لماذا تطرح قطر مشروع هدنة بين حماس وإسرائيل؟

صورة عمر الرداد
كاتب أردني وخبير بالتحليل الأمني الاستراتيجي
4930
عدد القراءات

2018-06-10

على وقع ترجمات صفقة القرن بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ووقف مصادر تمويل منظمات رعاية اللاجئين، تمهيداً لشطب قضية العودة، وبالتزامن مع سقوط عشرات الشهداء وآلاف الجرحى في غزة، شرعت حماس بمفاوضات حول هدنة طويلة الأجل مع إسرائيل، تقودها كلّ من مصر وقطر، إضافة إلى سويسرا والنرويج، وبإشراف ومتابعة واطلاع من قبل أمريكا.

حدود واشتراطات الهدنة غير واضحة بالكامل، لكن ما رشح من مصادر غربية يشير إلى تنازلات متبادلة من جانب حماس وإسرائيل؛ حيث أسقطت إسرائيل مطلبها الأساسي حول نزع سلاح حركة حماس، وقبلت بوقف حفر الأنفاق بين غزة وإسرائيل، مع وقف أية عمليات تنطلق من غزة باتجاه إسرائيل، بما فيها عمليات القصف الصاروخي على المستوطنات الإسرائيلية في مناطق جنوب غزة، فيما جاءت المساهمة المصرية بتعهدات بفتح معبر رفح مع غزة أمام انسياب البضائع والأفراد، ومن جانبها تعهدت حماس بإبقاء مسيرات العودة بعيدة عن السياج، وبحث إجراءات تبادل الأسرى بين الجانبين.

الهدنة، وفق كثير من الخبراء، مطلب لحماس ولإسرائيل في هذه المرحلة؛ فحماس مع الحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007، تتعرض لضغوط ضخمة من قبل جهات عديدة لخفض مستوى العداء والتهديد للجانب الإسرائيلي، في ظلّ تداعيات الحصار التي تتفاقم يوماً بعد يوم؛ اقتصادياً واجتماعياً، بدلالة مسوحات وتقارير المنظمات الدولية الإنسانية التي تؤكد أنّ أهالي القطاع على حافة مجاعة، في ظلّ انعدام الخدمات، ومن جانبها تتعرض إسرائيل لخسائر في علاقاتها الدولية جراء تعاملها مع مسيرة العودة الكبرى، وحصارها اللاإنساني المفروض على قطاع غزة.

حدود واشتراطات الهدنة غير واضحة بالكامل لكن ما رشح من مصادر غربية يشير إلى تنازلات متبادلة من جانب حماس وإسرائيل

بمعزل عن النتائج التي ستفضي إليها الهدنة المطروحة اليوم، من حيث إمكانيات نجاحها أو فشلها، والسياقات والبيئة التي يتم طرحها خلالها، وعلى رأسها تزامنها مع ترجمات ما يعرف بــ "صفقة القرن"، والتساؤلات التي ستطرح حول موقف حماس والجهات الضامنة لحماس في هذه الهدنة من الصفقة، فإنّ تساؤلات أكبر وأعمق تطرح حول الموقف القطري من إسرائيل، خاصة في هذه المرحلة، على ضوء تطورات خلافاتها مع التحالف الرباعي "السعودية والإمارات ومصر والبحرين".

تستطيع مصر، لأسباب مرتبطة بمعاهدة سلام مع إسرائيل، إضافة إلى حكم الجغرافيا السياسية ومتطلبات أمنها القومي، خاصة في سيناء، وحملتها على الإرهاب هناك، والشكوك حول ارتباطه بجهات فاعلة في غزة، تبرير قيامها بوساطة بين حماس وإسرائيل، فيما لا تستطيع القيادة القطرية تبرير مثل هذه الوساطة؛ إذ تفتقد لعاملي الاتصال الجغرافي مع غزة من جهة، وعدم ارتباطها، من جهة أخرى، بعلاقات معلنة مع الجانب الإسرائيلي، وضعف تأثيرات تداعيات أزمة قطاع غزة على الأمن الوطني القطري، الأمر الذي يجعل مبادرتها على هذا الصعيد مدعاة للتساؤل، وأنّ أهدافها من هذه الوساطة مرتبطة بأجندة قطرية، تحددها سياقات أزمتها مع جيرانها في دول الخليج إضافة إلى مصر.

اقرأ أيضاً: الغزيّون بعد حادثة السفير القطري: أين ذهبت حماس بأموال الدعم؟

توثيق العلاقات القطرية مع إسرائيل والمنظمات الصهيونية في أمريكا وأوروبا، كانت -وما تزال- أحد أبرز اتجاهات السياسة القطرية في التعامل مع أزمتها مع جيرانها، تستند لإرث تاريخي في هذه العلاقات بدأ منذ عام 1996؛ عند افتتاح المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة، وصولاً إلى اتصالات مكثفة كشفت عنها مصادر أمريكية لقيادات قطرية مع قيادات اللوبي اليهودي في أمريكا (المنظمة الصهيونية، مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى، ومنظمة إيباك)، وزيارات لرموز يهودية أمريكية، ووفود طلابية وتجارية إسرائيلية إلى الدوحة.

تستطيع مصر لأسباب عديدة القيام بوساطة بين حماس وإسرائيل فيما لا تستطيع قطر بمثل هذه الوساطة

طرح قطر لمشروع هدنة بين حماس وإسرائيل في هذا التوقيت يأتي ترجمة لذلك، رغم خطاب "الممانعة والمقاومة" الذي تدعي قطر أنها تتبناه، هذا الخطاب الذي تركز مضامينه على جمع الأدلة حول ما تزعم وتروج أنه علاقات لخصومها (السعودية والإمارات والبحرين) مع إسرائيل، كما يأتي مشروع الهدنة القطري استمراراً لمشروعات سبق لقطر أن طرحتها للتوسط بين حماس وإسرائيل، في إطار تنافس مع مصر والإمارات، قبل نشوء الأزمة القطرية مع التحالف الرباعي، وكانت أبرز محطات التأثير القطري على حماس؛ إنجاز ميثاق الشرف الذي أعلنته الحركة، في أوائل العام الماضي، الذي تضمن اعترافاً ضمنياً من حماس بإسرائيل، بتنسيق كامل بين الدوحة وأنقرة، وافتقد هذا الميثاق لقوته وتأثيره في ظلّ حقيقة أنّ حلّ قضية غزة والتخفيف من تداعيات حصار القطاع هي قضية كافة مفاتيحها محصورة بين القاهرة وحماس في القطاع.

اقرأ أيضاً: تناقضات حماس: تأييد الاحتلال التركي لعفرين ومعارضة الاحتلال الإسرائيلي

الهدنة المطروحة، والدور القطري فيها، تطرح تساؤلات حول الفروق بين قطر وخصومها بالموقف من إسرائيل، والحدود الفاصلة في هذا الموقف، وفيما إذا كانت حماس مجرد ورقة ضمن أوراق التفاوض، لتعزيز أسباب المواجهة، على وقع الأزمة القطرية مع جيرانها ومصر، وأزمة دول ما يعرف بالممانعة والمقاومة العربية والإسلامية مع دول الاعتدال العربي، وفيما إذا كانت إسرائيل بوارد تقديم تنازلات في هذه الهدنة، فهل ستقدمها إلى الجانبين القطري والتركي، في ظلّ ما تشهده العلاقة بين إسرائيل وتركيا من تصعيد، أم إلى القيادة المصرية؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: