ما الضرر في انتماء الفرد إلى هويته الإنسانية وذاته الحرة؟

2500
عدد القراءات

2019-02-12

لعلّ ما يجعل الهوية موضوعاً مفتوحاً لم ينته نقاشه، رغم كثرة ما قيل فيه وكتب عنه، أمران؛ أولهما: أنّ الهَوِية (1)  (التي تتضمن بياناتنا الشخصية)، والتي تمنحها لنا "الدولة"، لا تدل، حتى اليوم، على أننا مواطنات ومواطنون متساويات ومتساوون في الحقوق المدنية والسياسية، ما يعني أنّ "الدولة" التي تمنحها ليست دولة حديثة بعد، أو ليست دولة مواطنة متساوية.

الهوية التي لا تدل على المواطنة هي شيء في مصلحة السلطة فقط لأنها تحوّل الأفراد إلى أرقام

أما الأمر الثاني فهو أنّ الهُوِّية / الهويات، التي نرفعها راية / رايات (أو بيارقَ) على أنفسنا، والتي لا تكون إلا بنفي الآخر المختلف، والأخرى المختلفة، لا تدلّ على ذواتنا الإنسانية، أو على هويتنا الإنسانية (الهوية الجذرية)، ولعلّها حجاب يحول بيننا وبين أنفسنا.
يقدّم المفكر العربي، فتحي المسكيني، في كتابه "الهوية والحرية نحو أنوار جديدة" اقتراحاً على نظرائه من الفلاسفة والمفكرين، وأصحاب العقول الحرة بقوله: "علينا أن نمشي قليلاً إلى أنفسنا ومشكلاتنا، من خلال بعض الفلاسفة الذين سبقونا بمعنى ما إلى أنفسنا ومشكلاتنا، على ألّا نكون هم أو يكونوا نحن"، بعد رؤيته أنّ النوع البشري يحتاج إلى أنوار جديدة لإضاءة مفهوم الهوية والفرادة الذاتية للإنسان، لا بصفتها امتيازاً؛ إنما بصفتها معطىً كونياً يجعلنا على صلة مع كل من سبقنا في التفكير، بحسب تعبيره.

اقرأ أيضاً: تقرير: الصين تسعى لطمس هوية الإيغور
اقتراح المسكيني ليس مجرد اقتراح فحسب؛ إنما هو مشروع حيوي لإعادة النظر في الذات الفردية وانتماءاتها السطحية أو هوياتنا الجمعية؛ كالهوية الدينية أو القومية أو العرقية، ...إلخ، والتي نتخذها دروعاً كدروع السلاحف، والتي يمكن أن تكون أيّ منها مصدراً أيديولوجياً من مصادر التشدد والتعصب والتطرف والعنف والاستبداد، والأهم من ذلك أنها جميعها من مصادر السلطة والتسلط.
الهوية الجمعية، التي يعبّر عنها ضمير المتكلمين (نحن)، والذي يستعمله أيّ منا كأنه الناطق الرسمي أو كأنها الناطقة الرسمية باسم الجماعة، هي هوية فارغة؛ لأنّ الـ "نحن" لا تدل على كثرة من أفراد مختلفات ومختلفين، كل منهن أو كل منهم "أنا أفكر"، بتعبير إلياس مرقص، وكلّ منهم أو منهنّ مشروع تحقق كياني، بتعبير مصطفى حجازي، فإنّ فراغ هذه الـ "نحن" قد يفضي إلى العدم، من خلال عدم رؤية الآخر، وعدم الاعتراف بإنسانيته وجدارته واستحقاقه، وعدم احترامه، ومن ثم عدم رؤية الذات (الفردية والجمعية) وعدم إدراك معنى إنسانيتها، وعدم احترامها وعدم الثقة بها، على اعتبار كل ذات فردية أو جمعية هي آخر مختلف وأخرى مختلفة.

استقلال الذات الفردية وحريتها لا يعنيان التخلي عن الجماعة أو عن الدين والسياسة وغير ذلك

الهوية، التي لا تدل على المواطنة، هي شيء في مصلحة السلطة فقط؛ لأنها تحوّل الأفراد إلى أرقام، تهتم السلطة بمعرفتها لدواعي اقتصادية وتنموية، ولدواعي عسكرية وأمنية، ...إلخ، وتسهل على الجهات المعنية اقتناص الأفراد على الحواجز أو في المطارات والموانئ والحدود البرية، والهُوِّية التي لا تدلّ على الذات هي مادة لإنتاج العنف و"صناعة الموت".
استقلال الذات الفردية وحريتها لا يعنيان التخلي عن الجماعة، أو عن الدين والسياسة وغير ذلك؛ إنما يؤسسان استقلال الجماعة وحريتها، فالجماعة الحرة هي التي تتألف من أفراد حرائر وأحرار، وكذلك الشعوب والأمم والدول، وهذا يعني ضرورة؛ أن نخرج من الهوية/الهويات المغلقة إلى هوية أكثر انفتاحاً وأكثر حرية وأكثر أخلاقية، هوية تعترف بإنسانية كلّ فرد من أفراد الجماعة الإنسانية، في أيّ مكان من العالم، وتعترف بشرعية الاختلاف، هوية تتجاوز كلّ الحدود المرسومة للهوية الجمعية التي تلغي الذات الفردية وتطمسها لتذوب في الجماعة.

اقرأ أيضاً: الهجرة والهوية والإسلام من وجهة نظر يمينية
ما الذي يمنع الفرد في المجتمع العربي من أن يكون إنساناً كونياً، حراً، مستقلاً بذاته، يعتز بالثقافة العربية أو الكوردية، على سبيل المثال، لكن دون طمس فرديته وذاتيته في "الهوية القومية"؟ وما الذي يمنع الإنسان، المسلم أو المسيحي أو اليهودي، أن يكون إنساناً حراً، له كيانه الإنساني، يحمل دينه في روحه من دون أن يكون الدين هويته وتعريفه الأول والأخير؟
الهويات القاتلة والمقتولة
درجت مقولة "القتل على الهوية" منذ بدايات ما وصف بـ"الربيع العربي"، ولا سيما في ليبيا واليمن وسوريا، وقبل ذلك في العراق، وقبل قبلها في لبنان، ما يلفت النظر في ظاهرة القتل على الهوية؛ أنّ عرباً يقتلون عرباً (ويقتلون أكراداً، مثلاً)، وأنّ أكراداً يقتلون أكراداً (ويقتلون عرباً)، وأنّ مسلمين سنّة يقتلون مسلمين سنّة (ويقتلون مسلمين شيعة)، وأنّ مسلمين شيعة يقتلون مسلمين شيعة (ويقتلون مسلمين سنّة)، ...إلخ، هذه الظاهرة اللامعقولة واللاأخلاقية تكشف بوضوح عن "تفاهة الشرّ" (2)  الكامن في هذه الهويات، وعن الحدود التي بلغتها الكراهية المتبادلة.

هناك غيرية تسمى الغيرية الجذرية وهي ذوبان الشخصية في الغير أو في العائلة أو العشيرة أو الطائفة

كلّ من ليس من طائفتنا، أو ليس على ديننا، يجب أن يقتل، ومن ليس على سياستنا يجب أن يقتل أو يختفي، ومن هو في غير حزبنا يجب أن يسجن، إذاً؛ الدين هوية، والحزب هوية، والإنسانية في الدرك الأسفل من تفكيرنا، أو هي خارج تفكيرنا بصورة نهائية، الآخر المختلف ليس إنساناً إنما هو عدوّ لدود، تحلّ عليه لعنة الهوية، وغضبها، وجميع شرورها؛ فالمشكلة ليست في الهوية، إنما في العقل الهووي الذي لا يقبل إلا نفسه، ولا يصدق إلا نفسه، ولا يشترك إلا مع نفسه، ولا يستمع إلا لصوته، ولا حرية إلا لنفسه فقط.

اقرأ أيضاً: "هوية فرنسا" لفرنان بروديل: كيف يُكتب التاريخ؟
"الأنوار الجديدة" الذي اقترحها المسكيني؛ ليست إلّا برنامجاً كونياً رائعاً، يفضي إلى الذاتية والتشارك الحرّ، في آن واحد، إلى المواطنة العميقة والمساواة بين الأفراد بغض النظر عن محمولات الفرد السياسية والاجتماعية والعرقية والإثنية والدينية؛ إذ يقول: "إنّ البرنامج المنشود هو اختراع آداب جديدة للتوجه في الكون، لا يحقّ لأيّة جماعة أخلاقية أو دينية أن تفرضها أو تضبطها سلفاً، فقط ثمة حقّ كوني من شأن كلّ بشري أن يتمتع به، ألا وهو الانتماء الجذري إلى النوع الإنساني مما يجعله مسؤولاً مسؤولية فظيعة عن مصيره".
الغيريّة كآخرية
الغيرية عكس الأنانية، وهناك غيرية هي صفة ملازمة للذات المعافاة، التي تعي فرديتها ضمن الكلية الاجتماعية والإنسانية، وهناك غيرية تسمى الغيرية الجذرية، وهي ذوبان الشخصية في الغير أو في العائلة أو العشيرة أو الطائفة يعبّر عنها أحياناً بإنكار الذات، هذا مما يفعله العقل الهووي غير المنفتح على الآخر، أما الغيرية الإيجابية؛ فهي تعني "الآخرية"؛ أي الاعتراف المتبادل والاحترام المتبادل بين الذوات، وهذان شرطان أساسيان للحوار المنتج بين ذوات حرة ومستقلة،  وأهم ما في الأمر هو إدراك حقيقة أنّ الآخر والأخرى هو وهي من يؤسس الذات، فليس هنالك ذات بلا آخر وأخرى، وأكثر من ذلك؛ أنّ الإنسان لا يعرف نفسه إلا من خلال الآخر، وهذا معنى قول ماركس: "الإنسان هو مجموعة علاقاته الاجتماعية"، بعكس أسطورة نيرسوس، الذي تعرف على نفسه عن طريق صورته في الماء، وهذا ما يسميه مصطفى حجازي "الغرق في الرؤية المرآتية" (من المرآة).

اقرأ أيضاً: "الهوية والعنف": هل ديانتك هي هويتك؟
فما الضرر في انتماء الفرد إلى هويته الإنسانية وذاته الحرة والمستقلة؟!


هوامش:
(1) نعتمد على التفريق الواقعي والضروري، الذي أقامه فتحي المسكيني بين الهوية، بفتح الهاء وكسر الواو، وبين الهُوية بضمّ الهاء وتضعيف (تشديد) الواو.
(2) التعبير من عند عالمة الاجتماع الأمريكية من أصل ألماني، حنة أرندت، في كتابها "محاكمة آيخمن في إسرائيل".

اقرأ المزيد...

الوسوم: