كيف دافع طه حسين عن الإسلام في رده على أندريه جيد؟

14101
عدد القراءات

2018-09-10

حين طلب طه حسين من الروائي الفرنسي أندريه جيد العام 1945 تقديماً لترجمة روايته "الباب الضيق" إلى العربية، بعث جيد برسالة إلى حسين معتبراً فيها أنّ رواية صوفية مثل "الباب الضيق" لا يمكن أن تتناسب مع قارئ عربي مسلم لا يشغل نفسه بأي قلق وجودي، بوصفه معبأ باليقين الذي منح القرآن (مدرسة الطمأنينة) إياه، مؤكداً أنّ واحدة من الخصاص الجوهرية في العالم المسلم، أنه وهو الإنساني الروح، يحمل من الأجوبة أكثر مما يثير من أسئلة.

واستدعت الرواسب الاستشراقية العميقة التي تبدت في رسالة جيد خصوصاً في نظرته إلى الإسلام، رداً حماسيّاً من طه حسين يدافع فيه عن الإسلام ورحابته ودعوته لإعمال العقل والحث على السؤال والتدبر في شؤون الكون.

تنميط المسلمين

قال جيد في رسالته: "طالما أبنت في كتاباتي السحر الذي شغفني به العالم العربي ونور الإسلام، ولقد أطلت عشرة كثير من المعنيين بالشؤون العربية والإسلامية. وكنت بلا ريب خليقاً أن أكون شخصاً آخر لو لم أتلبث في ظلال النخيل بعد أن تذوقت سعير الصحراء المحرق".

رواية الباب الضيق

ورغم أنّ الغاية من مؤسسة الاستشراق، كما بين إدوارد سعيد، هي توضيح كيفية الإطاحة بالشرق والحيلولة دون الانهزام الشخصي والاندحار النفسي أمام سموه الروحي ونطاقه الشاسع وأبعاده الرهيبة، فإنّ ما حدث لجيد بالضبط هو التوتر الروحي أمام الشرق/ الصحراء التي كادت أن تبتلعه لولا تشبثه بظلال الثقافة الغربية العاصمة من الذوبان في سحر الشرق.

اعتمد طه حسين الرؤية الاستشراقية وهو يقارع أندريه جيد والقائلة بأنّ الإسلام عبارة عن إعادة صياغة لليهودية والمسيحية

والتفرقة الجوهرية التي يتبناها جيد بين الغرب "الحديقة" الشرق "الصحراء" ووضعه حدوداً لا يمكن تجاوزها بينهما تتمشى مع صورة الشرق التي تم تبنيها أوروبيّاً منذ القرن الثامن عشر، والمُصمّمة من جغرافيا الغرابة والروحانية (على عكس عقلانية الغرب) وهي صورة ضمن مصفوفة من الصور المتنوعة والتي تدور حول بهاء الشرق وروعته ونزوعه الروحاني، وقد ظلت حية وكامنة في مسام الثقافة الغربية لتتجلى في أعمال المفكرين والأدباء والصحفيين، وغيرهم من المعنيين بشؤون والمتفكرين في قضايا الشرق.

فالاستشراق وقد أصبح مذهباً معرفياً تحوّل إلى شبكة مقبولة تسمح منافذها بتسريب صورة الشرق إلى وعي الغربيين جميعاً، مثلما أدى تحوله إلى مصدر حقيقي للإنتاج والكسب إلى تكاثر الأقوال والأفكار التي تتسرب من الاستشراق إلى الثقافة العامة، كما يقول إدوارد سعيد.

ويتعجب جيد من ترجمة كتبه إلى العربية مبرراً ذلك بأنّ "واحدة من الخصائص الجوهرية في العالم المسلم، فيما بدا لي، أنه وهو الإنساني الروح يحمل من الأجوبة أكثر مما يثير من أسئلة. أمخطئ أنا؟ هذا ممكن، ولكني لا أحس قط كبير قلق في نفوس هؤلاء الذين كوّنهم القرآن وأدّبهم. إنه مدرسة للطمأنينة قلما تغري بالبحث، وهذا فيما أظن هو الذي يجعل تعليمه محدوداً!"

اقرأ أيضاً: عندما اتهم رشيد رضا طه حسين بالإلحاد والكُفر!

هذا التنميط الوجودي والمعرفي للشرق الروحاني، وهو سمة وركيزة للاستشراق، هو أساس النظرة التي تصف الشرق وتؤطر سكّانه في نظريات جوهرانيّة مستغلقة على التاريخ وتعميمات لا يمُسُّها الفعل والنشاط الإنسانيان، تحت إطار ما للهيمنة الغربية على الشرق؛ فعلى عكس توصيف أندريه جيد الاختزالي للعالم المسلم، تضم عباءة الإسلام الواسعة تحتها شعوباً مختلفة وثقافات متباينة ونزعات شتى، منها الروحي ومنها المادي، ومن ثّم لا يصلح أي لون من ألوان التجريد المثالي في الحكم على الإسلام وإدخال معتنقيه، عبر قرون مديدة، في خانة واحدة.

ومع ذلك، فإنّ ما ذهب إليه جيد ليس غريباً على السائد في ثقافته؛ فالفرنسيون، كما يقول إدوارد سعيد، لديهم تقاليد مديدة مع الاستشراق، أو الخبرة الأوروبية الغربية، والشرق هو مصدر حضارة أوروبا ومنافسها الثقافي، وهو الصورة الأعمق لمفهوم الآخر.

أسرى اليقين الاستشراقي

على الرغم من أنّ الحركات الصوفية انتشرت في العالم الإسلامي منذ القرن الثالث الهجري على نطاقات بالغة الاتساع، وصارت رموز المتصوفة أعلاماً في الثقافة والواقع الإسلاميين، وظل التصوف هو المذهب الأكثر شيوعاً في العالم الإسلامي حتى أوائل القرن العشرين، إلا أنّ أندريه جيد، وبسبب من رؤيته الاختزالية حشر المسلمين، كأمة بالغة التنوع، ضمن إطار الأرثوذكسية الإسلامية التي بدأت مع الحنابلة وتُوجت بالحركة الوهابية والتي تعتمد اليقين أساساً لها.

اقرأ أيضاً: طه حسين: إيمان بانقشاع الظلمة ولو بعد حين

يقول جيد "أحسب أن ليس بين كتبي كلها أبعد عما يشغل نفوسكم من كتابي (الباب الضيق) فبم يستطيع هذا الظمأ الصوفي الذي صورته هنا أن يمسّ نفوساً هي قعيدة اليقين؟ أي صدىّ يمكن أن تلقاه بينكم هذه الصلوات وهذه الابتهالات المسيحية؟ بل إن في هذه الصلوات والابتهالات من "البروتستانتية" ما يجعل من الخطأ العظيم أن يتخذ هذا الكتاب مرآة للنفس المسيحية العادية؟ فهذا الشكل من التصوف استثنائي حتى بيننا، أهل الغرب أو الشمال، بل بين النفوس التي كوّنها المذهب البروتستانتي. أتراني أودعت كتاب "الباب الضيق" حظاً من الإنسانية الصادقة العامة، ومن الحب، كافياً ليهز أولئك الذين استطاع تعليمهم الخاص أن يؤمنهم من مثل هذا البَلبال؟".

لا يمكن النظر لرأي جيد في الإسلام بمعزل عن السياق السياسي

خطيئة الجهل بالإسلام

طه حسين، عميد الأدب العربي، وأحد رواد النهضة العربية الذي طالما عُرف بسجاله الملحمي مع أنصار العقل الفقهي وسدنة التحريم والتقليد، ليخرج منها مُثخناً بالتكفير والرمي بالذيلية للغرب المستعمِر، رفض تماماً هذا الاجتراء على الإسلام واتهامه بتجميد عقول المسلمين.

اقرأ أيضاً: رجل القانون محمد نور إذ ينتصر لفكر طه حسين

وكسابقة تنويرية، يفرق طه حسين بين الإسلام والمسلمين فيقول لجيد: "لقد خالطت كثيراً من المسلمين ولكنك لم تخالط الإسلام. فليس على الإسلام بأس مما ألقى في روعك خلطاؤك المسلمون. ولقد عرفتهم في عصر مؤلم من تاريخهم، عصر انحطاط العلم بالدين، وفي الشعور الديني جميعاً. ولم يكن من اليسير أن يظهرك الذين لقيتهم على حقائق الإسلام" مؤكداً البعد الجدلي في القرآن الذي يثير المسائل ويعرض لها الجواب.

كسابقة تنويرية يفرق طه حسين بين الإسلام والمسلمين فيقول لجيد: لقد خالطت كثيراً من المسلمين ولكنك لم تخالط الإسلام

وبوعي بالغ الحدة بطبيعة الظاهرة الاستشراقية وبمأزقها البنيوي، أكد طه حسين لجيد أنّ المستشرقين الدارسين للإسلام يحسنون الثقافة الغربية أكثر مما يتقنون الثقافة الشرقية. فلم يتح لهم وهم الذين تضطرهم صناعتهم إلى العناية بالنص أكثر من العناية بالروح، أن يستخلصوا جوهر الإسلام ويبينوا تأثيره في العقول والقلوب. فالإسلام لا يغري بالدعة ولا بالخمول، وإنما يحث على التروية والتفكير، ويدعو إلى التدبر والاستبصار. وأي شيء أدل على ذلك من القرون الخمسة الأولى من تاريخه؟".

وكدليل لمسيرة فكرية تنتهي بمحمد عابد الجابري، الذي يرى أنّ استقالة العقل في الإسلام ناتجة عن اختراق عناصر سابقة على الإسلام ضمن نسق التفكير الديني الإسلامي وفي الاجتماع العربي، يقول حسين لجيد: "ما ينبغي أن تحمل على الإسلام بل على مؤثرات أجنبية تبعت ما رأيت من ميل إلى التسليم يدهشك، وحدّ في التفكير يسوؤك واستلام إلى الدعة يؤذيك"، ويذهب حسين إلى أبعد من ذلك باعتباره أن الدين الخصب الذي خلقه الإسلام منح الآداب العالمية من الحب العذري والطموح إلى المثل العليا ما ليس له في الآداب الأخرى نظيراً.

صدى الاستشراق عربياً

كان للاستشراق بالغ الأثر في إنتاج الحداثة الفكرية العربية حتى وهي تناطحه وتتناقض معه، فلا يمكن النظر لرأي جيد ولا طه حسين في الإسلام بمعزل عن السياق السياسي الطاغي والمنظم للعلاقة بين الغرب والشرق، وهو السياق الذي أنتجت في ظله تلك الآراء.

اقرأ أيضاً: حكم جديد بإعدام طه حسين!

فقد اعتمد طه حسين الرؤية الاستشراقية جزئياً، حتى وهو يقارع أندريه جيد، والقائلة بأنّ الإسلام عبارة إعادة صياغة لليهودية والمسيحية فيقول: "لقد أعطى الإسلام كثيراً لأنه تلقى كثيراً. تلقى اليهودية والمسيحية" ويمزج حسين تلك الرؤية بالتبرير التنويري للتثاقف مع الغرب والقائم على أنّ الفضل في الحضارة الغربية المعاصرة يعود حصراً إلى حضارة العرب. يقول حسين: "(إن الإسلام) وسّع ثقافة اليونان والفرس والهند. وتلقى هذا كله ثم أساغه، ثم صاغ منه ثقافة عربية، ثم استخرج منه خلاصته، ثم أهداه إلى الغرب قبل القرن الخامس عشر بوقت طويل. وإذا كان الإسلام قد استطاع أن ينهض بهذا العبء الخطير فهو قادر فيما أعتقد على أن يتقبل الثقافة الأوروبية الحديثة وأنه ليتقبلها بقبولٍ حسن".

ويختم حسين رسالته إلى جيد بمقولة دالة على رؤيته للإسلام: "إنا لنبتهج إذ نراك بيننا في الوقت الذي يُقدم فيه كتاب من كتبك إلى قرائنا ويسعدنا أن ينبئك نجاحهما بأن الإسلام يحسن اللقاء كما يحسن العطاء".

اقرأ المزيد...

الوسوم: