاً وهمياً لمقاومة الفرنسيين الغزاة، فقالوا لهم إنّ عليهم البقاء في المسجد، وتلاوة القرآن، والدعاء لله أنْ ينجّيهم من البلاء، فلم يحثّوهم على استخدام الوسائل الحربية، أو تنظيم أنفسهم، كما نظّم الفرنسيون أنفسهم. وها هم أبناء الحركة الإسلامية في القرن العشرين، يُصرّون على استخدام المنهج نفسه، فعندما أصابت الجميعَ الصدمةُ الحضارية، عندما التقينا بالغرب المتقدم، هرب الإسلاميون من تحمّل مسؤولية حثّ الأمة على امتلاك أدوات الحضارة، لتكون سبباً في رفع الهزيمة، وأول خطوة على طريق الإصلاح، وبحثوا في بضاعتهم، فلم يجدوا ما يقدّمونه للأمة العربية والإسلامية، سوى اتهام الشّعب بأنّه سبب البلاء، وسبب الهزيمة، لابتعادهم عن دينهم! "رغم أنّهم الطّرف المجني عليه في هذه المعادلة". ومظاهر هذا الابتعاد هي: عدم اكتمال صفوف المساجد في الصلاة، خاصة صلاة الفجر، التي لا يحضرها إلّا قلة قليلة. ولمّا آمن كثير من الناس بتشخيصهم، نظراً إلى الابتزاز الديني والعاطفي، الذي مارسه الإسلاميون عليهم، وبعد أنْ شاع بين بسطاء الناس، أنّ تخلفهم سببه الابتعاد عن الدين؛ قدموا لهم الوهم بأنّه حلّ، لكن تحت أسماء جديدة، مثل: "حتمية الحل الإسلامي"، أو "الإسلام هو الحل"، أو "الإسلام دين ودولة"، فتغيّر سلّم الأولويات عند الجماهير، وبدل السّعي لامتلاك أدوات العمل، أصبح شُغلُنا الشّاغلُ إثبات أنّ الإسلام هو الحل، وبدل دراسة التاريخ ومعرفة كيف تقوم الأمم، أو ما سبب انهيارها، أصبح شغلنا إثبات انتمائنا للجزيرة العربية، وليس لذاتنا الإنسانية الحالية، وبدل التعرف على العلوم الاقتصادية، وكيفية النّمو، أصبحتْ مهمتنا أنْ نُحرّم وضع الأموال في البنوك ونضعها في شركات توظيف الأموال الإسلامية، ثم دارت معركة بين مؤيدي التشخيص الخطأ، والعلاج الخطأ، والرافضين لهما؛ فضاعت طاقات الأمة، واستُهلكت في قضايا خلافية تافهة، استنزفتْ قدراتنا في محاولات تطبيق العلاج الخطأ، والمحكوم عليه بعدم الجدوى "تاريخياً وواقعياً"، لا نحتاج الإشارة إلى أنّنا متأخرون في كل المجالات، فهذه حقيقة، لكنْ ليس لأنّنا ابتعدنا عن دين الله؛ بل لأننا ابتعدنا عن الأخذ بالأسباب، العلمية والمنهجية لهذه العلوم؛ فخطورة التشخيص الخطأ، ليس في أنّه خطأ، والتجربة كفيلة بإثبات فشله، إنّما الخطورة في تلك الفئة التي تحارب مَن يقول إنّه خطأ، الخطورة في ترسيخ منهجية غير عقلية أو علمية، الخطورة في اتهام المختلفين مع الإسلاميين، بأنّهم يحاربون الله ورسوله، فهل هناك عاقل يقف أمام الله؟؟ كان يجب على الصفوة والطليعة المثقفة، بالتعاون مع علماء القانون، وعلماء الاجتماع، والتاريخ، والاقتصاد، والسياسة، ...إلخ، أن يكشفوا زيف هذا التشخيص، ويفنّدوا فرضياته، فلم تكن مصر في أية لحظة من لحظاتها، قريبة أو بعيدة، عن الدين، لقد كان الشعب المصري شعباً طبيعياً، يؤمن بالله، وبرسوله الكريم، ويطبق الأحكام، وينحاز للأخلاق، في كلّ مرحلةٍ تاريخيةٍ، بما يتناسب مع طبيعة المرحلة التاريخية وخصائصها، والتدين الشعبي هو الأكثر استمرارية والأكثر بقاء.

لا نحتاج الإشارة إلى تأخرنا فهذه حقيقة لكنْ ليس لابتعادنا عن دين الله بل لابتعادنا عن الأخذ بالأسباب

إنّ المرض الذي كانت مصر تعاني منه، والأمة العربية، هو غياب العدالة المجتمعية والعدالة الاجتماعية، مع العدالة القضائية، وما كانت تعانيه مصر هو غياب الوعي، والضبابية، وغياب قواعد العلوم التطبيقية، كان يجب على العلماء أن يقولوا لهم إنّ مظاهر المرض التي رصدوها خاطئة، فهذا موجود منذ عهد النبي، عليه السلام، ولم تكن الحياة الإسلامية في صدر الإسلام رائعة، كما توهّم هؤلاء؛ فبطون الكتب تخبرنا بحياة اجتماعية فيها ما فيها، فلم يكن العدل الاجتماعي موجوداً، ولا الإصلاح السياسي منشوداً، وغابت المؤسسة العادلة التي تقيم العدل، وغابت حرية الرأي، تستطيع أن تقول إنّ هذا هو المجتمع المثالي الذي يجب أن يعود، ليبتعد المصريون عن طريق الإصلاح الحقيقي؛ لأنّ المتضررين من وعي مصر الذاتي، كان يهمهم تغييب الوعي مرةً أخرى، هؤلاء ارتكبوا جريمة التشخيص الخاطئ، بالتالي، وصفوا العلاج الخاطئ، فمَنْ يشخّص لنا الدّاء، ويصفُ لنا الدّواء الصحيح؟!

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الانتحار.. محاكمة الموتى بدل مساءلة الواقع!

صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
2019-12-12

نوعية الأسئلة التي يطرحها العقل الجمعي تُخبرك أين نقف، وإلى أين نسير؟ في أعقاب إقدام أحد الشباب المصري على الانتحار من أعلى بُرج القاهرة، لم يكن السؤال المطروح: كيف تحوّل "الانتحار" إلى ظاهرة اجتماعية، تحتل مصر فيها المرتبة الأولى بين الدول العربية، والمرتبة السادسة عشرة عالمياً حيث تمّ تسجيل ٤٢٥٠ حالة انتحار العام الماضي؟

اقرأ أيضاً: حالات انتحار شبان عرب.. هل من مبادرات لمواجهة المشكلة؟
فتركنا سؤال الحاضر، وهو كيف نُواجه تلك الظاهرة؟ وعدنا إلى أسئلة الماضي التي نتجادل حولها منذ أكثر من ألف عام، فسيطر على وسائل التواصل الاجتماعي جدل حول: ما حكم مرتكب الكبيرة؟ هل المنتحر مُخلّد في النار لارتكابه كبيرة "قتل النفس" أم في منزلة بين المنزلتين أم مُعذّب إلى أجلٍ؟ هل هو كافر أم أمره إلى الله تعالى؟ متجاهلين أنّ تكليف الله تعالى للإنسان منوط بالعقل، فمتى اختلت السلامة العقلية بما في ذلك النفسية تعطّل التكليف المستوجب للحساب الذي هو في حقيقته عملية غيبية تتم من الله تعالى للمُكلَّف، ولا يملك إنسان أو ملاك أو شيطان أن يحسم هل ستخضع عملية المحاسبة لقواعد العدل أم لعوامل العفو الإلهي، أضف إلى ذلك أنّه ليس في مقدورنا أن نقطع بتحقق العقوبة الأخروية على ذنب مهما كانت بشاعته؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يأتيه الوحي قالها بوضوح: "أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه".

إذا كان ما بعد الموت منطقة غيبية نعجز عن القطع بمصائر الراحلين إليها فلماذا تأخذ هذا الحيز الجدلي في حياتنا؟!

وسورة "البروج" تحكي لنا جريمة بشعة في حقّ أطفال ونساء وشيوخ أُلقوا أحياء في حفرة طولية (أخدود) من النيران، ورغم أنّ الله تعالى توعّد الجُناة بالعذاب إلا أنّه استثنى منهم التائبين بقوله عزّ وجلّ: "إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا، فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ"، والأخبار في ذلك كثيرة. فإذا كان ما بعد الموت منطقة غيبية نعجز عن القطع بمصائر الراحلين إليها، فلماذا تأخذ هذا الحيز الجدلي في حياتنا!
انشغلنا بمحاكمة الموتى عن مساءلة الواقع، واكتفينا في تناول الظاهرة بالخطب والكلمات الرنانة، وانتظرنا من الفكر الديني بنبرته الوعظية وصوته المرتفع أن يقوم بمهمة البحث العلمي في قضايا ذات طبيعة اجتماعية نفسية معقّدة، تحتاج إلى عقلانية هادئة، وبحوث ميدانية تتعاطي من خلال بيانات ومؤشّرات إحصائية مع العوامل الواقعية التي تقف خلف الظاهرة. فإيجاد مشروع حضاري متوازن ومتكامل يحتاج إلى هياكل جادة للبحث العلمي في مختلف مجالات الدراسات الإنسانية، تحْظى بتمويل وتشجيع حكومي، والتزام مؤسسي بالعمل بنتائجها وتوصياتها؛ لإيجاد حلول ناجعة للمشاكل والهموم الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: هكذا علقت أليف شافاق على حوادث الانتحار في تركيا
لن نخترع العجلة من جديد؛ فالأعمال السوسيولوجيّة المتراكمة والمتتابعة تُمثّل مدخلاً نظرياً ومنهجياً مهماً في دراسة تلك الظاهرة التي شغلت عدداً من الباحثين بداية من "موريس هالبواش" ومروراً بـ "إميل دوركايم" صاحب كتاب "الانتحار"، وصولاً إلى الباحث المصري "مكرم سمعان" صاحب كتاب "مشكلة الانتحار" وغيرهم من الباحثين الذين رأوا الانتحار آفة تفتك بالأفراد، وتنخر في المجتمعات.
ويُعرف الانتحار بأنّه كلّ فعل يحدث بواسطة الضحية نفسها ويُؤدي إلى الموت بصفة مباشرة، مثل الارتماء تحت عجلات المترو، أو بصفة غير مباشرة مثل أن يُهمل الإنسان حالته الصحيّة، ويتعمد عدم معالجة مرض خطير يُؤدي تطوّره إلى الموت.
وقد استبعدت الدراسات المعاصرة أن يكون العامل الوراثي والأصل العنصري مسؤولاً عن تفسير تلك الظاهرة، فـ"الانتحار لا يُورث، ولا يتبع الخصائص الجينية للإنسان، وإنما ما يُورّث أو يُورَث هو بعض حالات الأمراض العقلية، وهي لا تُؤدي بالضرورة إلى الانتحار".

اقرأ أيضاً: يوسف المساتي: شيوخ الموت يوظّفون الجنس لإقناع الشباب بالانتحار
فالانتحار كغيره من الظواهر الاجتماعية تفسّره مجموعة من الأسباب النفسية والاجتماعية والمعطيات الثقافية المتداخلة، ففي دراسة مكرم سمعان الميدانية على الانتحار في المجتمع المصري، انتهى بعد قياس معدلات الظاهرة ومقارنة الإحصائيات إلى أنّ هناك عدّة عوامل تتدرج في مدى تأثيرها، وتُسهم في حدوث الانتحار، أولها، ويكاد أن يكون القاسم المشترك في حالات الانتحار والشروع فيها، "الشعور بالعزلة والاغتراب"، فهو العامل الأساسي الذي يعمل على تنمية الدوافع والميول الانتحارية، لما لهذا الشعور من آثار على اختلال الأنا وتدهور الشخصية بكاملها، والدخول في اضطرابات نفسية وعقلية، وهو ما أطلق عليه "دوركايم" اسم "الانتحار الأناني"، فنسب الانتحار ترتفع لدى الأفراد الذين لهم نزعة فردية مفرطة، مثل مَن تضعهم الظروف الاجتماعية في حالة انفصام للرابطة الأسرية بالطلاق أو الترمّل، فالمتزوجون من منظور "دوركايم" أقلّ انتحاراً من العزّاب، والأسرة التي فيها أبناء أقل انتحاراً من الأسرة التي لم تُنجب.. والأسرة الأكبر والأكثر عدداً أقلّ انتحاراً من غيرها الأصغر والأقل عدداً.

الانتحار ظاهرة اجتماعية نفسية معقّدة تحتاج إلى عقلانية هادئة وبحوث ميدانية دقيقة

ويأتي في المرتبة الثانية بفارق طفيف الصراعات الاجتماعية التي منها الصراع بين الزوجين أو مع الرؤساء أو مع الوالدين، وما يُصاحب ذلك من توبيخ شديد، وشعور أحياناً بالدونية، وفي المرتبة الثالثة جاءت الصعوبات المعيشية بسبب البطالة وتراكم الديون بكثرة، وتدهور الدّخل بصورة عامة، وهذا النوع من الانتحار يُسميه "دوركايم" باللامعياري، ويرتبط بالأزمات الاقتصادية حيث ينعدم التوازن بين الطموحات والإمكانيات، فالإنسان لا يستطيع العيش والبقاء على قيد الحياة بشكل سليم ومقبول إلا عندما يكون هناك توافق بين الضرورات أو الحاجيات من ناحية والإمكانيات أو الوسائل من ناحية أخرى.
وانتهى سمعان في دراسته إلى أنّ العلاج النافع الواقي من ارتفاع نسب الانتحار في المجتمعات المعاصرة يأتي من خلال دمج الأفراد في العمل والجماعات المهنية، فالاندماج في الحياة الاجتماعية من العوامل الأساسية التي تحمى الأفراد من الأمراض الاجتماعية والأزمات، كما أنّه يُساهم في إرساء تماسك وترابط اجتماعي مبني على الأخلاق والقيم الجماعية، فانخراط الفرد في جماعة العمل المهنية يُحقق ذاته، ويقوّى شعوره بالانتماء، ويدعم ويوسع روابطه الاجتماعية؛ فالانعزال أو ضعف الاندماج في الجماعة يجعل الفرد ضعيفاً، وغير قادر على التّغلب بمفرده على المشاكل التي قد تعترضه أثناء مباشرته لتكاليف ومشاغل الحياة.
أخيراً الحياة السويّة قائمة على الانتظام والانخراط في الجماعات المجتمعية من أسرة وجامعة وجماعة العمل وحراك مجتمعي مع مختلف المؤسسات التي تعمل في إطار المجتمع المدني كالجمعيات العلمية منها والحقوقية والإنسانية والخيرية والثقافية والأدبية.. فإضعاف الدولة لدور تلك المؤسسات الاجتماعية وتهميشها من جانب، وخوف الأسر على أبنائها من الاندماج في المجتمع الخارجي والعمل على عزله، وخوْض غمار الحياة نيابةً عنه، من جانب آخر، هو المسؤولٌ عن الضعف النفسي والاجتماعي الذي يعيشه البعض والذي قد يُؤدي بهم إلى الانتحار.

للمشاركة:

هل شكلت اعتداءات "شارلي ايبدو" منعطفاً بتناول قضايا المسلمين بأوروبا؟

2019-12-12

لا يبدو أنّ متتبعي المشهد الديني الفرنسي، في نسخته الإسلامية، قد استوعبوا تبعات المحطة المفصلية التي جرت في اعتداءات "شارلي إيبدو"، المؤرخة في 7 كانون الثاني (يناير) 2015، والتي نزعم أنّ تبعاتها على تناول قضايا الإسلام والمسلمين والإسلاميين والإسلاموفوبيا، مختلفة عندما نقارن بين إصدارات ما قبل الاعتداءات وما بعد الاعتداءات، على غرار ما جرى في الساحة الأمريكية مع اعتداءات نيويورك وواشنطن، المؤرخة في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وقس على ذلك مع قضايا الحقل الديني في الساحة العربية، مباشرة بعد اعتداءات الدار البيضاء والرياض وعمان، وباقي الاعتداءات الإرهابية التي عرفتها عدة دول عربية وأفريقية وآسيوية وأوروبية.

ما يصدر عن أقلية تنهل من مشروع "الإسلام هو الحلّ"، أو "الإسلاموية هي الحلّ"، تتسبّب للمسلمين وغيرهم بمشاكل مجانية

ما يهمنا هنا تلك الوقفات مع ملفين اثنين في الساحة الأوروبية، خاصة الساحة الفرنسية، بمقتضى الحضور الكبير لنسبة المسلمين مقارنة بباقي الدول الأوروبية: يتعلق الأمر بملف الإسلاموفوبيا وملف الإسلاموية، نسبة إلى الحركات الإسلامية، وخاصة الإسلاموية الدعوية المجسدة في السلفية هناك في فرنسا، والإسلاموية السياسية المجسدة في التيار الإخواني عبر بوابة "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا"، الذي قام بعملية تمويه دلالي عبر تغيير الاسم نحو "اتحاد مسلمي فرنسا"، ثم الإسلاموية القتالية.
كي نأخذ فكرة أولية عن هذه التحولات في التفاعلات الإعلامية والبحثية، بصرف النظر عن مرجعيات ومضامين هذه التفاعلات، يكفي أن نطرح السؤال الآتي: كيف نفسّر صدور خمسة كتب في فرنسا، مخصصة للظاهرة الإسلامية الحركية، في غضون شهر واحد فقط، من نهاية العام الجاري؟

اقرأ أيضاً: لماذا أخفقت محاولات "أخونة" الإسلام في أوروبا؟
وبيان ذلك؛ أنّه قبل منعطف اعتداءات "شارلي إيبدو"، كانت مثل هذه الأعمال نادرة أساساً، وكنا بالكاد نسمع عن صدور كتاب في السنة، لهذا الاسم أو غيره، وكان عددهم معروفاً عند أغلب المهتمين، من قبيل أوليفيه روا، وجيل كيبل، وفرانسوا بورغا، بينما نعاين فورة في الإصدارات البحثية خلال الأعوام الأخيرة.

 

والحديث هنا عن خمسة كتب صدرت في الأسابيع الأخيرة، وهي كالآتي: كتاب للباحث والكاتب محمد صيفاوي بعنوان "التقية: كيف يُخطط الإخوان المسلمون لاختراق فرنسا"، وكتاب ثانٍ للباحث الفرنسي من أصل جزائري حواص صنيقر، يتطرق لتحولات الإخوان المسلمين في زمن "إسلام السوق" أو الزمن الرأسمالي، وكتاب للباحث الفرنسي من أصل مغربي، محمد لويزي، حول الجمهورية والإسلام، يتطرق فيه بالنقد والتفكيك لأهم معالم تعامل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مع الظاهرة الإسلاموية بين 2017 و2019، وكتاب رابع للكاتب الفرنسي، أيان حامل، وهو عمل مخصص لقضية طارق رمضان؛ حيث يشتغل على ارتباطات الرجل في الداخل الفرنسي والخارج، والتمويلات وما إلى ذلك، وأخيراً وليس آخراً، كتاب ألفه باحثان؛ ألكسندر دير فال وإيمانويل رزافي، بعنوان "المشروع"، ويتطرق لمعالم اشتغال المشروع الإخواني على اختراق القارة الأوروبية.
مؤكد بداية أننا إزاء أعمال بحثية، تختلف في المضامين والمرجعيات والرسائل، لكنّها تساهم بشكل أو بآخر، في تنوير الطريق للمتتبع والناقد والرأي العام وصناع القرار، في معرض قراءة الظاهرة الإسلامية الحركية في الساحة الفرنسية، بينما كان الأمر يتعلق من قبل بالاشتغال على القضايا التي تهم الجاليات المسلمة، من أصل عربي وأمازيغي على الخصوص، ومعها مشاكل الجالية في الاندماج والثقافة وتدبير المؤسسات التربوية والمساجد والمراكز الثقافية وغيرها، قبل أن نعاين اليوم، خاصة خلال العقدين الأخيرين، تحولات واضحة في الإصدارات البحثية، أي الانتقال من مقام الاشتغال على قضايا الإسلام، نحو الاشتغال على قضايا الإسلاموية، الدعوية والسياسية والقتالية، كأننا نعاين انتقال التعامل العربي المحلي مع ثنائية "الدين والدين"، نحو التعامل ذاته، بكل القلاقل النظرية والعملية المصاحبة له، ولكن في فرنسا، وليس في المنطقة العربية.
ومؤكد ثانياً؛ أنّ مضامين هذه الإصدارات، لا يمكنها إلا أن تغذي خطاب ظاهرة الإسلاموفوبيا، بشكل أو بآخر؛ لأنّ الحديث هنا لم يعد يتعلق بالمسلمين فحسب، أو قل الإسلام الثقافي، أو الإسلام التقليدي الذي كان يُجسّد تديّن الجيل الأول والثاني من المهاجرين المغاربة والعرب والأمازيغ، المسلمين، وإنما يهم فئة من الجيل الثالث والرابع، أي الأجيال التي تأثرت بالتديّن الإسلامي الحركي، ويكفي في هذه الجزئية الدقيقة، تأمل هذا التحول:
لم نكن نقرأ من قبل أيّة إصدارات أو أبحاث، أو حتى مقالات، تتطرق لموضوع التقية عند الأجيال الأولى من المهاجرين، بينما تطورت الأحوال هناك مع المسلمين، في منعطف مجتمعي عنوانه قدوم الإسلاموية، فكانت إحدى نتائج هذا المنعطف، أننا انتقلنا في مرحلة ما قبل اعتداءات "شارلي إيبدو" للحديث عن التقية في مقالات نادرة، وبالكاد في هذا الإصدار أو ذلك، من قبيل ما جاء في بعض أعمال الباحث الفرنسي، جيل كيبل، إلى مرحلة ما بعد تلك الاعتداءات، تطلبت إصدار كتاب خاص حول مفهوم ومشروع التقية، وهذا أمر كان لا مفكراً فيه من قبل؛ لأنّ المشروع الإسلاموي لم يكن قائماً أساساً، إلا أنّ حضوره واختراقه للمخيال الإسلامي في الساحة، تسبّب، ضمن محددات أخرى، في حتمية تسليط الضوء على حقيقة وتفاصيل أيّ مشروع إسلامي حركي يراهن على التقية من أجل خلخلة التديّن الإسلامي لدى الجاليات المسلمة.
من نتائج هذه المتابعات ذات المرجعية الإسلاموفوبية، لهذه الإصدارات وغيرها، وأخذاً بعين الاعتبار تعدّد المرجعيات الإسلاموفوبية، يمكن الجزم بأنّ الخطاب الإسلاموفوبي سيكون متفرعاً على عدة اتجاهات، ولكن يمكن تصنيفها في اتجاهين اثنين:
اتجاه يبقى معتدلاً في نقده للحضور الإسلامي، ينهل من مرجعية فرنسية تدعو إلى إعادة النظر النسبي في قانون 1905 المشهور، الذي سَطّر معالم تعامل الدولة الفرنسية مع العمل الديني، وكرّس الفصل القانوني الصارم بين السياسة والدين، متأثراً ببعض نتائج الثورة الفرنسية في 1789، والتي جاءت للقطع مع انزلاقات المؤسسة الدينية الكنسية، ومن بين أهم رموز هذا الاتجاه العلماني المعتدل، نجد على الخصوص المؤرخ جان بوبيرو، رجل مفهوم العلمانية في فرنسا وأوروبا، من فرط الإصدارات التي حررها والتي تتطرق لمفهوم العلمانية، لعلّ أهمها كتابه المشهور "العلمانيات الفرنسية السبع"، ويمكن أن نضيف أسماءً أخرى، من قبيل الفيلسوف ريجيس دوبريه الذي كان أحد مرافقي تشي غيفارا، وأحد رموز اليسار المناهض للدين منذ بضعة عقود، لكنّه قام بعدة مراجعات فكرية، أفضت إلى انخراطه في نقاشات علمية رصينة مع رجال الكنيسة حول المسألة الدينية.

 

لا بد من معرفة تفاصيل أيّ مشروع إسلامي حركي يراهن على التقية من أجل خلخلة التديّن الإسلاموي لدى الجاليات المسلمة

وهنا، في المقابل الاتجاه الذي يهمنا أكثر في هذه المقالة، أي الاتجاه الإسلاموفوبي المتشدد أساساً، وكان في ما يُشبه حالة كمون قبل اعتداءات "شارلي إيبدو"، وهو الاتجاه الذي لا نتوقع منه في حالة قراءة الكتاب الذي يتطرق لخطاب ومشروع التقية مثلاً، أن يُعيد النظر في خياره الإسلاموفوبي المتشدد إن لم نتحدث عن اتجاه إسلاموفوبي متطرف، بل سيزداد هذا الخيار تشدداً، وبالنتيجة، سيُصبح أكبر تطرفاً في تبني مواقف معادية ضدّ كلّ ما له علاقة بالمسلمين، خاصة مع أتباعه الذين ينهلون من مرجعية عرقية أو مرجعية مسيحية محافظة، بالأحرى مرجعية يسارية متشددة، لم تقم بمراجعات في التعامل مع المسألة الدينية، ونجد من رموز هذا الاتجاه العديد من الأسماء، لعلّ أشهرها الكاتب و"الظاهرة" الإعلامية هناك، إريك زمور، أو الفيلسوف آلان فلنكنكروت، أو الباحث ألكسندر دير فال، سالف الذكر، وغيرها من الأسماء التي تحظى بمتابعة كبيرة، على الصعيدين الإعلامي والبحثي.

اقرأ أيضاً: ما حلمت به أوروبا من تخريب المعنى يتحقق في أمريكا
والملاحظ في هذا السياق، ونحن نتحدث عن دولة أوروبية تضمّ أكبر جالية من المسلمين؛ حيث يُناهز عددهم سبعة ملايين، أنّ هذه الأعمال تتطرق لأقلية إسلاموية ضمن الجالية، لا يتجاوز عددها الآلاف، ورغم أنّ غالبية المسلمين المعنيين هنا، وهم الأصل، منذ عقود وليس منذ سنين، مندمجون في الحياة المجتمعية، حتى إنّ منهم العديد من النخب السياسية والفكرية والرياضية والفنية وغيرها، إلا أنّ ما يصدر عن هذه الأقلية التي تنهل من مشروع "الإسلام هو الحلّ"، أو "الإسلاموية هي الحلّ"، من باب التدقيق المفاهيمي، تتسبّب للمسلمين وغير المسلمين في مشاكل مجانية، هم في غنى عنها، كما لو أنّ المسلمين في فرنسا كانوا يعيشون خصاصاً في المشاكل.

للمشاركة:

كيف نقرأ المصالحة الخليجية مع قطر؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-12-11

شكّلت تصريحات وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، على هامش مشاركته في منتدى "حوارات المتوسط" الذي عقد الأسبوع الماضي في روما، والمتضمنة بداية النهاية للأزمة الخليجية بين الدوحة وجيرانها، وعودة المياه إلى مجاريها، أوضح تعبير قطري يجيب عن تساؤلات حول حقيقة التسريبات عن حلول للأزمة.

اقرأ أيضاً: "قمة الرياض": أمن دول الخليج لا يتجزأ... لكن ماذا عن قطر؟


وقد برزت العديد من المؤشرات التي سبقت هذه التصريحات، والتي كانت تشير بمجموعها إلى أنّ هناك ما يدور بالسرّ بين الدوحة وجيرانها، وفي مقدمتها انخفاض منسوب التركيز في الحملات الإعلامية التي تشنّها قناة الجزيرة القطرية على المملكة العربية السعودية، وخاصة ما يتعلق منها بملفات: الإصلاحات التي يقودها ولي العهد السعودي، والتضخيم المبرمج والمدروس تجاه ملفات حقوق الإنسان في السعودية، بالإضافة لتسريبات أخرى تتعلق بزيارات سرية لوزير الخارجية القطري إلى السعودية ولقاءاته مع مسؤولين سعوديين، وتقديم تعهدات بخصوص علاقة الدوحة مع الإخوان المسلمين، وإمكانية ترحيلهم إلى بلد ثالث، هذا بالإضافة لمشاركة الدول المقاطعة للدوحة في دورة كأس كرة القدم الخليجية، والأجواء الإيجابية المرافقة لها.

تحتاج المصالحة لجهود جبارة ومصارحات عميقة تجيب فيها الدوحة على تساؤلات حول تحالفها مع أنقرة وطهران وموقفها من الإخوان

وعلى أهمية تلك المؤشرات، والأجواء الإيجابية الناشئة الجديدة بين الدوحة ودول الخليج الأخرى، إلا أنّ توقيت إعلان قطر عن تلك المصالحة و"حلحلة" الأزمة الخليجية تبدو غير واضحة تماماً، في ظل العديد من التساؤلات المطروحة، خاصة في ظل الاشتراطات الـ "13" للدول المقاطعة، بما فيها علاقات قطر مع الإخوان والتطرف، وإذا كانت قطر قادرة على تقديم إجابات بخصوص هذين الملفين، بالتعهد بإبعاد الإخوان المسلمين، وتفسير علاقة قطر مع "القاعدة" و"داعش"، بأنّها كانت في إطار تنسيق كامل مع الولايات المتحدة كما دلّت على ذلك تصريحات مسؤولين قطريين، فإنّه من غير المعروف مستقبل علاقات قطر مع كل من تركيا وإيران، في ظل هذه المصالحة.

اقرأ أيضاً: مشكلة قطر الحقيقية
كما أنّ التركيز في تداول المصالحة بوصفها مصالحة بين قطر والمملكة العربية السعودية، دون الإشارة، بالتركيز ذاته، على شمولها لكل من دولة الإمارات ومصر والبحرين، يطرح تساؤلات حول حقيقة تلك المصالحة، خاصة وأنّ الدوحة اعتمدت سياسة الفصل بين الدول المقاطعة خلال عمر الأزمة، التي بدأت منذ أواسط عام 2017، فهل تشمل المصالحة أبوظبي والقاهرة والمنامة بالمستوى نفسه الذي يتم الحديث عنه عن المصالحة مع الرياض، وهل ستذهب للإطار الخليجي بما يعني استثناء مصر، وهل كان غياب أمير قطر عن القمة الخليجية التي عقدت بالرياض خلافاً للأجواء التي سادت قبيل انعقادها، علاقة بخلافات حول تلك الملفات؟

اقرأ أيضاً: مسؤول سعودي: إيران تتراجع في العراق ولبنان.. وهذا ما يُنتظر من قطر

لاشك أنّ تداعيات الأزمة الخليجية كان لها انعكاسات سلبية لم تقتصر على البيت الخليجي، بل شملت مناطق صراعات كان واضحاً فيها حجم التباين والصراع بين الدوحة والدول المقاطعة، في أزمات: السودان والجزائر وليبيا، وحتى في غرب أفريقيا، بالإضافة لصراعات مكشوفة وأكثر حدة في القرن الأفريقي وتحديداً في الصومال وإثيوبيا وأريتريا، تتداخل مع صراعات قوى إقليمية وأخرى دولية، كانت تتبع وتتقاطع مع هذا الطرف أو ذاك، بالإضافة لانقسامات في صراعات المنطقة، وخاصة في اليمن بالإضافة للصراعات في سوريا ولبنان والعراق، فيما كانت إسرائيل القاسم المشترك الوحيد غير المختلف عليه بين قطر والدول المقاطعة، وتساوت مع عواصم عربية أخرى في استقبال الوفود الإسرائيلية "سياسية ورياضية"، كما تساوت مع دول الخليج الأخرى في عقد صفقات أسلحة ضخمة بمليارات الدولارات من ذات المصادر"أمريكية، أوروبية، روسية وصينية" نتج عنها رأي عام خليجي وعربي، بأنّ الدول الكبرى تغذي الخلافات الخليجية لنهب الثروات الخليجية بصفقات أسلحة ضخمة وإقامة قواعد عسكرية ضخمة، استعداداً لحروب ذات احتمالات وقوع صفرية بين الدوحة وجيرانها، وأنّ التهديد الحقيقي يتراوح بين تهديد إيراني مباشر، وتهديد إسرائيلي غير مباشر.

تداول الحديث عن المصالحة بوصفها بين قطر والسعودية، دون الإشارة، على شمولها لكل من الإمارات ومصر والبحرين يطرح تساؤلات حول حقيقتها

لسنا من "المتشائلين" تجاه آفاق المصالحة الخليجية، لكن المؤكد أنّ تلك المصالحة تحتاج لجهود جبارة ومصارحات عميقة، ستكون فيها الدوحة مدعوة للإجابة على تساؤلات حول تحالفها مع أنقرة وطهران، وموقفها من الإخوان المسلمين، ومساهمات بإجراءات وقرارات تنفيذية حول دورها في اليمن، والتحالف الدولي الذي تشكل ضد إيران وسياساتها في المنطقة، رغم أنّنا لا نستبعد أن تكون أجواء المصالحة بعيدة عن اطلاع مراكز القرار الأمريكي على تفاصيلها، وربما تشجيع الدوحة على المضيّ بالمصالحة بضمانات أمريكية، في ظل علاقات واشنطن الوثيقة مع عواصم المقاطعة للدوحة، وهو ما يطرح تساؤلات حول ارتباط هذه المصالحة وبهذا التوقيت بما يتم الترتيب له في المنطقة في إطار عنوانين وهما: الملف الإيراني ومستقبل العلاقة الأمريكية مع إيران، سواء باتجاه إنجاز مصالحة كبرى ستنعكس على المنطقة، أو الذهاب إلى ضربات نوعية لإيران تجبرها على تغيير مواقفها وسياساتها، وملف السلام مع إسرائيل، ومستقبل عملية السلام في المنطقة، وبما يتطلب موقفاً خليجياً موحداً في أية مفاوضات قادمة، رغم أنّ حجم التباين بين الدولة وجيرانها تجاه إسرائيل أقلّ تباعداً مقارنة بملفات إيران.
وفي الخلاصة، ربما نشهد وعبر شاشات الفضائيات العربية وعلى رأسها "الجزيرة"، التي سيكون ملف مستقبلها حاضراً في أي اتفاق، صور مصافحات القادة الخليجيين، ومحمولات تؤكد على الوحدة الخليجية وعلاقات القربى والمصير المشترك، لكن القيمة لأية مصالحة ستكون بمدى ترجمتها بسياسات ومواقف على أرض الواقع تؤكد انتهاء كافة أسباب الخلافات.

للمشاركة:



تكتلات جديدة في البرلمان التونسي لمواجهة حركة النهضة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف رئيس كتلة الإصلاح الوطني المعارضة في البرلمان التونسي، حسونة الناصفي، أنّ هناك لقاءات ومشاورات لتنسيق جهود كتلته، التي تضم 15 نائباً، وكتلة حزب قلب تونس التي تضم 38 نائباً، إضافة إلى حزب المستقبل، الذي يضمّ 9 نواب، لمواجهة مساعي النهضة لتقديم مشاريع قوانين يراها البعض أنّها محاولة لأخونة المجتمع التونسي.

وأشار الناصفي، في مداخلة عبر إذاعة "جوهرة" الخاصة، اليوم، إلى أنّ المرحلة الأولى ستكون في إطار تنسيق الجهود، وذلك لتوحيد العمل البرلماني على غرار ما حصل من التوافق على انتخاب نائبي رئيس البرلمان وإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها من التيارات الإسلامية، كمشروع إنشاء صندوق للزكاة.

مشاورات لتنسيق جهود كتلة الإصلاح الوطني مع حزب قلب تونس وحزب المستقبل لمواجهة النهضة

وأكد حسونة الناصفي؛ أنّه من الممكن أن تتحول هذه التنسيقية المشتركة إلى كتلة برلمانية موحدة، مؤكداً إمكانية انضمام كتل سياسية أخرى لديها الرؤى والمشاريع نفسها.

وأسقط البرلمان التونسي مقترح كتلة حركة النهضة الإسلامية، الذي طالبت فيه بإحداث "صندوق للزكاة" ضمن مشروع موازنة 2020، لجمع التبرعات بمشاركة جمعيات وهيئات دينية تحت غطاء مؤسسات الدولة، في خطوة عدّها التونسيون بمثابة إثقال كاهلهم بضرائب إضافية بمسميات أيديولوجية مراوغة.

المرحلة الأولى ستكون في إطار توحيد العمل البرلماني لإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها

وكان عدد من النواب، على غرار النائب فيصل التبيني، قد طالبوا باستقالة الغنوشي من رئاسة البرلمان، نظراً لعدم قدرته على مواجهة أزمة الخلاف الذي حصل بين نواب الدستور الحر ونواب النهضة، على خلفية الاعتداء اللفظي التي تعرضت له رئيس كتلة الدستور، عبير موسى، من قبل النائبة جميلة الكسيكسي.

ويتزامن الجدل داخل البرلمان مع المصاعب التي يواجهها رئيس الحكومة، الحبيب الجملي، في تشكيل حكومته مع إعلان كلّ من حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب الانسحاب من المشاورات.

 

 

للمشاركة:

تقرير يكشف دور التحالف القطري التركي في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف تقرير أمريكي دور التحالف القطري- التركي في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، خاصة بما يتعلق بالصراع الليبي الليبي.

وأفاد تقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية، الصادر في شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري؛ بأنّ ليبيا كانت واحدة من أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها جلياً التحالف القطري-التركي، مشيراً إلى دعم البلدين للميليشيات المتطرفة والإرهابية، وفق "سكاي نيوز".

 

 

وذكر التقرير أّنه "حين بدأ الصراع، عام 2011، أصبحت قطر أول دولة عربية تعترف رسمياً بمتمردي ليبيا، كما أنها أرسلت المئات من قواتها لدعمهم".

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية: ليبيا كانت أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها التحالف القطري-التركي

ويؤكد التقرير كذلك؛ أنّ الدوحة أشرفت على تدريب المقاتلين الليبيين في مناطق مختلفة من البلاد، لافتاً إلى أنّ "الدور القطري كان كبيراً لدرجة أنّ الليبيين في بعض المناطق باتوا يرفعون العلم القطري إلى جانب نظيره الليبي".

وذكرت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، ومقرها واشنطن؛ أنّ الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً من الأقمار الصناعية، تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة وحتى المقاتلين لدعم الميليشيات الليبية.

وخلص التقرير إلى أنّه "رغم كلّ هذا الدعم والتحالف، إلا أن الدوحة وأنقرة لم تتمكنا من التأثير في أيّ ممثل ليبي كبير".

ويتناغم التقرير مع الاتفاقين اللذين وُقِّعا مؤخراً بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومة فائز السرّاج في طرابلس، بخصوص الحدود البحرية والتعاون الأمني، وواجها رفضاً قاطعاً من جانب دول المتوسط، وأهمّها مصر واليونان وقبرص، إضافة إلى دول أوروبية.

التقرير: الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة للميليشيات

ومؤخراً ألمح أردوغان إلى إمكانية إرسال تركيا لقوات عسكرية إلى طرابلس، إذا طلب السرّاج ذلك، فيما كشفت مصادر من الجيش الوطني الليبي أن أيّة سفينة تركية ستقترب من الحدود الليبية ستعدّ هدفاً مشروعاً.

وكان تقرير للأمم المتحدة قد خلص، في آذار (مارس) 2013، إلى أنّ قطر أرسلت أسلحة للقوات المناهضة للرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، في عامي 2011 و2012، في انتهاك واضح لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة، كما سلمت الشركات التركية الأسلحة إلى "تحالف فجر ليبيا"، وهو تكتل لميليشيات متشددة.

ويؤكد الجيش الوطني الليبي، في أكثر من مناسبة، أنّه يقاتل جماعات مسلّحة مدعومة من تركيا وقطر، خلال حربه مع ميليشيات متطرفة في العاصمة الليبية طرابلس.

 

 

للمشاركة:

أمريكا تفرض عقوبات جديدة على شركات إيرانية.. هذا ما تفعله

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

فرضت الولايات المتحدة، أمس، عقوبات جديدة على أكبر شركة طيران في إيران وعلى قطاع الشحن الإيراني بتهمة نقل أسلحة من إيران لليمن ونشر أسلحة للدمار الشامل.

وقال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، للصحفيين، وفق ما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء: إنّ واشنطن استهدفت ثلاثة وكلاء مبيعات عامة لشركة "ماهان إير"؛ بسبب الدور الذي تلعبه شركة الطيران في نشر أسلحة الدمار الشامل.

بدورها، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية؛ أنّه "تمّت أيضاً إضافة شبكة شحن إيرانية لقائمة سوداء بسبب تورطها في تهريب مساعدات فتاكة من إيران لليمن نيابة عن الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس التابع له".

الولايات المتحدة تفرض عقوبات على شركة "ماهان إير" وعدد من وكلاء مبيعاتها لنقلها مساعدات فتاكة لليمن

وتأتي العقوبات الجديدة بعد أيام فقط من تبادل للأسرى مطلع الأسبوع بين الولايات المتحدة وإيران في تعاون نادر منذ تصاعد التوتر بينهما، عقب انسحاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015.

من جانبه، أكّد بومبيو، أنّ واشنطن ستواصل "حملة الضغوط القصوى" على إيران، لكنّه عبّر، في الوقت ذاته، عن أمله في أن يؤدي تبادل الأسرى مع إيران إلى مسعى أوسع نطاقاً لإطلاق سراح معتقلين أمريكيين.

أيضاً، قال وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، أمس: إنّ "جهود طهران لزعزعة استقرار المنطقة تتفاقم".

وأضاف أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب؛ أنّ بلاده تسعى لتعزيز دفاعاتها وتمكين شركائها من مواجهة تهديدات إيران، وتابع إسبر: "سنردّ بقوة حاسمة إذا هاجمت إيران مصالحنا أو قواتنا".

 

للمشاركة:



الهيمنة الإيرانية تنتكس في مواقع نفوذها!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

هدى الحسيني

عبر وكلائها الإقليميين مثل «حزب الله» في لبنان والميليشيات المتحالفة معها في اليمن والعراق، مدت إيران نفوذها الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، لكن اليوم، كثير من هؤلاء الوكلاء يواجهون ما يشبه «المحاكمات» الشعبية في مناطق وجودهم. ولا يمكن أن تأتي الاحتجاجات في وقت أسوأ منه بالنسبة إلى النظام الإيراني، الذي يكافح من أجل القضاء على اندلاع الاضطرابات العنيفة داخل إيران، التي يغذيها الفساد المستشري وتدهور الوضع الاقتصادي.
ظهرت قواسم مشتركة مثيرة للاهتمام داخل عقول المتظاهرين في الدول الثلاث، ترتبط بها الجوانب الأجنبية والمحلية، لكن برز أن الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني سببت تفاقم الحرمان لدى الفقراء والطبقة العاملة في هذه الدول، رغم أن إيران تطلق على ثورتها اسم «ثورة المستضعفين». كل هذا ينذر بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تواجه لحظة محاسبة قاسية لمكانتها الإقليمية.
تحاول بعض الأبواق الإيرانية، في لبنان بالذات، الإشارة إلى أن ما جرى في سوريا هو درس لأولئك الذين يتوقعون نوعاً من الربيع العربي، على أساس أن العنف والحرب الأهلية أمران ممكنان، مثل الانفتاح والإصلاح وسط الانهيار المنهجي، وإن لم يكن أكثر بالنظر إلى وجود الجماعات شبه العسكرية المسلحة، إضافة إلى مصالحهم التجارية الواسعة، التي ستخسر كل شيء في حالة انهيار النظام في الوقت الحالي.
في إيران اندلعت الاحتجاجات في أغلبية المدن إثر قرار حكومي يخفض دعم الوقود. كان رد الفعل الشعبي شديداً أدى إلى رد فعل دموي من جانب الحكومة، ولتخويف الناس أكثر اعترف التلفزيون الحكومي بأن قوات الأمن تقتل المتظاهرين. الجدير بالذكر أن كثيراً من أعمال العنف الحادة كانت في خوزستان موطن العرب الذين لهم تاريخ طويل من الصدامات مع سلطة الدولة، ما يوضح كيف أن الاضطرابات الاقتصادية الحالية تهدد بتفاقم الانقسامات الطائفية داخل إيران والمنطقة الأوسع. هذه المخاطر لا تقتصر على عرب خوزستان، إنها موجودة لدى الأكراد والآذريين، وربما الأخطر لدى البلوش في الجنوب، وكل هذه الأعراق لهم إخوة، في بعض الحالات متمردون نشطون، على الجانب الآخر من الحدود الإيرانية.
بعد «العصا» لوحت الحكومة الإيرانية «بالجزرة» عبر مساعدات مباشرة طبقت على الفور واستهدفت 70 في المائة من السكان! أرادت الحكومة دعم الركائز الأساسية للنظام (الفقراء). نجح أسلوب العصا والجزرة حتى الآن في قمع الاحتجاجات لكن الهدوء سوف يتلاشى طالما أن الاقتصاد الإيراني يتعرض لأقصى أنواع الضغوط.
أما العراق فإنه لا يزال يعيش موجة احتجاجات عنيفة واسعة النطاق، تغذيها قضايا الخبز والغضب من الفساد الحكومي. ثار العراقيون بعد صبر على نظام الحكم في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي. وزع النظام الوظائف العليا على أساس الانتماء الطائفي، وتُلقي الاحتجاجات اللوم عليه في إثراء الزعماء الدينيين والمجموعات شبه العسكرية على حساب الشعب العراقي. ولأن العراق دولة ذات أغلبية شيعية فقد أفاد هذا، النظام الإيراني الذي مارس نفوذاً على السياسة العراقية ورعى وجوداً عسكرياً وصاروخياً وأنشأ مجموعات «الحشد الشعبي» التي يبلغ عدد أعضائها مئات الآلاف، إنها تمثل قوات موازية للقوات المسلحة، تأخذ رواتبها وتُمنح الرتب الرسمية من الدولة العراقية، لكن افتقارها للاندماج في القوات العراقية هو شهادة على ضعف مؤسسات الدولة. ورغم أنها تحت قيادات عراقية الاسم، فإن لإيران التأثير الأكبر على هذه الجماعات. ما مقدار هذا التأثير؟ يقول لي مصدر عراقي معارض، إن هذا سيظهر فقط في حالة وجود خلاف استراتيجي خطير بين بغداد وطهران! العراقيون الغاضبون يعتبرون أن تأثير إيران على العراق مفرط ويضرّ بالبلاد، ولم يتأخر المتظاهرون في إشعال النيران في القنصليات الإيرانية في جنوب العراق حيث المراقد الشيعية.
غرقت حركة الاحتجاجات في العراق في أعمال العنف التي ارتكبتها قوات الأمن والقوات شبه العسكرية (الحشد الشعبي)، ورغم عدد القتلى الذي فاق الـ400 لم تتوقف الحركة وحققت نجاحاً في 29 من الشهر الماضي بإعلان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي عزمه على التنحي «بمجرد تشكيل الحكومة الجديدة»، وهنا تكمن الخدعة؛ إذ إن اختيار عبد المهدي استغرق ما يقرب من نصف العام، وسيخضع بديله لعملية التثبيت الطويلة والشاقة للغاية من قبل الأحزاب السياسية والرائدة والتي لن تتنازل عن امتيازاتها. لذلك فإن قصة العراق ستكون معقدة ومن غير المرجح أن يحصل المتظاهرون على عملية الإصلاح الشامل الذي يطالبون به في أي وقت قريب. وبالتالي فإن الحرب الأهلية ليست ببعيدة. لكن من ناحية أخرى، ورغم أن التغيير المنهجي في العراق بعيد المنال، ورغم ما قد يحدث على المدى القريب، فإن الموقف الجغرافي السياسي لإيران تآكل بشكل ملموس منذ اندلاع حركة الاحتجاج. قد يقتل عملاؤها كثيرين، لكن ضربة الفأس الأخيرة ستكون على الرأس الإيراني داخل العراق.
أما في لبنان فيريد الشعب إنهاء نظام المحاصصة والمحسوبية على أسس دينية، الذي بني على حساب الحكم الرشيد. وكما في العراق ستخسر إيران من أي إصلاح شامل لأنه يؤذي أهم وكلائها والأكثر موثوقية من قبلها، أي «حزب الله». يتمتع «حزب الله» بتاريخ طويل كوحدة شبه عسكرية وحزب سياسي في لبنان، ولاؤه لإيران، ومع ذلك فإن دخول الحزب إلى المسرح السوري دفع بعض المتظاهرين حتى عدداً كبيراً من الشيعة إلى التشكيك في التزامه بالمشروع الوطني اللبناني. مع قيام الثورة في لبنان التي أسقطت رئيس الوزراء، رغم أن الأمين العام للحزب حسن نصر الله أنذر اللبنانيين بأنه لا إسقاط للحكومة، ولا تغيير للعهد، ولا إصلاحات، قام بتعبئة مؤيديه ووحداته لضرب الثورة ودعم الحصص الطائفية السابقة، فسقط مشروعه بشكل فاضح. استمرت الثورة ورفض الثوار خياره الثاني لرئاسة الحكومة، كما أظهرت سلمية الثورة نوعية بلطجية مؤيدي الحزب ووحداته. يهدد الحزب عبر المقربين منه بأن الثورة هي مؤامرة عليه، وقد تؤدي إلى حدوث اشتباكات في المستقبل بين قواته وقوات الجيش اللبناني، إذا حدث هذا يكون الحزب قد ارتكب غلطة العمر.
القواسم المشتركة بين السياقات الوطنية الثلاثة صارخة. كل حركة تقاتل من أجل نظام سياسي واقتصادي أكثر عدالة وشفاف وغير فاسد، وترفض الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني. الديمقراطية لها ثمن، لكن في هذه الدول قد يكون ثمنها أغلى من بقية الدول، لأنها تشكل ضربة قاسمة لأهداف السياسة الخارجية الطويلة المدى لإيران. ستحاول هذه فرض العنف المستمر والاضطرابات وعدم الاستقرار على المدى القصير. لقد وضع المتظاهرون سقفاً عالياً لإصلاح الأنظمة الطائفية الفاسدة. وهذه الأهداف ستعمل على تنشيط الاحتجاجات إلى أبعد من المتوقع. لكن المزيج من مؤسسات الدولة الضعيفة المتعفنة، والقوات شبه العسكرية المدعومة بالسلاح، وسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، وعلى سبيل المثال ديون لبنان المتضخمة، كلها تجعل المطلوب من المتظاهرين المثابرة والاستمرار وعدم التراجع.
ويجب الإيمان حقاً بأن لبنان ينتفض، والعراق ينتفض، وإيران تنتفض أيضاً. وستحتفل شعوب هذه الدول بالولادة الثانية لأوطانها، وهذا حتماً سيحصل، فالتنين يقترب من نهاية عمره!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

المصالحة مع قطر لم تنضج بعد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

جويس كرم

عامان ونصف على أزمة الرباعية العربية مع قطر. وعلى الرغم من بعض المؤشرات الأخيرة الموحية بحل وشيك، فإن عمق الخلاف واتساع مداه الجيوسياسي والإقليمي يشير إلى أن هذه المصالحة لم تنضج بعد.

توقع كثيرون أن تكون القمة الخليجية هذا الأسبوع منبر المصافحة بين أمير قطر تميم بن حمد والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز. إلا أن عدم حضور الأمير وإرسال رئيس وزرائه عبدالله بن ناصر يؤكد أن إطار المصالحة لم يكتمل بعد وأن هناك عراقيل جمة على المستويين الداخلي والإقليمي قد تؤخر حدوثها.

بالنظر إلى المؤشرات التي كادت توصل إلى مصالحة في الرياض هذا الأسبوع، فيمكن اختصارها بثلاث:

أولا، زيارة وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن إلى السعودية في أكتوبر الفائت كانت مفصلا رئيسيا باتجاه الحل. صحيفة "وول ستريت جورنال" التي كشفت عن الزيارة قالت إن الجانب القطري تعهد بوقف الدعم لتنظيم الإخوان المسلمين وأي تنظيمات تابعة له. مصادر مطلعة تقول إن ولي العهد السعودي استقبل وزير الخارجية القطري على العشاء في تلك الزيارة.

ثانيا، الضغط الأميركي في الفترة الأخيرة لإيجاد حل أو على الأقل رفع بعض وسائل المقاطعة التي وضعتها الرباعية (السعودية، الإمارات، مصر والبحرين) في العام 2017. وهذا ما توجته اجتماعات دفاعية في الرياض وواشنطن تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي، وخطوات مثل المشاركة من قبل البحرين والسعودية والإمارات في كأس الخليج الذي استضافته قطر قبل أيام.

ثالثا، العوامل الاقتصادية وتطلع معظم الأطراف إلى رفع الإجراءات التي تمنع التسهيلات الاقتصادية والاستثمارات. هذا الدافع تعززه المقاربة الأميركية وتذمر كبار الشركات في الولايات المتحدة من كلفة القطيعة على الحركة المصرفية والبحرية والجوية لهذه الشركات في الخليج.

في الوقت نفسه، اصطدم هذا المناخ الإيجابي تجاه المصالحة بعدة عوامل على أرض الواقع أدت إلى عرقلته حتى اليوم؛ ومن أبرزها:

أولا، انتظار دول الرباعية خطوات ملموسة حول وقف قطر لدعم تنظيم الإخوان وفروعه وليس فقط تعهدات. فحتى حين قدمت قطر تعهدات خطية لمجلس التعاون في الماضي، نكثت بها على أرض الواقع. من هنا، لا يكفي تعهد وزير خارجيتها، وهناك ترقب من الدول المقاطعة لخطوات محددة في هذا المجال.

ثانيا، زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى الدوحة بعد أسبوعين من زيارة وزير الخارجية القطري للسعودية، وضعت أنقرة في صلب هذه المعادلة. فالوجود العسكري التركي في قطر ما زال مرفوضا من دول المقاطعة، وما من مؤشر بأن إردوغان في صدد الانسحاب لا بل هو يبدي استعدادا لاستنساخ هذه الاستراتيجية في ليبيا.

ثالثا، هناك وجهات نظر مختلفة داخل الرباعية ومطالب تتمايز بين دولة وأخرى رغم الالتقاء على الإطار الأوسع. من هذا المنطلق قد يكون هناك حاجة إلى مفاوضات متعددة الأطراف وليس فقط سعودية ـ قطرية لإنجاح مساعي إنهاء الأزمة.

رابعا، رغم الهدنة الإعلامية القصيرة، ما زال التشنج في الخطاب الإعلامي بين قطر والرباعية يطبع الموقف بسبب التباعد الجيوسياسي والإقليمي المستمر في أكثر من ملف.

خامسا، العلاقة الإيرانية ـ القطرية، التي شهدت تقاربا منذ الأزمة الخليجية، مصدر قلق لدول الرباعية والولايات المتحدة. وهذا سيتطلب التزامات من الدوحة للبقاء ضمن المظلة الخليجية من دون أن يعني مقاطعتها لطهران.

هذه المعطيات ترجئ المصالحة مع قطر اليوم وترجح خطوات تدريجية قبل حل شامل للأزمة. إنما أي مصالحة كاملة ستستوجب خطوات ملموسة وليس فقط تعهدات، وعليها أن تنال موافقة كل الدول المقاطعة بمن فيها مصر. الى حين اتمام ذلك، ستضغط الولايات المتحدة لاتخاذ تسهيلات في القطاع المصرفي أو لرفع الحظر الجوي والبحري تخفف العبء على شركاتها وتفسح المجال لخطوات أكبر.

عن "الحرة"

للمشاركة:

عام على اتفاق ستوكهولم.. تعنت حوثي يفاقم معاناة اليمنيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

يدخل اتفاق ستوكهولم بشأن الأزمة اليمنية، اليوم الخميس، عامه الثاني، وسط مماطلات حوثية عرقلت تنفيذ غالبية بنوده التي كانت ستُسهم في تخفيف معاناة اليمنيين، وخصوصا سكان مدينة الحديدة غربي البلاد.

وفي 12 ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، رعت الأمم المتحدة مشاورات سلام بين الحكومة اليمنية ومليشيا الحوثي، أثمرت توقيع ما عُرف بـ"اتفاق ستوكهولم" في السويد.

ونص الاتفاق على عدة تفاهمات؛ أبرزها وقف إطلاق النار في مدينة الحديدة الساحلية، فضلا عن تبادل الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسريا، وفك الحصار الحوثي على مدينة تعز، جنوب غربي البلاد.

وطيلة عام كامل، لم يحقق اتفاق ستوكهولم سوى اختراقات طفيفة في جانب تخفيف التصعيد العسكري بالحديدة.

ومن المقرر أن يقدم المبعوث الأممي مارتن جريفيث، مساء الخميس، إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي بشأن اتفاق ستوكهولم، وما تحقق منه والمؤشرات القادمة بشأن ملف الحديدة.

مسرحية هزلية
كان "ملف مدينة الحديدة" هو القضية الأبرز في اتفاق ستوكهولم؛ حيث نص على هدنة إنسانية تبدأ منذ 18 ديسمبر/ كانون الأول 2018، فضلا عن فتح الممرات الإنسانية والسماح بمرور قوافل الإغاثة.

كما أكدت بنود الاتفاق انسحاب الحوثيين من موانئ الحديدة الـ3 خلال 14 يوما، ثم من مدينة الحديدة إلى أطرافها في غضون 21 يوما.

ومنذ تلك الفترة، واصلت مليشيا الحوثي مراوغاتها للتنصل من اتفاق الحديدة، عبر تنفيذ انسحاب وهمي أحادي الجانب من موانئ الحديدة.

وارتكزت الخدعة الحوثية على استبدال عناصر المليشيا المدعومة من إيران بقوات موالية لها، في خطوة رفضتها الحكومة اليمنية ووصفتها بـ"المسرحية الهزلية".

مراوغات الحوثيين لم تتوقف عند خدعة الحديدة، بل واصلت المليشيا حفر الخنادق وزراعة الألغام في محيط ميناء الحديدة والشوارع المؤدية إليه، بالتوازي مع تحويل الأحياء السكنية إلى ثكنات عسكرية.

وفيما توقفت الضربات الجوية للتحالف العربي بشكل كامل منذ عام على مواقع الحوثيين في مدينة الحديدة، واصلت المليشيا الانقلابية إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على مواقع القوات المشتركة.

وكانت آخرها الهجمات الإرهابية المزدوجة بأكثر من 5 صواريخ باليستية و13 طائرة مسيرة على مدينة المخا في الساحل الغربي لليمن.

وفي الشق الاقتصادي لملف الحديدة، كان من المفترض أن تقوم المليشيا الحوثية بالانسحاب من ميناء الحديدة وتسليم إدارته للأمم المتحدة من أجل توريد إيراداته المهولة إلى البنك المركزي في عدن حتى يتسنى للحكومة اليمنية صرف مرتبات جميع موظفي الدولة.

إلا أن المليشيا رفضت التخلي عن موارد ميناء الحديدة التي تستغلها في شراء السلاح، وهو ما أدى إلى حرمان مئات الآلاف من مرتباتهم ومفاقمة الأوضاع الإنسانية.

أزمة الأسرى

منذ توقيع اتفاق ستوكهولم، عقدت لجنة الأسرى والمعتقلين المشتركة عدة اجتماعات في العاصمة الأردنية عمّان، لكنها لم تخرج بنتائج إيجابية جراء استمرار التعنت الحوثي في الملف الإنساني المفتاحي لبناء الثقة بين الأطراف.

وطالبت الحكومة اليمنية بالبدء بصفقة تبادلية كاملة يتم بموجبها إطلاق جميع الأسرى من الجانبين دفعة واحدة، لكن المليشيا الحوثية اشترطت أن يتم إطلاق 50% فقط، بهدف الاحتفاظ بما تبقى واستخدامهم كورقة للابتزاز السياسي.

وفيما وافقت الحكومة على تبادل 50% من القوائم الخاصة بالأسرى والمخفيين قسريا، وعلى رأسهم 10 صحفيين وعدد من الناشطين والأكاديميين الذين تم اعتقالهم دون وجود أي تهمة، ماطلت المليشيا الحوثية في هذا الجانب، ورفضت تنفيذ تعهداتها حتى الآن.

وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، حاولت مليشيا الحوثي امتصاص الضغط الأممي، وقامت بإطلاق 290 أسيرا فقط من معتقلاتها في صنعاء.

فيما أكد مراقبون أن جميع المفرج عنهم مواطنون عاديون قامت المليشيا الانقلابية باختطافهم من منازلهم وحواجز التفتيش على مداخل المدن.

وتواصل المليشيا الحوثية اختطاف أكثر من 4 آلاف معتقل ومخفي قسريا في سجونها بصنعاء وذمار وإب والحديدة.

ملف تعز
وبالتوازي مع تعنتها في جميع الملفات واصلت مليشيا الحوثي فرض حصارها الخانق على مدينة تعز للعام الرابع على التوالي، رغم الالتزامات التي قطعتها في اتفاق ستوكهولم.

وضرب الحوثيون عرض الحائط بالالتزامات المترتبة عليهم بناء على الاتفاق، ليرفضوا كل الدعوات الأممية والدولية بتسهيل مرور المدنيين.

وتفرض المليشيا الحوثية حصارا على سكان تعز من جميع المنافذ الرئيسية الشرقية والغربية والشمالية.

كما تمنع دخول الإغاثات والمواد الغذائية، كعقاب جماعي للمدنيين القاطنين في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية.

وكان من المفترض، أن تقوم المليشيا الحوثية بفتح أحد الممرات الرئيسية للمدينة وهو الذي يربط مدينة تعز بالعاصمة صنعاء، لكنها واصلت مماطلتها، وقرنت ذلك باستئناف الرحلات الجوية من مطار صنعاء الدولي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية