مواطنة بلا جذور.. كيف انقلبت الحقوق إلى هبات والواجبات إلى أعباء؟

"المواطنة ليست أمراً بديهياً يتحقق تلقائياً بقيام الدولة الوطنية، وليست أمراً بديهياً مكتسباً بالوراثة، بل هي عملية نمو وتطوّر اجتماعي واقتصادي وثقافي، وسياسي وأخلاقي"، وفق ما أشار إليه الباحث السوري جاد الكريم الجباعي في كتابه "من الرعوية إلى المواطنة". وأهمية هذا التعريف ترتكز أساساً على تحطيم البديهيات الجوفاء، والتصورات المجرّدة التي نبنيها حول فكرة المواطنة، فإذا استطعنا أن ننفذ إلى دلالاته، سنخلص إلى أنّ المواطنة عمليّة تربوية متكاملة، تنمو في الأسرة والمدرسة والمؤسسات العامة، وجوهر هذه التربية يقوم على فهم الفرد لحقوقه وواجباته.

اقرأ أيضاً: مفهوم المواطنة في دولة الإسلام السياسي

تتشّكل حقوق وواجبات الفرد في أُسرنا ضمن التباسٍ شديد؛ إذ إنّ فكرة الحقوق والواجبات تخضع للنظم التقليدية التي تتشكّل أُسرنا منها، وربما أخطر هذه النُظم إدراج الطفل في قائمة الملكيّات، مما يختزل العلاقة معه إلى مجموعة من الأوامر والنواهي، تعزز منطق التبعية والخضوع، هذا المنطق يحرف حقوق الطفل عن معناها، ويجعل منها هباتٍ تُغدق عليه في معرض المكافأة، وتُخلع عنه في معرض العقاب، وينسحب الأمر على الواجبات التي تفتقد لضوابط أساسية يتحكّم بها مزاج الأهل، وتتأرجح ما بين التراخي والحزم، ليغدو الواجب عقوبة بالنسبة للطفل، يتنصّل منه كلما سنحت له الفرصة.

حقّ التعلّم الذي تقرّ به جميع المواثيق الدولية ينقلب إلى هبةٍ وعطاءٍ ومَنّةٍ في مجتمعاتنا

ما بدأته الأسرة تكمله المدرسة، المدرسة التي تستمدّ سلطتها من قانون "التعليم المجاني"، فأمام مجانية التعليم لا يجوز أن يرتفع  صوت أحد ليطالب بأي حقٍّ على الإطلاق، طالما أنت تتعلم (مجاناً)، كيف لك أن تعترض على مقعدٍ ضيق، أو على غرفةٍ غير صحية، أو على جدرانٍ كئيبة، أو على منهاجٍ مملٍّ وفارغ، أو على بنيةٍ تحتيةٍ لا تتناسب مع منهاجٍ مستورد، والأهم على معلمٍ فاقد لأهلية التعليم؟ فحقّ التعلّم الذي تقرّ به جميع المواثيق الدولية، ينقلب إلى هبةٍ وعطاءٍ ومَنّةٍ في مجتمعاتنا، من خلال برمجة أذهاننا وأذهان أطفالنا على ذلك.

اقرأ أيضاً: 6 طرق دولية مبتكرة لتطوير التعليم في المدارس

لا يمكن أن تتحقق عملية الإخضاع إلّا من خلال زرع الخوف والرهبة؛ اللذَين يؤسسان فيما بعد لمنطق الولاء لا للانتماء، والولاءات تصنع تابعاً لا مواطناً، وهذه التبعية ستكرّس بدورها التأخّر والتخلّف، طالما أنّ المؤسسات التربوية في مجتمعاتنا تعمل على تعزيزهما بدل استئصالهما -وأعتقد أنّ ارتفاع مناسيب العنف والتطرف لدينا، خير دليلٍ على ذلك- فالثمانية عشرة عاماً التي يقضيها الطفل ما بين البيت والمدرسة، تكرّس الجانب الصوري من المواطنة، هذا الجانب الذي يختزل الوطن إلى تحية العلم وإلى النشيد الوطني وإلى صور وأسماء مقدسة. والأمثلة كثيرة في واقعنا، "يعود طفلك من المدرسة شاكياً صراخ المعلم في وجهه ونعته بالغبي، وإخافته بكاميرات مراقبة مزعومة تسجل أخطاءه التي سيعاقب عليها، ثم تراه بعد قليل يركب حصانه الدمية، ويردد النشيد الوطني الذي سمعه في ذلك الصباح، دون أن يعي معنى الكلمات التي نُظم منها أو حتى لماذا".

المواطنة عمليّة تربوية متكاملة تنمو في الأسرة والمدرسة والمؤسسات العامة وجوهر التربية يقوم على فهم الفرد لحقوقه وواجباته

الدور الذي تلعبه مؤسساتنا في المراحل اللاحقة من عمر الفرد، يكمل الدائرة التي ابتدأت بالأسرة فالمدرسة. الأطفال الذين تعرضوا لأنماط التربية ما قبل الوطنية، سيعيدون إنتاج المفاهيم الصورية للمواطنة، تلك التي تلمع من الخارج، بينما تنطوي في داخلها على علاقاتٍ إثنية وعشائرية ومذهبية، وسترسم هذه العلاقات التي تقوم على مبدأ الغلبة والتناحر، شكل المفاهيم التي ستبقى غريبة عن الفرد ويعيش داخلها مغترباً عن أوطانٍ لا تتعين إلّا كملكياتٍ حصريةٍ للجماعات الحاكمة، وما تبقى من الأفراد والجماعات الأخرى هم مجرّد رعية أقل منزلة.

ولا شك أنّ هذه العلاقات التي تقوم على مبدأ الغلبة والتناحر، والتي تزيح مبدأ الحرية والمساواة،  ستتغلغل في نسيج المؤسسات العامة، لتجعل منها ملكياتٍ حصرية أيضاً، بالتالي فإن العلاقات ما قبل الوطنية، والتي تقوم على الولاء، ستلغي مفهوم الكفاءة، والشخص المناسب في المكان المناسب، كما أنها ستغذي دائماً علاقات التنافس والإزاحة، العلاقات التي ستخلق مناخاً دائماً من العنف والخوف.

اقرأ أيضاً: عن الوطنية و"السياسة في أسوأ تعبيراتها"

المواطنة الفعلية لا الشكلية، هي الضامن لمجتمعاتٍ لا عنفية، بما تتضمنّه من اعترافٍ متبادل بين أفراد يعرفون ويمارسون حقوقهم وواجباتهم، وتقوم علاقاتهم بين بعضهم البعض على الثقة والتعاون واحترام مشاعر ومعتقدات الآخر، فهدر المواطنة يبدأ باللحظة التي تُهمّش فيها الحقوق، وتأخذ فيها الواجبات شكلاً مقدساً؛ فالسلطة  التي تحمل طابعاً مطلقاً، وأخص السلطتين؛ السياسية والدينية، تخفّض المواطن إلى تابع فتصبح حقوقه مِنن وهبات، كما أنّ اختفاء الوعي الضريبي ودوره في بناء المرافق العامة، يجعل من الضريبة أتاوى من دون أن يشعر الفرد أنّ ما اقتُطع من دخله، هو القيمة الفعلية للمرافق العامة، بالتالي فإنه يفقد إحساسه بملكيتها، لتندرج هذه المرافق المدفوعة الثمن من ضرائبه كهباتٍ تُغدق عليه.

ويؤكد سلوك الفرد العنفي تجاه هذه المرافق، عدم إحساسه بملكيتها وباغترابه عنها، فحدود ملكيته التي يجب المحافظة عليها، تنتهي بباب البيت الذي يسكنه، هذه الثقافة التي تتسم بالعنف، تخلق عدم توازن سيكولوجي، ينتهي بالفرد بالذهاب إلى أقصى اليمين، أو أقصى اليسار، تحت سماءٍ لا تتسع إلّا لوجهة نظرٍ واحدة، وعلى الجميع أن يرى العالم من خلالها. 

الأطفال الذين تعرضوا لأنماط التربية ما قبل الوطنية سيعيدون إنتاج المفاهيم الصورية للمواطنة

كان محقاً "أنطوان دي سانت أكزوبري" عندما قال: "الأرض ليست ما ورثناه عن أسلافنا، بل هي ما نقترضه من أطفالنا". إنه يضعنا على الطريق الصحيح بفهم حجم المديونية المترتبة علينا في أن نترك العالم أفضل مما وجدناه، وأن نضع ذلك نصب أعيننا، يعني أن نفكر بكثيرٍ من الحكمة بالسلوك الذي نسلكه تجاه بعضنا البعض، وتجاه العالم.

هذا السلوك هو فرصتنا الأخيرة في إنقاذ ما تبقى من إنسانية يبدو أنها تتهاوى على عتبات الألفية الجديدة، التي تنفتح على مستقبلٍ معتم، طالما لا نزال نتنازع على انتماءاتنا الضيقة وهوياتنا القاتلة ونشرّع لها في عالمنا.

الأقسام: