ما لا تعرفه عن سيرة المفكر الفلسطيني هشام شرابي

ما لا تعرفه عن سيرة المفكر الفلسطيني هشام شرابي

مشاهدة

24/10/2018

حفلت سيرة المفكر الفلسطيني هشام شرابي بالكثير من اللامتوقع؛ إذ تلقّى تعليمه بمدرسة الـ "فرندز" ذات الطابع الغربي في رام الله، غير أنه كان يهجس بهويته الفلسطينية خصوصاً والعربية عموماً، كما لم ينسَ هاجس القومية العربية الذي دفعه للانخراط في الحزب السوري القومي الاجتماعي في غمرة تلقّيه التعليم على مقاعد "إنترناشونال كوليدج" والجامعة الأمريكية في بيروت، وحتى حين يمّم وجهه شطر أمريكا كان لا يفكر بشيء بقدر القضية الفلسطينية والهوية العربية والأنظمة الأبوية في العالم الثالث.

كان شرابي يدرك أنه يستمد القبول الأول من سلطته الأكاديمية كما حال إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد وآخرين

لم ينفصل شرابي عن محيطه العربي، ليس على صعيد الفكر فحسب؛ بل حتى على صعيد مكان الإقامة؛ إذ حاول مراراً الاستقرار في العالم العربي، لكنه لم يكن يلبث أن يرحل من جديد لظروف يرتبط جلّها بالحروب، وتحديداً بيروت التي اختارها المستقرّ الأخير له قبل وفاته بمرض السرطان في العام 2005. هذا الارتباط الوجداني لدى شرابي كان ظاهراً إلى حد كبير. في شجن الرجل البادي على ملامحه وفي لغته التي يستخدمها؛ إذ كثيراً ما تحضر المتلازمات اللفظية التي ترمز للحنين في ذروة كتابته البحثية أو الفكرية الحازمة، عدا عن كونه لم يختبئ كثيراً في المنفى، بل كان يدفعه الحنين للإطلال بين الفينة والأخرى على البلاد العربية.

لم ينفصل شرابي عن محيطه العربي

لم يكن حبيس تلك القوالب المرهفة

لكن شرابي لم يكن حبيس تلك القوالب المرهفة التي يشي بها كل شيء يتعلق به، بل لطالما تمرّد على هذا وقفز فوق المسلّم به كلّه، وعلى رأسه، اللغة وفكرة الأوطان والأنظمة السياسية والقوالب الفكرية وما إلى ذلك؛ إذ بقدر ما كانت اللغة العربية واللهجة الفلسطينية المحكية جليلة لدى شرابي، بقدر ما كان يدعو بإصرار لتعلم لغة أجنبية والمران على البوح من خلالها وترتيب الأفكار، بل والترافع بها عن الحقوق المنقوصة.

اقرأ أيضاً: كمال عدوان: حكاية حب انتهت بالاغتيال

وبقدر ما كان شرابي يفرّ من وحشة المنافي وبردها، كان يقرّ بأهميتها ويحرص كل الحرص على إيجاد موطئ قدم عربي عموماً وفلسطيني خصوصاً فيها، فكان مركز الدراسات العربية المعاصرة ومركز التحليلات السياسية حول فلسطين وصندوق القدس. وبالقدر الذي قدّس فيه الأوطان العربية وشرّحها بمبضع جرّاح، فإنه كان ينتقد بضراوة أنظمتها الأبوية، بدءاً من الفكر، مروراً بالأسرة والمعتقد الديني، وليس انتهاءً بالأنظمة الحاكمة.

خصوصية ابن الطبقة الوسطى

وكان لشرابي خصوصيته على صعيد اجتماعي فلسطيني؛ ذلك أنّ الطبقة البرجوازية في مجتمع ما قبل النكبة كانت هي المتصدّرة حتى وقت طويل، غير أنّ ظهور ابن الطبقة الوسطى الذي تلقّى تعليماً رفيعاً وصقل موهبته اللغوية والفكرية والسياسية، كان على درجة عالية من الرمزية وبداية تشكّل مشهد فلسطيني جديد بعد احتلال فلسطين، وتحديداً بين مفكّري المهجر الذين كانت تهيمن عليهم أسماء العائلات التي لعبت دوراً كبيراً في التاريخ الفلسطيني ما قبل احتلال البلاد. لذا، كان لشرابي، القادم من طبقة غير تلك البرجوازية، أهميته القصوى.

لم ينفصل شرابي عن محيطه العربي، ليس على صعيد الفكر فحسب، بل حتى في الشجن البادي على ملامحه

وكان الرجل يحترف أيّما احتراف الخطاب الإعلامي والفكري الموجّه للغرب، وبدا في هذا يباري إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد، مع لمسة واضحة من الشجن، الذي كان يظهر لديه أكثر من سعيد، الذي تكفي إطلالة على سيرته الشخصية التي كتبها في "خارج المكان" لإشعار القارئ بكثير من الجمود حيال الأمكنة، والحديث بلسان غربي بحت قد يجعل القارئ العربي يشعر بشيء من الغربة وهو يطالع التفاصيل، في وقت ما كان شرابي يشعر قارئه بهذا، بل كان يكاشفه بكل شيء: الحنين والانتقاد ولحظات الضعف وحتى الطروحات السياسية التي قد لا تروق للمتلقي العربي كثيراً، وتحديداً في الزمن الذي كُتِبت فيه تلك الكتب، كحلّ الدولتين.

اقرأ أيضاً: هل كان إدوارد سعيد محقّا في هجومهِ على ياسر عرفات؟

لعل السؤالين اللذين سرعان ما يقفزان لذهن من يتأمل تجربة شرابي وأبو لغد وسعيد (إذ يصعب فصل الطروحات الثلاثة عن بعضها بالمجمل، كخطاب فلسطيني عربي موجّه للغرب فيه تفكيك للهوية والموروث والجدليات الثقافية والسياسية، مع تركيز جمّ على القضية الفلسطينية) هما: لماذا لم تُفد منظمة التحرير الفلسطينية من هذه الكفاءات، بل كانت تتعمد في مرات "تطفيش" هذه النخب حين تحاول الاقتراب؟ ولماذا لم يصَر للاستفادة على الأقل، من آليات الخطاب الموجّه للغرب، الذي احترفه الثلاثة تحديداً، بدلاً من التخبط والظهور بسويّة متواضعة عند الترافع عن الحق الفلسطيني في المحافل الدولية؟

خشية رأس الهرم في القيادة الفلسطينية

يفتح السؤالان الآنفان حديثاً ذا شجون، عبّرت عنه الدكتورة حنان عشراوي حين قالت لطالما خشيَ رأس الهرم في القيادة الفلسطينية من استحداث الغرب صوتاً بديلاً له. وبذا، لم يكن يُسمَح لأي شخصية محسوبة على التكنوقراط والتيار المثقف والذي يتواصل مع الغرب بلغة واثقة وتكنيك عالٍ أن تأخذ حجمها الحقيقي ودورها المفترَض.

عشراوي: لطالما خشيَ رأس الهرم في القيادة الفلسطينية من استحداث الغرب صوتاً بديلاً له

ولعل أكثر ما يستوقف المتأمل للخطاب الفلسطيني في المحافل الدولية ذلك الخطاب "المهلهل" الذي تقدّمت به فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الفائت. ترى لو كان شرابي ما يزال على قيد الحياة، وطُلِبَ منه وضع خطوط عريضة على الأقل، هل كان سيظهر الخطاب حينها بهذه النبرة الانهزامية والصورة التي لا تبرح مربع الضحية؟

ملامح خطاب هشام شرابي

ما سبق، يستدعي التدقيق في خطاب شرابي الذي يستحق إفراد مطبوعات قائمة بذاتها للحديث عنه، لا سيّما في فترة تردّي الخطاب الفلسطيني الموجّه للغرب مؤخراً.

في ما يلي أهم الملامح التي يمكن رصدها في خطاب شرابي، عبر أعوام مسيرته الأكاديمية والفكرية، وسطوع نجمه في الإعلام الغربي:

♦ كان شرابي مدركاً أنّ الخطاب هو محرّك التغيير وعربته؛ لعظيم أثره في التحولات السياسية والاجتماعية ولتحريضه الانتقالات الثورية في النظم المعرفية والسلوكية والعقائدية، وكان يعلم أنّ الخطاب كثيراً ما يستعير براغماتية السلطة ومكرها، فيفرز تناقضات صارخة. لأجل ذلك كان شرابي متيقظاً لتسخير السلطات للمثقفين والمفكرين لترويج خطابها من خلال استعمال أدواتها وبما يخدم مصالحها ويرفد وجودها وهيمنتها.

اقرأ أيضاً: مصطفى البرغوثي.. طبيب واجه أمراض الاحتلال المزمنة بمقاومة سلمية

♦ كان شرابي يعتمد طريقة ذكية وبارعة لخلق انطباع إيجابي مبدئي حول الفكرة؛ إذ من الأخطاء الفادحة التي كان يتحاشاها في هذا السياق: طرح أفكار تتصادم بشكل مباشر مع ما تأخذه تلك الثقافة (الغربية في حالته) على أنه مسلّمات؛ لأنها تكون حينها الطريقة الأسهل لحصد الكراهية، سلفاً وبالمجّان، لكنه في الوقت ذاته ما كان يعبث بجوهر الخطاب أو يتنازل عن بديهياته، وإنما يعمل على التهيئة له في بيئة غريبة عنه.

♦ كان شرابي يدرك أنه يستمد القبول الأول من سلطته الأكاديمية وموقعه المهني، وهو ما ينسحب على إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد وآخرين. لذا، كان يراعي حساسيات الجمهور المستهدف حين يطرح عليه فكره المغاير، مستشرفاً إجابته وردة فعله، فيجعل البداية للفكرة المقبولة لديه، ومن ثم للفكرة الجديدة.

اقرأ أيضاً: أحمد بهاء الدين: ذاكرة مصر المنسية

♦ كان شرابي يرفض الحالات المتّسمة بالانتهازية والتلوّن، أي حين يتم الانتقال من أقصى التطرف الذي يسمُ الحديث الموجّه للجمهور العربي، إلى أقصى المرونة عند الحديث للجمهور الغربي. كان متوازناً ويراعي ويحسب جيداً ألا تتناقض صورته بين الطرفين، على الرغم من أنّ الأعوام الذهبية لحضوره الأكاديمي والإعلامي لم تكن تشهد بعد هذه الثورة العارمة في وسائل التواصل الاجتماعي، أي لم يكن العالم آنذاك قرية كونية صغيرة، وبرغم هذا كان حذراً وشديد الحساسية من الظهور بطابع متلوّن.

الصفحة الرئيسية